جناح مُصعب ونورين..
استلقت نورين على السرير تستند بجسدها لظهر السرير تقرأ الرواية الغامضة تلك التي طلب منها مُصعب قراءتها..
بعد أن أنهت الجزء المقرر الذي حددته لتقرأه هذا اليوم، أغلقت الكتاب ووضعته جانبا ثم مالت إلى مُصعب النائم بجانبها ومدت كفها تتحسس وجهه بحنان وشفتاها ترسمان ابتسامة دافئة..
رفعت حاجبيها عاليا عندما صدح صوت رنين هاتفه..
تناولته بيدها وبالأخرى هزت كتف مُصعب الذي تململ قائلا بصوتٍ ناعس حانق
((ماذا تريدين أيتها العفريتة!))
قالت بدهشة وهي تهزه بشكل أقوى
((إنه رقم دولي.. استيقظ.. هل تعرف أحد في الخارج؟))
ببطء اعتدل مُصعب نصف جالس يتمطى بتكاسل ثم تناول الهاتف منها يجيب بصوتٍ ناعس أجش
((مرحبا.. من معي؟))
ابتعدت نورين عنه لتأخذ حماما صباحيا منعشا أما مُصعب فجاءه صوت أنثوي من الجهة الأخرى للهاتف
((مرحبا يا مُصعب))
سرت رعدة باردة كالثلج عبر جسده يستدرك صاحبة هذا الصوت.. حتى شعر بأطرافه تتجمد وقد تيقظ كل ما فيه.. فتمتم بحذر وبطء
((رشا؟ هل هذه أنتِ؟))
تسمرت يد نورين التي كانت تهم بفتح باب الحمام ما إن تناهى هذا الاسم إلى سمعها وشحب وجهها.. ما إن مرت ثانية أو اثنتين حتى انتفضت كالملسوعة تركض للسرير وتجلس بجانبه واضعة أذنها على الهاتف الذي يضعه مُصعب بقرب أذنه..
التفت مُصعب لها يحدجها بنظرات مقتضبة وهو يضع الهاتف إلى جهة أذنه الأخرى بعيدا عنها متسببا بسخطها دون أن يعير الاهتمام إلا للتي يحادثها.. فعادت رشا تقول بنفس نبرة صوتها الناعم
((نعم أنا رشا.. كيف حالك يا مُصعب؟))
أجابها بصوتٍ فاتر أجوف وهو يعدل من جلسته
((أنا بخير يا ابنة العم))
خيم الصمت للحظات والتردد يعصف بأنفاسها قبل أن تتنهد بحسم وتقول أخيرا
((أعرف أني آخر شخص قد تود سماع صوته.. لكن أنا..))
بتر كلماتها المرتبكة وهو يسألها مباشرة ببرود
((لماذا لم تأتي مع والدتك لعزاء أخيك يحيى يا رشا؟))
عاد التردد يشوب أنفاسها لتتحجج في النهاية بوهن
((صدقني كنت احترق هنا عندما وصلني خبر وفاته دون أن أكون قادرة على العودة للبلاد وحضور عزائه على الأقل، لكن ما باليد حيلة! أنا لا أستطيع العودة هنا))
هدر مُصعب بجمود لها بكلمات باطنها الرجاء
((رشا، إذا أردت زيارة قبر أخيك الوحيد أنتِ وأمك، فعودي وأضمن لك ألا يمس أحد شعرة منك هنا))
ازداد شحوب نورين لما سمعته يخرج من شفتيه وشعرت بهزة ترج أعماقها.. ابتعدت قليلا عنه تناظر وجهه بغير تصديق.. لكن لم يشعر بها وهو يصغي باهتمام لابنة عمه وزوجته السابقة تقول
((أنا أثق بك يا مُصعب، لو قلت لي بأنه يمكنني أن أعود للبلاد وأزور قبر أخي دون أن يمسني مكروه فأنا لن أشكك بكلمة تخرج منك.. لكن لا أثق في الرجال من حولك.. لا تتخيل الرعب الذي عشته بعد هروبي بسبب تهديدات أخيك مُؤيد بأنه سيجدني أينما كنت وسيقتلني دون أن يهتز له جفن))
أجابها مُصعب بهدوء يشوبه خيبة الأمل فيها مما فعلته في الماضي
((قال ما قاله حمية لي، لأنه لم يتحمل ما كان يتحدث به أهل القرية وراء ظهورنا عني بعد انتشار خبر هروبك))
قالت رشا بصلابة
((حتى ولو.. لم يكن له حق في تهديدي بالقتل، ابن عمي يبقى ابن عمي وله كل الاحترام.. لكن لا يعرف شيئا مما مررت به وليس هناك من شيء يبرر ما هددني به.. لكن على الأقل أنا..))
راقبت نورين ملامح مُصعب تتضاعف تجهما وتزداد توترا وهو يسألها بوضوح
((أنتِ ماذا؟ لماذا اتصلت الآن يا رشا بعد كل هذه السنوات إذا كنت لا تريدين أن تعودي؟))
لم تجبه في البداية فران الصمت مجددا بينهما قبل أن تطلق رشا تنهيدة من أعماق روحها وتغمغم
((لا يوجد سبب معين، أنا آسفة لإزعاجك.. لكن حلمت بأخي الليلة الماضية.. وشعرت أني بحاجة للتحدث لك.. ولو لمرة أخيرة.. فقد كنت أكثر من ابن عمٍ لأخي يحيى.. كنت صديقه وأخاه الأقرب إليه من والديه حتى..))
