لا تنسو التصويت ❤️❤️
=============================
شركة القاني.. مكتب مدير القسم..
حاولت شيرين أن تتحلى بالهدوء رغم اهتزاز أنفاسها المنفعلة.. ثم قالت بانضباط منفعل أمام طه الذي يجلس على كرسي أمامها منكس الوجه كأنه طالب مذنب أمام معلمته الصارمة
((ركز معي يا طه، وأخبرني من شتم العميل عندما كان يتحدث معك؟))
أغمض طه عينيه وهو يزدرد ريقه.. يشتم قصي بأفظع الشتائم على الموقف الذي وضعه فيه..
نفسه تمنعه أن يشي به حتى لو ترتب على ذلك أن يُطرد وهو في أمسّ الحاجة لهذه الوظيفة.. ففتح عينيه يقول لشيرين بصوتٍ واهن
((لقد شتمني العميل فقمت أنا بشتمه بأمه، أنا آسف يا شيرين))
انتفخت عروق شيرين الزرقاء في يديها وهي تكور قبضتيها بجسد مشتد كالوتر وعينين مهددتين ((لقد استمعت للمكالمة المسجلة، لقد شتمك العميل وقمت بتنبيهه أن يلزم حدوده، لكن بعدها جاء صوت موظف آخر يأخذ عنك زمام المكالمة وهو من قام برد أفظع الشتائم للعميل قبل أن يغلق الخط في وجهه.. أخبرني من هو الموظف الآخر؟))
شعر طه بأنه مُحاصر فرفع يده يرخي من ربطة عنقه ثم قال باختناق
((أنا آسف إنها غلطتي.. ما فعله الموظف الآخر كان بسببي فحاسبيني أنا حتى لو ترتب عليّ أن أطرد))
صرخت شيرين به بانفلات أعصاب
((الأمر لن يتوقف على طردك وحسب.. فالعميل قام بالتواصل مع أصحاب الموقع الإلكتروني وطلب تعويضا ضخما مقابل عدم نشر المكالمة التي سجلها، وبالتالي فأصحاب الموقع وشركة القاني على حد سواء سيقومون بمقاضاة الموظف الذي شتم العميل بهذه الألفاظ النّابية، فلا تُنهي مستقبلك المهني من أجل موظف آخر))
شَحَب وجه طه لما يسمعه فشعرت شيرين بأنها نجحت في إقناعه بالبوح باسم الموظف الآخر رغم أنها لم تبالغ فيما قالته فأردفت مُلحة
((هيا أخبرني الآن من هو هذا الموظف! فأنتَ لن تحتمل أن يسجنوك ويقاضوك لذنب ليس لك علاقة به))
نكّس طه وجهه الذي يفيض بالذّنب والخوف من القادم وهو مستمر برفض الإدلاء عن قصي..
خَلَع مدير القسم نظارته ثم ضرب بكفه القوية فوق الطاولة يهز أرجائها هاتفا بنفاذ صبر
((شيرين لا فائدة من تضييع الوقت مع طه، اتصلي بالقسم المختص وانظري إذا ما انتهوا من مراجعة المقاطع التي سجلتها كاميرات المراقبة في نفس الوقت الذي تمت فيه هذه المكالمة لنعرف اسم الموظف الذي وقف خلف طه وشتم العميل.. علينا أن نعرف اسم الموظف ونقوم بكل الإجراءات اللازمة معه قبل أن يتحاسب القسم كاملا عن خطئه الفادح هذا..))
بتر مدير القسم كلامه عندما صدح رنين هاتفه عاليًا فتناوله ليجيب على الاتصال..
وبين لحظات صمت وإجابات بنعم أو لا.. ازداد امتقاع وجهه قبل أن يغلق الهاتف ويتهدل كتفيه معلنا
((لقد قام الموكلون أصحاب الموقع الإلكتروني بسَحب الحساب كاملا من شركة القاني وبالتالي قسمنا كله انتهى ولم يعد له وجود هنا..))
شَهق طه بصدمة أما شيرين فازدردت لعابها بصعوبة وهي تقول بفجيعة
((يا إلهي! هل حقا قاموا بسحب القسم كاملا من هنا؟ لكن هناك أكثر من ثلاثمائة موظف يعملون في هذا القسم، ماذا سيحل بهم؟ هل سيطرد الجميع؟))
تجمّد الدم في عروق طه عندما قال مدير القسم ببهوت وهو يمسد ما بين عينيه
((نعم فمعظمهم يعملون بدوام جزئي يتجدد شهريا.. لذا لن يتم التوقيع على العقد الجديد لأي واحد منهم.. لقد خسرت شركة القاني خسارة فادحة بسبب خطأ موظف تَافه))
في هذه الأثناء توجه قائد الفريق معتز مُهرولا إلى مكتب مدير القسم بعد أن كانت قد طلبته شيرين بصورة مستعجلة.. بمجرد أن وصل لاهثا للمكتب حتى دخل ولفّه الاستغراب وهو يطالع وجوه الثلاثة الشاحبة الممتقعة فتقدم بقلق متسائلا
((شيرين لقد عرفت توًا بأن هناك أحد الموظفين قام بشتم عميل بألفاظ نابية وأن العميل تواصل مع وكيل الموقع الإلكتروني.. مُجملًا من المستحيل أن يقوم أحد الموظفين العاملين تحت إدارتي بشتم العميل بأمه! لا أدري لم أخبرتني أنا بالذات من بين كل قادة الفرق أن أحضر))
أغمضت شيرين عينيها للحظات شاعرة بانقباض صدرها.. ثم عكفت حاجبيها مغمغمه بسخرية فظة نابعة من قهرها وهي تشير للموظف الجالس
((ناديتك لأن الموظف طه يعمل تحت إدارة فريقك.. لكن لا داعي للخوض في المزيد بهذا الحديث يا معتز فوكيل الموقع الإلكتروني تواصل مع إدارة القاني وقاموا بالفعل بسحبه منهم إلى صالح شركة اتصالات أخرى.. أكثر احترافية..))
جحُظت عينا معتز مدمدما بصدمة
((قاموا بسحب الموقع الإلكتروني من شركتنا! ماذا يعني؟ هل فقدنا هذا القسم كاملا؟ أتعنين بأن شركة القاني فقدت قسم يعمل فيه ثلاثمائة موظف))
وكأن البركان خمد خمودا كاذبا في غليانه هزّت شيرين رأسها له بإيماءة لا حياة فيها، فضرب معتز كفيه ببعضهما بغضب مشتعل في داخله ثم انفعل
((عليهم أن يحاسبوا قائد فريق ذاك الموظف قبل أن يحاسبوا الموظف نفسه.. أريد الآن أن أعرف من هو قائد فريق الموظف.. أريد اسمه..))
