الفصل 41 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي وأربعون 41 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
12
كلمة
9,853
وقت القراءة
50 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

الفصل السابع عشر

قال وليد وملامحه تزداد قتامة ورعبا

((إذن سأفعل ما قد يقتضي عليك عدة بل ويصعب حصولك على هذا الطلاق يا كحيلة العينين))

تصاعدت خفقات قلبها بخوف عنيف وتسارعت أنفاسها رغمًا عنها وهي تحاول خنق الخوف منه ومما قد يفعله في هذه اللحظة خاصة وقد تزاحمت الأفكار العشوائية في عقلها.. وبينما يمد كفه لشعرها يجر خصله الى فمه بعنف يقبله وهو يهمس بثمالة العشق

((الليلة أنتِ حقي، سيحدث الآن ما كان يجب أن يحدث قبل سنوات))

بدت شيرين منفعلة وسط الجنون الذي يحدث من حولها فدفعته بقوة جعلته يتراجع عنها للخلف عدة خطوات..

تفاجئ وليد من ردة فعلها.. لكن سرعان ما عادت القسوة تغزوه.. عليه أن يكسرها.. عليها أن تدرك بأنه ليس هو من يُقال له "لا".. لقد مضى عهد الحب والحنان الذي كان بينهما قبل سنوات.. وشيرين بعد كل هذا لم تعد نفس الفتاة الناعمة التي أحبها في الماضي بل أضحت فرسا جامحة ولزام عليه أن يجيد تركيب اللجام من حولها لترويضها! فألقى نظرة سريعة بضراوة نفضتها من مكانها قائلا

((هل تريدين مني أن ألجأ للعنف؟))

تحدته باستهانة

((لن تقدر حتى لو أردت، انصرف فأنا أريد ارتداء ملابسي ومغادرة المكان))

رد بأنفاس متسارعة كأنه يخوض حربًا ويده المرتجفة من الغضب تبحث عن أزرار قميصه البيتي ليحلها

((ليس قبل أن أخذ حقي من امرأتي، زوجتي))

نزع قميصه القطني أمام ناظريها ورماه على الأرض وعينيه تحومان حول تفاصيلها.. فحاولت ازدراد ريقها لكن عبثا أن تجد ما ترطب به جوفها وقد جف حلقها من ذلك التهديد الرهيب الذي يسكن حدقتيه ونبرة صوته التي لم تسمعها قط تعبر من بين شفتيه

((لا تجبريني على شيء أمقته لأمنعك من المغادرة))

تصادمت النظرات أحدهما مرتعبة.. متسائلة عما إذا كان سينفذ تهديده.. والأخرى متوعدة.. حارقة.. لا يرتجي من وراءها خيرا إذا ظلت على عنادها..

صرخت بأعلى صوتها وهي تهرول نحو الباب المغلق تحاول فتحه.. فأحبط محاولتها وهو يكبلها ويحملها بينما تسبه بأفظع الشتائم..

ألقاها بعنف فوق الفراش ثم وقف يلهث قبل أن يزمجر بغضب جنوني

((اصمتِ وتقبلي مصيرك معي، لا تجبريني على فعل ما هو أسوء، أنتِ تحبينني وتريديني كما أحبك وأريدك، يكفينا عنادًا وكبرياءً.. سأسامحك على تلك الغراميات مع نائل وزواجك من ابن عمي وأنتِ عليك مسامحتي على نزوتي مع تلك المتدربة التافهة وتركي لك في يوم زفافنا))

ارتدت شيرين للخلف وقد ولدت نظراته النارية رعب لا مثيل له داخلها لتتمتم

((لن أسامحك على ما اقترفته بحقي، وأنا لم أخطأ بحقك يوما حتى تمنّ عليّ بمسامحتك! سأغادر وأخلعك دون أن يرف لي جفن فقد خسرت حقك بي بالكذب عليّ وخداعي))

مد قبضته بعنف يضرب بها الحائط خلفها حتى استجارت مفاصل يده ليهتف بشراسة ملامحه المحتدة

((لا تحلمي أن تصبحي لأحد غيري بعد زواجنا هذا، لأني سأبطش بك وبمن تفكري به، فقد سبق وجربتي مع ابن عمي مُعاذ ورأيت كيف طلقك بكلمة مني!))

كادت نظراته ترديها أرضا وقد تسارعت أنفاسه أكثر وأكثر ورمى الغضب ظلاله الدموية على قسماته لتشق تلك البسمة المهددة شفتيه..

شعرت بأن ساقيها ستخذلانها في أي لحظة.. مع ذلك حاولت الهروب لكنه أحبط محاولتها مجددا وعلى وجهه تلوح نظرات شيطان قادم من أعماق الجحيم بينما يقول

((قلت لك لا تعانديني حتى أتعامل معك بلطف في أول ليلةٍ خاصةٍ بيننا!))

هتفت به بنفور وكره جارف يطل من مقلتيها

((ابتعد عني، سأخلعك دون أن أسمح لك بلمسي جزاء لك على خداعك لي بلا وجه حق))

استفزته مما جعله يتمكن من كلتا يديها ويثبتها بثقله ثم بدأ يحررها من المئزر الذي ترتديه بينما لا يجد منها إلا المقاومة الضارية..

خربشته.. عضته.. ركلته.. دون فائدة..

انفجرت بالبكاء وهي تتوسل له برجاء

((ابتعد يا وليد.. اتركني.. أرجوكَ..))

مقاومتها الرهيبة لإبعاده عنها كانت تعود عليها بمزيد من العنف منه.. بل كانت تزيد من جحيم غضبه.. فصفعها بقوة جعلت رأسها يلتف للجهة الأخرى وينزف خط دماء من أنفها.. رغم كل ذلك لم تهدأ ولم تستكين ولم يخفت صوت صراخها..

نفورها منه جراء قربه يفقده ما تبقى من عقله.. يفتت قلبه.. لم يتوقع ردة الفعل هذه منها إطلاقا!

سحب حزامه الجلدي وكبل معصميها معًا ثم لفه حول قائم عمود الفراش وأحكم قيدها فتوسلت له بصوتها الذي بُح

((أرجوك يا وليد توقف.. أتوسل لك..))

مال نحو أذنها هامسا من بين لهاثه الجنوني

((سأتوقف، لكن عليك أن تنسي تماما موضوع الطلاق، سنعيش أنا وأنتِ ونكمل حياتنا سويا سيسامح كلانا الآخر على الماضي))

هزت شيرين الباكية وجهها له بهستيريا

((حسنا، حسنا، لكن اتركني وابتعد عني أولا))

كادت أن تقطع أنفاسه المتسارعة بينما يقول بنبرة قوية

((تقبلي قربي الآن لتبرهني لي صدق موافقتك))

انتفضت هاتفة وانفعالاتها الهائجة تنفلت

((لا وألف لا، لن أسمح لك بالقرب مني، اتركني الليلة وسنتحدث في هذا الشأن لاحقا، لكن اتركني الآن))

كانت تريد اختلاق أي شيء لتبعده عنها لكن أن يصل الأمر بها بالمسايرة أن تستسلم له فلا يمكن!

ابتسم وليد فوق بشرتها ابتسامة وحشية وهمس

((لست أحمقا يا كحيلة العينين حتى تخدعيني! تريدين أن أتركك الليلة حتى اسمح لك بالفرار؟))

ثم أردف بضراوة وأنامله تمزق ما تبقى من ملابسها

((سلمي لي نفسك كزوجة محبة أو ستجبرينني أن أفعل اللازم حتى أضمن وجودك!))

شهقت وتعالى نشيجها لكنها هتفت وهي تهز رأسها برفض

((حتى لو فعلتها فلن تضمن بقائي معك أبدًا، أنت خدعتني وغدرت بي ومهما يحدث فلن أبقى معك أبدًا))

تشبثها بالرفض وكلماتها التي ترشقه كسهام نارية قاتلة أطلقت الرصاص على كل ذرة تعقل لديه تجاهها.. جعلته لا يفكر في هذه اللحظة إلا كيف يكبلها به.. كيف يروي رجولته العطشى لها منذ ما يزيد عن عقد خاصة وهو يرى الآن كل ما يتعلق بها يصرخ أنوثة..

جحيم غضبه سيطر عليه فلم يستطع التحكم به، فنالها بهمجية بلا ذرة رأفة أو رحمة لتندمج صرخة ألمها المشروخة بصيحة تعلن ذبحها..