ظل مُصعب محافظا على ثبات أنفاسه وجمود ملامحه وهو يسمعها تكمل
((عزائي الوحيد أن أخي سامحني لهربي وتفهمني وعذرني.. أما أنتَ.. فأنا متأكدة..))
قاطعها مُصعب بنبرة جليدية
((لقد تمنيت آنذاك أن تحضري عزائه بما أنك فوتي عزاء والدك لكن أنتِ وأمك أدرى بوضعكما، إلى اللقاء يا رشا.. إلى اللقاء يا ابنة العم.. لا ترددي في الاتصال بي إذا ما شعرت بحاجة لذلك أو غيرت رأيك بشأن العودة))
أبعد مُصعب الهاتف عن أذنه ينهي المكالمة وهو مستمر بعدم الانتباه لتلك الجالسة بجانبه الغارقة في شعور مؤلم حاد يمزق قلبها بعنف..
كان لا زال شارد الذهن والنظر عندما غمغمت نورين ساخرة بنبرة مخنوقة
((كم هي محظوظة ابنة العم تلك لتجد مُطلقها يخبرها بكل بساطة أن تتصل به متى تشاء بل يحثها على العودة لـ"أحضان" البلاد))
شددت على كلمة "أحضان" بنبرة ذات مغزى.. قاتلة..
مما جعل مُصعب المتجهم ينظر له مقطب الحاجبين قائلا
((رغم كل شيء حدث بيننا تظل ابنة عمي وتعيش مع أمها في بلد أجنبي وحيدة بلا سند ولا تواصل مع أحد من عائلة والدها، فهل كنتي تريدين مني أن أتبرأ منها لمجرد انفصالنا؟))
حدقت نورين به بخيبة أمل وارتفعت ابتسامة ساخرة مريرة فوق شفتيها لتهمس
((إذن هل ستكون الاتصالات المشابهة لهذه متكررة في المستقبل؟ وماذا سيحدث لو عادت إلى هنا؟))
ضيق مُصعب عينيه مغمغا
((كوني واضحة بكلامك، ما الذي تريدين أن تصلي له؟))
صمتت للحظات تحدق به بحدقتين مهتزتين قبل أن تقول بقهر مكتوم
((لماذا تبدو الآن أمامي شخص مختلف؟ كأني ما عرفتك سابقا، لم يسبق وأن سمعت منك هذه النبرة طوال فترة زواجنا من قبل..))
سألها بصوتٍ محايد
((أي وجه مختلف هذا؟))
انفلتت لجام أعصابها وهي تهتف
((انظر للهجتك معي، وطريقة كلامك وجفائك، كأني لو تماديت أكثر في توضيح قصدي فلن تتواني عن الانفجار في وجهي والانقضاض عليّ! هل عندما يتعلق الأمر بها تصبح عدوانيا تجاه أي أحد يمثل عائق أمامك للوصول لها؟))
اتسعت عينا مُصعب قليلا مما تقوله فغمغم بصوتٍ واجم وهو يمعن النظر بوجهها الذي اعتلته الغيرة والعصبية متضامنين
((أي عائق تقصدين؟ لم أفهم أي شيء من بداية حديثك.. أعطني جملة واحدة مفيدة..))
أجابته باتهام لاذع
((أقصد بالعائق أنا! هل الآن أصبحت عائقا أمامك بعد أن اتصلت ابنة عمك بك ولامست من حديثها أملا من بعيد يخص عودتها إلى البلاد.. ولك أنتَ؟))
شبح ابتسامة مر على شفتيه وهو يتمتم ساخرا
((أنتِ تهذين!))
هتفت به صارخة لا تعي على نفسها
((أنا لا أهذي.. انظر للقسوة الموحشة التي كانت تطل من عينيك تجاهي الآن..))
حافظ مُصعب على أعصابه بانضباط انفعالي ليقول ببرود
((دعيني أوضح لك شيء مهم، عودتي أنا ورشا مستحيلة كليا، من جهتي ومن جهتها، أتمنى منك تفهم هذا جيدا وعلى أساسه عدم تبني محض تخيلات، فاهتمامي بعودتها هنا فقط لأني أريدها أن تزور هي وأمها قبر يحيى، لا يهون عليّ أن تمر كل هذه المدة ولا تحضرا لزيارة مقبرته بسب تهديد أخي الأحمق مُؤيد))
ترقرقت الدموع في مقلتي نورين وقسوة كلماته السابقة تصيبها في الصميم.. فتتشتت مشاعرها المضطربة والمترددة بتيه في عقلها..