غزت السخرية ملامح شيرين لترد باستهزاء
((فلنعرف أولا اسم الموظف قبل أن نعرف قائد فريقه يا معتز))
وفي هذه اللحظة جاء شيرين اتصال مُتأخر من القسم المعنى بالمراقبة فردّت على الاتصال بفتور وسرعان ما كادت عينيها تخرج من محجريهما وهي تتلقى اسم الموظف الذي قام بإهانة العميل وشتمه!
أغلقت شيرين المكالمة التي لم تستمر لأكثر من دقيقة وطالعت بوجه محتقن غاضب كل من مدير القسم وقائد الفريق معتز ثم همست من بين أسنانها المطبقة وعينيها تطلقان شرارات خطرة
((اسم الموظف الذي أخذ السّماعات من طه وأكمل المكالمة مع العميل بأسلوب سوقي وشوارعي هو.. هو قُصي.. قٌصي سامح))
=============================
في المدينة.. في منزل غنوة..
جلست رتيل متمددة فوق إحدى أرائك صالة غنوة.. بالكاد استطاعت إقناع مُؤيد وأمه بحاجتها لزيارة أمها حتى تجيء لبيت غنوة وترفه عن نفسها.. وافقت حماتها على مضض بعد أن ألزمتها أن تعود في الغد فيزيد بحاجة لقربها!
أظهرت غنوة التعاطف المتكلف لها
((أعانك الله يا حبيبتي رتيل على ما تلاقينه في بيت زوجك..))
تطلعت رتيل بحماس وقالت
((المهم يا غنوة بما أني لن أستطيع أن أبقى عندك طويلًا مثل العادة، إذن أرغب في أن أعيش لحظات لا تُنسى اليوم.. مثلا لنذهب إلى متحف أو نشاط ثقافي.. تعرفين عشقي للتاريخ والفن))
لمعت عيني غنوة بمكر.. هذه فرصتها لتنفذ ما خططت له منذ زمن مع دموع! تنحنحت وهي تقترب منها ثم قالت
((لا أظن بأن هناك شيء مثير للاهتمام.. أوه لا مهلًا..))
ادّعت غُنوة التذكر فجأة ورفعت سبابتها وهي تكمل
((نحن في موسم المهرجانات، كثير من المدن في بلادنا تقدم هذه الأيام تذاكر مُخفضة لحضور الفعاليات الثقافية التي يمكن أن نذهب لها معا))
عقدت رتيل حاجبيها وعقبت
((غنوة أيتها السخيفة كم من مرة عليّ أن أخبرك ألُا تقلقي من مسألة المال أبدًا! ماذا سأفعل بكل هذه الثروة التي آخذها كمصروف من مُؤيد إذا لم أنفقها على نفسي؟ هل سأدفن مالي معي عندما أذهب لقبري؟))
اتسعت ابتسامة غنوة وهي تخبرها
((حسنا إذن سنذهب لمهرجان جميل سيقام في العاصمة الليلة))
تغضن جبين رتيل بالعبوس واعترضت
((العاصمة؟ لكن سيأخذ الطريق من مدينتنا للعاصمة ساعتين ذهابا وساعتين إيابا وربما أكثر بسبب الازدحام، لن نصل إلا بعد منتصف الليل))
لكزت غنوة رتيل بكتفها ثم عاتبتها بميوعة
((وماذا فيها لو عدنا للبيت بعد الفجر؟ هل نسيت بأنك تبتين هنا في بيتي؟ وأنا لا يوجد عندي أي قواعد صارمة بخصوص موعد العودة))
اعتدلت رتيل جالسة وقالت على مضض
((ولكن أنا يا غنوة..))
قاطعتها غنوة بحسم
((لا أريد أي اعتراض يا رتيل))
استسلمت رتيل لها وشعور من عدم الراحة يتسلل لها..
صحيح بأنها تكذب على مُؤيد وتخون ثقته في الخروج لبيت غنوة بدلا من بيت أمها.. لكنها لم يسبق وأن خرجت في الليل أثناء مكوثها هنا.. فكيف عندما تعود وقت الفجر!
قَسَت ملامح رتيل فجأة وخففت من شعورها بتأنيب الضمير والندم بما تفعله في تذكر أن مُؤيد يتسكّع مع نساء غيرها في المدينة ويراسلهن على الهاتف أحيانا..
فخرجت من ضياعها على صوت غنوة تقول
((سأذهب للمتجر لشراء بعض الوجبات الخفيفة والتسالي، هل أجلب لك معي أي شيء آخر؟))
جلبت رتيل شيئا من حقيبتها وناولتها لغنوة بزهو
((غنوة اعتبري البطاقة ملكك وأنفقي على ما تشائين منها، لا زلتي تذكرين الرقم السري ها؟))
كاد أن يسيل لعاب غنوة وهي تتناول منها البطاقة..
تلك البطاقة الائتمانية هي أجمل شيء في قدوم رتيل عندها!
غمغمت بحسرة
((ليتك يا رتيل تُطلقين من أستاذ مانع وتعيشين معي للأبد))
تنهدت رتيل ببؤس وتذمرت
((أنا أحلم بالطلاق منذ سنوات من مُؤيد لأتحرر مثلك،
لكن ما يحول دون ذلك أن طلاقي يعني عودتي عند بيت عائلتي وأنتِ تعرفين كيف كانوا يقمعوني ويحدّوا من حريتي قبل زواجي فما بالك بعد طلاقي!))
صمتت رتيل للحظات ثم أردفت بصوتٍ محايد
((غنوة أريد أن أسألك سؤالا شخصيًا))
حثّتها غنوة أن تتابع وهي تلامس البطاقة البنكية فلفها التردد قبل أن تسألها
((لماذا تطلقت من زوجك؟))
قَتمت ملامح غُنوة عند ذكر زوجها السابق ثم أجابت
((كنت أريد الطلاق منه منذ أول يوم تزوجت به، فقد تزوجته عندما كان عمري فقط سبعة عشر))
شابت الحيرة وجه رتيل لتشرح غنوة
((لقد كان غولًا بشكل حرفي، أول ليلة بيننا قام حرفيّا بمعاشرتي بشكل عنيف، كان الأمر فظيعا لدرجة جعلني أرتعد خوفًا كلما طلبني للفراش، وفي إحدى المرات حاولت دفعه بقدمي فكسر إحدى عظماتي..))
