لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل العشرون
تنهدت سمية بإجهاد وهي تحاول مجاراة خطوات رتيل أمامها المتعجلة نحو القصر.. قبل أن تتوقف مكانها تلتفت لها بالخلف موبخه بوجه جامد غير مقروء
((أسرعي يا سمية.. الحاج يعقوب قال بأنه يريدك أن تحضري حالا))
شيء من الاستغراب حل على ملامح سمية وهي تستهجن طريقة تحدث رتيل معها العدوانية الممزوجة بالاحتقار وكأن الحاج يعقوب يريدها بعد أن سمع عنها شيء مخزي! ازدردت ريقها قبل أن تتساءل بوجل
((كيف كان شكله وهو يخبرك أن تناديني؟ هل كان غاضب؟ أم كانت ملامحه عادية؟))
ظلت رتيل ترمقها بنفس ملامحها الجامدة ثم التفت تمضي قدما للأمام هادرة
((لنصل عنده وستعرفين بعدها ماذا يريد منك!))
تابعت سمية السير خلفها وشكوك عديدة تقتحم مخيلتها!
لا بد أنه غاضب بشدة منها فهذا ما تنبئ به ملامح وجه رتيل!
لكن ما الذي فعلته وجعلته يستاء منها؟ هل مثلا غير موافقته بزواجها من مَالك بعد أن استحكم عقله ويريد منها أن تبتعد عنه!
نعم لا بد أنه شيء متعلق بزواجها من مَالك فلا يوجد شيء أخر قد يثير غضبه سوى هذا الأمر!
أدركت سمية خطوات رتيل لتسير بجانبها على الطريق ثم دمدمت بصوتٍ متحشرج لا تعرف سبب تفاقم ذاك الشعور الرهيب القاتل داخلها
((هل مَالك حاضر أم أن الحاج يعقوب يطلب رؤيتي وحيدة؟ اشعر بخوف مبهم))
قالت رتيل دون أن تنظر لها وهي تدلف من باب القصر
((نعم مَالك حاضر بل كلنا مجتمعون في غرفته.. هيا اتبعيني، أسرعي))
.
.
تطلع يعقوب بهدوء إلى حيث تجلس زوجته.. على سرير مَالك بينما تحتضن يزيد الصغير.. فجرت تعابير الذنب والندم على محياه كالسيول العارمة لتغسل قسوة ملامحه وترقق خطوط التجاعيد حول وجهه..
لم يكن عليه صفع مَالك أمام هذا الصغير!
خطى بإجهاد نحو السرير يجلس بجانب يزيد من الجهة الأخرى..
مدّ يده بارتباك نحو كتفه الصغير يديره نحوه مدمدمًا بخفوت
((يزيد.. حفيدي))
رفع يزيد الملتاع وجهه له يطالعه بخوف يسكن نظراته كمأوى دائم عندما يكون في حضرته هو وزاهية..
خصلات شعره الأسود تلتصق بوجهه المحتقن بالدموع.. يده الصغيرة المرتجفة متقبضة..
مد يعقوب كفه يلامس شعره فانتفص الأخر قليلا.. فبدت مشاعر يعقوب في هذه اللحظة متخبطة تمامًا مثل هذا الصغير.. وما يمر به الآن أكبر من أن يصفه.. أصعب من أن يفسره..
ويصل في النهاية لحقيقة مقيتة واحدة!
هذا الطفل الذي اتضح بانه حفيده.. يخشاه!
إنه يخشاه.. لطالما كان يخشاه.. يبغضه.. يكره وجوده معه في نفس المكان بسبب جفائه وبروده المتعمدان تجاهه!
رباه!
كم من مرة اسمع هذا الصغير الذي اتضح أنه حفيده بأقسى أنواع وأصناف الكلمات التي لا تتحملها هشاشة طفل!
كم من مرة عاتب مَالك أمامه على سماحه له للدخول إلى هذا المنزل دون أن يهتم بمشاعره!
شعر يعقوب بألمٍ وحشيّ ينخر قلبه لكنه سرعان ما خرج من دوامة جلد الذات على صوت مَالك يخبره
((يزيد يعرف بأنه حفيدك.. لا تقلق.. لم أخبئ عليه الحقيقة يوما!))
أطبق يعقوب على أسنانه وصوت مَالك يذكره بحقيقة أنه الجاني والسبب في كل هذا! هو من أخفى حقيقة حفيده عنه.. فتطلع له بوجه مزدر يقول بمرارة لاذعة
((بالتأكيد يعرف بأننا جديه، فهو يعي تماما بأنك والده!))
ثم استطرد من بين أسنانه مغمغما باشمئزاز
((هل تستلذ في تعريضنا لكل هذا؟ هل أنتَ مستمتع وأنت ترانا غارقين في الألم وجلد الذات؟ هل يرضيك أن تقتلنا؟))
عند هذه اللحظة وجدت زاهية نفسها ترفع كلتا يديها لتغمر وجه يزيد الصغير وتلومه بصوتٍ متهدج
((يزيد، لماذا يا حفيدي لم تخبرني بأنك ابن مَالك!))
أخفض يزيد عينيه وهو يشعر بضغط عصيب عليه! لا يعرف إذا ما كان أخطأ وبماذا أخطأ! خاصة ومن تكون جدته تعاود لومه بإلحاح وحرقة قلب
((لماذا يا حبيبي لماذا! أنتَ تكرهني الآن؟ أنتَ تكرهني!))
أغمضت زاهية عينيها وهي تتمتم بنفس الكلمات بنفس الألم حتى أخذت تنهت من تعب تكرارها وهتفت بفجيعة باكية كمن تحدث نفسها
((رباه! حفيدي يكرهني.. أنه يكرهني.. لا اصدق ذلك.. لطالما كنت اشعر بعواطف غريبة تجاهه.. وبدلا من أن استدل من خلالها بأنه من صلبي كانت أقسو عليه وأبغض رؤيته حتى لا تداهمني طيف تلك الحقيقة التي لم أجرأ حتى على تخيلها! كان عليّ أن اعرف بأنه حفيدي.. كان عليّ ذلك.. أي جدة متحجرة القلب ومنعدمة المشاعر أنا!))
فتحت زاهية عينيها تطالع زوجها الذي كان جسده الضخم في هذه اللحظة عبارة عن شعلة من المشاعر المتفجرة الغاضبة المكتومة لتتساءل بحرقة
((ما الذي علينا أن نفعله يا يعقوب؟ حفيدنا يكرهنا!))
أجابها يعقوب بنبرةٍ جافة حملت بردًا لاسعًا ونظره مسدد نحو مَالك
((علينا أن نعيد تربية ابنك الطويل الواقف هناك، لو كسرت رأسه الصلب هل سيلومني أحد؟))
انتفض يزيد الصغير في هذه اللحظة من بين يديه جدته وتطلع نحو جده هاتفًا بذعر
((لا أرجوك لا تفعل ذلك..))
كان يعقوب يريد إكمال حديثه إلا أن كلمات حفيده الصغير التي تناهت على مسامعه جعلت صوته يخونه.. وتخنقه العبرات وتهتز روحه كلها داخل جسده وكأنها تئن!
في حين اضطربت عواطف مَالك كالموج البارد.. تغرق قلبه وكيانه!
لطالما حرص على إخفاء حقيقة يزيد لا لشيء إلا لكسب ود سمية وفعل ما يريحها.. ولم يفكر يوما إذا كان إخفاء هذه الحقيقة الخطيرة من مصلحة يزيد أو لا.. بل هل تؤذيه أو لا! لكنه الآن وفقط أدرك فداحة ظلمه لابنه!
فرفع كفيه ليغرز أصابعه في شعره يضغط رأسه كأنه يريد تحطيمه.. فعقله القابع داخل هذا الرأس لم يسعفه ويبين له يوما فظاعة ما فعله!
في هذه اللحظة قطع هذه الأجواء المتوترة صوت فتح رتيل الباب ودلوفها للداخل ومن خلفها سمية تقول بخفوت مرتبك
((السلام عليكم جميعا.. كيف حالكم؟))
عند هذه اللحظة صوب يعقوب عيناه نحو سمية يطالعها بنظرات ساخطة أثارت الذعر في قلبها مِمّا ينتظرها وهتف
((ها قد جاءت زوجتك التي كنت تتحايل معي لأزوجها لك لأكتشف في النهاية بأنه زوجتك وأم ابنك بالفعل))
ازداد قلب سمية انتفاضا وتطلعت على الفور لمَالك تسأله بتلججٍ وذعر
((هل أخبرت والدك بكل شيء؟))
رشقته سمية بلوم وعتاب! لم يتفقا على إخباره بتلك الطريقة دون تمهيد! كيف فعل بها هذا ووضعها في موقف مخزي كهذا!
فهم مَالك الذي كان يبادلها النظرات ما تفكر بها وأشفق عليها مما ينتظرها رغم أن موقفه كان أسوأ! فازدرد غصة مسننة قبل أن يقول بصوتٍ فيه بحة
((لا، لم أخبره ولا أدري كيف عرف))
ثم طالع والده يكمل
((وسمية ليست زوجتي، نعم لقد كنا متزوجين منذ سنوات، زواج استمر لأقل من سنة واحدة، لكن انفصلنا بعد ذلك.. وكنا نخطط لأخذ موافقتكما قبل أن نعود لبعضنا، وهذا ما حصلنا عليه))
هتف يعقوب بابنه ساخطا
((لقد أخذت موافقتنا على أنه زواج طبيعي أول.. لقد تلاعبت بكلامك فينا.. لحظة..))