بعد مرور دقائق ابتعد عنها وقد استطاع نيلها أخيرا..

فك قيدها فارتمت أرضًا تنفجر بالبكاء بصوتٍ كالشاة المذبوحة..

شعر بنياط قلبه هو جلادها يتقطع عليها..

دقيقة أخرى.. أو أكثر مرت وشفتاها فاغرتين ولسانه يهمهم بضياع.. والظلام المنتشر على نظراته المستقرة عليها يتلاشى.. ارتدى بنطاله القطني وقد دقت طبول وعيه على ذهنه المشوش بآثار العاطفة التي اكتسحته..

شعر بنفسه مبعثرا.. مشتتا.. شاحبا.. فمرر أصابعه بين خصلات شعره الناعم المشعث.. ثم رفع وجهه المتعرق والمصدوم إليها يسألها هامسا بتيه من بين أنفاسه اللاهثة

((هل.. هل كنتِ عذراء؟))

أغمضت شيرين جفنيها لوهلة حتى تسيطر على الألم الجسدي والنفسي الذي كان يجتاحها.. لم توارِ حتى عريها.. فقط أصابعها الممسكة بالغطاء الذي انتشلته تقلصت..

فتح وليد فمه ثم أغلقه بعجز قبل أن تلتهب مقلتيه كالجمر يسألها بخشونة دون أن تحيد نظراته المحتدة عنها كأنه يفرغ بها غضبه من نفسه

((لماذا لم تخبريني بأنك ما زلت بكرا؟))

مجددا لم يلقَ منها إجابة فاحتد صوته بنبرة مرعبة وهو يسألها من بين أنفاسه المتلاحقة

((أنا لن أسامحك على ما دفعتي بي لفعله بك))

هنا نأى بنظره جانبا ولم يعد يجرؤ أن يضع عينيه مباشرة في عينيها.. فأولاها ظهره كأنه يحاول تصفية ذهنه وألا يشهد على جريمته النكراء..

تقبضت يده حتى ابيضت مفاصله.. وظل يخبر نفسه كالمجنون أنها هي من جلبت الأمر لنفسها.. أنها تستحق كل ما فعله بها..

مرت دقيقة كاملة قبل أن تفتح شيرين عينيها تطلق ضحكة تبدو ظاهريا كضحكة.. لكن لجلادها الذي كان ينصت لها بقلبه كانت صرخة استنكار تستتر بأنين لا يلتقطه إلا صدى وجعها وألمه على ما فعله بها..

كلما ظنت بأنه لا يمكن أن يكون أسوء من ذلك يأتي ليفاجئها بما يخيب ظنها.. فغرت شفتيها تقول بخفوت ساخر أخيرا

((هل كنت لتمتلكني بطريقة أرحم لو كنت عرفت بعذريتي؟))

رمش وليد بأهدابه بصدمه ثم قال بعذاب وحرقة متجاهلا سخريتها وهو يعود لينظر لها

((بل لم أكن لأقدم على ما فعلته أساسا! لكن كيف.. أنا لا أفهم.. ألم تبقي متزوجة من مُعاذ ما يزيد عن شهر؟))

ارتسم شبح ابتسامة مريرة على وجهها وقالت

((إياك أن تأخذك غطرستك وغرورك الذكوري البحت لتفكر بأني من امتنعت عنه ويتشبع صدرك بالانتشاء لأن جسدي لم يمسه مخلوق قبله..))

اتسعت عيناه وهو على عدم فهمه لتردف باشمئزاز وبصوتٍ لا يحمل للحياة أثر

((أيها الأحمق أنا لم أتزوج مُعاذ من الأصل))

ردد وليد ما سمعه بذهول وعدم تصديق

((أنتِ لم تتزوجي مُعاذ من الأصل!))

هزت رأسها نافية ثم قالت بوهن

((كان هناك مشروع زواج لهذا حجز الفندق لنا لكنه لم يكتمل.. ما كنت لأتزوج من أحد دون أن أسجل الزواج بالمحكمة لأحفظ حقوقي))

كانت غافلة عن التباعد في عينيه وعضلات جسده المشدودة.. والجفاء الذي حكم صوته وهو يقول

((وما مصلحة مُعاذ في مجاراة كذبتك؟))

كان يقترب منها وقد عاد الغضب المستعر يظهر على ملامحه وهو يدرك بأنه كان أكثر حماقة منها وقد تم خداعه بهذا الشكل المخزي.. لا يصدق كيف انطلت عليه خدعتها السخيفة بهذه السهولة!

لكن بمجرد أن مرت دقائق أخرى عليه حتى مرر عينيه على جسدها ثم رفع الغطاء فوقها بيدين مرتجفتين..

لكن بمجرد أن لامس بشرتها حتى تصارعت خفقات قلبها تكاد تلقي حتفها لتتوسل بوهن وصوتها الباكي يخترق مسامعه ويؤلمه

((ابتعد أرجوكَ عني..))

احتقن قلبه بالمشاعر وتألقت عيناه بالندم وهو يعود ليتذكر جريمته خاصة وهي تلح عليه بتوسل

((أرجوكَ.. ابتعد عني..))

لكن في نفس الوقت كان يشعر بطوفان غضب شرس يكتسحه ويؤلمه.. ولا سبيل إلى تسكين هذا الألم المبرح وقد تسبب لها بهذه الأوجاع وفعل بها مالا يغتفر..

لكنها ستغفر له.. ورغما عنها.. لطالما كانت تغفر له مهما طال الوقت أو قصر.. صبّ جل اهتمامه في وقت خطبتهما بمتدربة في المكتب وغفرت له بمجرد أن ترك المتدربة عندما ملّ منها! تركها في نفس يوم زفافهما معرضًا سمعتها هي وعائلتها للخدش وغفرت له بمجرد أن عاد وتزوجها أمام أهل القرية الذين تركها أمامهم!

تزوج من جُمان التي كانت من اختيار والديه وأسكنها في البيت الذي اختارت هي أثاثه وتنسيقه بنفسها وغفرت له بمجرد أن طلقها!

فلماذا لن تغفر له هذه المرة أيضًا؟ هي فقط بحاجة للقليل من الوقت.. وإبداء الكثير من الندم.. ثم ستغفر له..

وضع وليد مزيدا من الأغطية عليها ليسمعها تقول بصوتٍ مرتجف واهن فاقد لآخر ذرة من القوة

((الآن وقد بت أرضًا منتهكة ووفيت وعدك بالانتقام مني فحررني منك، أخذت ما أردته بل وأكثر بعد أن عرفت بأن لا رجل سبقك إلى))

تنهد وهو يميل لوجهها ويلثمه فلا يجد منها إلا الصد والاشمئزاز.. ابتلع ريقه الجاف ثم قال بصوتٍ أبح

((وهل بقيت لسنوات أحفى خلفك وأذل من نفسي لأتزوج منك حتى أتركك بالنهاية! أبدًا لم أهتم بأول من امتلكك بقدر أن أكون أنا آخر رجل في حياتك كما ستكونين آخر امرأة في حياتي! ثم توقفي عن تلك النعوت التي تطلقينها على نفسك فأنا لا أسمح لأحد حتى أنتِ أن تتحدثي بهذا الشكل عنك))

تشدقت بلا حياة مستنكرة

((لا تسمح لي أن أتحدث بهذا الشكل عن نفسي لكن تسمح لنفسك بفعل كل ما فعلته!))

غصّت تغيم مقلتيها بدموع أخرى أبت تحريرها

((أعتقني وحررني يا وليد))

اضطربت حدقتي وليد بألم مبرح.. جارف.. مطل منهما..

هي من عليها أن تعتقه! فلا قلبه يكف عن حبها.. والآن جسده لن ينفك يطالبه عن الانصهار بجسدها مجددا..

همس بصوتٍ خافت يكاد يكون مسموعا

((ستغفرين وستنسين كل شيء فعلته وسنكمل حياتنا سويا بسعادة.. لقد ندمت على تركي إياك قبل ما يزيد عن عقد بعد أن فشلت في نسيانك بجُمان، وبعد أن عجزت عن انتزاع حبك من قلبي لذلك لن أتركك.. ليس مجددا))

رفعت شيرين عينيها تتأمله بملامح منقبضة من شدة الوجع وهو يغادر الغرفة بعد أن أغلق الإضاءة عليها..