فغرت رتيل شفتيها وتوجّع قلبها عليها، لكن غنوة هزت كتفيها ثم تابعت ببرود
((الحقير حتى لم يقبل أن يصحبني للمشفى وجعل إحدى جارات والدته التي تعمل كحكيمة أن ترجع عظمتي إلى مكانها))
سألتها رتيل وملامح الألم تعُم فوق وجهها
((ألم تخبري عائلتك عنه؟))
أجابتها غنوة بنفس النبرة الصقيعية
((أخبرتهم وأشَادوا على ما يفعله فهو رجل ومن حقه ذلك))
اتسعت عينا رتيل وتساءلت بصدمة
((إذن كيف طلقّوك منه!؟))
رسمت غنوة ابتسامة مريرة وهي تجيبها بصوتٍ سقيم
((ذاك الغول الجشع قام بالتلاعب في أموال أبي فقد كان يعمل محاسبا في متجره مما جعل والدي يطرده ويُطلقني منه))
تمتمت رتيل بخفوت
((صحيح أن مُؤيد إنسان غير متحضر وشخصيته المتزمتة والمتخلفة بعيدة كل البعد عن عالم الفكر، لكنه أهون من زوجك السابق))
قالت غنوة بامتعاض
((بالتأكيد أهون فزوجي السابق كان محبطا ولا يريد مني إلا أن أطهو وأدفئ فراشه.. دعينا ننهي هذه السيرة الكئيبة ونجهز للمهرجان الذي سنذهب له الليلة))
=============================
منزل عائلة سهر..
دلفت شيرين للمنزل ثم توجهت لغرفة النّوم بوجه مجهد.. أغلقت الباب خلفها تناظر سهر التي كانت شاردة النظر في جهاز حاسوبها المحمول.. وكأنها في عالم آخر.. عالم المرارة والفقد.. عالم يسوده الأسود والكآبة وقد غادره كل ما هو جميل..
تنحنحت شيرين تنبهها على حضورها مما جعلها تتطلع لها متسائلة بصوتٍ واهن
((هل جئت الآن يا شيرين!))
ابتسمت لها بتشنج ثم تشدقت ساخرة
((كيف حال الباربي الجميلة؟))
عاتبتها سهر بحنق
((هل هذا وقت مناسب لمزاحك؟))
وضعت شيرين حقيبتها فوق السرير ثم قالت
((بل جئت لأخبر الباربي بأن خطيبك السابق الذي اتضح أنه مخادع ومزيف بسببه سيخسر ثلاثمائة شخص وظائفهم في شركة القاني.. لكن بالطبع أنا لن يمسّني شيء لأني قدمت طلبًا لنقلي إلى فرع العاصمة وتم الموافقة عليه رغم أنه سيضعني في منصب أقل))
أخذ الخوف كل مأخذ من سهر وهي تتساءل
((ماذا فعل قصي؟))
رسمت شيرين تلك الملامح المثقلة وهي تقول من فيض المرارة والقهر
((قام بشتم عميل بأمه.. فوصلت المكالمة للوكيل وسحب الموقع الإلكتروني كاملا من شركة القاني.. لكن لا تقلقي بالتأكيد ستقوم شركة القاني بجانب شركة الوكيل برفع قضية على قُصي، مستقبله ومستقبل عائلته انتهى.. ستكون نهاية إنسان مؤذي ومخادع مثله السجن))
فَغَرت سهر شفتيها ونظراتها الباهتة تحمل الصدمة والمزيد من خيبة الأمل.. سرعان ما امتلأت عيناها بالعبرات وعضت شفتيها للحظات تمنع رجفتهم..
ثم عاتبتها بصوتٍ متحشرج
((كيف تدعين عليه بالسجن يا شيرين هكذا!؟))
كتّفت شيرين كفيها وقالت ممتعضة
((لأن ضرره هذه المرة طال غيره، هل تعرفين بأنه ورغم تدنّي الرواتب التي تعطيها شركة القاني للموظفين إلا أن الكثير منهم يعتمدون على هذا الراتب بشكل أساسي للإنفاق منه على أسرهم))
تساءلت سهر بشيء من التردد وبدت أنها لا تهتم إلا بقصي
((وماذا يمكن فعله حتى يخفف على قصي وطأة عقاب ما فعله؟))
تطلعت شيرين لسهر بشرر فكما يبدو أنها نست بلمح البصر خداعه لها طوال ثلاث سنوات ثم تحررت من حجابها وهي تقول بإنهاك
((وما أدراني!؟ لا يغرنّك دراستي للمحاماة.. فأنا لم أمارسها بعد تخرجي ولا لدقيقة.. لكن بالتأكيد سيطالبونه بدفع الكثير من التعويضات للشركة وفقير مثله لن يقدر على ذلك فسيتم الزجّ به في النهاية في السجن))
انشدهت سهر لها بفمها ونظرها وعقبت
((هل تقصدين أن تقولي بأنه لو دفع تعويضات للشركة سيخفف من حكمه في السجن أو قد لا يدخله!))
قوّست شيرين حاجبيها ورشقت سهر بنظرات قاتمة وهي تقول بصوتٍ خطير
((ما الذي تفكرين به يا سهر؟ إياكِ إياكِ أن تقولي بأنك قد تدفعين عنه المال حتى تنقذيه))
هزت سهر رأسها نافية ثم ردت بوهن
((لا يا شيرين لن أدفع، لكنه كان طوال السنوات الماضية ينفق الكثير من المال على الهدايا الباهظة والفخمة التي يجلبها لي ولأمي.. وبما أننا سنفسخ خطوبتنا يجب عليّ أن أعيدها كلها له.. هذا حقه.. ساعة الألماس وحدها التي أهداها لأمي تساوي ثروة صغيرة.. أنا في كل الأحوال كنت سأتخلص من كل هداياه المعنوية فما بالك تلك الباهظة؟))
رفرفت شيرين بعينيها ثم قالت بحيادية
((صحيح أتذكر بأنه جلب لأمك أكثر من مرة مجوهرات تساوي كل واحدة منها مبلغ ضخم! لكن السؤال هنا من أين جاء بالمال ليشتريها؟ أعني لو كان يملك المال ليشتري مثل هذه الأمور فما حاجته لأن يخدعكم ويستولي على ثروتكم!))