لف شيء من الشحوب وجه يعقوب وهو يشرد بنظره بعيدا متمما بتيقظ تائه
((لحظة.. هل قلت لي بأن زواجكما لم يزد عن سنة؟ إذن.. هل.. هل يمكن.. بأنكما تزوجتما لتنجبا يزيد ثم تطلقتما؟))
أغمض يعقوب عينيه للحظات يجد صعوبة حتى في التفكير بأمر كهذا لينطقه! لكنه أعاد سؤاله مجددًا بصوتٍ غريب.. شديد العمق والخطورة
((هل كان سبب الزواج.. هل كان والعياذ بالله سبب هذا الزواج لحملها أو..))
جحظت عينا مَالك ما إن فهم مقصد والده وسارع بانفعال دون سيطرة يصحح
((لا يا أبي، اقسم لك بالله العظيم بأني لم ألمس ولو شعره منها قبل عقد القران بيننا وأثباته في المحكمة، هي فقط مرة واحدة التي أمسكت يدها بغير وعي وصفعتني، وحدث هذا الموقف أمامك أنتَ))
صمت مَالك بعدها وصدره يعلو ويهبط بقوة وأنفاسه محتدمة.. وكأنه يزأر.. يزأر بالألم وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما من شدة انفعاله..
نادم على كل شيء فعله وخطط له تسبب بجعل من حوله يسيئون الظن به وسمية!
همس يعقوب بازدراء وخشونة
((وهل هذا يقلل من حجم المصيبة التي قمت بها! لو أبرحتك الآن ضربا ولساعات فليس لأحد حق الاعتراض..))
هذه المرة انتفض يزيد كله وتملص من يديّ جدته بقوة ليندفع متقدما نحو مَالك.. يقف أمامه ويرفع كلتا ذراعيه بحمائية عفوية.. ويواجه جده قائلا بشجاعة رغم امتزاجها بالخوف
((لا أرجوك لا تضرب عمي مَالك..))
عض مَالك على شفته السفلى بوجع.. وإقدام طفله الصغير بالدفاع عنه يدفعه للبكاء بعذابه..
أما زاهية فاعتصرت نظرات حفيدها الملتاعة قلبها..
ترققت ملامح يعقوب المحتدة لما سمعه وبالكاد تماسك بصلابة ألا ينهار وهو يلامس كل هذا الحنان الفياض القابع بداخل حفيده تجاه مَالك رغم عدم استحقاقه له..
فابتلع مشاعره وتعابيره وغللها بإجحاف لا يريد فعل أو قول شيء لمَالك يحزن حفيده! لكنه مع ذلك هتف بغضب ملامحه ونبرته المشحونة
((إنه ليس عمك.. بل والدك يا يزيد.. والدك))
نكس يزيد وجهه أرضا في حين أنخفض مَالك لمستواه.. أحاط كتفيه وأداره له يضمه لصدره بقوة شعوره بالذنب تجاهه..
أما سمية التي كانت تناظر هذا المشهد تنفست بحرارة وهي تقول بصوتها الرقيق المتذبذب ليعقوب
((إنه يعرف بأنه والده.. لكن كنت ألقنه أن يدعوه بـ"عم" حتى لا يتعود لسانها على نطقها بغير وعي أو إدراك أمام أحد ويشتبه بالحقيقة))
انكمشت ملامح يعقوب الذي كان يبادل سمية النظر باشمئزاز منها..
كانت تعرف أنها الملامة الأكبر فهي الأنضج سنا ومن يفترض أن تكون الأوعى لكن يعقوب لن يلوم أحد إلا ابنه ففي عُرفه الرجل دائما من يتحمل المسؤولية الأكبر في الخطأ! لذا عاد يطالع ابنه مغمغمًا بصوتٍ سقيم
((من الجيد بأنه لا يناديك بـ "أبي" فأنتَ لا تستحق هذا اللقب، أنتَ لم تكن موجود له إلا كاسم في شهادة ميلاده لكنك في الحقيقة كالميت له تماما، ما فعلته بابنك هو انتكاسة للفطرة وآلام لها صدى سيؤثر على تفكيره للأبد))
عقد مَالك حاجبيه بشدة وكلمات والده اللاذعة تخترق روحه فتحرقها في عذاب لا ينتهي..
مسد يعقوب على صدره المُطبَق عليه بأنفاسه المختنقة مرددا بنبرة خافتة
((أنتما الاثنين بلا ضمير ولا أخلاق.. لماذا فعلتما ما فعلتماه! لماذا! لماذا! لماذا قد تحرمان حفيد من جديه.. لماذا تحرمانه حقه في النشوء في بيت عائلة أبيه والتمتع بكل حقوقه كاملة كحفيد للكانز!))
عقد مُؤيد حاجبيه وهو يناظر حركة يد والده فوق صدره فاقترب منه وامسك ذراعيه يدعوه للجلوس برجاء ضمني
((اهدأ يا أبي، أرجوك استرح، أنا قلق على صحتك))
غمغم يعقوب بقهر الرجال
((وهل بقي عندي صحة بعد الصدمة هذه التي عرفناها عن أخيك!))
أصر عليه مُؤيد بإلحاح
((حتى ولو يا أبي.. أرجوك اجلس.. أرجوك.. أن شاء الله لن يحدث إلا كل خير))
استجاب يعقوب لابنه وجلس بجانب زوجته التي كانت تكتم شهقاتها فربت بكفه فوق كتفها يهدئها ثم غمغم بخشونة
((بالطبع لن يحدث إلا خير.. فكما حرمونا من حفيدنا الذي لم نكن نعرف عن تواجده سأحرمهما إياه لأخر العمر.. هل تسمع أيها المنحط عديم الإنسانية؟))
تدخلت سمية على الفور هاتفة
((لا يا حاج يعقوب، إنه خطئي، خطئي بالكامل ومَالك ليس له ذنب فيما حدث، كل ما في الأمر أنه كان يجاريني.. أرجوك سامحني..))
تنحنحت مرارًا ليخرج صوتها بلا بحةٍ فيظنها محاولة بائسة منها لتثير شفقته قبل أن تستطرد
((اعترف أنه خطئي وأتحمل مسؤوليته كاملة، لم يكن عليّ قبول الزواج من مَالك منذ البداية.. لم يكن عليّ أن اقبل ذلك وأورطه مع امرأة تكبره عمرا.. ولكن إلا ابني.. لن أتحمل أن تبعده عني.. إنه سندي وأخر ما تبقي لي في هذه الحياة))
صرخ مَالك بها باحتدام
((توقفي يا سمية عما تقولينه وإظهاري بمظهر الغر عديم المسؤولية حتى وأنا أقف أمامك كرجل في نهاية العشرينات من عمره..))
تشدق يعقوب بمرارة هاتفًا بابنه
((رجل؟ رجل؟ هل تطلق على نفسك رجل أيها المنحط؟ أنت لا تتمتع بذرة رجولة أو أبوة.. ابنك لما يزيد عن السبع سنوات نشأ هنا كابن بستانية في حين أولاد عمه الذين يماثلونه عمرا يمشون مرفوعين الراس متفاخرين بأصلهم واسم عشيرتهم.. وتعتبر نفسك رجل؟))
امسك مُؤيد كتف والده يحثه على الهدوء مجددا فنفضها يعقوب هاتفًا بانفعال
((ابتعد عني يا مُؤيد ودعني أللقن هذا المتبختر بنفسه درسا لن ينساه.. سأمحي ملامح وجهه هذه وأشوهها..))
شدد يزيد من احتضان والده وهو يهتف بصوتٍ متهدج
((لا أرجوك، لا تضربه.. أرجوك لا تقترب منه.. لن أسمح لك..))
شعر مَالك بقلق ابنه ورعبه يتفاقم.. فهمس له بحنان وهو يحرر نفسه منه
((يزيد حبيبي ابتعد قليلا عني..))
استقام مَالك واقفا فنظر يزيد للأعلى له هادرًا بوجهه الأحمر الغارق في دموعه
((لن اسمحَ لأحد أن يمسك بسوء..))
اختلجت شفتا زاهية لوعة.. فدمدم يعقوب
((هل تدرك يا مَالك الآن كم أنتَ نذل؟ بل عار على الأبوة.. تبا لك يا مَالك.. تبا لك.. لا تستحق دفاع ابنك عنك أبدًا!))
ثم استطرد كلامه ساخطا بصوتٍ جهوري
((غادر يا مَالك الآن فأنا لا أريد أن أراك هنا ولا لثانية إضافية))
أمسك يزيد ذراع والده بقوة وغمغم بتوسل بعد أن انفجر ببكاء مرير
((لا.. لا تتركني.. أرجوك لا تذهب.. ألم تعدني بالعودة لأمي والعيش معها تحت سقف بيت واحد كعائلة طبيعية؟ هل ستتراجع عن وعدك؟))
ازدرد يعقوب ريقه وهو يشعر بمشاعره تتضارب داخله بعنف بينما يناظر حفيده الذي يطل من كلامه احتياج صارخ لوالده وحب جارف.. فاستقام واقفا يقول بصوتٍ أجوف عميق
((اتركه يا مَالك وألحقني الآن..))
