الفصل 53 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث وخمسون 53 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
11
كلمة
8,442
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الثاني والعشرون

في مجلس الرجال..

جلس الحاج يعقوب في منتصف المجلس يضم عباءته على جسده ويقول بصلابة لمَازن الذي يقف أمامه بملامح عابسة

((الآن ستغادر.. سأتصل بمُعاذ وأطلب منه أن يحجز لك أسرع طائرة تعيدك للخارج))

ردّ مَازن له دون أن يرف له جفن

((لن أذهب لأي مكان.. إذا كنت مُغرمًا بذاك البلد أنا من سأتصل بمُعاذ وأطلب منه أن يحجز لك أسرع طائرة تطير بك إلى هناك))

غمغم يعقوب بسخط

((ما أقلّ أدبك يا ولد))

رفع مَازن حاجبيه يقول بنبرة ساخرة قاتمة

((وما الجديد؟ أنا عاق ولا أملك من الأدب والاحترام شيئا.. كثيرًا ما تُردد هذه الكلمات على مسامعي ومع ذلك تتفاجأ في كل مرة أردّ عليك الكلام!))

توغل الذهول في ملامح يعقوب وهو يردد

((وفخور بنفسك أيها الوقح!))

قوّس مَازن حاجبيه وقال بوضوح وهو يرفع ذقنه

((أنا لست فخورًا بنفسي لكني تعبت من البقاء هناك، تلك البلاد تُزار لأسبوع أو اثنين سنويًا كاستجمام لا للإقامة أبدية))

ظلّ يعقوب ينظر لابنه بصرامة فطرية أشاح عنها مَازن، ليقول أخيرا بصوتٍ قاطع آمرًا له وقع هيبته

((مَازن ستعود من حيث جئت))

احتَقَن وجه مَازن بالضيق وهدد بسفور

((أبي لن أذهب لأي مكان، حتى لو طردتني من بيتك، سأذهب لأقرب مسجد أنام فيه ليلًا وأتسول أمامه نهارًا، عندما يعلم المحسنون من الناس بأني ابن الحاج يعقوب الكانز سيكرمون في عطيّاتهم وصدقاتهم عليّ))

غمغم يعقوب بنظراته المحتدمة

((أيها الدنيء هل تهددني بتشويه سمعتي؟ أدفنك مكانك قبل أن تفعلها!))

كان يريد مَازن إخراج نفسًا ضائقًا لكن تراجع احترامًا لوالده وقال بملامح مُعذبة

((أبي أنا لا أهًددك بشيء.. لا تأخذ كلامي على محمل شخصي.. أنا فقط لا أريد مبارحة أرض وطني الغالي.. ثم أبي.. أقصد..))

تلعثم في آخر كلماته وحانت منه نظرة نحو الباب المُوارب قليلا وما إن لمح هوية من تتوارى خلفه حتى هتف

((ادخلي يا ياسمين أنتِ وهدى، لا داعي للتصنت))

بخجل وتردد ولجت ياسمين وهي تمسك يد هدى الصغيرة ليشير مَازن لهما ويكمل محاولة نيل استعطاف أبيه

((انظر يا أبي إلى زوجتي المسكينة كيف ظهر أثر الإجهاد والعمر على وجهها الرقيق وقد أثقل كاهلها لعب دور الأب والأم لابنتها))

ثم تقدم مَازن أكثر من ابنته ينخفض ويقبل جبينها بينما يكمل بدرامية

((انظر إلى تلك البريئة الصغيرة كيف تعيش هنا كيتيمة ووالدها حي يرزق! إذا لم يهمك أمري فعلى الأقل اهتم بشأن هاتين المسكينتين))

رفعت هدى الصغيرة يدها تمسح آثار لثم والدها الوهمية ولم تشعر تجاهه بالحب بينما رفع مَازن وجهه لزوجته يقول

((صحيح يا ياسو ما أقوله أم ماذا؟ هيا تحدثي بشيء))