لمح عَبَراتها فانفجرت ملامحه تلقائيًا وعاتبها برفق
((نورين، سبق وأخبرتك بأني لم أحب رشا يوما، لا قبل ولا حتى أثناء زواجنا، كل ما في الأمر أنها شقيقة يحيى رحمه الله وابنة عمي، كنت حقا اشعر بالقلق على حالها لأنها قطعت الاتصال بنا جميعا، هذا كل ما في الأمر ولن يكون هناك شيء أكثر من ذلك))
تبدلت ملامحها من الحزن للغضب العارم وأظلمت عينيها فجأة لتميل نحوه تتشدق بنار مشتعلة مندلعة من جحيم حرقتها
((هل تمازحني؟))
احتدم صوته قليلا وهو يقول بحزم
((بل أريد منك أن تثقي بي ولا تسمحي للشك أن يدخل بيننا، هل سبق وأن كذبت عليك بشيء من قبل؟))
تمتمت له بفتور
((لا لم تفعل من قبل، ولكن لن أنتظرك حتى تفعل مرتك الأولى))
هتف محذرا بنفاذ صبر
((نورين..))
علا صوتها على صوته
((تتصل بك ابنة عمك التي تزوجتها في الماضي رغما عنها فجأة فترحب باتصالها بطريقة غير مريحة بل وتحثها على العودة هنا وفي نفس الوقت تطلب مني التفهم بل وتشجعيك على ما تقوم به!))
توهج الغضب في مقلتيه فمسح صفيحة وجهه بكفيه لعله يقلله.. ثم ما لبث أن قال بتحذير ضمني
((نورين أنا لن اسمح لك أن تُكملي كلامك المبطن هذا، سبق وأعلمتك بشكل جيد وواضح بأني لا أحب الخوض في أي شيء متعلق بزواجي))
لم يتراجع غضبها ووجهها يفقد لونه شيئًا فشيئا حتى قالت مسترسلة بعدم اتزان
((وأنا وافقت على عدم فتح سيرة زواجك السابق لأني بأن لا أحد له حق أن يحاسب الآخر على ماضيه، لكن الآن أنا لن أتنازل عن معرفة كل شيء متعلق بماضيك حتى أشعر بالأمان في حاضري معك، ما الذي دفعك لتقوم بأمر كهذا مع رشا!))
تُحرك عضلة بجانب فكه كانت الدليل الوحيد على تأثره بما قالته، ليهمس
((مهما كان مُبررك فلا يحق لك أن تحاسبيني على ما فعلته بالماضي أو تطالبيني بكشف دوافعي، لو سمحتي لا تفتحي سيرة زواجي السابق لأني لن أتحدث بأي شيء عنه.. الآن هيا عودي للنوم.. ما زال الوقت باكرا..))
كان يرتخي في جلسته ليتوسد فوق سريره عندما سمعها تقول بصلابة ظاهرية
((سأذهب للاستحمام ثم سأخرج للخارج لأتمشى، لكن هذا الموضوع لم ينتهِ بيننا، فقط ارتأيت أن أتوقف في الوقت الحالي عن الكلام لتهدأ أعصابي ويخفت شيء من غضبي فلا أقول أو أفعل ما قد أندم عليه))
كانت تهم في الاستدارة عندما غمغم لها بفتور وجمود
((الموضوع انتهى ولن تفتحي سيرته بعد الآن..))
أطبقت على أسنانها وهي تقول بإصرار عارم وعينيها تنطقان بالتحدي
((بل سيُفتح..))
لم يستطع هنا ألا يلتفت بوجهه لها صارخا بصوتٍ هزّ به أرجاء المكان
((نورين..))
جفلت بخوف تسرب إليها رغما عنها من هيئته لكنها ازدردت ريقها تلقن نفسها القوة وهي تقول بصوتٍ متذبذب
((بدأت أشك بصحة ما أخبرتني به "بعدم حبك لها"، أشعر أنك تخطط لإجبارها مرة أخرى على الزواج منك كما فعلت بعرف النهوة أول مرة))
عاد يستقيم مُصعب في جلسته وكله مشدوه في النظر لها ليجد نفسه يسألها وهو يضيق عينيه دون أن يشعر على نفسه أو يفهم قصده
((حتى لو كان هذا ما أخطط له ماذا ستفعلين؟))
وقع ما قاله عليها كطعنات نافذة لا واحدة.. وفي ذات الوقت شعر بإحدى الطعنات التي وجهها لها دون تفكير من أثر استفزازها له ترتد إليه..
كيف وصل به الأمر ليقول ذلك؟
حاولت نورين تحريك شفتاها تنطق بأي شيء لكن بقية كلماتها كما عبراتها الحارقة حبيسة جوفها لا قدرة على التعبير بما يجيش في صدرها..
بعد دقيقة تحلت بالعنفوان والكبرياء لتقول أخيرا بصوتٍ متهدج.. مستنكر.. واهن
((ماذا سأفعل! هل هذا سؤال حقيقي يصدر منك؟ هل تريد أن تبين لي بأني لن أستطيع الاعتراض مهما فعلت لأني مجرد زوجة اتخذتها لحل النزاع بين عشيرتين!))