اتجهت أنظارهم ليعقوب وهو يغادر الغرفة بصلابته لا يبدو عليه احتدامات مشاعره..
غمر مَالك يده بشعر يزيد المموج ثم ابتسم لعينيه هامسا بما يطمئنه
((سأذهب خلف والدي لأرى ماذا يريد ثم سأعود إلى هنا، فتوقف عن البكاء وابقَ قويا كما عهدتك))
أومأ يزيد له وهو يضم شفتيه يمنع نفسه من النحيب وأصابعه الممسكة بذراع مَالك تتراخى تدريجيا..
غادر مالك الغرفة يتبع والده وبتلقائية لحق بهم مُؤيد..
سارعت زاهية تمد يديها ليزيد هاتفة برجاء
((تعال يا حفيدي..))
ظل يزيد جامدا بينما تسحبه جدته وتضمه لصدرها.. ولم يقل شيئا إلا بعد دقائق وهو يناظر والدته الصامتة بينما تقف في الزاوية
((أمي لماذا طلب منه أن يتبعه؟ ماذا سيفعل معه فقد بدا غاضبا جدًّا؟))
رفعت سمية وجهها له وقالت مبتسمة بذبول
((لن يفعل شيء له يا حبيبي))
تطلعت زاهية نحوها لتهتف بحدة وكأنها انتبهت لبقائها
((لا تتحدثي معه واخرجي من هنا حالا))
تلعثمت سمية باعتراض ورجاء
((ولكن يا حاجة زاهية أنا..))
علا صوت زاهية أكثر
((أخرجيها يا رتيل من هنا قبل أن تنفلت أعصابي عليها))
تململ يزيد من أحضان جدته هادرًا بنفور
((سأذهب معها..))
تطلعت زاهية بذعر لحفيدها وهتفت وهي تحكم من إمساكه
((لا لن تذهب.. لا يا يزيد أنتَ مكانك هنا.. لا تفكر بالرحيل من هنا.. لا أنا لن أتحمل))
تطلعت رتيل بتجهم لسمية ووبختها
((حثيه يا سمية على البقاء هنا.. هل تريدين أن تلقى عمتي حتفها بسببك!))
لف الذنب سمية وقالت لولدها بحنان
((سأعود سريعا يا يزيد، عليك أن تظل هنا مع جدتك))
اغرورقت عينا يزيد بالعبرات وذابت نظراته في عينيها وهو يقول
((ولكني لا أحبها.. لا أحب أن أبقى هنا معهم وحيدا))
تجمدت دماء زاهية لما تسمعه بينما يديها التي تضمان حفيدها تتراخى عنه! لم تعتقد إنه يكن له مشاعر غير هذه لكن يظل سماعها صريحة واضحة من حفيدها لهو أمرا مفجع.. وأضعف مما يتحمله قلبها الضعيف!
اقتربت سمية نحو ابنها تقول بصوتٍ متحشرج وهي تحيط وجهه بكلتا يديها
((ألم تكن متحمسا قبلا للسكن هنا؟ ألم تكن متلهفا أن يكون عندك غرفة هنا؟ ماذا تغير الآن يا يزيد!))
ردّ يزيد بصوته المتهدج
((كنت متلهفا للعيش هنا لان عمي مَالك يسكن هنا.. كنت أريد أن أكون في أي مكان يكون هو فيه حتى أكون معكما..))
عقبت رتيل وهي تلكز سمية بخفة وتناظر وجه حماتها الشاحب
((انظري ما حدث لعمتي بسببك! غادري واتركيه هنا..))
أغمض يزيد عينيه ودموعه الحارة تتدفق باستمرار ثم رفع يده يحاول أمساك والدته مغمغما بأنفاس متقطعة
((لا أمي لا تذهبي أرجوكِ.. لا تذهبي..))
منعت سمية نفسها مشاركته البكاء بشق الأنفس وهي تأمره برجاء معجون بالحزم
((يزيد حبيبي أنتَ ولد مطيع، سأعود قريبا لأخذك لكن عليك أن تبقى هنا الآن))
واستدارت على عقبيها مغادرة الغرفة قبل أن يصبح الأمر أصعب عليها! عليها أن تذهب للحاج يعقوب وتحاول شرح المزيد له.. لن تستطيع ترك مَالك بمفرده وهي المسؤولة عن كل شيء!
تطلع يزيد الباكي لرتيل.. أقرب الأشخاص هنا له بعد مَالك وتوسل لها بصوته المهتز الرقيق
((أنا أريد اللحاق بها.. لا أحب أن أظل هنا وحيدا بدون أمي أو.. أو عمي مَالك))
أشاحت رتيل بوجهها بعيدا ولم تعرف ماذا تقول بينما أدارت زاهية وجه يزيد لها وهي تدمدم بصوتٍ معذب
((يزيد أنتَ تكرهني! صحيح؟))
انهمرت عبراتها عنوة تزامنًا مع زيادة اتساع بؤبؤيها..
سهام كلمات حفيدها التي نطقها قبل دقيقة مازالت منغمسة في صميمها حتى نزفت تعابيرها بالشجن والعذاب.. فألحت عليه بقهر وألم
((أنا هي جدتك.. أنا هي والدة أبيك.. أنتَ كنت تعرف ذلك من قبل.. لماذا لم تخبرني بحقيقتك؟ لماذا جاريت والديّك في إخفاء الأمر عنا؟))
جفلت قليلا كمن تذكرت شيئا ثم قالت بلهفة وهي تجتذبه نحوه
((يزيد.. هل تعرف لماذا اختار والديك اسم يزيد لك؟ هل أخبرك السبب))
نسي الصغير كل شيء حوله قليلا وركز بملامح جدته وهو يجيب ببراءة
((إنه اسم والدك.. قال بأنك كنتي ترغبين أن يكون أسم أحد أحفادك يزيد ولكن العم مُؤيد رفض..))
رغما عنها أفلتت زاهية ضحكة حلوة قصيرة منها لتميل بفمها وتلثم باطن كفه فيرتعش قلبه وهو يسمح لها أن تجتذبه منها أكثر وتحتضنه..
أسندت زاهية ذقنها فوق رأس الصغير وعَبرة من بحر دموعها سالت من عينها لتعبر من خدها الى وجنة حفيدها..
ثم أغمضت عينيها محاولة التغلب على ذلك الشعور القاسي.. فكم من مرة تعاملت بجفاء وبرود وقسوة وتعالي مع هذا الطفل الصغيرة جاهلة أنه حفيدها!
كم من مرة أظهرت له النفور والمقت كلما حاول أن يتعامل مع مَالك أو ينخرط في اللعب مع أولاد مُؤيد!
هل يمكن لطفل صغير مثله أن ينسى كل هذا ويتعامل معها فجأة كجدته؟
فتحت زاهية عينيها متنهدة بحرقة قلب لتغمغم بصعوبة
((قل لي "جدتي" يا يزيد.. أرجوك قلها لي..))
خيم صمت طويل بينهما وابتعدت زاهية قليلا عنه تطالع ملامحه بعمق طاف على محياها وهي لا تزال تحتضنه..
في البداية كان يزيد متشنجًا رافضًا لكن شيئا فشيئا تراخى جسده قليلًا ليهمس بصوته الطفولي الرقيق
((جدتي..))
ابتسمت زاهية وعيناها تشعان بوهج حنون خاص قائلة بنبرة متحشرجة
((دائما قلها لي يا يزيد.. فأنا جدتك))
تجمعت المزيد من الدموع في عينيها وضمت كفيّه الصغيران بيديها هادرة بندم حقيقي
((سامحني يا يزيد على تعاملي السابق معك، لقد كنت قاسية عليك دون أن اعرف بأنك حفيدي.. لكن منبع تلك القسوة كانت ريبتي الرهيبة من كل شيء متعلق بك.. وذلك الشعور الخانق الذي لا أجد له تفسيرا كلما مررت من جانبي.. وكلما نطق أحد اسمك.. وكلما تعامل معك مَالك بأبوة عجيبة.. وكلما نظرة إلى وجهك الشبيه بوجه أبيك))
احتارت ملامح يزيد وهو لا يبدي شيئا بينما يحتفظ بالصمت.. بعد لحظات نكس رأسه قليلا ثم همس بشيء من التردد
((أريد أمي..))
تضايقت ملامح زاهية وهي تقول
((لن تذهب لامك.. أنتَ ابن الكانز.. مكانك هنا.. يكفي تلك السنين التي فاتتنا دون أن نعرف حقيقتك..))
عاد يزيد يتشنج قليلا ثم قال بقلق عارم
((ألن أعود لأمي؟ خالة رتيل أنا أريد أمي))
تطلع أثناء جملته الثانية نحو رتيل متضرعا فقالت برجاء وتأني لحماتها
((لا تضغطي عليه يا عمتي وأرسليه لامه))
غمغمت زاهية بامتعاض وقهر
((أخبريه هو ألا يضغط عليّ ولا يحرمني منه بعد ما عرفت من يكون))
ثم تطلعت لعيني يزيد البريئة تقول باختناق وحرقة قلب
((يزيد أنا بحاجة أن أزيل كل ما شعرت به بسبب ا كنت أقوم به وافعله في الماضي بك، أنا بحاجة أن أكون جيدة معك وان افعل ما يستوجب منك مسامحتي))
لم يجد يزيد ما يجيب عليه إلا أن يتنهد بثقل لا يُحتَمل على صدره المنقبض.. فعادت زاهية تحتضنه وشيء في يزيد جعله رغم عدم اقتناعه يحاوطها بذراعيه في صمت ليحتضنها هو الآخر..