تنحنحت ياسمين تُجلي صوتها ثم قالت بتعثر

((أعني.. بصراحة لم أشعر يومًا بأنّ هدى تحتاجك، أعمامها ينوبون عنك بل وزيادة.. خاصة عمها مُؤيد دائما ما يُلاعبها ويسأل عن أخبارها واحتياجاتها ولا يُقصر معها أبدًا.. لا أبالغ لو قلت بأنه يعاملها هي ودارين أفضل من أولاده))

اتّسعت عينا مَازن لما يسمعه فقالت هدى

((نعم صحيح يا أمي عمي مُؤيد رائع))

ربتت ياسمين فوق شعر ابنتها لتقول ببراءة مصطنعة

((هل أصغيت يا مَازن لكلام ابنتك؟ صدقني نحن هنا على خير ما يرام فلا تعطل مصالحك وعد من حيث جئت.. صدقني سنعتني ببعضنا جيدا حتى لا تحمل همّنا هناك))

تسللت كلمات بريئة من فم هدى تلقائيا

((نعم أبي يمكن أن تعود ونحن سنكون بخير من دونك لا تقلق.. لن أتأفف أو أُبدي ضيقا إذا ما طلبت جدتي أن أتحدت معك على الهاتف إذا كان هذا يُسعدك))

استقام مَازن واقفا من مكانه وكُل ما فيه ينذر بالشر.. ثم مال يشد ضفيرة طفلته بقوة وطفولية قبل أن يبارح المكان بغضب..

شهقت هدى مما فعله وسرعان ما اغرورقت عيناها بالعبرات لتبدأ بالبكاء.. فحضنتها ياسمين وهي تربت فوق شعرها وتَتَطلع لحماها بحزن تستدعي شفقته وتغمغم

((هل رأيت يا عمي كيف شدّ شعر هدى!))

.

.

ليلًا..

ارتدى مَازن قميص منامته بعدما انتهى من استحمامه وفرغ حقائبه.. رفع المنشفة يجفف شعره البني المائل للحمرة..

فتحت ياسمين عليه الباب بعد أن تأكدت من نوم هدى.. وكانت تشعر بالحُزن الممزوج غضبًا من حماتها التي أصّرت عليها أن تجعل هدى تنام في نفس غرفة دارين وتتوقف عن النوم بجانبها بسبب عودة مَازن..

ما أن انتبهت ياسمين على نظرات مَازن تحوم عليها حتى عبست ووبخته

((هل أعجبك ما تسببت به؟ تتحرش لفظيا بنجوم دون أي رادع وتتسبب بسخط والدك وغضبه منك وعلينا))

أثقلت ملامح مَازن الوسيمة بالذّنب لتجاوزه الحدود بالكلام إلى الحدّ الذي وصل به أن يتحدث عن قوامها! ومن أجل ماذا! فقط من أجل إغاظة ياسمين! فقال بصوتٍ خافت

((لقد أخطأت، معك حق، سأذهب الآن لأعتذر منها))

كان يهُم حقا بالخروج فاتسعت عينا ياسمين وقبضت على رسغه تردعه عن الخروج باستنكار كمن تحادث أبلهًا

((أين تذهب؟ ألا تفكر؟ لو رآك عمي الآن أمام نجوم سيدفنك تحت الأرض دون ذرة ندم))

أطرق مَازن وجهه أرضًا وهو يعي صحة ما نبهّته إليه.. وازداد غضبه من نفسه.. فهو في نهاية العشرينات من عمره ولا زالت تصرفاته تشي بتصرفات مراهق أرعن لا يفكر بنضج أو رزانة..

أطلق تنهيدة عميقة كان يكتمها وهو يتجه نحو السرير بينما يراقب ياسمين تفك حجابها المنزلي من على رأسها فيتساقط شعرها البُني بكثافته شلالًا على كتفيها..