أحنت رأسها قليلا تغالب طعنات الألم التي اخترقت ضلوعها وهي تسترسل غافلة عن وجهه الذي بهتت ألوانه
((معق حق ليس هناك ما أستطيع فعله، كنت أتحدث قبل قليل بتبجح وثقة كأن لي حق في رميك بتلك الأسئلة لكن أنتَ السبب في ذلك، أنتَ من جعلتني أشعر بالراحة في التصرف كزوجة طبيعية لك، رفعتني لعنان السماء قبل أن تخسف بي إلى أسفل السافلين وتعصر قلبي دون رحمة أو شفقة.. لكن من هذه اللحظة كل شيء سيعود لنصابه الصحيح، وسأبدأ التصرف على هذا المنوال بما أني رفضت بعاطفة غبية وحماقة متسرعة عرضك بالحصول على الطلاق والعودة لكنف عائلتي وتحقيق أحلامي دون أن يعود النزاع للعشيرتين..))
فغر شفتيه ولم تكن ملامحه تختلف شيئا عن ملامحها خاصة عندما أبدت ندما حقيقيا وحسرة على رفضها التحرر منه عندما أهداها حق الاختيار!
هو لا يفهم ما رمى إليه بجملته السابقة وما قصده! لكنها استفزته بإلحاحها بكشف ماضيه مع ابنة عمه رغم تأكيده أن هذا الموضوع بالذات يستفزه ويوتره ويخرجه عن طوره!
وقبل أن تسمع نورين منه أي كلمة دلفت للحمام ثم فتحت صنبور المياه.. هناك فقط انفجرت الدموع تشهق معها بصوت متألم.. لقد قتل حبها له وهي على قيد الحياة.. حتى آخر لحظة بقي غامضا معا ولم يفصح عما يدور في عقله..
لقد تغير كل شيء بينهما كليا ولن يعودا للسابق بعد الآن.. وكله بسبب حماقتها وتعمدها أن تغفل عن حقيقة إنها رسمت أحلاما سعيدة ووردية لها مع مُصعب رغم أنه لم يسبق وأن اعترف لها ولو مرة بصدق وشغف أنه يحبها ويريدها هي "فقط" زوجة له!
=============================
في حديقة القصر..
كانت سمية جالسة مع والديّ مَالك حول طاولة خشبية موضوعة في الحديقة بعد أن طلباها لتحتسي الشاي معهم..
وضع الحاج يعقوب كأس الشاي على الطاولة بعد أن ارتشف القليل منه ثم قال بروية بملامحه البشوشة
((لقد تعمدت طلبك في وقت لا يكون مَالك هنا لأسألك إذا كان سيناسبك أن يكون عقد القران والزفاف بعد أسبوعين؟ هل هو وقت كافٍ لك لتتجهزي؟))
نكست سمية رأسها بتوتر وقالت خجلة بصوتٍ خافت
((أي وقت تجدونه مناسب يمكنني تجهيز نفسي خلاله))
هدر لها بود بالغ
((ممتاز، أنا سعيد جدًّا لأنك ستصبحين فردا من عائلتنا يا سمية))
ابتسمت سمية بتردد وهي تستشعر بدفء وطيبة والد مَالك لتقول بامتنان
((أنا أيضًا سعيدة، وأتمنى أن أكون عند حسن ظنك للنهاية))
التفت يعقوب يقول بابتسامة لزوجته المتجهمة منذ جلوس سمية بمحاولة تلطيف الأجواء
((ما رأيك يا زاهية بكنتك المستقبلية؟))
تطلعت زاهية لسمية دون أن تنحسر ملامحها ثم ردت باقتضاب
((لا بأس بها، طالما يريد مَالك الزواج بها فليتزوجها وسأكون سعيدة من أجله))
اختلجت شفتا سمية فضمتهما تحاول السيطرة على الألم الذي هاجمها.. شعرت بدونية شديدة.. كأنها دمية بالية معروضة أمام والدة مَالك التي تصوب نظراتها التقييمية عليها بعدم رضا ومع ذلك تتنازل وتشتريها ثم تهديها لابنها طالما هو مصر على اقتنائها ولا يريد غيرها!
ولم تقف زاهية عند هذا بل كانت تحاول أن تستفزها أكثر وهي تستدرك سائلة إياها بنبرة ذات مغزى
((هل هيأتي ابنك حتى يعيش عند والده؟))
انسحب لون وجه سمية.. وارتبكت قليلا فتغضنت ملامح زاهية وهي تشكك
((لماذا لا تجيبين؟ ألم يتحدث معك مَالك عن هذا الموضوع؟))
سارعت سمية تنفي بتوتر
((بلى فعل، كما قال لكم، يزيد سيعيش عند عائلة والده))
ازدردت ريقها وهي تشعر بالعار.. إنها الآن تتلاعب بالكلمات أمامهم بقلة نضج وسخافة فقط لأن مَالك طلب منها ألا تبوح بالحقيقة قبل عقد قرانهم حتى لا يحدث ما قد يفسد زواجهم!
تمتمت زاهية وهي لا تزال تحاول ابتزاز سمية عاطفيا ودفعها على التراجع من زواجها من ابنها
((هذا جيد، فليعين الله الصغير على فراقك فهو متعلق جدًّا بك))
لكن تفاقم الامتعاض الذي يلف الحاجة زاهية وهي لا ترى أي تأثر جلي على سمية لفكرة تخليها عن ابنها من أجل زواجها من مَالك! سرعان ما زاد احتقارها تجاهها أكثر..