بقيا للحظات طوال هكذا متعانقين..
راقبتهما متجهمة بعينين مثقلتين حزنا عليهم وتعاطفًا وهي لا تجد ماذا تقول أو تفعل فغادرت المكان تعطي حماتها المساحة لتبقى مع حفيدها الذي عاش عمرا دون أن تعرف عنه شيئا..
=============================
في مجلس الرجال..
وقع نظر يعقوب على سوط مخبأ عند الزاوية فتقدم ناحيته يمسكه ثم يتلمسه بينما يقول بصوتٍ عميق أجوف
((الآن فقط أدركت فداحة خطئي عندما لم أعلق هذا السوط في البيت، فرؤية الأطفال للعصا والخوف منها هو ما يردعهم عن الخطأ ويُقوم أخلاقهم وسلوكهم ويجعلهم يسارعون إلى الالتزام، فالطفل إذا لم يحاسب على عناده ومشاكسته وأخطائه يكبر وهو يعلم بأنه مهما فعل فلن يعاقب))
ثم نظر ناحية مَالك يستطرد بصرامة
((كنت دائما ما أقول لأمك في تعاملها معك أنتَ وتؤامك أن الطفل بحاجة إلى علاج بالتأديب، لكي يحس بأن الأمر جادًا لا هزل فيه، فعندما يذوق ألم التأديب، يعرف قيمة الحنان والعاطفة التي تدفقت عليه من والديه قبل خطأه ويشعر بضرورة الانقياد والطاعة وحسن الخلق، لكنها كانت دائما ما تكتفي بشد الأذن ليعرف الواحد منكما ألم المخالفة وسرعان ما تضعف أمامكما، والنتيجة أنكما الاثنين دون أخوتكم كسرتما ظهري، ونكستما من هامتي.. وكأنه لن يهدأ لكما بالا قبل أن تفضحاني في كل أرجاء القرية..))
دمدم مَالك بصلابة وبصوت مثقل
((أنا لم أخطأ يا أبي، لا في زواجي منها ولا في انجابنا ليزيد، ربما كان الأجدر بنا ألا نخفي الحقيقة عنكم لكن كانت لدينا أسبابنا، على كلٍ إذا كنت ترى بأني مخطأ واستحق العقاب بالسوط التي تمسكه فيمكنك ذلك.. ابرحني ضربا على كل خطأ اقترفته منذ طفولتي وحتى الآن))
اتسعت عينا يعقوب من استهانة واستهتار حديث ابنه فطالع مُؤيد يهتف منفعلا بدون تصديق
((انظر لأخيك كيف يتحدث بتبجح معي دون أن يرف له جفن، والأنكى بأنه لا يرى نفسه مخطئا أبدًا.. بؤسا ليزيد لامتلاكه أبا مثله.. حرمه من أقل وابسط حقوقه ولا يبدِ أي ندم على ما فعله رغم أن الندم لن يغير شيء))
ثم طالع مَالك يصرخ به بأعصاب منفلتة
((هل تظن لمجرد أنك والده فسيكون لك على ابنك حقوقا مهما فعلت أو لم تفعل؟))
في نهاية حديثه تصاعد احمرار وجهه ونفرت عروقه كأعمدة بركان تتدفق حممه سخطًا فأمسك مُؤيد كتفه يحثه بهدوء
((تمَالك يا أبي نفسك واجلس قبل كل شيء..))
هتف مَالك مبررا
((نعم أنا اعترف بأنني ظلمت يزيد ولكن كما قلت لك كان لدي أسبابي وفعلت ما رأيت بأنه سيكون الأفضل له..))
قاطعه الحاج يعقوب صارخا باستنكار
((وما هي هذه الأسباب؟ أفحمني بها وبرر الجريمة التي ارتكبتها بحق ابنك قبل أن تكون بحق أحد أخر..))
برر مَالك ناشدا تفهمه
((لقد خفتُ إن عرفتم حقيقة يزيد وطلاقي لأمه أن تنتزعاه منها رغما عنها، وهي كانت متعلقة به جدًّا ولم تكن لتتحمل أن تبتعد عنه، ولم أكن لأقدر آنذاك على فعل شيء ومؤازرتها ضدكم لأني أعيش تحت ظلكم لعدم امتلاكي وظيفة تدر دخلا عليّ أو مكان أخر..))
قست عينا يعقوب ليقول بعنفه الغير طبيعي
((تقف بجانبها ضدنا؟ هل أنتَ مجنون؟ هل أخذت سمية كل عقلك إلى الحد الذي أنتَ فيه مستعد أنتَ تقف معها ضدنا؟))
اهتاجت ملامح يعقوب أكثر فاستقام يتابع كلامه بصوته الناري
((ابتعد يا مُؤيد واتركني ألقنه درسا لا ينساه، اخرج من هنا إذا كانت نيتك أن تحميه مني وتدافع عنه))
أبعد مُؤيد يده التي كانت مرتاحة على كتف والده وقال ببراءة
((أبي أنا امسك كتفك فقط ولا أمنعك عنه، لم أتي هنا لأدافع عنه بل لأشد على ازرك، ابرحه ضربا.. لكن دون أن تضغط على أعصابك أكثر))
أطبق مَالك على أسنانه وهتف بأخيه بشراسة
((مُؤيد ابتعد من هنا ستنحدر الأمور لمنعطف أسوء بسببك..))
صرخ مُؤيد في مَالك
((ماضيك المخزي هو ما سيجرك أنت إلى منحدر أسوء.. كيف سنخبر الآن كل من في القرية عن زواجك وابنك الغير معلن به.. ها أخبرنا بالله عليك كيف؟))
غلت الدماء في عروق يعقوب عند هذه النقطة فهتف بصوتٍ مجهد والقلق من القادم يستبد به
((هذا موضوع ثاني لم ندخل له بعد.. ماذا سيقول وجهاء القرية وأقاربنا وكل من حولنا عندما يعرفون بأن ابني تزوج سرا وعنده ابن يتجاوز عمره السبع سنوات! سيظنون الظنون الرابيات عنه وكلٌ سيؤلف على مزاجه سبب زواج مَالك من تلك البستانية وإخفائه لسنوات طويلة!))
تنهد مُؤيد وكتف ذراعيه مضخما من المصيبة
((معك حق يا أبي، مهما حاولت تخيل ماذا سيحدث عندما يعرف الجميع فوقع الأمر في الواقع سيكون أسوء.. كيف سنُعلم خدمنا وعمالنا ومن يعرفون البستانية سمية وأبنها بأنه ابن مَالك وحفيد يعقوب الكانز! يا إلهي الأمر أعقد وأسوأ مما قد نتخيله! هل قتل مَالك حلال يا أبي؟ لأنه من وجهة نظري لا حل أمامنا إلا إلقاء مدلل امه من وادي سحيق وإخفاء حقيقة يزيد.. أفضل وأسلم حل))
تمتم مَالك وعيناه تبرقان بالغضب
((مُؤيد اخرس وابتعد من هنا قبل أن أبرحك ضربًا..))
صرخ يعقوب بعلو صوته على مَالك
((اخرس أنتَ أيها النذل، أخاك معه حق..))
علا الدم في عروق مَالك حتى كاد ينفجر من عينيه المحمرتين وهو يقول بقهر
((أبي للمرة الثانية فأنا اقسم لك بأني لم اقترب منها قبل عقد قراننا وتثبيته في المحكمة! لذا توقفت أنتَ وابنك عن التلميح..))
نظرة سخرية لاذعة أطلّت من عيني يعقوب ليقول
((أقسمت لنا وصدقناك وماذا بشأن الناس؟ هل ستذهب لكل بيت في القرية بيتًا، بيتًا تلقى على مسامعهم أغلط الأيمان بأنك لم تخطئ مع سمية؟))
حافظ مَالك على رباطة جأشه مخالفا
((أبي هناك أوراق رسمية وهوية وسجل عائلي ليزيد لا يستطيع أحد أن يتجرأ ولو بكلمة..))
انفجر يعقوب به صارخا باستهجان
((أيها اللعين الأهوج أهون ما قد يخطر على بالهم عند انتشار حقيقة هو أن يزيد نتاج خطيئة ابن الكانز مع احدى العاملات عنده! والله ظنونهم وشكوكهم ستكون كالأنياب الشرسة التي تنهشنا بلا رحمة أو شفقة))
طفح الذنب على ملامح مَالك.. وكاد تأنيب الضمير في هذه اللحظة أن يلتهمه بلا هوادة.. كل دقيقة تمر عليه يدرك عظم خطأه.. لماذا لم تتبادر كل هذه الأمور على ذهنه سابقا؟ لماذا لم يحسب حساب ظلمه ليزيد ولعائلته عندما وافق سمية على إخفاء هذه الحقيقة؟
تزايدت وتيرة أنفاس يعقوب وتعالت فأنبه مؤيد
((أبي صحتك يا أبي، لا يجب أن تنفعل وتضر نفسك.. العصا قريبة منك استخدمها وأكسرها على رأسه.. أسهل من فك اللجام عن أعصابك في الحديث مع ثور عنيد مثله لا يرى أي خطأ في الجريمة التي اقترفها بحق اسم عائلتنا..))