ثم أطرقت بوجهها وهي تنكمش على نفسها بارتباك وخوف من مستقبل مجهول ينتظرها معه.. لكن لا.. يكفي سلبية.. ذل.. وهن.. ضعف..

والد سهر لم يكن إلا ذريعة لها لتعود له! نعم هي عادت لوليد بكامل إرادتها متحججة بوالد سهر لشح الفرص أمامها وخوفا أن يمضي العمر بها دون أن تجد رجلا يناسبها فانتهى الأمر بها منتهكة من قبله..

هي من تهاونت بنفسها ورمت بها بيديها في الهاوية..

حتى سهر استشفت هذا الأمر منها وهذا ما جعلها لا تعترض على اختيارها.. لكن ومن هذه الليلة سيتغير كل شيء..

ستحتاج لوقت قصير تلعق فيه جراحها قبل أن تستعيد قوتها.. بعيدا عن هذا المسخ المهووس بها باسم الحب..

الآن أدركت حقيقة أن ليلة واحدة فقط هي أكثر من قادرة على صُنع إنسانة أخرى لا تُشبه التي قبلها!

=============================

في غرفة المعيشة..

كان مُؤيد جالسا على الأريكة بجانب رتيل عندما تغضن جبينه فجأة وهو ينتبه لدارين ابنة أخيه ترتدي ملابسا للخروج وتخطو نحو الباب فأستوقفها متسائلا

((إلى أين ستغادرين يا دارين هكذا بلا سلام أو كلام؟))

أجابته دارين بهدوء وبساطة

((سأذهب مع عمي مُصعب، إنه ينتظرني في الخارج))

عقد مُؤيد حاجبيه وسألها بفضول

((ستذهبين مع عمك مُصعب؟ لكن إلى أين؟))

هزت دارين كتفيها مجيبة

((إلى بيت صديقتي!))

استقام مُؤيد فجأة من مكانه ثم تساءل بصوتٍ غاضب

((وهذه الصديقة ألا ينفع أن تأتي هي عندك!))

انكمشت ملامح دارين لكنها حافظت على رباطة جأشها

((هي تأتي بالفعل عندنا وتزورني أكثر مما أزورها))

قال مُؤيد لها ساخطا بصوته الجهوري

((تزورينها؟ كيف تذهبين لزيارة صديقاتك دون أن تخبريني!))

زمّت دارين شفتيها بطفوليه وقالت بحنق

((عمي أنتَ تعيش في المدينة ولا تزورنا هنا إلا عدة أيام كل أسبوعين، بالتأكيد لن أخبرك بكل شيء أفعله))

تجلت الصدمة على وجه مُؤيد ثم تطلع لزوجته يستنكر

((انظري يا رتيل لها كيف تتحدث معي بهذه الجرأة!))

تنحنحت رتيل ثم اتخذت صف مُؤيد حتى لا يصب غضبه عليها وقالت لدارين رادعة

((عيب يا دارين أن تتحدثي مع عمك هكذا، إنه عمك مُؤيد الذي تحبينه أكثر من والدك وينزهك كلما جاء هنا أكثر من أولاده))

تقارب حاجبي دارين بعبوس لمغزى كلمات زوجة عمها وقالت

((نعم أحبك يا عمي أكثر من أبي ولكن هذا لا يعني أن أدخلك بخصوصياتي أو اسمح لك أن تتحكم بي))

فغر مُؤيد شفتيه وكاد يشهق من وقاحة ابنة أخيه معه! تشتت نظره للحظات ثم صرخ بأعلى صوته وهو يقترب من الباب المفتوح للخارج

((مُصعب، مُصعب.. تعال حالا إلى هنا))

اقترب مُصعب منه وقال بحنق وانزعاج

((لماذا تصرخ يا مُؤيد؟ وأنتِ يا دارين لماذا لم تأتي الآن؟ لقد وضعت حقيبتك الكبيرة بالسيارة))

لف الاستهجان مُؤيد متسائلا

((أي حقيبة كبيرة؟))

ناظر مُصعب أخيه وأجاب بهدوء أثار استفزازه

((تريد أن تبيت عند صديقتها وطلبت أمي أن أوصلها، فسبقتها وحملت حقيبتها داخل السيارة))

جحظت عينا مُؤيد بشدة ثم صرخ مستنكرا بصوتٍ يستعر غضبا

((نوم عند صديقتها! ما هذا الهراء الذي تتفوه به! ومنذ متى ونسمح لبنات عائلتنا بالنوم عند صديقاتهن!))

استاءت ملامح مُصعب وردّ

((وما دخلي أنا! أمي طلبت أن أوصلها فهل أقول "لا" لأمي!))

تميز مُؤيد غضبا وهو يرى مُصعب يتحدث معه ببرود وكأنه لا مشكله فيما يفعله! فتهجم عليه وهو يمسك مقدمة قميصه، ثم قصف به بصوته الغاضب

((نعم قل "لا" لها، فكيف ستأمن لنوم دارين عند صديقتها ونأمن للذئاب البشرية من نهش عفتها وعفافها! اذهب وأحضر حقيبتها وأنا سأتحدث مع أمي كيف تسمح لمراهقة صغيرة مثلها بالنوم في الخارج!))

دفع مُصعب كفي أخيه عنه بشيء من العدوانية وأعاد هندمة قميصه ثم قال بفتور لدارين المتجهمة

((دارين حبيبتي أنا ليس عندي متسع للوقت للنقاش مع ثور مثله، اذهبي واشكيه لجدتك وإذا أقنعته فدعيه هو من يوصلك لبيت صديقتك، لأن لدي موعد مهم جدًّا لا يحتمل التأخير أكثر))

توجه مُصعب نحو سيارته، يخرج الحقيبة ويضعها أرضا قبل أن يغادر المكان مما جعل مُؤيد يأمر دارين صارخا باحتدام

((خذي حقيبتك واغربي حالا من وجهي وإياك ثم إياك أن تلمحي ولو مجرد تلميح لزيارة لأحد))

اتسعت مقلتي دارين بدهشة ممزوجة بالحرقة وشعرت بالعبرات تخزهما.. ضربت بقدمها الأرض بغضب مصدره شعورها بالاضطهاد.. ثم استدارت بكليتها لتهرول منصرفة.. فتطلع مُؤيد لاهثا لزوجته

((فلتحمد الله ابنة أخي يا رتيل أني عرفت بخروجها ومنعتها قبل أن تغادر فعلا))

ازدردت رتيل ريقها بصعوبة.. وخشيت أن تخبره أن دارين حقا سبق ونامت عند صديقتها عدة مرات متفرقة بالأوقات التي يكون فيها في المدينة.. ولكن ما عليها أن تخشى منه حقا أن يعرف بما تفعله من وراء ظهره!

التقط مُؤيد نفسا عميقا ثم خطا نحو الأريكة وتمدد عليها.. لكن تفاجأ بعد دقائق بعودة دارين ثم وقوفها عنده قبل أن تمد يدها وتناوله هاتفها ليتحدث مع أحد ما..

رفع مُؤيد حاجبه الأيمن وتساءل بخشونة

((من هذا يا دارين؟))

مر شبح ابتسامة متشمتة على وجهها وأجابته بنعومة خبيثة

((أبي يريد التحدث معك))

أصدر مُؤيد صوتا ساخرا حانقا قبل أن يسحب الهاتف منها بغلاظة ويضعه على أذنه فيأتيه صوت أخيه الغاضب

((أولا يا مُؤيد ليس لأحد الحق بالتحكم في خروج أو دخول ابنتي إلا أنا، ثانيا بما أن السائق ليس هنا فقم الآن كرجل محترم وأوصل ابنتي لبيت صديقتها))

تدلى فك مُؤيد بصدمة حتى كاد أن يرتمي أرضا مما يسمعه! ثم قال بصوتٍ باهت

((مُعاذ هل أنتَ مجنون! منذ متى ونحن نسمح للفتيات أيا كان سنهن في عائلتنا بالنوم خارج البيت!))