لكن الأخرى استقامت من مكانها تقول بتهذيب
((أنا سأغادر، لم أكمل عملي في الحديقة الخلفية))
أمرها يعقوب بهدوء ولطف
((دعك من العمل هناك، من اليوم سأتحدث مع مدبرة المنزل نعمة لتجد امرأة أخرى لتأخذ مكانك في العمل))
تضرجت وجنتا سمية بالحمرة القانية وهي تفهم مقصده، عملها الوضيع في الحديقة لم يعد يناسبها بعد أن ارتبطت بإحدى أولاده! أغمضت عينيها للحظات بتعثر ثم ابتسمت رغم تشنج قسماتها وغمغمت ((لكني أحب كثيرًا العمل في البستان ولا أريد أبدًا أن أتركه، حتى بعد زواجي..))
قاطعتها زاهية باحتدام وصرامة
((هل جننت؟ ماذا سيقول الناس عندما يعرفون بأن كنتنا باقيه في عملها السابق عندنا ولم تتركه..))
بترت زاهية كلامها على مضض عندما شعرت بيد زوجها تربت فوق ظاهر كفها يحثها على تركه يتحدث هو مع سمية ليقول
((زوجتي محقة يا ابنتي، لا يصح أن تظلي في عملك السابق بعد زواجك من مَالك، لكن لا تقلقي فزوجتي ُتعد جناحا لمَالك في القصر يحتوي على شرفة كبيرة، يمكنك زراعة ما تشائين فيها وممارسة هوايتك))
لم تستطع سمية ألا تستجيب لأمرهم رغم حبها المتأصل فيها للزراعة والحدائق.. لكن طالما وافقت على الزواج من مَالك فعليها أن تتنازل من جهتها.. عليها أن تكون زوجة لائقة به بدلا من أن تظل مجرد عبء وحمل ثقيل على كتفيه.. فهزت رأسها وتمتمت بخفوت طائعة
((حسنًا، إذا فقط سأهتم بآخر الأمور المتعلقة بالحديقة الخلفية قبل أن تأتي من تأخذ محلي..))
قاطعتها زاهية بحدة صوتها
((بل من الآن.. من الآن تصرفي كزوجة مستقبلية لمَالك وانسي تماما عمل الحديقة))
تعثرت سمية بالخجل مرة أخرى فأومأت على وهن ثم ألقت السلام وهي تستدير على عقبيها مغادرة..
بمجرد أن حسب يعقوب بأن سمية ذهبت عاتب زوجته بوجوم
((لقد كنت قاسية ومحتدة في الكلام معها))
تمتمت له زاهية دون تردد أو ندم
((بذلت جهدي لأكون ودودة معها بقدر ما أستطيع))
تنهد باستسلام ثم اقترح
((إذن بما أنه لم يبقَ الكثير على عقد القران فلماذا لا تستعجلين يا زاهية في إعلان زواجهما؟))
هزت زاهية رأسها بنفي ثم قالت وصوتها يتهدج برفض
((لا دعنا نتمهل قليلا، ربما يتم التراجع عن الزواج ويغير مَالك رأيه في آخر اللحظات..))
نظر يعقوب لدمعات ترقرقت في عيني زوجته فسألها بنفاذ صبر
((زاهية.. ألم تقولي بلسانك أنك موافقة أمام مَالك؟))
نظر لها بعتاب مجددا فغمغمت له بعتاب أشد
((أنت السبب في مضيه نحو هذا الزواج، لو لم توافق ما كان هناك امل في حدوثه))
تنهد يعقوب بإنهاك قبل أن يقول
((كم مرة عليّ أن أخبرك بأني لست سعيدا من اختيار ابنك.. لكن لا أريد تركه عازب للأبد))
قالت له مستنكرة بمنطقها
((هل صدقت بأنه كان سيبقى عازب للأبد لو لم يتزوجها؟ تفكيره مجرد طيش شباب وكلامه كان سيذهب مع الريح بعد مدة))
خالفها يعقوب هادرا
((صدقيني ابنك عنيد ولن يركن قبل أن يفعل ما يريد، بعد الزواج منها سيعرف الصواب، لكن إذا لم يجرب بنفسه ستظل فكرة الزواج منها عالقة في خاطره وسيوقف حياته للأبد عليها))
تحسرت زاهة بقهر
((المشكلة هي أن زواجه حتى لو انتهى لاحقا لن يكون خاليا من الخسائر له، ماذا سيفعل إذا ابتلي منها بولد أو ولدين، سيظل مربوطا بها للأبد حتى لو طلقها..))