تمتم يعقوب بصوتٍ ثقيل لا حياة فيه
((حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مَالك.. ظلمت ولدك منذ ولادته وستفضحنا في القرية كاملة بعد أن تنتشر حقيقة الصغير.. حسبي الله ونعم الوكيل))
احتقن وجه مَالك بعذاب وهو يسمع احتساب والده عليه!
يشهد الله عليه بأنه لم يقصد إيذاء ابنه أو عائلته أو يتصرف بهذه الشكل الذي يشير لشاب أهوج أرعن.. لكن الظروف وصغر سنة وخبرته تكالبت عليه ليفعل ما فعله!
حاول أن يتمَالك نفسه وهو يقول بصوتٍ متحشرج دون قدرة له على مواجهة أبيه
((أبي أنا اسف.. اعرف بأن الأسف لن يغير شيء ولكن لو عاد بي الزمن فلا أظن بأن تصرفي سيتغير، لأني متأكد بأنكم لو عرفتم آنذاك بأني تزوجتُ من سمية ستأخذون الطفل منها وانا لن أتحمل أن أراكم تحرمونها منه واقف مكتوف اليدين أمامها))
عقد مُؤيد حاجبيه باحتقار تجاه أخيه! حتى هذه اللحظة يصر على التمسك بسمية رغم كل ما آل له الحال! كل هذا بسبب حبه السخيف لها..
حمد الله في سره بأن الله لم يبتليه في حياته بحبٍ كهذا لامرأة يقل من قدره وقيمته ويستجلب له غضب ونقمة والديه.. الحب هو امر مبتذل لا فائدة منه..
فرفع رأسه نحو مَالك يقول بصوتٍ واجم حازم
((بالتأكيد كنا سننزعه منه ونحرمها إياه، كنت أخذته وجعلت زوجتي ترضعه وتعامله كابن لها كباسم وفهد، على الأقل حتى تتزوج مرة أخرى وتجلب امرأة تكون أما له.. وهل كنا لنقبل أن تربى بستانية ابننا بعد أن تنفصل عنك؟))
أثارت كلمات مُؤيد الأخيرة في يعقوب شيء من الاحتدام ليقر
((لو أخبرتنا في نفس الوقت الذي تزوجت منها قبل سنوات لربما والله منعت حدوث الطلاق بينكما.. أما الآن والجميع يعرف بأن يزيد هو ابن زوج سمية الثاني الذي كان من خارج القرية فقد تعقد كل شيء))
ازداد انعقاد حاجبي مُؤيد لما أشار عليه والده فقال بتساؤل مستغرب
((لكن.. لماذا انفصلت عنها من الأساس يا مَالك إذا كانت لديك نية للرجوع لها!))
زاغت عينا مَالك وهو يجيبه
((لم أكن أريد الطلاق أبدًا لكن إصرارها الشديد جعلني أوافق على أمل العودة لاحقا بعد أن أتخرج وأكون نفسي وأكون رجلا يستحق المسؤولية بنظرها))
هتف مُؤيد وهو يرمي أخاه بنظرات الاحتقار
((وأنت بكل هوان أطعتها؟ جعلت امرأة ناقصة عقل تحكمها العاطفة تتحكم بك؟ عار عليك يا مَالك.. لا والأنكى بأنك لم تجد نفسك جاهزا لتحمل المسؤولية إلا بعد كل هذه السنوات! برأيي كان عليك أن تنتظر حتى يتزوج ابنك لتتزوجها.. كم سيكون مؤثرا أن يتزوج الأب والابن في نفس اليوم))
لم يعقب مَالك بل ظل صامتا يطبق على أسنانه ودماؤه تندفع تعمي بصره تجاه مُؤيد..
لكنه وجد نفسه مسيرا لا مخيرا يصرخ في النهاية به بكل نيران الغضب المندلعة داخله
((توقف عن السخرية يا مُؤيد وأغرب من هنا))
كسا الجمود محيا يعقوب وهو يقترب من مَالك قائلا
((أنتَ من عليك أنتَ تغرب من هنا.. بل من القصر كله.. لن تتزوجها يا مَالك.. لا تحلم بهذا.. انسَ أن هناك امرأة تدعى سمية كما عليها هي أن تنسى هي أن لها ابن اسمه يزيد..))
زمّ مَالك شفتيه للحظات ثم رفع ذقنه هادرا
((أبي يمكننا التناقش في كل شيء إلا في موضوع سمية.. زواجي منها محسوم، حتى أنت لا حق لك بمنعي من إتمامه، سيبقى موعد زواجنا كما هو، الدعوات جهزناها وبقي أن نعلم أهل القرية به..))
بتر مَالك كلماته عندما لاحظ إغماض والده لعينيه وشبه فقدانه لتوازن.. فسارع يسنده ويسأله بلهفة قلقه
((أبي هل أنتَ بخير؟ هل أجلب جهاز قياس الضغط؟))
فتح يعقوب عينيه ينظر إليه مطولًا وهو يستعيد توازنه
((لست بخير بعد كل ما عرفته، لا اصدق أنك أنتَ يا مَالك الرزين العاقل الهادئ يخرج كل هذا منك.. لو كان تؤامك مَازن لما استغربت.. والله لم استغربت فقد كان منذ صغره شقيا مشاكا قليل دين! لقد كنت دائما اضرب فيك المثل للجميع يا مَالك يا من كنت أرى دائما أن عقلك أكبر وأنضج من سنك.. خيبت ظني بك.. خيبت كل ظنوني بك..))
ثم أشار له بيده يتابع زاهدا
((اذهب من أمامي.. اذهب وتزوجها ثم ابتعد من هنا ولا تريني وجهك لأخر العمر.. لكن لن أسامحك على ما فعلته بحفيدي الذي سيبقى معنا فيكفي ما فاتنا من عمر لم نشاركه معه))
تحاشى مَالك النظر في عيني أبيه بينما أنتشلهم من هذا الجو المتوتر صوت طرقات الباب التي أعلنت سمية فيها القدوم إلى هنا.. دخلت تحت نظراتهم الصادمة قبل أن تحاول التحلي بالثبات والصلابة وهي تقول
((اعرف يا حاج بأن أخر وجه تريد رؤيته هو أنا لكن أرجوك أعطني فرصة لأتحدث قليلا))
بقي يعقوب واقفا مكانه يقول بملامح غير مقروءة
((تحدثي يا سمية وبرري.. فخطؤك لا يقل شيئا عن خطأ ابني بل وربما أكثر.. هو كان في العشرين من عمره وأنتِ في السابعة والعشرين عندما تزوجتِ به من وراء ظهر عائلته))
أخذت سمية نفسًا عميقًا ثم قالت بصوتٍ مهتز
((معك كل الحق.. كنت الأكبر وكان يجدر بي أن أكون الأوعى، لكنني خذلت نفسي وخذلته في كل ما حدث..))
اهتزت شفتيها قليلا قبل أن تستطرد كلامها
((عندي بشرة حساسة تتأثر عند تدهور حالتي النفسية، وبعد طلاقي الأول كنت بحاجة لعلاج طويل الأجل في احدى المنتجعات القابعة في مدينة بعيدة عن هنا.. وآنذاك لم يكن عندي إلا أمي الضعيفة التي لم تكن تملك صحة أو طاقة كافية لتسافر معي.. كنت امرأة مكسورة وضعيفة فأقنعت مَالك أن يعقد قرآنه عليّ دون أن يثبته في المحكمة حتى يتمكن من مرافقتي طوال فترة مكوثي هناك))
التفت مَالك لها بملامحه الثائرة يقاطعها
((لم تقنعيني بل أنا من أقنعت والدتك أن تحثك على الزواج مني بذريعة مرافقتك للينابيع الحارة وأن تؤكد عليك بأنه سيكون زواجا صوريا حتى لا تعترضي.. وسوء حالتك النفسية آنذاك وافتقارك للتوازن هما ما جعلاكِ توافقين أنتِ دون جهد!))
ثم ناظر مَالك والده وملامحه الناقمة عليه مستطرد
((وبعدها يا أبي..))
قاطعه مُؤيد هادرا باشمئزاز
((لا تكمل، لقد فهمنا.. فهمنا.. الزواج الصوري لا ينفع معك.. لا داعي لتشرح لنا التفاصيل الباقية))
بدون تفكير اندفع مَالك نحو أخيه يمسك تلابيب قميصه ويجره للخارج صارخا
((غادر أيها الحقير من هنا.. لا أريد منك أن تسمع شيء مما ستقوله))
كاد مَالك الذي يفوق مُؤيد طولا أن ينجح في إخراج أخيه رغم احتجاج الأخر ومقاومته العنيفة لكن صوت والده جاء صارما وهو يأمرهما
((توقفا أنتما الاثنين عن هذه التصرفات الطفولية!))
ثم ناظر سمية بصرامة ملامحه يحثها على الإكمال لتسترسل
((بعد ما عرفت بأني حامل في يزيد، أدركت فداحة الخطأ فأخبرت مَالك بحملي وضغطت عليه حتى يطلقني.. فقد أشفقت عليّه.. ليس من السهل على شاب في العشرين من عمره أن يتحمل مسؤولية زوجة وابن بشكل مفاجئ.. فألحت في ابتزازه عاطفيا حتى يرضخ لطلبي ولا يعلمكم بشيء.. خاصة بأمر يزيد.. حتى لا تأخذاه مني.. أقنعته أن أرعاه حتى يكبر قليلا ووقتها فحتى لو انتزع مني سيعود في النهاية لي..))