قال مُعاذ ببرود

((مُؤيد أنا أعرف والد صديقتها معرفة شخصية وهو يقضي معظم الأسبوع خارج البيت وليس عندهم إلا ابنتين صديقات لدارين وزوجته معروفة بطيب أخلاقها وسيرتها الحسنة، فاذهب لإيصال ابنتي وأغلق فمك الكبير هذا))

اتسعت عينا مُؤيد حتى كادتا أن تخرجا من محجريهما وتطلع لرتيل التي تهربت من نظراته ثم قال بصوتٍ يزداد بهوتا

((هل تقصد أنها سبق ونامت في الخارج لعدد من المرات قبلا؟ هل جننت يا أخي؟ ألا تسمع بالمصائب التي تحدث جراء امتلاك الفتاة عائلة مهملة تسمح لها بالنوم عند القريب والغريب؟ هل نحن بآخر الزمان؟))

هتف مُعاذ به باستياء

((مُؤيد اشغل نفسك بأولادك ولا تتدخل بابنتي))

ضرب مُؤيد بقبضته القوية فوق الطاولة أمامه وصرخ قائلا

((لو وضعت سيف على رأسي ما قبلت أن أخرج ابنتك أو أسمح لأحد غيري أن يخرجها))

تحدث مُعاذ بخشونة

((تتحداني وتدخل بيني وبين ابنتي! حسنًا، سأتصل بمَالك وأطلب منه أن يوصلها هو))

أغلق مُعاذ الخط على أخيه تاركا الصدمة والتعجب تلفانه أما دارين فبرقت عيناها ببريق المنتصرين ومدت يدها تنتشل هاتفها من متناول يد مُؤيد قبل أن يفرغ غضبه به ويكسره فلديه الكثير من السوابق في كسر الهواتف!

وقبل أن تستدير قالت بطفولية له

((فجأة لم تعد عمي المفضل، ولن ألوم زوجة عمي أو أكرهها على ما تفعله بك))

لم يهتم أحد من رتيل أو مُؤيد بمقصد دارين.. لكن بمجرد أن خرج مُؤيد من صدمته بأخيه حتى ضرب الطاولة بقدمه صارخا

((أخي ذاك الأحمق! إنه مجنون))

انتفضت رتيل واقفة من مكانها تطالع النثريات التي كانت فوق الطاولة وأصبحت الآن أشلاء لتمسك يديّ زوجها هاتفة ((لا تفرغ غضبك بهم))

لكن مُؤيد انفلت رباط أعصابه وهو يهتف بزوجته مستنكرا تفكير أخيه

((الغبي يسمح لابنته الصغيرة الغير واعية بالنوم عند أناس غرباء! أذكر مرة بصغرها كانت تريد النوم عند خالها فرفضت بصرامة ومشت كلمتي أنا، فكيف الآن وقد أصبحت صبية كبيرة وفريسة للذئاب الجائعة أن أسمح لها بالنوم وحيدة عند عائلة غريبة عنا!))

نفض ذراعي زوجته عنه وهو يكمل مستنكرا

((أنتِ نفسك يا رتيل بالكاد أسمح لك بالنوم ببيت أمك، ألا تذكرين عندما أخبرتني في إحدى المرات بأن هناك مناسبة عند بيت عمتك القابع بجانب بيتكم وتريدين النوم عندهم مع أمك ومع ذلك رفضت باستماته!))

زمّت رتيل شفتيها ثم قالت حانقة

((نعم أذكر ذاك اليوم جيدا، وقتها أمي مع باقي العائلة باتوا عندها باستثنائي أنا الوحيدة))

أشار مُؤيد بيده يقول مؤكدا

((نعم لأن هذا هو التصرف الصحيح، ولو يصح لي لم أكن لأقبل لك أن تنامي عند أمك من الأساس.. أنا الآن أشعر بالغضب إلى الحد الذي أريد أن أذهب لابنة أخي وأكسر رأسها قبل أن أسمح لها أن تذهب عند صديقتها!))

مسح مُؤيد صفيحة وجهه يهدئ من أعصابه المنفلتة فرفعت رتيل يدها تطبطب فوق ظهره مهدئة

((هدئ من نفسك يا حبيبي، أخوك مُعاذ مخطئ بتربيتها لكن لا تتلف أعصابك بسببه))

كانت رتيل تحاول أن تأخذ صفه بالكلام وتدعم تفكيره مرغمة حتى لا يشك بها هي الأخرى..

يكسر خاطرها هذا القرار العفوي ولكن عليها حقا التوقف عن الذهاب لغنوة مؤقتا لأن مُؤيد لو اكتشف ما تقوم به من خلف ظهره فلن يبقِ منها عظمة سليمة!

=============================

كان يعقوب جالسا في المجلس وحيدا.. يظهر الضيق عليه وهو ينتظر إجابة الشخص الذي يتصل به.. والذي جاء صوته متوجسا ما إن فُتح الخط

((أبي؟ هذا أنتَ؟ لماذا تتصل؟ هل حصل شيء؟))

تنهد يعقوب وهو يرفع الهاتف إلى أذنه ثم سأله بجفاء

((ما بك مفزوع بهذا الشكل لمجرد تلقي اتصال مني؟ هل فعلت أي شيء يستدعي القلق يا مَازن؟))

خرجت ضحكة خافتة مستهترة من الآخر وهو يقول متهكما

((لا.. لكن أنا اعتدت منك طوال سنوات غربتي ألا تتصل بي إلا عند حدوث كوارث))

عبست ملامح يعقوب فجأة ودمه يغلي ليبدأ بتوبيخ ابنه بطريقته الصارمة

((لا تتواصل مع زوجتك وابنتك ولم أتدخل لأن هذا هو مطلب الطرفين.. لكن لماذا لا تتحدث أيها العاق مع أمك ولا ترد على اتصالاتها؟))

اختلطت نبرة مَازن بجفاء وتمرد وهو يقول

((حر يا أبي حر.. أرد على من أريد وأتجاهل من أريد))

هتف به يعقوب باستياء

((هذه أمك أيها العاق))

ابتسم مَازن بقسوةٍ ساخرة وهو يرد متمردا

((أنا أتجاهل اتصالاتها لمصلحتها، بما أنك لن تسمح لي بالعودة للوطن لا الآن ولا في المستقبل القريب، فعليها أن تعتاد على تلاشيّ من حياتها تدريجيا، بدءً من تجاهل اتصالها مرة وراء مرة حتى ينقطع صوتي عنها وتنسى ملامح وجهي))

شحب وجه يعقوب قليلا من وقع حديث ابنه القاسي على قلبه قبل أحد آخر.. فهو في النهاية يبقى والده..

أغمض عينيه للحظة محاولًا التغلب على الرفض المقبض بداخله ثم أخذ نفسًا عميقًا وهمس يؤنبه ((مَازن))

قال مَازن ساخرا يواري الألم في داخله

((لا أعرف أحدا يدعى مَازن.. اسمي هو العاق.. أنسيت؟ وسأظل هكذا طوال الفترة التي تحكم لي بها أن أبقى في هذا المنفى))

قال يعقوب بما تبقى فيه من قدرة على ادعاء الحزم

((ولماذا تريد العودة؟))

أجابه مَازن منفعلا وقد نجح والده بإبعاد واجهته الباردة والمثيرة للاستفزاز

((لأني ببساطة أعاني من الوحدة وافتقاد الأنس))

أطرق الحاج برأسه ثم قال أخيرًا ببساطة لا تناسب الموقف

((لقد حاولت معها أن تذهب عندك لكنها ترفض وأنا لا أريد إجبارها أو الضغط عليها أكثر))

تشدق متهكما بسخريته السوداء المألوفة

((أبي بكل صراحة لا تهمني مسألة قدومها هي بالذات، فالأمر ليس وكأنني هائم بلوح الثلج تلك، أنا فقط بحاجة لأنيس يا أبي، فأنا لم أنجح هنا بتكوين صداقات عميقة))

أجابه يعقوب بعملية وتحفظ

((إذن يمكنك الزواج إذا أردت..))

لم يجد أي رد منه في البداية وران الصمت بينهما لا يسمع إلا صوت أنفاسه الثائرة.. حتى قال أخيرا بثبات انفعالي

((أحيانا أشعر أنك والدها هي لا أنا.. لا تلمني بتصرفاتي وأقوالي.. ألست أنتَ من اخترت الوقوف إلى جانب زوجة ابنك وكأنها هي من صلبك لا أنا؟ ألست أنتَ من طلبت منى السفر وفضلت راحتها عليّ حتى لو ترتب على غربتي هذا الشقاء؟))

انفلتت أعصاب يعقوب هنا وهو يهتف به باحتدام

((أيها الأخرق ألست أنتَ من وافقت على اقتراحي للسفر بكل حماس وعنفوان؟))

ردد مازن باستهانة

((نعم والان تراجعت، وأريد العودة ولكنك ترفض!))