عقب يعقوب بعملية وبساطة
((أين الخسارة التي سيتكبدها يا زاهية في إنجابه أطفالا منها لو تطلقا؟ لا أرى أي خسارة له في ذلك وهذا ما جعلني أوافق على زواجه منها))
سألته بخوف وقلق مستقبلي
((لكن ماذا لو استطاعت تلك البستانية أن تحكم قبضتها عليه ولم تسمح له بتركها، ماذا لو ظل متزوجا بها وواقعا صريعا في هواها لآخر حياته؟))
فتح يعقوب كلتا يديه مستسلما وهو يجيب بتلقائية
((وقتها سيكون قد أحسن الاختيار وسيكون محبا لها بالفعل وما يكنه من مشاعر حقيقية وصادقة، وليس لنا أن تعترض ونعيقه عما يريده))
رفعت زاهية منديلا تمسح عبراتها وهي تبوح بما كانت تكتمه
((هل تعرف يا حاج يعقوب لماذا رفضت في الماضي اقتراحك المتمثل بتزويج الفتاة التي ستكون فتاة ثأر من مَالك بدلا من مُصعب خوفا من أن يظلمها الثاني لأنها قريبة لقاتل يحيى؟))
ظل يعقوب يناظر زوجته بهدوء لتكمل
((لأنه لم يهن عليّ أن يتزوج مَالك من فتاة بتلك الطريقة.. لم يهن عليّ مُصعب أيضًا.. لكن قلت في نفسي مُصعب سبق وأن حظي بزواج سابق على عكس مَالك الذي لا يعقل أن يكون أول بخته زواج متمثل بزواج الدية، لأصدم الآن بأنه سيتزوج من سمية! تلك البستانية! ليته تزوج من عروس الثأر لا سمية!))
أطلقت زاهية نفسا مرتجفا وهي لا تتحكم بذرفها المزيد من قبل أن ترفع يدها تدلك جبينها مغمغة بوجعة قلب أقرب من أن يكون وجع جسدي
((آه يا رأسي))
تنهد يعقوب ليقول بمنطق خبرته في هذه الحياة
((وافقت على زواج مالك منها لمصلحته قبل أي شيء، فأنا لا أضمن ما سيفعله إذا لم يتزوجها ولم يسيطر على نفسه، قراري هذا لم يكن وليد اللحظة بل بعد تفكير عميق في كل مرة قبضت عليه يسترق النظر لها ويخرج معها برفقة ابنها، كما تعلمين فالنظرة الواحدة تكفي لأن تولّد خيال ثم فكرةً ثم شهوةً ثم همًّا يولّد إرادة ثم تشتدّ الإرادة فتصير عزيمةً جارفة، فيقعُ الفعل.. فلماذا لا نقطع الطريق على الشيطان من أولّه ونزوجه إياها طالما لا يريد غيرها!))
ثم عقد حاجبيه كمن تذكر شيئا ونبّه زوجته
((زاهية إذا ما قامت سمية باستضافته ابنها إلى هنا بين الحين والأخر، فعليك ألا تتعاطى معه بنبرة استعلاء أو تثقّل من وجوده، تذكري أن ابنك هو من أقدم على زواجه من أمه بكامل وعيه وإرادته، هذا يحتّم عليك التصرّف بأقصى درجات اللباقة والكياسة معه، وأي ملاحظات حول مواعيد الزيارات أو حول المسؤولية المالية أو غير ذلك من تفاصيل ترتبط بابنها يزيد، يجدر بك مناقشتها مع سمية نفسها بعيدًا عن مسمع طفلها الذي قد تتأذى مشاعره من تلك الملاحظات))
هزت زاهية رأسها له منصاعة بعجز ليس بيدها إلا ذلك..
=============================
في مكتب مُعاذ..
بعدما أنهى جزء من عمله استل هاتفه من جيبه يطلب رقم أخيه مَازن ناشدا التحدث معه باختصار وحزم وقد أجل هذه المحادثة طويلا بسبب انشغاله بعمله..
عندما كان بانتظار الرد قُرع باب مكتبه فسمح للقارع بالدخول.. ألقى الضابط تحيته العسكرية ثم هتف
((سيادة الرائد هناك شكوى بحق الملازم الأول حمد))
وضع مُعاذ هاتفه على طرف الطاولة وأولى تركيزه للضابط أمامه وهو يقول بشيء من الانفعال عند ذكر سيرة حمد
((ماذا فعل ذلك الملازم الأول؟))
تحدث الضابط باستياء لا يظهره
((لقد قرر من تلقاء نفسه أن يمر على حراس العنابر ليتفقدهم وإذا وجد حارسا في يتوضأ أو يأكل أو يصلى أمر بسجنه والخصم من مرتبه، الآن لقد ضجوا الحراس ويريدون شكايته لك قبل أن يصعدوها لمرتبة أعلى))
قطب مُعاذ حاجبيه وصوته يعلو باحتدام
((ماذا يظن نفسه ذاك الملازم الأول هنا؟ أنا بنفسي لا أجرؤ على الخصم بمزاجي!))
ثم استقام واقفا من مكانه يردف بصوتٍ جهوري وهو يشير للباب بيده
((ناد عليه ليحضر، لن أكتفي هذه المرة بزجره وتوبيخه بل سأسحب منه كل الاختصاصات وأولهم صلاحيته في التوقيع على دفاتر الحراس))
هز الضابط رأسه لكن بدا عليه شيء من التردد.. أو الخشية.. لما يتمتع به الملازم الأول حمد من وساطات..