رفعت شيرين كلتا يديها تبعثر شعرها الأسود وهي تشعر بأنها غارقة في حيرة شديدة بينما تسترسل مغمغمه
((سهر أنا أشعر بأني لا أفهم أي شيء.. فمن أين له كل هذه السيولة المالية! لا أصدق بأن العائلة التي كان يعمل كسائق عندها تعطيه هذا الكم من الأموال إلا لو كان يسرقها من عندهم أو يعمل بالممنوعات أو الأسوأ مثل..))
هتفت بها سهر برجاء منهار
((توقفي عن هذه التخمينات السّخيفة فلو كان يعمل بالممنوعات ما حاجته في العمل بمثل هذه الوظيفة البسيطة بل ومحاولته الارتباط بامرأة غنية!))
بارحت سهر غرفتها متوجهة إلى غرفة أمها تفتح الباب عليها دون أن تطرقه فانتفضت تمارا مكانها أمام منضدة زينتها وهي تقول متفاجئة
((ماذا هناك يا سهر؟))
ضيقت سهر عينيها وهي تناظر الساعة الألماسية التي كانت أمها في هذه اللحظة تقوم بالتنظيف الروتيني الحذر لها.. كأن قلب أمها نكزها قبل دقائق وأخبرها بأنها ستودع هذه الساعة قريبا! فتقدمت منها ومدت يدها تقول بهدوء
((ناوليني الساعة الماسيّة))
قالت تمارا باحتدام وقوة
((أنتِ تعرفين يا سهر بأني لا أقرض مجوهراتي الغالية لأي أحد حتى لو كان هذا الشخص هو ابنتي))
غمغمت سهر من بين أسنانها بنفاذ صبر
((أمي اعطيني هذه الساعة وأي مجوهرات أخرى أهداها لك قصي منذ ارتباطي به..))
شهقت تمارا بصدمة مدوية ثم خبأت الساعة خلفها وهي تقول برفض قاطع
((لماذا؟ تلك كانت هدايا والهدايا لا تُرد أبدًا..))
اقتربت سهر من أمها تحاول سحب الساعة منها بالقوة وهي تهتف بامتعاض
((سأفسخ خطبتي من قُصي وبالتالي عليّ أن أعيد كل شيء أخذته إليه))
قالت تمارا وهي تناور بحركات دفاعية غريزية حتى لا تفقد الساعة
((لماذا! هل أعاد أي شيء مما أخذه منك؟))
قالت سهر بحنق واستنكار
((أمي هو فعليا لم يأخذ أي شيء مني.. صحيح بأنه كان يخطط للزواج بي لأني ابنة عائلة ثرية ثم الارتقاء بنفسه.. لكن لم يحصل هذا))
غمغمت تمارا بمنطقها
((وسنوات عمرك الثلاث ألم يأخذها؟ لو لم يخدعنا كنت لربما الآن متزوجة من رجل غيره ولديك ابن أو اثنين.. فلتعتبري سنوات عمرك الثلاث المهدورة ومشاعرك التي أخذها ولم تكن من حقه هي ثمن هذه المجوهرات))
استطاعت سهر أخيرا نزع السّاعة من قبضة أمها ثم ذهبت لتبحث عن باقي المجوهرات فغطت تمارا ثغرها بباطن يدها بألم يضج ملامحها، ودموع قلبها قبل عينيها تتساقط بحرقة على فقدها تلك الساعة المرصعة بكميات كبيرة من الألماس!
=============================
داخل مهرجان العاصمة.. ليلا..
تطلعت رتيل بقلق لأجواء هذا المهرجان من حولها التي تشجع على الفجورَ والسُكُر والاختلاط.. حتى أنه من شدة الاكتظاظ هناك شباب في كل مكان يقومون بالتحرش اللفظي والجسدي..
إنه ليس مهرجان ثقافي للعائلات والفرح والشعر كما أخبرتها غنوة بل أقرب لاحتفال ماجن يدعو للانحلال.. فهناك من يشربُ الكحول وهناك من يمارسُ تعديًا على الناس وهناك من يتراقص بابتذال وبملابس شبه عارية..
ورغم أنه يُقام بأفخم الفنادق ذات الخمس نجوم إلا أنها تشّك بكونه غير مرخص!
لو رآها أحد يعرفها من طرف عائلتها أو عائلة زوجها في هذا المهرجان الماجن لكان قتلها وسلمها لمُؤيد ظنًّا منه أنه يهديه هدية غسل عاره..
بل بعرفهم مجرد نومها في بيت غنوة بينما تدعّي أنها تنام في بيت أمها هو عار..
شعرت رتيل بالندم لمجيئها هنا.. ندم حقيقي فظيع..
لم يسبق وأن ذهبت لأي مكان مشبوه أو سبق وخرجت معها إلى وقت متأخر من الليل فلماذا فعلتها هذه المرة!
مالت نحو غنوة تقرص ذراعها بقوة وغل فتأوهت غنوة بألم مكتوم تكبحه ثم غمغمت
((لم أعد أستطيع تحريك ذراعي بشكل سليم بسبب الكدمات التي تتسببين لي بها من قرص ولكمات))
احتقَن وجه رتيل بالغضب وقالت ساخطة
((وسأكسرها أيضًا، هل هذا هو المهرجان الثقافي الذي أخبرتني عنه؟ انظري إلى الرجال السُكارى من حولنا، انظري لملابس الفتيات الفاضحة أيضًا.. أنا لم أسمع باسم هذه الفرقة الغنائية من قبل.. هل هذا المهرجان مصرح به من الأساس؟ تخيّلي أن تداهمنا الشرطة الآن وتقبض علينا؟ هل تُدركين بأنها ستكون نهايتي لو حدث هذا؟))
تمتمت لها غنوة بحنق
((هناك مئات الأشخاص هنا، فهل ستلقي الشرطة القبض عليهم جميعا؟))
دفعتها رتيل للأمام واستشرى غضبها هاتفة
((لنرحل الآن، لن أنتظر أي ثانية إضافية))
تبّرمت غنوة ثم تبدلت ملامحها للمكر وأمسكت ذراع رتيل تجرها للجهة الأخرى
((دعينا نرحل من هنا يا رتيل))
اعترضت رتيل باستغراب
((لكن الطريق الآخر مختصر!))