خفت صوت سمية تدريجيا وهي تضع عينيها في عيني الحاج يعقوب.. لقد أنهت كل ما لديها وتأمل الآن فقط أن تحصل على تفهمه.. عطفه.. أو حتى إشفاقه!
لكن ملامحه ظلت كما هي وهو يردد عليها بصوتٍ واجم
((سمعت تبريرك للنهاية.. لكن لم اقتنع به.. مالك لا زال يريد الزواج منك، تزوجيه وعيشي معه لكن بعيدا عنا.. يزيد سيبقى هنا في قصر جده ولن يبرح المكان))
نال الذعر منها فهتفت له برجاء
((أنا لن أقدر على الاستغناء عن ابني يا حاج أرجوك.. مستعدة لأتحمل مسؤولية أخطائي لأخر لحظة وفعل ما تريده، لكن إلا ابني.. إلا يزيد))
هتف يعقوب بانفلات أعصاب
((حرضت ابني على إخفاء حقيقة يزيد خوفا من أن ينتزعه أحد منا.. الآن بنفسي سأحرمك منه لنهاية العمر وأحقق أكبر مخاوفك عقابا لك على ما فعلتيه، سأبكيك دما))
اقترب مَالك نحو والده بحذر هادرا
((أبي أنا أقدر غضبك لكن إذا أردت أن تنتقم من أحد أو تعاقبه فأنا هنا.. سأتحمل مسؤولية خطأها بما أني كنت آنذاك زوجا لها، لكن لن اسمح لك أن تبعد يزيد عنها..))
صمتت سمية للحظات وقد هدأ ارتجافها وومضت عينيها بشيء ما لتقول بصوتٍ ضعيف
((سأخضع لما تأمره يا حاج، لقد أدركت الآن فداحة خطأي بحق ابني لذا سأقبل حكمك..))
تغضن جبين مَالك وكذا أخيه باستغراب من كلامها.. لكنها لم تظهر أي تراجع على ما نطقت به، فشعر الحاج يعقوب بشيء من لظى نيرانه تُخمد.. فتمتم بخفوت بارد إنما قاتم
((غادري الآن هذا المكان ولا أريد رؤية وجهك ولا وجه متيمك))
=============================
خرجت سمية من قصر الحاج يعقوب متجهة نحو بيتها الصغير وهي تشعر بالترنح والتيه والتشوش.. لا تصدق ما آلت الأمور عليه..
سارع مَالك الذي كان يسير خلفها باستعجال خطواته ليجاريها ومشى بالقرب منها ليقول ببؤس
((لقد كان يفترض أن نتزوج بعد مدة وجيزة، حتى أن والدي طلب مني أن أعجل بإعداد بطاقات الدعوة.. كيف حدث واكتشفوا الحقيقة بهذه السرعة! تبا.. تبا.. تبا لكل شيء))
تنهدت سمية تلفظ الألم ثم تطلعت له تقول بغيظ
((توقــــف.. لقد عرفا والديك بكل ما حدث وهما الآن ساخطين علينا! لقد قرروا أن يفرقوا ابني عني وأنت لا تفكر بشيء غير هذا الزواج اللعين))
تطلع لها قائلا دون أن يرف له جفن
((فترة مؤقتة وسيهدئان.. ثم لا تشعريني بأن قد اقترفنا أمرا محرما! لقد تزوجنا وبمباركة والدتك! ليس هناك ما نخجل منه))
انفرجت به صارخة بغضب مشتعل
((بل أخطأنا وكل الخطأ علينا.. وأنت لم يكن عليك أن تكون ضحية أمي.. لم يكن عليك قبول ما طلبته منك))
قاطعها مَالك بامتعاض
((توقفي عن لوم نفسك وأمك رحمها الله وكأني كنت آنذاك مراهقا قاصرا تم استغلاله من قبلكما! في الأساس زواجنا كله كان فكرتي.. ألم تسمعي ما قلته قبل قليل أمام أبي؟))
لفها الارتباك وهي تسأله
((ما الذي تقوله؟ أمي قالت..))
قاطعها يصحح ظنونها
((أنا من كنت بعد طلاقك من كامل أزور والدتك بين الحين والأخر وأطمأن عليك، هي لم تكن تخبرني أي شيء في البداية لكن في احدى المرات انهارت مستسلمة أمامي وباحت لي بكل ما تمرين به، فاقترحت عليها الزواج منك ولكنها رفضت أن تزوجني إياك رغم عن والديّ لما لهما من فضل عليكم، وهنا كان دوري أشد في إقناعها أن يكون زواجنا في البداية سريا حتى ننجب..))
تجلى الذهول أكثر على ملامحها ليكمل مَالك بثبات
((وبالطبع كنت أعرف بأنك لن توافقي على أمر كهذا.. فشددت على أمك أن تخدعك وتقول بأنه لن يكون أكثر من زواج صوري من أجل أن يتاح لي مرافقتك للشلالات دون مانع..))
كان مَالك أثناء حديثه ينظر لها متمعنا في ذلك الحزن الطاغي الذي يسكنها وعندما انتهى أشاحت سمية بنظرها جانبا هادرة
((لا أدري كيف سأقدر على النوم الليلة بدونه))
تنهد بإجهاد قبل أن يقول
((أنتِ من رضخت لأمر أبي بتركه عندهم ولو تركتي الأمر لي لما قبلت أن نخرج دون يزيد.. لكن لا تقلقي.. هي ليلة واحدة أو ليلتين.. وسيعود يزيد لك.. والدي لا زال غاضبا وبحاجة للقليل من الوقت قبل أن يهدأ ويعود لحكمته المتأصلة به.. ليس عديم الرحمة ليحرم أم من ابنها، ثم نحن والديّه ولن يستطيع أحد مهما كان يتمتع من سلطة أو قرابة أن ينتزعه منا))
نكست سمية رأسها وران الصمت البائس بينهما لدقائق وهما على حالهما.. قبل أن تقطعه أخيرا بصوتٍ مرتجف بالتعب الواضح
((اشعر بأني منهكة، أكثر من أي وقت مضى))
فجأة بدأت الدموع تتساقط على وجنتها بطريقة رقيقة للغاية تناسب نعومتها.. فقال مالك بجدية يعنيها
((سمية دعينا الآن نتزوج.. أرجوكِ))
ردت عليه ببؤس كأنه هو الآخر مصدر تعب لها
((أجننت؟ هل هذا وقت الزواج؟))
لم تَقِل جديته وهو يلح بنفاد صبر ((بل وقته.. لا أتحمل وقوفي هنا أمامك دون أن املك حق في مواساتك أو احتوائك، ودون أنا امتلك حقا بلمس يدك أو مسح دمعة من عينيك))
هزت رأسها نافية وقد تكلل وجهها بالبؤس
((لا مَالك.. ليس وقته.. عائلتك ساخطة إلى حد كبير علينا وإذا ما عرفوا بأننا عقدنا القران.. مجددا.. فسيكرهوننا للأبد))
طل الإصرار متوهجا من خضرة عينيه ليقول بينما تتقبض يديه
((بل سنذهب الآن لنعقد قراننا ونتزوج..))
زجرته بعصبية رادعة
((لا مَالك لن نفعل))
رفع أصابعه يغرسها في خصلات شعره يكاد أن يقتلعها بعصبية لتتابع سمية كلامها
((لقد أذيت والديّك الاثنين بسبب زواجي السابق منك.. ولن نؤذيهم أكثر من ذلك))
أفضت سمية ما في جعبتها ثم استدارت على عقبيها تغادر المكان..
وصلت إلى منزلها وولجت إلى الداخل.. كتفاها متهدلان بيأس وعيناها خاملتان باستسلام مرير.. الألم ينهش عظامها.. شعرت بالأرض تميد بها والسماء تهتز رثاءً وألمًا عليها..
ألقت بجسدها على الفراش لتنفجر في البكار غير مصدقة ما ألت إليه الأمور حقا..
أما هو فضل واقفا مكانه ثم أرخى ذراعيه الى جانبيه وحلمه في الزواج من المرأة التي يريدها أن تصبح أمرأته للأبد قد انهار أمام عينيه..
رفع رأسه للسماء يتأملها للحظات طويلة وكأنه يبحث فيها عن ضالة مجهولة ينشدها..
=============================
في شقة مُصعب..
دلف مُصعب للمطبخ بخفة وهدوء واقترب من نورين التي كانت تقف أمام الموقد وهي تطهو الطعام واحتضنها من الخلف يحيط كتفيها بذراعيه..