فهتف به مُعاذ بحزم ممزوج بالغضب
((ماذا تنتظر؟ هيا اذهب وناد عليه))
ودون أن ينحسر الغضب عن مُعاذ جلس على مقعده تزامنا مع وصول رد خافت له من الهاتف
((هل أنتَ معي يا سيادة الرائد؟))
تناول معاذ هاتفه وقربه من أذنه هاتفا
((مَازن لقد نسيت أني كنت أتصل بك))
عقب مَازن بسخرية متأصلة بطبعه
((لا بأس، استمتعت بسماع صراخك الآن، طبعك في العمل لا يختلف عن طبعك معنا في البيت))
صحح له مُعاذ بجفاء
((بل هو مختلف كليا، إلا معك أنتَ، لا أحد راضي عنك مؤخرا، حتى أمي))
تناهى إلى سمع مُعاذ صوت محرك وكأن أخيه يقود سيارته وهو يتحدث معه بينما يجيب
((بكل صراحة لقد توقعت اتصالك، فعندما أتجاهل اتصالات أمي أتوقع أن يتواصل أبي معي، وعندما أتجاهل اتصالاته أتوقع اتصالاتك أنتَ))
تنهد مُعاذ وحث نفسه على الصبر والحلم الذي يختفي فجأة فيه حينما يتعلق بأصغر إخوته.. ثم قال بهدوء
((أخبرني ما هي مشكلتك يا مَازن الآن؟ لماذا لا ترد على اتصالات والديّك!))
لم يكن مَازن المركز في الطريق أمامه يملك من الصبر ما يجعله يعيد للمرة الألف سبب تصرفاته فاكتفي أن يقول متهكما لا يظهر الغصة العالقة فيه
((بدون أي سبب محدد))
أطبق مُعاذ على أسنانه وهو يقول
((مَازن أنا مشغول هذه الأيام، ولست متفرغا لعبثك هذا.. إياك أن تتجاهل اتصالات أحد منا من الآن وصاعدا، لأنك لو فعلت فلن أناقشك بل سأقطع عنك مصروفك..))
تشتت نظر مَازن أثناء قيادته ونجح مُعاذ في إخراجه من واجهة الاستهتار ليعترض
((أنا لا آخذ أية نقود منك بل هي من أبي، لا حق لك في تهديدي..))
أكد مُعاذ بلامبالاة
((أيا كان صاحب النقود الذي يرسله لك فسينقطع عنك، لذا احكم عقلك لمصلحتك))
مرت لحظات طويلة صامتة لا يسمع إلا صوت محرك سيارة قبل أن يقول مَازن بصوتٍ فاتر
((حسنا.. لا يهمني.. أيا كان.. اقطعوه من الآن عني.. فأنا لم أجد عملا في مكاني هنا بعد، وقتها سأضطر بقلة حيلة أن أعود للبلاد وهذا ما أهدف له من البداية))
هدر مُعاذ بنفاذ صبر موشك
((مَازن كفاك صبيانية، ألم تكن متحمسا للسفر للخارج!))
قاطعه مَازن بجفاء وصلف
((ثم اكتفيت وأردت العودة فلماذا....... أه لااا))
بتر مَازن آخر كلماته ما إن رأى سيارة أمامه تنحرف عن الطريق لتنقلب رأسًا على عقب فما كان منه إلا أن يميل بسيارته للاتجاه الآخر بحركة غريزية فيصطدم بجذع شجرة.. فأخذ الخوف كل مأخذ من مُعاذ وهو يدرك بأن أخاه قد وقع له حادث بالسيارة.. خانته يده وبدأت ترتجف وهو يتساءل بتوجس
((مَازن ماذا حدث؟ مَازن أجبني حالا))
تمَالك مُعاذ نفسه بصعوبة وهو يزدرد ريقه ويهم للخروج من مكتبه..
فتح الباب ليجد الملازم الأول حمد واقفا أمامه هاتفا وهو يرفع ذقنه بشموخ
((نعم يا سيادة الرائد مُعاذ، بماذا طلبتني مع..))
قاطعه مُعاذ وهو يدفعه عنه بعنف متجاوزا إياه
((اغرب عن وجهي..))
=============================
عصرا..
كانت نورين لا تزال في الخارج في إحدى المزارع القريبة جدًّا من القصر.. فبعد أن استحمت صباحا سارعت ترتدي ملابسها واندفعت للخارج..
لم ترد على أي من رسائل مُصعب التي طالبها فيها بالعودة لتتناول وجبة الفطور أو الغذاء معهم..
فقد كانت قد أعدت لها شطائر لتأكلها هنا.. من الأساس هي لا تشاركهم الأكل على نفس المائدة عندما يعود مُؤيد من المدينة للقصر..
تابعت التجول بالمزرعة القريبة وحيدة تستمتع بالمناظر الخلابة فيها.. تفكر بأن عليها الليلة أو في الغد على أبعد تقدير أن تعود وتتحدث مع مُصعب وتطلب منه أن يناقشها بوضوح وصراحة عن خططه وأفكاره بخصوص ابنة عمه.. ثم فليتركها تفكر بقرارها..
فإذا خرجت من إطار الصراعات والأنانية وحب التملك الذي لن تسمح لنفسها بالتمتع به طويلًا وتقييد مُصعب بها.. فهو يريد ابنة عمه..
يحبها أو لا يحبها لا يهم.. إلا أنه يريدها.. وإلا لما أقدم على تلك العادة القميئة وأقام النهوة عليها..
ثم إن الأنانية صفة غير مرغوبة.. خاصة في المشاعر وليس من المقبول أن تشعر بالراحة وهي تعي جيدا أنه مجبر على العيش معها جسد بلا روح.. قلب بلا مشاعر.. نظرات بلا معنى.. كلمات بلا إحساس..