ألّحت عليها غنوة بخبث وجرّتها
((دعينا نمر من هنا يا رتيل، هيا سيري أمامي))
استجابت رتيل مستسلمة لها وسارت أمامها من الطريق الذي أصّرت عليه.. مشت بسرعة للأمام قبل أن تميل طارف عينيها وتتوقف مبهوتة مكانها كأن صاعقةً من السماء هبطت على رأسها!
شحُب وجهها كالرخام الأبيض واختّضّ قلبها بين ضلوعها.. فغرت شفتيها المرتعشتين كما كل خلية فيها، حتى كادت أن تنتفض مكانها وهي تتشدق بصعوبة
((مُـ.. مُـ.. يد.. مُؤيد! مستحيل!))
كان زوجها مُؤيد يقف هناك مع رجل آخر وامرأة وقبل أن تحاول رتيل النظر بتمعّن بهم أكثر.. تقهقرت للخلف تنكبُ على غنوة هاتفة بفزع
((هيا بنا لنرحل من الاتجاه الآخر.. هيا، هيا، هيا))
شعرت غنوة بالإحباط لأن رتيل من رأت زوجها أولًا لا العكس.. لكنها ادّعت البراءة وعدم الفهم متسائلة
((لماذا يا رتيل؟))
جرّتها رتيل خلفها بيدها المرتجفة تقول بذعر بالغ
((علينا أن نغادر وحسب.. الآن))
.
.
زمّ مُؤيد شفتيه وهو يقول من بينهما ممتعضًا بينما تتجول عينيه في المكان
((هيا بنا لنغادر لم يعجبني هذا المهرجان.. ماذا لو رآني أحد معارفي أو أصدقائي؟ ماذا سيقولون عني!))
كانت دُموع تتأمل مُؤيد بإعجاب.. من شعره الكثيف وملامحه الوسيمة وذقنه الخفيفة.. إلى قميصه مفتوح الأزرار والذي يظهر شعر صدره الناعم بطريقة مثيرة جعلت حلقها يجف.. لم يسبق وأن تسكعت مع رجل بهذه الإثارة والرجولة الصارخة.. والثُراء بالتأكيد..
بَلَعت ريقها بصعوبة وهي تتجه ناحيته تسأله بنعومة
((لماذا يا مُؤيد! هذا المكان من اقتراحي أنا، سنسهر هنا إلى مطلع الفجر.. هل تحب أن تراقصني قليلا هنا؟))
تطلع لها مُؤيد بتجهم يظهر علامات الرّفض الباترة فتبسمت دموع ابتسامة رقيقة مدروسة وبخفة رفعت أحد خصلها الشاردة خلف أذنها
((إذا لم يعجبك المكان فما رأيك أن تأتي لشقتي أنتَ وصديقك لنكمل السهرة عوضا عن هنا؟))
رماها مُؤيد بنظرة شملتها الاشمئزاز، لاقتراحها هذا ثم قال مهمهما بنبرة ساخطة
((سأرحل الآن بسيارتي))
حاول صديق مُؤيد أن يعترض ولا يفوت هذه السهرة في بيت دموع فأخبره مؤيد ببرود ساحق
((أنا لست راضيا عن البقاء هنا لذا سأرحل وابقيا هنا.. سلام))
صرّت دموع على أسنانها وهي تتميز غيظا فتطلعت لصديق مُؤيد تقول له بفظاظة
((سأرحل أنا الأخرى، إلى اللقاء))
أخذت دموع زاوية بعيدة عن المهرجان وأصواته الصاخبة وقربت الهاتف من أذنها وهي تنتظر ردّ غنوة التي اتصلت بها.. وبمجرد أن جاءها حتى هتفت بحنق
((لقد رحل مُؤيد بالفعل.. أين كنت أنتِ وزوجته؟))
غمغمت غنوة لها بهمس محبط
((لقد رأته رتيل هنا وتجمّد الدم في عروقها وهرعت هاربة.. لقد فشلت خطتنا..))
اندلعت النيران الغاضبة في مقلتي دُموع فوبختها
((تبا لك يا غنوة.. هل تعرفين كم أمضيت ساعات في إقناع مُؤيد للمجيء هنا؟ ولم يقبل إلا بوجود صديقه النّزق التافه أن يأتي معنا! والآن رحل.. كيف سنجمعهم مرة أخرى ليعرف أن زوجته تخرج من خلف ظهره ويطلقها!))
عاجلتها غنوة ((لنفكر لاحقا، لقد أوقفت رتيل سيارة أجرة وسنعود الي بيتي))
.
.
استقلت غنوة سيارة الأجرة مع رتيل في المقعد الخلفي وأغلقت الباب خلفها بينما تسمع رتيل تهتف بها بصوت متذبذب
((علينا أن نعود للمدينة التي يقبع فيها بيتك حالا، لا يجب أن نتأخر))
تطلعت غنوة لها باستياء وهي تمعن النظر في وجه رتيل الشاحب وجسدها المرتعش
((اهدئي يا رتيل، لم يرانا زوجك!))
رُعب لم تختبره رتيل من قبل كان يدبّ في أوصالها فأغمضت عينيها بيأس وهي تريح يدها المرتعشة على جبهتها الباردة ثم قالت
((هل تعرفين بأنه كان على شفا حفرة من رؤيتي!))
أطبقت رتيل عينيها أكثر وهي تردف باكية بصوتٍ هامس شديد الخفوت والجزع
((هل تعرفين ما كان سيحدث عندما يراني في مكان كهذا في منتصف الليل وهو يظن بأني الآن نائمة في بيت أمي؟))
قالت غنوة بامتعاض
((ولماذا لا يحاسب الأستاذ مانع نفسه هو أيضًا؟ فماذا كان يفعل في مكان كهذا؟))
رفعت رتيل وجها يفيض بالغل والإحساس العارم بالظلم ثم قالت والاشمئزاز يعلو ملامحها
((معك حق.. ماذا كان يفعل هناك من تلك المرأة والرجل بجانبها! هل تعرفين بأن المطاعم والسينما وزيارة أقربائي يحرمني منها ويعتبر خروجي لها معه أو مع الطفلين حرام وعيب في حقه؟))
حولت رتيل رأسها جانبًا عبر الشباك المفتوح تحدق في الطرق والظلام الدامس الذي أرخى سدوله منذ ساعات..