عقب يعقوب بتلقائية

((نعم سأرفض، ولن أفرط بالراحة التي أعيشها هنا بعيدا عن رعونتك ونتائج أفعالك المخزية التي لا تتوقف))

=============================

في بيت والدة نجلاء..

جلست زاهية في غرفة الضيافة بعد أن رحبوا بها للداخل وبجانبها رتيل التي جاءت معها دون أن تعرف سر الزيارة لتقول بهدوء ظاهري

((زيارتي اليوم لا يعلم سببها أحد من أفراد عائلتي، فأنا جئت يا نجلاء أسألك في موضوع شخصي، وأريد ردك الفوري قبل أن نقوم به على حسب الأصول))

تراجعت نجلاء في مكانها على الأريكة ولم تشِ ملامح وجهها عن أية تعابير وهي ترد

((ادخلي في أي موضوع تريدينه يا خالة أم مُعاذ، كلي آذان صاغية))

أخذت زاهية نفسًا عميقًا وتجرعت من فنجان قهوتها لتستجمع بعض شجاعتها ثم هدرت بشكل مباشر

((هل تقبلين يا نجلاء الزواج من ابني مَالك؟))

اتسعت عينا نجلاء وظلت للحظات طويلة تنظر إلى التي تجلس أمامها بلا فهم قبل أن تقول بصوت مبحوح متفاجئ

((تقصدين مُصعب؟ ولكنه متزوج!))

عقدت زاهية حاجيها لتوضح

((لا ليس مُصعب، إنه سعيد بحياته وأنا سعيدة لأجله.. أنا أتحدث عن مَالك))

التمعت عينا نجلاء بقوة وهي تصرح بوضوح شديد

((لكني أريد مُصعب لا مَالك))

انزعجت ملامح زاهية فابتلعت نجلاء ريقها بصعوبة وأخفت ارتجاف أصابعها حول فنجان قهوتها وهي تهمس بألم دون تردد

((هل تظنيني يا خالة أم مُعاذ لعبة بين يديك، مرة تطلبين يدي لمُصعب والمرة الأخرى لمَالك؟ إذا رفضت مَالك فهل ستعرضين عليّ ابن ثالث لك؟))

وضعت نجلاء فنجان قهوتها على المنضدة بعنف واقفة ثم غادرت المكان بذقن مرفوع دون أن تتفوه بكلمة أخرى..

تعجبت زاهية من عدم احترامها لها في حين قالت والدة نجلاء بامتعاض

((يا حاجة زاهية ابنتي محقة بكلامها، ثم إن والدها رافض أن تتزوج قبل أن تنهي دراستها ولذلك رفض زواجها من مُصعب ولن يغير رأيه عندما تعرضين الزواج عليها من ابن آخر لك))

عقبت زاهية بصراحة دون مجاملات

((كلنا نعرف يا أم نجلاء أن دراستها ما هي إلا حجة اتخذها زوجك ليداري الحرج عن مُصعب أمامي أنا والحاج يعقوب بعد أن استشعر رفضه للزواج من نجلاء))

نظرت أم نجلاء إليها بتعجب لتهمس بحنق وقد حانت نظرة منها تجاه رتيل

((ما الداعي لهذا الكلام يا زاهية!))

قالت زاهية ((المهم.. وعلى ضمانتي الشخصية فمَالك أفضل لها من مُصعب بدرجات))

بدأت والدة نجلاء ترتشف من فنجان قهوتها والأفكار العشوائية تتزاحم بعقلها قبل أن تردد

((إنه يعمل معلم وإداري في مدرسة القرية الثانوية رغم صغر سنه، صحيح؟))

ابتسمت زاهية باستدراك وهي تجيب

((نعم، صحيح، كلهم أولادي وأحبهم لكن شهادة حق فمَالك أفضل من مُصعب من كل النواحي، لا أدري ماذا أعدد لك مميزات فيه أكثر، ولكن ربما يكون سبب رفض مُصعب الحاسم لنجلاء في الماضي لأن نصيبها كان مقدرا أن يكون مع مَالك))

هزت والدة نجلاء رأسها وشردت بعينيها تفكر وهي تقول

((مع أني ووالدها نريد حقا أن تتزوج بعد انتهائها من الجامعة، لكن أعدك أن نفكر في الموضوع))

قالت زاهية بجدية وهي تربت على كتف رتيل تعلمها بأنه قد حان وقت المغادرة

((فكري بسرعة فلا وقت لدينا))

.

.

بمجرد أن وصل السائق واستقلتا السيارة التفتت رتيل بانزعاج لحماتها وقد التزمت الصمت تماما أثناء الزيارة

((عمتي كيف تخطبين لابنك فتاة هائمة من أعلاها لأسفلها بأخيه؟))

أغمضت زاهية عينيها بخيبة أمل لم تستطع إخفاءها من نفسها وهي تجيب

((لقد فقدت آخر ذرات عقلي بسب ما يريد مَالك الإقدام عليه، ثم إن البحث عن عروس مناسبة له بحاجة لوقت قد يطول لأسابيع وأشهر، ولا أعرف فتاة مناسبة له غير نجلاء))

لم تعقب رتيل ونظرها يحوم في الخارج عبر الزجاج الشفاف لنافذة السيارة قبل أن تسمع حماتها تسترسل كلامها

((أعرف يا رتيل بأني بدأت أجن مع كبر سني، لكني لست راضية عن زواجه من تلك البستانية، والله لست راضية، ليس فارق واحد بينهما بل فوارق، وفوقها فهي مطلقة مرتين وعندها صبي صغير))

نظرت رتيل لها باستغراب وتساءلت

((لكن مَالك قال بأنك موافقة أنتِ ووالده على زواجه منها!))

تمتمت زاهية بامتعاض بالغ

((وافقت لأنه ضغط عليّ هو والحاج، لكن بعيدا عن ابتزازه العاطفي فلا أستطيع بلع أو تقبل زواجه منها))

.

.

في حديقة المنزل..

حيث كان يجلس الحاج برفقة ابنه مَالك يتحدث معه بتفاصيل زواجه تفاجئ بوقع خطوات زوجته نحوه فالتفت لها متسائلا

((عدتي سريعا يا زاهية من زيارتك أنتِ ورتيل!))

أخذت زاهية مكانا لتجلس عليه حول الطاولة تنضم لهم وهي تجيب

((نعم كنت عند والدة نجلاء))

رفع مَالك وجهه ينظر إليها مضيقا عينيه ليتمتم متسائلا بتشكيك

((نجلاء.. نجلاء.. هل هي نفسها؟))

قالت زاهية بتأكيد

((نعم يا مَالك إنها ابنة صديقتي وقريبتي، أنتَ تعرفها..))

قطب مَالك حاجبيه ثم قال بنبرة عادية

((نعم أعرفها، تلك التي كنتي تريدين من مُصعب أن يتزوجها))

تجهمت ملامح زاهية وقالت بشيء من العصبية

((لكنها لم تتزوجه فلا داعي لذكر سيرة زواج أخيك منها بعد الآن!))

لفت الحيرة ملامح مَالك من انفعال امه فقال باستغراب عارم

((لم أقصد أي شيء معين))

أغمضت زاهية عينيها للحظات وهي تدرك فرط انفعالها ثم تمَالكت نفسها وتدربت ابتسامة وهي تسأله

((لا بأس، لكن أخبرني يا مَالك ما هو رأيك بنجلاء كفتاة؟))

سألها مَالك بصوتٍ واجم وبشيء من التوجس

((ماذا تقصدين؟))

تغضن جبين زاهية وهي تقول بجدية تكتنفها

((قصدي واضح، كيف تراها كامرأة؟ كيف تقيمها من منظورك كرجل؟))

ضاقت عينا مَالك وهو ينظر إليها ثم تساءل بعتاب وألم

((أمي ما حاجتك لقول هذا؟ أنا سأتزوج من سمية، لماذا تتصرفين كأن لا إحاطة لك بزواجي القريب منها!))