جفلت نورين على أنفاسه الحارة التي لفحت رقبتها من الخلف وهو يهمس برقة بجانب أذنها
((ماذا تُعدين اليوم لنا؟))
ضحكت له بنعومة تجيبه
((وجبتك المفضلة))
غمر مُصعب وجهه في عنقها بتطلب رهيب يستنشق عبيرها بشوق.. فاعترضت بدلال منبهة
((مُصعب ليس الآن.. لا أستطيع ترك الطعام على النار))
نفض وجهه عنه وقال محاولا التيقظ
((معك حق.. سأساعدك))
عندما ابتعد عنها ليرتدي مئزر المطبخ لوحت باعتراض
((لا داعي فقد قاربت على الانتهاء.. سأقطع السلطة سريعا واضع طعام الغداء))
هدر وهو يفتح الثلاجة ويتناول مكونات السلطة
((لا بأس سأفعلها أنا))
خضعت لما يريده وتجلت ابتسامة على ثغرها لتقول
((رغم أني أحبك عائلتك الطيبين لكني أكثر سعادة منذ أن انتقلنا هنا))
تمتم لها بجدية اكتنفته
((الأمر لا يتعلق بكون أهلي طيبون أو لا، لكني أرى أن انتقالنا هنا أفضل لأنه من حقي أنا وأنتِ الانفراد بحياتنا الخاصة، فبقاؤنا في قصر العائلة كان يعيق من حميمية علاقتنا، سنواتي الأولى معك هي أثمن سنوات عمرنا، إن لم نعشها بالطريقة الصحيحة متى سنعيشها؟))
فجأة تحولت نبرته للمشاكسة وهو يكمل
((أريد أن استمتع برؤيتك طوال فترة تواجدي هنا بملابسك المثيرة الخاطفة للأنفاس.. أريدك أن تضلي تبهريني بأفكارك وحماسك من عشاء خاص وأجواء حميمة تمهرين في ابتكارها قبل أن ننجب أطفال ويخفت حماسك))
توردت ملامحها لما تسمعه منه بينما تعترض بدلال
((حتى لو أنجبت عشرة أبناء فلن أتوقف أبدًا عن ذلك))
وقف مُصعب بجانبها يبدأ بتقطيع الخضراوات واستمرا يتجاذبا الحديث وبين اللحظة والأخرى يشاكسها مُصعب بقبلة سريعة ويداعبها بهمسة غير آبها لاعتراضاتها المنهارة من بين ضحكاتها..
بمجرد أن أغلقت نار الموقد وجلبت طبقا كبيرا للسلطة التي أعدها.. حتى شعرت به يجتذبها له يضع جبينه فوق جبينها.. ثم يكتسحها بعاطفته لتجتاح أعماقها وتشل حركتها.. أغمضت عينيها واستسلمت بينما شعرت بقلبها يدوي كطبول عنيفة وقوية..
ابتعد عنها لاهثا من هول اشتياقه الذي تفجر كبركان ليقول بنبرة خافتة أنفاسه تتسارع مع دقات قلبه
((تبدين في هذه اللحظة شهية للأكل أكثر من طعام الغداء))
بشق الأنفس رفعت يدها تحاول أبعاده عنها وهي تهتف من بين أنفاسها المسروقة
((الجرس.. الجرس يا مُصعب.. يرن منذ وقت..))
ابتعد عنها بمضض بأنفاس لاهثة بعنف وسمعته يشتم بخفوت غاضبا وقد اخترقه أخيرا صوت الجرس..
حاولت أن تعتدل جالسة وقالت بصوتٍ جاف لاهث
((بسرعة اجب على الطارق.. أنه يرن الجرس بإلحاح منذ دقائق..))
غمر مُصعب أصابعه بشعره يحاول تمشيطه وهو يتجه نحو الباب هاتفا بصوتٍ حانق
((قادم.. قادم.. ستحرق الجرس.. توقف))
فتح مُصعب الباب وتبدلت ملامحه للتجهم وهو يطالع الطارق قبل أن يخفض نظره للطفل الصغير الذي يمسكه..
تنحنح مُؤيد قبل أن يتحدث بجفاء
((هل ستجعلني انتظر كثيرًا في الخارج يا مُصعب؟))
رفع مُصعب وجهه له وملامح تزداد تجهما قبل أن يقول وهو يبتعد جانيا يسمح له بالدخول
((فقط لان معك طفل صغير لن أطردك..))
دلف مُؤيد للداخل وترك يد الصغير ليستريح عند أقرب أريكة في الصالة هادرا
((إذن بدون أي مقدمات أنا اعتذر منك عن أفعالي وأقوالي التي بدرت مني في ذلك اليوم تجاه زوجتك..))
أوصد مصعب باب شقته ورفع إحدى حاجبيه ساخرا بقتامة
((تقصد منذ زواجي منها؟))
حاد مُؤيد بعينيه عنه وغمغم بضيق
((أيا كان.. المهم أنا اعتذر لك عن كل ذلك.. ونادي زوجتك لاعتذر منها.. وسأكرر اعتذاري مرة أخرى أمام جميع أفراد عائلتنا بعدما تعود))
استغرق الأمر مع مُصعب عدة دقائق يطالع أخيه بلا تعبير قبل أن يهتف عاليا
((نورين.. ضعي شيئا على رأسك وتعالي..))
بعد دقائق أخرى جاءت نورين للداخل بتوتر.. ثم وقفت خلف مُصعب هامسة
((ما الذي يريده أخاك مني؟))
التفت مُصعب لها وامسك كتفيها بكفيه يوقفها أمامه ثم تطلع لمُؤيد يحدجها بنظراته ليقوم بإبداء اعتذاره..
ازدرد مُؤيد لعابه المسنن ثم قال لنورين دون أن يضع عينه بعينيها
((أنا اعتذر منك يا زوجة أخي عن كل ما سبق وبدر مني وأرجو أن أنال مسامحتك..))
لم تعرف نورين ماذا ترد عليه فناظرت مُصعب بتيه ليسألها وهو يرفع حاجبيه
((ما بكِ؟ هل تقبلين اعتذاره عن قلة دينه وأخلاقه واحترامه معك أو لا؟))
تمتمت بحرج وحمرة تكسو وجهها
((حسنا.. لا بأس..))
طالع مُصعب أخيه يقول بصوتٍ فاتر أجوف
((جيد.. إذا انتهيت من اعتذارك الباهت هذا يمكنك المغادرة.. لقد سامحناك))
ضرب مُؤيد بامتعاض يد الكرسي بجانبه وهتف بغضب عارم
((مُصعب بربك لقد جئت إلى عقر دارك لأعتذر عما اقترفته بحقك، ماذا تريد مني أن افعل أكثر؟ هل احرق نفسي لترضى؟))
فغر مُصعب شفتيه بعجب ثم قال مستنكرا
((انظر له كيف يحملنا جميلة اعتذاره!))
أخذ مُؤيد نفسا عميقا يحاول استعادة رباطة جأشه ثم قال
((حاشا أن أمس من قريب أو بعيد شرف وعرض أخي وألا أغض بصري عنها.. وجهت كلامي لها في ذاك اليوم كابنة لعشيرة الهنادل وكقريبة لقاتل ابن عمي لا كزوجتك.. وكل حرف خرج مني باستهتار كان دون أن أعي به أو اقصده حرفيا))
كتف مُصعب ذراعيه ليتشدق متهكما
((لقد اكتفيت بإبراحك ضربا في ذلك لأني عرفت ذلك، فهل تظن بأني كنتُ لابقي فيك عظمة سليمة لو شككت ولو ذرة شك بأن لك نية سيئة أو نظرة مريضة تجاه زوجتي؟))
أومأ مُؤيد برأسه راضخا ليقول بينما يشبك أصابع كفيه
((ليكن بعلمك كان بإمكاني في ذاك اليوم أن أرد لك كل ضرباتك، ولكني لم افعل لأني شعرت بأني استحق كل شيء قد أتلقاه منك.. وعهد عليّ أقوله الآن ألا يتكرر أي شيء كهذا مستقبلا.. لذا احزم أغراضك لتعد للقصر.. أنا لن أتحمل أكثر أي نظرة تأنيب من نظرات عائلتنا كلما اجتمعتُ معهم في مكان واحد دون وجودك أنتَ..))
شعرت نورين بلا حاجة لبقائها هنا فارتأت أن تعود إلى المطبخ وتترك الأخين معا.. أما مُصعب جلس مقابله يقول وهو يضع ساقا فوق الأخرى
((أنا لم أخرج من القصر بسببك.. في كل الأحوال كنت أفكر في الانتقال إلى هذه الشقة التي لا زلت حتى الآن أدفع أقساطها الشهرية مع زوجتي، وما حدث بيننا سرّع من خطواتي هذه وجنبني الخوض في كثير من النقاشات العقيمة مع والديّ عند رفضهم))
اتسعت عينا مُؤيد يعترض
((أي استقلال هذا يا مُصعب؟ أنتَ تعرف أن الشخص فينا يسكن مع إخوته ووالديه نفس المنزل، هذه العادة متصلة فينا من الآباء والأجداد..))
قال مُصعب باستخفاف ساخرا
((على رسلك يا مُؤيد.. لا تتحدث وكأنه شيء مسلم به))
ضيق مُؤيد عينيه متسائلا من بين أسنانه
((هل هذه أفكار زوجتك؟))
حدجه مُصعب بنظرات محذرة وهو يسأله بنبرة خطيرة
((هل عدنا للسابق يا مُؤيد؟))
أشاح مُؤيد بنظره جانبا مغتاظا فتابع مُصعب بحزم
((أنتَ تعرف بأني شخص أحب الخصوصية.. بقصرنا لا أشعر بأني أتمتع بأية مساحة خاصة، بل لا أستطيع دعوة من أشاء من زملائي دون القلق أو الأخذ بعين الاعتبار زوجات إخوتي أو العاملات عنا))
عاد مُؤيد يطالع أخيه بنفس الغيظ قبل أن تتسع عيناه وهو يدور بنظره على المئزر الذي كان لا زال مُصعب يرتديه
((لحظة! ما هذا الذي ترتديه يا مُصعب! هل كنت في المطبخ؟))
تطلع مُصعب لمئزره ثم أجاب ببساطة
((نعم، كنت أساعد زوجتي.. فكما تعلم الحياة الزوجية تكمن حلاوتها في المشاركة في كل تفاصيلها))
اتخذت ملامح مُؤيد أمارات الاشمئزاز من مجرد النظر له فسأله مُصعب عاقد الحاجبين وهو يلكز بقدمه ساقه
((لماذا تطالعني بهذا الشكل؟ هل فعلت شيئا يستدعي أن تزدريني!))