دمدمت غنوة ((إنه رجل حقير يذهب هناك مع عشيقته ويستكثر أمور مثل المطاعم والسينما عليك!))
انتفضت رتيل عند هذه الكلمة وتطلعت لصديقتها تقول بعينين بارقتين من الغضب مستنكرة
((عشيقة؟ أي عشيقة؟ ربما تكون زوجة الرجل الذي كان بجانبه!))
أمعنت غنوة للحظات في ملامح رتيل تدرسها قبل أن تقول بعد لحظات بصوتٍ غريب
((لا ليست زوجة الرجل الذي معه، فبعد فترة تفكير تذكرت أين رأيت هذه المرأة التي كانت ترتدي ملابس فاضحة مبتذلة.. إنها تدعى دموع.. بيننا أصدقاء مشتركون.. وربما تكون عشيقة زوجك أو زوجته السّرية فهي كانت تنظر له بسفور وإعجاب واضح))
استجمعت رتيل قوتها لتقاوم الألم الذي بدأ يضج في داخلها ثم ردت وهي تهز رأسها نافية كمن تهذي
((لا مستحيل.. مستحيل أن يصل الفسوق بمُؤيد أن يتخذ عشيقة أو زوجة غير معلنة!))
رفعت يديها المرتجفتين تشد من حجابها حول رأسها وهي تهز رأسها نافية بهذيان ((مستحيل.. مستحيل..))
لكن توقفت بغتة للحظات قبل أن تمسك كتفي غنوة بقوة دون أن تعي وتتساءل
((هل أنتِ متأكدة من أنك تعرفينها ولست مخطئة بظنك فيها!))
قالت غنوة وهي تدعّي التخمين
((نعم أظن بأنها هي دُموع التي أعرفها..))
قالت رتيل بإصرار عنيد وعقلها يصور لها عدة سيناريوهات
((حتى نعرف ماذا بينها وبين مُؤيد عليكِ أن تسألي الصديقات المشتركات عنها.. الآن))
عقدت غنوة حاجبيها وأخرجت هاتفها تقول بتعاطف مزيف
((لا تقلقي يا رتيل سأبذل قصارى جهدي لأعرف عنها كل شيء من خلال مصادري الخاصة والصديقات المشتركات، أعطيني القليل من الوقت))
قالت رتيل بصوتٍ متحشرج متوسل
((أسرعي إذن))
قالت غنوة وهي تمسك يدها مهدئة
((اهدئي يا رتيل.. اهدئي.. سأبدأ السؤال عنها))
بدأت رتيل تنظر أمامها بعينين زائغتين بشرود بينما تهز ساقها بارتباك طوال الطريق.. في حين غنوة مشغولة تماما بالنظر والكتابة على هاتفها مُدعية البحث فيه..
.
.
بعد ساعات وبمجرد أن أوصلهم السائق أمام باب بيت غنوة..
أوصدت رتيل الباب خلفهم بإحكام وأسدلت ستائر المنزل بينما تتساءل بصوتها المتحشرج
((ها يا غنوة! هل ردّت عليك إحداهن؟))
استدارت غنوة لها تقول بإيجاب
((أوه فعلا واحدة من صديقاتي ردت عليّ))
اندفعت رتيل نحوها كمن دبت فيها الحياة فجأة فهي لم تتوقع أن يصل لغنوة أي معلومات عنها.. ليس بهذه السرعة على الأقل! ثم سألتها بلهفة محترقة وهي تحاول سحب الهاتف منها
((أريني ماذا أرسلت لك.. هيا))
رفعت يدها الممسكة بالهاتف عاليا ترفض إعطائه لها.. لتقول بحزم
((لا يا رتيل ابتعدي عني وأنا سأقرأ لك ما كتبته لي))
أطاعتها رتيل وابتعدت عنها فأنزلت غنوة الهاتف تدعي قراءة شيء ما قبل أن تكمل تمثيليتها الرديئة وتقول بدهشة مصطنعة
((يا إلهي لا أصدق ما أراه.. لقد أرسلت لي صديقتي حسابها ورقمها السري على "الفيس بوك"))
كادت أن تخرجا حدقتا رتيل من محجريهما وهي تردد بغير تصديق
((مستحيل))
هزت غنوة كتفيها وقالت
((وأنا أقول بأنه مستحيل.. لذا سأرسل حسابها ورقمها السري برسالة لك الآن وتأكدي من صحته ريثما أذهب لأغير ملابسي..))
أخرجت رتيل هاتفها بلهفة وجلست على أقرب أريكة لتبدأ بتجريب الدخول للحساب المُرسل لها.. وسرعان ما شهقت بذهول عارم عندما اتضح أن المعلومات السرية للحساب صحيحة!
كان تمثيل غنوة رديئا، وخطتها بكاملها غير محبوكة إلى حد مكشوف.. ولو لم تكن رتيل بحالة غير متزنة لما انطلى عليها الأمر بسهولة!
بدأت رتيل تتصفح الصور الشخصية للحساب لتتأكد من أن هذه الصور تابعة لنفس المرأة التي كانت تقف مع مُؤيد وذاك الرجل! وهي بالفعل تُدعى دموع!
بعد مدة جلست غنوة بجانب رتيل لتقول الأخرى
((لقد دخلتُ إلى صندوق رسائل دموع وهناك رسالة من مُؤيد من حسابه الشخصي لها))
عقبت غنوة بمكر وهي تميل برأسها لهاتف رتيل
((اضغطي على حساب مُؤيد لنتأكد من أنه حسابه الحقيقي وليس آخر وهمي))
فعلت رتيل ما أملته عليها غنوة وتأكدت من أن الحساب عائد فعلا لمُؤيد! حساب مُؤيد الشخصي والرسمي الذي يتعامل من خلاله مع معارفه وأصدقائه!
في هذه اللحظة وبكل مكر انسحبت غنوة من مكانها تترك لرتيل المجال لتبدأ بقراءة الرسائل المتبادلة بين مُؤيد ودموع بهدوء!
بدأت رتيل تقرأ كل حرف من الرسائل.. كل كلمة.. والدموع تنسكب على وجهها بفيض..
كانت المرأة تلك التي تدعى "دموع" تجتذب مُؤيد عن طريق أسئلة رخيصة فضولية عما يحب ويرغب في امرأة أحلامه وهو رغم تمنعه في البداية إلا أنه سرعان ما انجّر في الحديث معها حتى وصل به الحال أن يتحدث عن كل ما يحبه ويرغب في فعله في العلاقة الزوجية ولا يتسنى له فعله مع زوجته وأم أولاده "المحترمة"!