ردت زاهية بملامح منقبضة وعينان زائغتان

((حسنا.. معك حق.. لكن لا ترمقني بتلك النظرة))

لامس مَالك كف والدته يربت فوقها خشية حزنها أكثر رغم أنها فعلا تصيبه بالجنون متأرجحة بين الموافقة والتراجع لا ترسو على قرار واحد! ثم لم يجد أمامه إلا الوقوف وطلب إذن المغادرة من والده بهدوء..

بمجرد أن ابتعد عنهم حتى التفت يعقوب لزوجته يسألها بشيء من الامتعاض

((لقد ذهبتي إلى والدة نجلاء لتري إذا ما كان هناك أمل في زواجها من مَالك، صحيح يا زاهية؟))

هزت زاهية رأسها المنكس ثم قالت بوجع قلب وعينين احتشدتا بالدموع فجأة

((نعم فلو قبل مَالك أن يتزوج من نجلاء سيكون زواجهما رائعا، هما مناسبان لبعضهما، هو سيتحمل المسؤولية وهي ستجد من يكسبها مهارة أكثر في الحياة))

قال يعقوب بهدوء حليم

((نجلاء صغيرة العقل يا زاهية كما سبق سمعت من مُصعب، سيعاني معها مَالك لو تزوج منها))

ثم أطلق عدة أنفاس كانت تجيش في صدره قبل أن يكمل

((صدقيني أنا مثلك لست راضيا تماما عن زواج مَالك من سمية، لكنها أفضل من نجلاء كزوجة لمَالك لأنها من النوع الهادئ والعاقل وكامرأة وصلت لمرحلة من النضوج الفكري الذي يجعلها قادرة على الحكم على الأمور بعقلانية وحكمة، لذا دعينا فقط نأمل أن يكون توافقهما الفكري واندماج شخصيتهما قادرا على تذليل فرق السنوات بينهما))

رغم أنه لم يتلقى أي إجابة منها إلا أنها ظلت تهز رأسها بوهن وعدم اقتناع..

=============================

ليلا..

منزل وليد..

فتح وليد غرفة نومه التي يعم فيها ظلام حالك وفتح الإنارة الخافتة ثم اقترب نحو السرير الذي كانت شيرين تتوسده نائمة..

منذ ما حدث بينهما في تلك الليلة وهي لا تغادر هذه الغرفة.. حتى الطعام الذي يجلبه لها عند موعد كل وجبة لا تأكل منه إلا ما يبقيها فقط على قيد الحياة..

وبالرغم من اتصالات سهر الملحة في البداية إلا أنها لم تجب إلا على آخرها لتطلب منها بكلمات مختصرة مقتضبة بأنها ستحادثها لاحقا..

أخفض نظره لوجهها المستكين وتشربت عيناه ملامحها أثناء نومها بظمأ عطش لم يستطع لجمه رغم أن ملامحها البائسة بدت كالمغشيّ عليها من الموت..

لقد آذاها جسديا بشكل فجّ إلى حد جعلها لا تستطيع الوقوف من مكانها إلا بصعوبة شديدة حد اضطراره إلى جلب طبيبة لها هنا..

شعر وليد بعينيها تتململ مكانها فشك في أنها مستيقظة..

مد يده بتردد.. كأنه يصارع ضميره المرمي جانبا ويتساءل إذا ما كان له الحق بلمسها بعد ما فعله بها.. أم عليه الانتظار أكثر قبل أن يقدم على أي شيء! لكنه حافظ على رباطة جأشها ومدّ يده لعنقها يلامس نعومتها الحريرية هامسا بصوتٍ أجش

((سأعوضك عن تلك الليلة ولن تكوني إلا راضية، ستنسين كل ما اقترفته بحقك))

مال برأسه يلثم زاوية شفتيها برقة على خلاف قبلاته في تلك الليلة.. وكأنه يعتذر عن جريمته وانتهاكه لها مجددا..

فتحت شيرين عينيها بقوة وبصعوبة ثم استوت شبه جالسة تناظر وجهه القريب منها باشمئزاز وملامح متلبدة ميتة المشاعر..

بينما هو بقي يحدق لدقائق بملامحها الشاحبة.. شعرها الأسود المشعث.. بقايا آثار قبلاته الضارية..

جلس بجانبها ملتصقا بها.. ثم هدر أخيرا بخفوت بينما يميل بفمه نحو وجهها وهو يستنشق رائحتها شاعرا بعاطفة ملتهبة

((لا بد أني آذيتك بما فعلته، لكن تهديدك بالرحيل أفقدني آخر ما تبقى من عقلي، وعاد الانتقام ليعميني، لكن على الأقل لم يبقَ منه شيء في قلبي.. لا أفكر الآن إلا بإكمال حياتي معك والإنجاب لنحظى بعائلة مثالية))

صوته.. رائحة عطره الرجولي المميز.. الدفء المنبعث من قربه.. صوت أنفاسه..

كل هذه الأمور كانت تتجمع لتصيبها فتشعر برغبة ثقيلة بالتقيؤ.. ومشاهد من تلك الليلة تأبي أن تختفي من ذاكرتها..

رفعت كفها تدفعه عنها بوهن هادرة

((لا أطيق قربك، ولا أطالبك بأكثر من أن تحررني منك))

أطلق وليد عدة أنفاس كان يكتمها ثم قال بوجوم

((شئت أم أبيت ستكونين زوجتي وتبقين ملكي))

ثارت أنفاسها.. تشتت أفكارها وتلقائيا انزعجت ملامحها باختناق وهي تسمعه يردف

((ولا تفكري بطلب العون من أحد غيري لتبتعدي عني فأنا مستعد للفتك بأي أحد يقف في طريقي))

هتفت في وجهه بصوت مختنق

((أنت مجنون، هل تظن بأنه يمكنني أن أنسى ما فعلته بي بكل وحشية في تلك الليلة وأكمل حياتي معك؟ الجروح والرضوض والكسور التي تسببت بها لي يمكن أن تشفي لكن الأذى داخلي سأبقى أتذكره لآخر لحظة))

أغمض وليد عينيه بقوة كأنها طعنته عندما ذكرت ما حدث.. لكنه تحامل على الألم وقال وهو يرسم ابتسامة واثقة رغم إنهاكها

((بل سُتشفى وستنسيها، سأحرص على ذلك وسأجتهد في تعويضي لك، وأنتِ ستسامحينني لأنكِ أذكي من أن تعني الرحيل.. مهما فعلتِ عيناك تفضحكِ، عيناكِ الكحيلتانِ تقولان بأنكِ ما زلتِ تحبينني، لم يتلاشى هذا الحب من داخلك حتى على الرغم من مرور كل تلك السنوات، لا تكابري.. أعرف بأني سأظل أؤثر عليك بطريقة أو بأخرى))

استشرت ملامحها وتوهجت نيران خضرة عينيها..

إنه يتلاعب بالكلام معها!

هتفت له بكره جارف مطل من عينيها

((أنتَ واهم، أنا لا أملك نحوك إلا الكره!))

أظهر المزيد من واجهة الغرور والتسلط وهو يردف بعجرفة

((لا تنكري! فأنتِ في المقابل تجرين بشراييني ولا يمكننني حتى لو أردت أن أتخلص منك أو من سحرك الطاغي عليّ))

قنوط مريع اكتنفها وهي تستمع له لتقول بلهجة مشمئزة

((تحدث فقط عن نفسك، أما بالنسبة لي فأنا لا أشعر بشيء تجاهك إلا الكره والحقد، وزاد هذا الكره عندما كنت أنتَ السبب في تراجع مُعاذ عن الزواج مني، ثم زاد أكثر وأكثر عندما خدعتني لتوقع بي في فخ الزواج.. لا أصدق بأني أقدمت على هذا الزواج حاملة بعض الظنون السخيفة بأن يصلح حالك وأعيش معك كزوجين طبيعيين، كان عليّ ألا اغفر لك ما فعلته بحقي))

بصقت شيرين كلمتها الأخيرة باشمئزاز موجهة له وعيناها تبرقان بكره أعمى خرج عن عقاله..