صرّ مُؤيد على أسنانه يعتصر قبضتيه بعنف.. يحاول لجم رغبته الملحة بكسر رأس أخيه.. ثم هاج عليه هاتفا
((نعم فعمل المطبخ مرتبط بالمرأة وهو ما يناسبها هي فقط، كيف ترضى أن تهين نفسك بدخوله ومساعدتها! انظر لي عندما أعود من المدينة إلى بيتنا كيف أرفض رفضا قاطعا دخول المطبخ حتى لتناول كأس ماء حيث أطلب من زوجتي أن تحضره لي))
رسم مصعب ملامح الاستخفاف على وجهه!
ماذا لو عرف مُؤيد بأنه في معظم الليالي يشارك نورين في الطهو بعد منتصف الليل احدى الوجبات الخفيفة!
من الجيد حقا بأنه استقل في شقته حيث بإمكانه فيها فعل الكثير من الأمور التي يريدها دون أن يشعر بأنه مراقب وموضع حكم من أفراد عائلته ممن ينظر الى ما يفعله شيء ينتقص من رجولته وهيبته!
اكتفى أن يدمدم له بحنق
((لا تقلق يا مُؤيد فالزوج الذي يساعد زوجته كرامته محفوظة ومصانة.. لكن دعنا لا نجعل الأمر مادة للنقاش.. وأخبرني ماذا تريد أن اعد لك لتشرب؟))
لكن قبل أن يهم مُصعب بالقيام من مكانه وجه أنظاره باستغراب للطفل الصغير الذي جاء به مُؤيد إلى هنا..
وكأنه تذكر توا بأن هذا الصغير الصامت الذي لا يزال يقف عند الزاوية بالقرب من الباب بلا حركة أو نفس!
ضيق مُصعب عينيه متمعنا النظر به ومتسائلا بشك
((من هذا الصغير؟ وجهه مألوف عليّ!))
غمغم له مُؤيد ببراءة
((إنه ابن أخيك وسبب ما دفعني لزيارتك))
استبدت الدهشة بمُصعب ليلتفت إلى أخيه قائلا
((ابنك أنتَ؟ ابن من غير زوجتك أم فهد!))
رماه مُؤيد بابتسامة مستفزة وقال
((ابن أخيك الأخر ليس ابني أنا يا خفيف الظل!))
رمش مُصعب بعينيه وهو يشتت نظره بتيه
((وهل عندي أخ غيركم أنتم؟ هل تقصد أن والدي متزوج.. لا.. لا يمكن أن اصدق))
زعق مؤيد به بنفاذ صبر
((أيها الأحمق إنه ابن أخيك.. أخيك مَالك..))
تدلى فك مُصعب حتى كاد أن يصطدم بالأرض..
نظر للصغير هناك ثم عاد لمُؤيد يسأله بنفس الذهول
((مَالك؟ ومنذ متى هو متزوج؟))
لم ينتبه أحد منهم على قدوم نورين للصالة إلا عندما هتفت باستهجان وهي تقترب من الطفل
((إنه ابن سمية.. يزيد ابن سمية.. أوه لا..))
التفتت خلفها لمُؤيد تسأله بغير تصديق
((هل تقصد بأن يزيد ابن سمية ومَالك!))
انتفض مُصعب من مكانه يقول وهو يقترب من الطفل الصغير بدهشة
((صحيح تذكرت أين رأيته.. هذا يزيد.. يزيد ابن سمية.. ما هذا الجنون الذي تتحدث عنه يا مُؤيد!))
كتف مُؤيد ذراعيه وقال ببساطة بينما يستقيم واقفا
((لقد اتضح بأن يزيد هو ابن مَالك.. أي أن مَالك هو زوج سمية الثاني))
كان مُصعب لا يزال يقترب من الطفل بذهول حتى انخفض إلى مستواه.. ثم هدر لأخيه ونظره مصوب بتدقيق على الصغير
((هل تقصد أن مَالك كان متزوج خفية عنا طوال تلك السنوات؟))
أجابه مُؤيد ((لا بل تزوجها لمدة لا تزيد عن سنة وأنجبا يزيد ثم تطلقا))
استنكر مصعب متسائلا
((ولكن لماذا؟ وكيف؟))
هز مُؤيد كتفيه وهو يجيبه ببرود
((لست متفرغا الآن لأتحدث بهذه التفاصيل، فقط يزيد ظل يبكي فطلبت أمي على مضض أن أتجول فيه بالسيارة لأرفه عنه وينسى امه التي يظل يطالب بها))
عاد مُصعب يتطلع للصغير ورفع يديه يمسك كتفيه..
لاحظ ارتعاش الصغير وخوفه لكنه نظر في عينيه وهو يسأله
((يزيد.. هل أنتَ ابن مَالك.. أنتَ ابن أخي.. ابن أخي أنا!))
ارتجفت شفتا يزيد وتطلع بنظره أرضا.. شاعرا وكأنه مخلوق غريب.. وهو يرى نظرات الثلاثة مصوبة له بهذا الاستهجان.. لم يستطع أن يتمَالك نفسه وبدء بذرف دموع صامتة وجسده يرتجف..
تنهد مُؤيد قبل أن يتذمر وهو يرفع يده ويدلك جبينه
((ها قد عدنا لوصلة بكائك.. ما الحاجة للبكاء الآن يا يزيد!))
انكمش يزيد على نفسه أكثر وزدا نحيبه.. فجثا مُصعب على ركبته إلى جواره وبحركة مباغتة اجتذبه له يضمه إلى صدره..
لم يفكر كيف حدث وتزوج أخيه من سمية وما السبب!
كل ما مر بذهنه أن هذا الطفل الصغير هو ابن أخيه.. ابن مَالك.. يحمل نفس دم عائلته واسمها!
ظل مُصعب يشدد من احتضانه هادرا
((لا أكاد اصدق بأنك ابن أخي.. هل يعقل بأنك كنت أمام أنظارنا لسبع سنوات دون أن نعرف بأنك من دمنا!))
سمع صوت تأوهات متألمة بينما يهدر بصوتٍ مخنوق طفولي
((أنتَ تخنقني))
تيقظ مُصعب على حاله وحرره ليعود وينظر في وجهه..
أخذ يزيد يلتقط أنفاسه ودموعه تتقاطر على الأرضية الرخامية..
فحمله مُصعب نحو المطبخ يغسل وجهه بالماء بلطفٍ وهو يغمغم
((لا تبكي يا صغيري.. لا تبكي، أنتَ بطل))
عقب أن جفف وجهه بالمنشفة عاد به للصالة وجلس على الأريكة ليضعه فوق حجره.. تمتم يزيد له ((عمي..))
لثم مُصعب جبينه مغمغما
((نعم.. نعم أنا عمك يا يزيد.. عمك مُصعب))
قال يزيد بصوتٍ متحشرج حزين
((أريد أمي..))
رفع مُصعب يده يربت على ظهره بعاطفة ونظر لمُؤيد متسائلا
((أين هي امه؟))
قال مُؤيد بنزق وحنق
((والدك قرر أن ينتزع يزيد منها ويطردها، يزيد ابننا نحن ويكفي العمر الذي عاش فيه بعيدا عنا.. لو كانت امه ذكية كفاية فعليها أن تتزوج سريعا وتنجب غيره لان يزيد من المستحيل أن يعود لها))
انسكب الرعب في صدر يزيد من كلام مؤيد وناظره مطالبا
((أنا أريد العودة لها))
كان يهم يزيد بالبكاء مجددا عندما ضمه مُصعب قبل أن يصرخ بأخيه رادعا
((اسكت يا مُؤيد ليس هذا وقته، أنا لا أزال اصدق بان هذا الصغير هو ابن أخي.. يشبه كثيرا مَالك عندما كان صغيرا))
استنجد الصغير عمه مُصعب بكلمات راجية
((عمي.. أريد أمي أو حتى أبي..))
قال مُؤيد وهو يتجه ناحيته
((انسَ ذلك.. لن ترى أحدهما على الأقل ليس الآن، هيا الآن لنعد للبيت))
انتزع مُؤيد يزيد من مُصعب بالقوة وهو يهدر به
((اذهب يا مُصعب وأنجب مع زوجتك طفلا أخر تلعب معه دور الأبوة وأعطني يزيد لنغادر))
ركل مُصعب مُؤيد بقدمه على قلة احترامه بينما ابدى يزيد الرفض
((لا أريد العودة معك))
قال مُصعب لأخيه معترضا هو الأخر
((دعه هنا لينام عندنا.. سأجهز له غرفة))
هدر مُؤيد بحزم وهو يمسك يد الصغير بإحكام
((بل سيعود معي، أمي كانت تبكي وهي تسلمه لي وأوصتني ألا أتأخر في العودة.. هيا يا يزيد))
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!