لم تكن محادثاته معها تتعلق بالفراش وحسب بل كانت عن أحلامه وحياته في المدينة وكل ما يتمنى أن يجربه مع امرأة أحلامه.. والتي ما إن يجدها فلن يتردد في أن يدفع الغالي والنفيس للحصول عليها! لكنه لن يعلن زواجه منها أو يثبته في المحكمة ولن ينجب منها.. وسيخفيها عن أقاربه!
كتمت رتيل شهقة مريرة!
هي باردة ومحترمة معه في العلاقة الزوجية؟ أليس هو السبب في تكريس هذا الجمود والبرود معه ومن يطالبها بذلك؟
عقبت غنوة وهي ترى حال رتيل المثير للشفقة وهي مستمرة بمسك هاتفها بارتعاش
((لماذا تبكين؟ لا تقولي لي بأنك تحبينه وتشعرين بالغدر لأنه يخونك!))
أجهشت رتيل في البكاء وهي ترفع رأسها لغنوة بحرقة
((لا أحبه بالطبع لكن لا يعني أن أسكت على الأمور الحميمية التي تحدث بها مع دموع..))
تمهلت لثانيتين تأخذ نفسا مرتعشا ثم أكملت
((مُؤيد رجل صامت، جدّي للغاية معي.. وفي السرير هو روتيني جدًّا.. ما يتمنى أن يفعله مع فتاة أحلامه هو ما يستكثره عليّ.. لطالما حلمت أن يكون معي هكذا.. إنه يمنعني حتى من أن أتزيّن من أجله أو أرتدي ملابس تظهر أنوثتي!))
استمرت رتيل تنتحب بانهيار وحرقة وهي تحرر شعرها من الحجاب فيتناثر شعرها الناعم حالك السواد حول وجهها..
كُلها كان ينتفض بشديد الألم حتى شعرت كأن هناك حمى تهاجم جسدها بضراوة..
هي كانت تخون ثقة مُؤيد بها وتأتي إلى بيت غنوة في المدينة من أجلها.. من أجل الحصول على شيء من الحرية والمتعة التي تُصبّرها على حياتها معه..
لكن الآن وفي هذه اللحظة.. تَمَنت لو تستطيع فعل شيء لتؤلمه مثلما يؤلمها.. تمنت حقا لو يعرف بكل ما كانت تفعله منذ سنوات طويلة من خلف ظهره.. حتى لو ترتب الأمر عليه أن يقتلها.. المهم أن تجعله يدرك كم هو مخدوع مثلما جعلها تشعر الآن!
رغم أن ما تفعله لا يضاهي ما فعله سوءً.. على الأقل هي ليس لديها رجل أحلام تتمنى لقاءه يومًا مًا!
هَطلت دُموع أخرى ساخنة من عيني رتيل المائجتين بالغضب والقهر تكاد تحرق أجفانها ولسان حالها يردّد
((ليتني فقط أستطيع أن أوجعك يا مُؤيد مثلما أوجعتني.. ليتني أستطيع أن أرُد لك يا مُؤيد ما أشعر به أضعاف ألمي))
اقتربت غنوة منها تمرر يدها فوق ظهرها تحاول التخفيف بخبث خفيّ عنها فقالت رتيل
((هل تعرفين يا غنوة بأني لا أبادر في العلاقة الحميمة معه وأكتفي بالجمود أو بتفاعل لا يكاد يُذكر وأقمع رغباتي لأنه يريد مني ذلك؟ يقولها لي صراحة ألّا أبدي رغبة تجاهه وإلا سيشعر بي بأني امرأة فاجرة))
من حيث لا تدري تفاقمت حرقتها لتشبه الجمر الملتهب وتجوب داخل جسدها متوهجة.. وأنفاسها تسارعت بينما تذكرت مشهد قديم لها مع مُؤيد لتتابع
((في عدة مرات تصرفت معه بجرأة وحرية وأطلقت العنان لي وكأني فرس جامح، ولا يمكن أن اشرح لك كيف حركتُ الشكوك عنده بأني أرى مواقع محظورة على الإنترنت.. فعدت لما كنت أفعله بالسابق وتحلّيت بالسّلبية والجمود لأشعره كأنه ينام مع وسادة.. جسدا بلا روح.. حتى لا أدخل نفسي بدوامة من الاتهامات لن أخرج منها إلاّ بالطلاق مع فضيحة))
كانت تعرف رتيل جيدا بأن ما تتحدث به مع غنوة خاطئ تمامًا فالمرأة لا يجب أن تتحدث بمثل هذه المواضيع الخاصة والحميمية مع أحد.. لكن القيود الاجتماعية والكّبت الذي تعاني منها أجبرها على البوح بخيباتها أمامها!
لفّ الاستهجان غنوة وهي تقول
((هذا الأستاذ مانع رجل غريب))
امتلأت عينا رتيل دموعًا لا إرادية من جديدة فتاهت الرؤية كالضباب لكنها رفعت يدها تكفكف دموعها بعد أن هدأت قليلا واستدعت تعقُلها.. فأخذت نفسًا عميقًا مرتجفا ثم قالت بصوتها المجهد وهي تعتدل واقفة من مكانها
((غنوة سأنام لساعتين لأن عليّ المغادرة في الصباح الباكر.. حماتي أكدت عليّ العودة باكرًا فيزيد لا يسكت إلا معي أو مع نجوم.. سأتحدث معك لاحقا لأرى ماذا عليّ أن أفعل))
.
.