أما هو فتحولت ملامحه الحادة بلحظة لصخر يابس وطارت التسلية ليظهر الشر جليا فيها فتساءل من بين أسنانه المطبقة يخفي جرح عينيه

((أخبريني كل ما بينك وبين مُعاذ.. كيف كان سيتزوجك ولماذا تراجع؟))

أجابته بإقدام دون أن تتزحزح نظراتها الجامدة عنه قيد أنملة

((رجولته وشهامته سلبت لب عقلي وحلمت أن أكون زوجة لرجل رائع مثله فعرضت عليه الزواج وهو وافق، ثم لا أدري تحديدا ما جعله يتراجع في اللحظة الأخيرة بعد أن أعاد التفكير))

تراشق وليد النظرات الساخطة معها ثم قال

((إذن أنتِ من عرضتي عليه الزواج؟ هل المشاعر التي حملتيها له هي مشاعر موجهة نحو رجل نبيل وحسب؟))

أكتسحها الخوف من تهديده المبطن لكنها تمَالكت نفسها مجيبة بصراحة دون أن يرف لها جفن

((أنا نفسي لا أعرف كيف أصف المشاعر التي حملتها نحو الرائد مُعاذ، لكن كنتُ أريد الزواج منه بشدة والانتماء لحياته، حتى قلبي كان متعلقا به، شعرت عند موافقته الأولية على عرضي أنه هدية القدر لي بعد طول معاناة مررت بها بسببك، وأنّ عليّ أن أتشبت به بكل ما أملك من قوة حتى لا أخسره، يكفي أنه الوحيد من القرية الذي وقف بجانب أبي في أيامه الأخيرة))

توحشت ملامح وليد بشكل لم ترَ له مثيل في حياتها من قبل.. ورغم الخوف النابض الذي شل أطرافها من مظهره هذا حيث أنه قد ينقض عليها بأي لحظة إلا أنها أجبرت نفسها على القول بجرأة يحركها قهرها

((لا تحاول إيذائي جسديا مرة أخرى، فأشباه الرجال فقط من يتعاملون بالعنف مع امرأة قواها الخائرة لن تمكنها من الدفاع عن نفسها أو التصدي له))

كان يكبح باقي غضبه بشق الأنفس وهو يغمغم بازدراء

((لم أكن من أشباه الرجال مع جُمان، أمضيت معها سنوات طويلة لم يسبق وأن تلفظت بكلمة واحدة تسيئها أو أرفع يدي إلا مرة واحدة ندمت عليها أيما ندم، على خلاف الآن، فكلما وضعت عيني في عينيك تشتد رغبتي المستعرة في دفنك حيّة))

قطبت حاجبيها برفض وقالت بصوتٍ خرج مهتزا رغما عنها

((إذن حررني منك تخلص مني))

قصف صوته الرجولي الغرفة ليخترق أذنيها

((اخرســـــــــــي))

عمّ الصمت حولهما ووتيرة أنفاس كليهما في تزايد.. بعد صمت طويل قال بصوتٍ صلب.. مشتد كالوتر

((لا تفكري أبدًا في الافتراق عني! فلا مكان يحتويكِ سواي، أنتِ تحبينني أنا، ولا تقدرين على العيش من دوني))

نكست وجهها صاغرة تعرف بأنها غير قادرة على التصدي له إلا بسم الكلام النابع من جحيم أعماقها

((قبلت الزواج منك متأملة بوجود أمل طفيف لتجاوز كل ما قمت به في الماضي لشح الخيارات أمامي لكنك بددت هذا الأمل ثم أعدمته بعدما فعلته بي، لن أسامحك أبدًا، أبدًا، سأقدم على رقع قضية خلع لأتخلص منك))

كان وليد يهم بمغادرة الغرفة لكن ثارت كرامته مما قالته فاستدار نحوها بملامح مغلفة بقناع القسوة يهتاج بحقد

((ممتاز.. ما دمت قد خسرت حبك لي بكل الأحوال.. إذن أنا لن أخرج من هذا الزواج بدون أن آخذ حقي منك كاملا، وتلك الليلة لا تغني ولا تسمن من جوع))

جحظت عينا شيرين لا تفهم مغزى كلامه وما ينوي فعله وسرعان ما أطلت نظرة الهلع من عينيها كأنها أمام ذئب مفترس جائع..

أما هو فتسلل شعور مبتهج يستلذ بالخوف الظاهر عليها إلى داخله.. ورغبة بالمزيد تقدم منها أكثر بعينين مشتهيتين ليتساءل وابتسامة وحشية تشق فاهه

((لماذا ترتجفين خوفا؟))

هتفت شيرين بفقدان سيطرة على أعصابها وهي تتراجع لظهر السرير

((ابتعد عني، لا طاقة لي حتى بالصراخ ابتعد عني.. أرجوك..))

مال برأسه هادرا بتسلية

((اهدئي يا شيرين))

انفرجت شفتيها وهي تتنفس بسرعة محاولة استجداء عطفه بينما هو لم يستجب لها بل زاد من طغيانه عندما انحنى نحوها ليدس انفه بين خصلات شعرها العطرة فأزكمت رائحة عبيرها أنفاسه..

تحركت حنجرتها وهي تزدرد لعابها بصعوبة بالغة..

لن يطول الأمر عليه قبل أن ينهشها مجددا دون لحظة تردد أو ندم!

تمتمت بهيستيريا وغلالة من الدموع تحتشد في عينيها

((لا يا وليد، ابتعد عني، أرجوك ابتعد..))

بدأت تتلوى بجنون بين ذراعيه عندما بدأ يحررها من ملابسها.. وكانت تريد المقاومة أكثر لكن قواها الخائرة المخدرة لم تسعفها.. إذ منذ أيام لم يدخل الطعام بشكل كافٍ لجسدها.. فلم تجد بدا من الاستسلام له والسماح له لينتهكها مجددا.. خدرت جسدها الذي تنملت أطرافه دون أن تظهر له المزيد من المقاومة والاعتراض..

.

.

رغم مرور وقت على ما حدث إلا أنها كانت تنتفض بين ذراعيه كالطير المذبوح بشكل لم يرَ مثله قط..

مال وليد إلى أذن شيرين المنتحبة يحاول تهدئتها وهو يشعر بجسدها المختض

((اهدئي يا حبيبتي، لقد كنت رائعة))

بدا منتشي كأنه للمرة الأولى يلمس امرأة.. كأنه لم يسبق وأن كان متزوجا من غيرها لسنوات طويلة..

تدريجيا هدأ جسدها إلا من بعض الاختلاجات والشهقات رغم أن كلماته لم يكن لها فضل عليها في ذلك..

خيم الصمت الى أن تمتم بصوته المبحوح

((لقد بادلتني القليل من تلك المشاعر، إياكِ أن تنكري ذلك، فأنت تدركين حبي لك وموقنة منه، وإلا لم أكن لأعد بعد كل هذا!))

مجددا يحاول التلاعب معها بالكلام!

لوت شفتها السفلى باستهزاء شحذ غضبه منها كشرارة حرب.. لتقول له باشمئزاز بصوتها المرتجف

((أنت لا تعرف أصلا ما هو الحب يا وليد، ولن تعرفه يوما))

سحب نفسا حادا إلى صدره المزدحم بالأحاسيس المحمومة وبخشونة قبض على ذقنها ليرفع وجهها له قائلا بصوت متهدج من الحنق

((إذا كنت لا تصدقين بحبي لك فأنتَ على الأقل متيقظة لحقيقة أني أريدك أنتِ وكل عظمة فيكي، وهذا كافي حتى أبقيكِ بجانبي، فلو كنتي حقا تعرفينني يا كحيلة العينين لتكوني على يقين بأني ما كنت لأتنازل عن شيء أريده))

سخريته اللاذعة جعلت الصمت بينهما يصم الأذان.. إلا أنه بعد لحظات مال نحو جبينها المتفصد بالعرق ليقبله فأغمضت شيرين عينيها تتمتم مختنقة بدموعها

((أنتَ إنسان حقير ومنتهك))

رماها بصوتٍ هازئ زاد من قهرها فشدت من إغماض عينيها ورغما عنها خرج صوت آنين مكتوم منها.. عبس وجه وليد وتمرد لسانه على غضبه وتضامن مع قلبه ليسألها بجدية يخفي قلقه

((هل تشعرين بأي ألم يا شيرين الآن؟))

أجابته من بين دموعها بصوتٍ متهدج

((دعني أتألم.. الألم يريحني.. الألم ينسيني ما أنا فيه من

خنوع وذل معك))

لم يجد أمامه إلا أن يقول بصوتٍ يضج الألم من نبرته

((سأذهب لأجهز لك حماما دافئا كما أوصت الطبيبة عندما عاينتك))

وبمجرد أن اعتدل جالسا ووضع قدميه أرضا ينوي الوقوف حتى التفت لها فشعر بانكماشها.. إلا أنه مال نحو أذنها هامسا

((معك حق في غضبك الحالي عليّ لكن صدقيني سأجعلك تسامحيني على كل ما حدث في الأيام القادمة، ولن تكوني إلا راضية))

ثم مضى مغادرا وتركها مكانها مسجاه تنتحب جسدًا وروحًا انتهكهما دون رحمة! لكن ما كان يهوِّن عليها أن الطبيبة التي جاءت من أجلها في تلك الليلة عرفت ما حصل لها رغم عدم إشارتها للموضوع أمام وليد.. فاستطاعت هي في لحظة دهاء أن تغافل وليد وتطلب منها كتابة تقريرا بما حدث لها يساعدها في طلب الطلاق أو الخلع منه لاحقا.. ولم تردها الطبيبة خائبة..