إذا كانت قد ظُلمت بزواجها منه رغما عنه بهذه الطريقة فليس من العدل أن تجره ليتشارك مناصفة ويتجرع مرارة ظلم هذا الزواج!
في النهاية إذا كان هناك من يمكن أن تلقي اللوم عليه على ما تعيشه فهم عائلتها.. والديها.. هما من سمحا لتلك المهزلة والعادة البالية أن تتم!
وخطأ مصعبه الوحيد أنه كذب عليها وقال لها في إحدى المرات أنها دعوات أمه بالسعادة في ساعة استجابة..
أخذت نورين نفسا عميقا تحاول إيقاف تلك الأفكار العشوائية التي تتزاحم في عقلها لتستمتع بهذه المناظر من حولها قليلا.. هي بحاجة أن تظل في أحضان الطبيعة هنا لوقت أطول لعلها تهدأ من أعصابها المتلفة وقلبها الحزين مؤقتا!
انتشلت هاتفها من إحدى جيوب عباءتها تفتح كاميرته وتبدأ بالتقاط الصور.. لقطة لفراشة تنتقل من زهرة إلى أخرى.. وخراف صغيرة بدأت المشي حديثة العهد.. وغيوم تسبح في سماء صافية تطاردها أشعة الشمس الذهبية.. إحدى الفلاحين يتجول على ظهر خيل أصيل..
هنا لفتها الدهشة وهي تلاحظ إقبال بعض الرجال من المزارعين لداخل المزرعة.. لم تكن تعرف بأن أحد سيعمل هنا في هذا المكان! فهمّت بالعودة للقصر عندما داهمها من الخلف صوت رجولي خشن
((ما الذي تفعلينه هنا يا امرأة؟))
جحظت عينيها وهي ترى مُؤيد يقف أمامها يتلون بها بالغضب الحارق وهو يهتف بها مجددا
((ما الذي تفعلينه هنا بالقرب من هؤلاء الرجال؟))
تصلبت يد نورين الممسكة بالهاتف قبل أن تواجهه مدافعة عن نفسها رغم صوتها المرتجف
((الآن فقط جاءوا للعمل، لم يكونوا هنا قبل قليل))
شعر مُؤيد برغبته في حرقها بناره العاصفة الهوجاء التي لم تخمد وهو يراها تقف أمامه بكل كبرياء وثبات فصرخ بها بجنون مستعر
((اخرسي.. ولا تردي بجواب))
هتفت به بتلقائية وشجاعة
((لا تتحدث معي بهذا الشكل، أنا لا أسمح لك فأنا لم اقترف أي خطأ))
شعر مُؤيد بالدم يفور صعودا لرأسه وبعين متسعة نظر إلى خلفها حيث بعض المزارعين يصبون نظرهم نحوه بتعجب من صوته العالي.. والذين وبمجرد أن وقع نظره عليهم أسرعوا متخبطين يدعون انشغالهم في عمل المزرعة..
عاد يسدد نظره لنورين يأمرها بخفوت بكلمات موجزة حازمة لا تهاون فيها
((هيا للدار، هيا عودي للدار قبل أن أحطم عظامك))
لم تستطع منع شعور الرعب من التسلل إلى داخلها من مظهره المخيف النابض بكل التوعد.. حتى الرغبة العارمة في القتل بدت جليه في مقلتيه.. لكنها تماسكت وهرعت مسرعة تخبئ الهاتف في جيب عباءتها قبل أن تطلق ساقيها للريح نحو القصر.. كانت تشعر به يسير خلفها بخطوات واسعة ليستدركها فزادت من سرعتها..
.
.
في غرفة المعيشة حيث كان معظم أفراد العائلة مجتمعين أمام التلفاز جفلوا على نورين التي دلفت للمكان فجأة وهي تتنفس بوتيرة عنيفة قبل أن تغلق الباب خلفها..
كانت تجول بعينيها باحثة عن مُصعب الجالس والذي بمجرد أن صوبت نظرها عليه حتى انفجرت في البكاء وارتمت في أحضانه..
لفت الصدمة وجوه الجميع وهم يرونها على هذه الهيئة المريعة تبكي بمرارة وعنف..
تجمد الدم في عروق مُصعب وهو يشعر باختضاض جسدها.. وكان يبادل الجميع نظرات الاستهجان قبل أن يزدرد ريقه ويبعد نورين المتشبثة به بقوة متسائلا بقلق عارم
((ماذا حدث معك؟ لماذا تبكين؟))
لهثت نورين في محاولة صعبة للسيطرة على نفسها لتفشل فتقول بصعوبة وغشاوة من الدموع تغطيها
((لقد كنت في المزرعة القريبة قبل قليل..))
أحاط مُصعب وجهها بكفيه يحثها على الإكمال وقلقه عليها يتفاقم
((نعم وماذا بعد؟))
عند هذه اللحظة فُتح الباب بصوت مدوي بينما يدخل مُؤيد بملامح متوحشة ثائرة
((هل جُنت زوجتك يا مُصعب لتتجول في المزرعة أثناء عمل المزارعين وبينهم؟))
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!