عصرا.. وبعد رحيل رتيل طرق باب منزل غنوة من قبل دموع ففتحت غنوة لها هاتفة بتلقائية
((صحيح بأننا فشلنا في جعل مُؤيد يراها في ذلك المهرجان المّاجن لكن نجحتُ بجعلها ترى كل الرسائل التي أرسلها مُؤيد لك))
ملأت ضحكات دموع الرقيعة المكان ثم قالت وهي تجلس على إحدى الأرائك تتكئ بغرور وعنجهية
((أحسنت يا غنوة.. لقد كتب تلك الرسائل عن فتاة أحلامه في لحظة ضعف وتوسّل لي أن أحذفها لكنني لم أفعل لأني عرفت بأني سأستفيد منها.. المهم هل اقَتنَعَت بأن مُؤيد خائن وعليها أن تخونه لترد اعتبارها؟))
قالت غنوة بزهوة الانتصار
((نعم أظن ذلك، والآن ما الخطوة التالية؟))
خفتت تلك الملامح المزهوة عن دموع بشكل تدريجي وقالت بشيء من عدم الحماس
((هل تعرفين شيئا؟ أنا لست لهفة كثيرًا لمُؤيد.. إنه لا يملك تلك الثروة اللافتة للنظر والمشجعة على إنهاك أنفسنا في التخطيط لإغرائه.. رجل غيره لكان وقع في المحظور واستجاب لإغرائي قبل أشهر وأعطاني ما أريد.. لكن مُؤيد هذا يتعبني بثقله وادعائه عدم فهم تلميحاتي))
قوست غنوة جبيها وتنحنحت قبل أن تقول بمكر
((قد لا تكون ثروته الحالية بذاك المقدار.. لكنه مستقبلا فالله أعلم كم ستصبح مع ما سيرثه من والده))
ضيقت دموع عينيها متسائلة
((هل والده ثري جدًّا؟))
أومأت غنوة بعيون بارقة وهي تجيب
((نعم.. إنه فاحش الثراء.. رتيل سبق وأخبرتني عن ثروته من جهة.. وقمت بتحرياتي الخاصة من جهة أخرى.. وعلمت بأن والد مُؤيد ذاك العجوز الثري يمتلك قصرا كبيرا، ومعرضًا للسيارات المستعملة ومزارع وأراضي شاسعة في قريته وفي قرى أخرى يعمل فيها الكثير من المزارعين.. وهناك في القرية تٌم تجديد مجلس كبير لعشيرتهم هو من تولى كلفته وهو من يصرف عليه وعلى ضيافة مرتاديه.. إنه كريم جدًّا ومحبوب من قبل أهل القرية بسبب المال الذي ينفقه ببذخ عليهم وعلى من يلجؤون له))
اتسعت حدقتي دموع لحظيًا مما تسمعه.. شردت تفكر بكلام غنوة.. ثم تساءلت باهتمام بالغ
((هل مُؤيد هو ابنه الوحيد؟))
أجابتها غنوة بعبوس
((للأسف لا عنده خمس أبناء.. لكن لا بأس فما سيرثه منه يظل مبلغا كبيرا))
ابتلعت دموع لعابها الذي لم يعد موجودًا تقريبًا وهي تجيب بنبرةٍ مبحوحة
((حمّستني أن أكمل خطتنا))
شيدت غنوة عليها
((أحسنت يا بنت))
قالت دموع بحماس جشع
((الليلة أو ربما في الغد أنا من سأعرض عليه الزواج، لا صبر لي حتى يعرض هو الزواج أولًا.. حتى لو كان زواجا عرفيا سأقبل))
ضحكت غنوة ضحكةً رقيعة انتقلت إليها من رفيقتها لتقول
((أيتها الحثالة ألهذا الحدّ أنتِ لاهثة للمال؟))
ثم أردفت بتخطيط
((من جهتي الليلة سأبدأ بإرسال رسائل الابتزاز لرتيل، دعينا تستنزف النقود التي بحوزتها قبل طلاقها.. سأرسل كل صورها بمنزلي بمرسل مجهول وأُهددها بفضحها بمقابل مادي.. طبعا هي ستلجأ لي إذا ما وصل لها أي رسالة تهديد فبفضل الأستاذ مانع ليس لها صديقات أخريات غيري.. وأنا من سأقنعها أن تدفع كل ما لديها مقابل سكوت من يهددها))
قالت دموع والمكر يشع في عينيها فالثروة أخيرا ستعرف لهم طريقا
((ابتزّيها واعصري المال منها اعتصارا قبل أن نجعل أستاذ مانع يظن بأنها كانت تخونه مع رجل آخر ويطلقها))
سارعت غنوة تحذرها
((لكن عليك أن تّقنعيه أن يتزوج منك كزوجة ثانية دون أن تجلبي له سيرة رتيل لأنه لو عرف ما تفعله زوجته فسيدخل في صدمة قوية تنسيه أمرك.. سينشغل بها بل وربما يقتلها فيرتمي خلف قضبان السجن بجريمة شرف وينتهي حلمنا أنا وأنتِ.. علينا أن نجعله يتزوج منك قبل أي شيء، وليحدث ما يحدث بعد ذلك))
=============================
ليلا.. مكتب وليد..
تنهد زميل وليد وهو يقترب منه قائلًا برجاء
((أنتَ تنهك نفسك في العمل، عليك أن تريح نفسك))
نظر وليد له بوجهه المجهد بتقاسيم جامدة وقال ببرود
((وهذا هذا الإنهاك يؤثر على عملي بالسلب أو يجعلني أقصر فيه؟))
هز زميل وليد رأسه نافيا فأكمل وليد بصرامة
((إذن لا تتدخل))
لم يستطع زميل وليد قول المزيد فاكتفى أن يتركه لرغبته ثم غادر المكان.. أما وليد فارتخى جسده على ظهر الكرسي يحدق بنقطة في الفراغ..
شيرين مُصرة كليا على الطلاق ووصل بها الحال أن تخبر أخوالها الذين كانت تعتبرهم أعداء بسبب رغبتهم بالتحكم في حياتها منذ وفاة والدها.. وأخوالها قاموا بالواجب ولجأوا لوجهات القرية الذين أخبروا عمه عنه وطالبوه أن يرضخ لطلبها بالطلاق.. عمه قالها صراحة بأنه لن يسمح له بالرفض لأنه سيصغر منه أمام وجهات القرية ووقتها سيسمح لأي كان محاربته! في النهاية هو وحيدا لن يقدر على عمه ووجهات القرية جميعهم..
كز وليد على أسنانه بغيظ..
شيرين رحلت لتعيش في العاصمة.. تظن لو رحلت هناك وطلبت الطلاق منه فأنه سيحررها وينساها.. لا والله أبدًا لن ينساها بل ستظل هي الوحيدة هدفه وكأنه لم يعرف سواها.. تلك البلهاء تظن أن سبب سكوته وعدم اتخاذه أي ردة فعل جدية حتى الآن سوى تلك الرسائل هز خوفه من تهديدات وجهات القرية.. لكن مالا تعرفه هو أنه غارق بمصيبة أخرى تأخذ منه كل وقته وذهنه وتفكيره..
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!