=============================

في منزل سهر..

وضع قصي باقة الزهور الخلابة التي كان يحملها جانبا ثم جلس منكس الرأس على الأريكة يهز ساقه بتوتر..

ارتفع صوت خطوات رشيقة ذات نغمة رتيبة على الأرض المصقولة تقترب منه فسارع يعتدل واقفا ويقول بابتسامة مرتبكة

((كيف حالك يا حماتي الجميلة؟))

بادلته تمارا ابتسامة بسيطة وهي تمد يدها له تدعوه للجلوس ففعل بعد أن جلست هي واضعة ساقا فوق الأخرى..

مدت تمارا يدها تناظر سبابتها حيث يطوقها خاتم براق ذات قيمة باهظة وذوق متعالي ثم تمتمت

((لقد أعجبتني هديتك لي يا قصي، أنتَ رجل المفاجآت حقا كما تدعوك سهر))

ضحك قصي بخفوت ليقول بمجاملة وذوق

((أنتِ والدة سهر وسعادتك لا تقل أهمية بالنسبة لي عن سعادتها))

مطت تمارا شفتاها بتفكير ثم قالت بفطنة

((لكن أتمنى ألا تكون هذه الهدية بمثابة رشوة لي لأصالحك مع ابنتي، فهذه هي مهمتك أنتَ))

عقد قصي ما بين حاجبيه وقال بشيء من الحنق

((ردة فعل سهر مبالغة جدًّا، خاصة وأنه لم يكن عندها قبل هذا أي مشكلة في تأجيلنا الزواج))

تحقير قصي من مسألة تأجيله للزواج أغضبها لكنها ناظرت الخاتم ببريقه اللامع لتمنع انفلات غضبها ثم صححت له بنعومة

((أوه قصي لا تكن أحمقا، الفتيات لا يقصدن ما يقلنه حرفيا، من المؤكد أن ابنتي كغيرها من البنات تريد أن تتزوج وتحظى بأطفال في أسرع وقت ممكن، وأنت تأخرت في تأجيلك، تأخرت كثيرا..))

أكد عليها قصي مصححا

((هذا ما سيحصل وسبق وتحدثت مع السيد فايد زوجك.. وعائلتي ستأتي أخيرا لزيارتكم وتحديد موعد زفاف مناسب لنا جميعا، لكن أريد القليل من الوقت، القليل فقط))

اكتسحت فرحة محققة تمارا وتفجرت أساريرها لتردد

((هل ما تقوله حقيقي يا قصي؟))

ابتسم قصي ببشاشة ملامحه وببريق المنتصرين

((نعم يا سيدة تمارا))

((قصي ماذا تفعل هنا؟))

قاطع جلستهم صوت سهر التي وصلت وهي تكتف ذراعيها.. فوقفت تمارا من مكانها تحث ابنتها بحزم

((تعالي يا سهر واجلسي مع خطيبك، لا يصح أن تظلا متخاصمين لوقت طويل، أنا سأذهب لأطلب شيئا منعشا لكما))

كانت تمارا تهم في المغادرة عندما لمحت سهر الخاتم حول سبابة أمها.. فانزلق ثغرها بابتسامة جانبية وقد فهمت سر تبدل حال أمها صعبة الإرضاء مع قصي! إنه لا يفشل أبدًا في التعامل مع أمها ونيل رضاها من جديد مستغلا عشقها للجواهر اللامعة والباهظة! جلست أمام قصي على الأريكة تسأله بقهر مبطن

((كم هو ثمن الخاتم الذي أحضرته لأمي؟))

تغضن جبين قصي بالضيق مغمغما

((ما هذا السؤال الفظ يا باربي!))

أغمضت عينيها تأخذ نفسا عميقا للحظات وزفرته ببطء قبل أن تعقب

((لم أعد أحب هذا اللقب منك، ثم أني أريد معرفة ثمن الهدايا الباهظة التي أهديتها لأمي منذ عقد قراننا حتى أجمعهم وأبيعهم في مزاد واحد ثم أبتاع بثمنهم فيلا مناسبة لنا والمتبقي سيكون لحفل الزفاف الذي تحلم أمي بإقامته لي))

تشابكت كفي قصي ببعضها ليقول بلامبالاة ظاهرية

((كنت أقول لأمك بأني وخلال أسبوعين سآتي برفقة عائلتي لزيارتكم))

تشدقت سهر بنبرة تحمل رنة سخرية

((مضى سنوات على عقد القران، ألا تظن بأنه من المبكر قدومهم؟))

عقب قصي على كلامها معاتبا إياها برقة

((تعرفين أن زواجنا لم يكن عاديا كله، ولكن ها أنا أثبت لك بأني لا أراوغ ولا أتهرب من زواجنا بل أريده بمقدار لا يقل عن مقدار رغبتك أنتِ))

هتفت به بامتعاض

((لم تكن بحاجة لفعل ذلك أو إجهاد نفسك بإثبات أي شيء فلا أسهل من أن تطلب فسخ خطبتنا))

((ما هي الحاجة لذكر الانفصال بيننا! أنتِ لا تعرفين ما مررت به الفترة الماضية لأبذل جهدي لأسرع بزفافنا))

تنهدت سهر وانفرج عبوسها لتعاتبه

((وهل كنت بحاجة أن أهددك بتركك وأخاصمك لبعض من الوقت لتعجل بإجراءات الزفاف! ألم تستطع أن تسرعه من تلقاء نفسك!))

قام قصي من مكانه ليجلس على نفس أريكة سهر ملاصقا لها ثم أمسك بكفها بألفة قبل أن يقول بلطف

((لا تصدقين كم مناسبة أو فعالية كنت أريد الذهاب لها دون أن أقدر لأن رفيقتي بالمتعة لا تحدثني وترفض الخروج معي!))

لانت ملامحها قليلا وهي تمعن النظر في وجهه تلاحظ فعلا نحالته بينما يردف بصوتٍ مثخن بالعاطفة

((باربي لا تسمحي لخصام أن يتسبب بافتراقنا.. فأنا مررت بوقت عصيب في الأيام السابقة))

كادت تذوب العاطفة المشعة بعيني سهر وهي تهز رأسها له لتشرق ملامحه بهجة.. لكن حادت بوجهها جانبا وهي تزدرد ريقها قبل أن يقع نظرها على الزهور فتتساءل بعفوية

((هل أنت من جلبت هذه الأزهار؟))

ردّ قصي بالإيجاب لتبتسم فقربت الباقة منها ثم أغرقت وجهها في البتلات الناعمة..

تجلت ملامح الحب على وجهه وهو يراها تأخذ نفسًا عميقًا برائحة الأزهار الفواحة.. هذه هي محبوبته!

كان هذا أول شجار يحصل بينهما ورغم قسوته إلا أنه مر على خير.. ومتأكد بأنه لن يمر بطريقهما أي مشكلة من هذا القبيل مجددا بمجرد فقط أن يفي عمه بوعده له!

وقف قصي من مكانه وهو يمسك مرفق سهر ويحثها على الوقوف بحماس

((بمناسبة صلحنا علينا أن نذهب لإحدى أماكننا المفضلة))

ورغم أن سهر كانت تريد أن تطيل في غضبها منه إلا أنها لم تستطع منع تلك الابتسامة من الظهور على وجهها والموافقة.. فقد اشتاقت لخروجهما سويا..

لا أحد ينجح في إسعادها في هذه الحياة كقصي!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...