افترس مَازن النظر لشعرها بانبهار مسروق الأنفاس ثم تمتم

((شعرك الطويل الخلاب ما زال كما هو ولم تقصّيه! هل أخبرك سرًا؟ منذ أن تزوجنا وأنا أحب غمر أصابعي وتمريرهم فيه.. إنه غزير وطويل ويخطف اللُب))

تطلعت له بنظرات تشعّ رفضًا وقالت

((تعرف أني أكره أن يلمس أحد شعري))

تغضّن جبينه مازن مكفهرا واعترض

((بل سألمسه، ألست زوجتي؟))

ثم مال نحوها يحاصره بنظراته المحتدة مردفا بكلمات طال وقت كتمانها في داخله

((أنا لم أخطأ بحقك بشيء إلا بسكوتي عن خُطتهم الدنيئة لكن الآن لم أعد أشعر بالذنب أو الشفقة تجاهك لأنك لا تستحقينها، لكن وبما أن حظي التَعس جعل والدي يظن بأني مشترك معهم وأجبرني على الزواج منك فأنا لن أتنازل عن أي شيء من حقي فيك بعد الآن))

ثَارت ملامحها دون أن تتفوه بحرف وهي تفهم ما يُلمحُ له بينما تسمعه يُعيد فتح دفاتر الماضي بينهما.. فأكمل لها بصوتٍ واضح قاتم

((نعم كنت أسمعهم يعرضون عليّ مشاركتهم التخطيط بخطف فتاة تجرّأت على تحدي زعيم عصابتهم وتسببت بفصله من الجامعة لكني رفضت بل وانسحبت تمامًا من شلتهم وقد اقتنعت بكلام أصدقائي بأنهم شلة سوء فاسدة ولن يأتي من ورائهم إلا المصائب.. لكن أحد أفراد عصابتهم أقنعني بأنه انسحب من العصابة وطلب ودّي وببلاهة صدقته وقبلت صحبته، ثم ذاك الشّاب أقنعني بحجز غرفة له في إحدى الفنادق باسمي ومالي ليمكث فيها عدة أيام بعد أن طرده والده من البيت، وأنا لبّيت طلبه بحسن نيّة وعندما فكرت بزيارته ودخول الغرفة بعد أن دَعَاني صُدمت على صريخك في وجهي وتفاجأت بأمن الفندق يحتجزني بانتظار وصول الشرطة))

ضيقت عينيها وقالت بنبرة مكتومة تحمل غلا تجاهه

((نعم أعرف هذه القصة التي سردتها عليّ ألف مرة في الماضي، بغض النظر إن كنت صادقًا تمامًا أم لا.. فأنا لا أَتَقبلك ولم أخْترك زوجًا لي إلا بسبب ظروفي))

ردد بنبرة مظلمة دون ندم أو تردد

((لا يهمني أن تقتنعي أنتِ أو أبي بأني مظلوم.. لكن ليكن بعلمك لو عاد بي الّزمن لم أكن لأستجيب لأمر أبي في الزواج منك مهما كلفني الأمر))

غامت عيناها بالحقد المصوب له إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يكمل وهو يفتح يديه

((هل فاجأك تَغيري؟ نعم يا ياسو الحبيبة أنا لم أعد مَازن القديم ذاك الذي تزوجك وتحمل منك كل أنواع السّخط، سامحًا لك بإفراغ جام غضبك وحزنك فيه لأنه يُشفق على الظّلم الذي تعرضتِ له من كل من حولك))

كلماته كانت كنصالٍ حادة يصوبها إلى صدرها ويهبط بها مُمزقا روحها بكل جنون.. مستنزفًا إيّاها وآملًا في القضاء على الجزء المتبقي من كبريائها الذي يدفعها أن تُنغص عليه حياته لعدم تصديقها أن صداقته مع شباب منحلين وفاسدين كهؤلاء يمكن أن تجعل منه شخصا جيدًا!

قَسَت عيناها في هذه اللحظة كشظيتين من الجليد المؤذي.. لتنطق أخيرا بصوتٍ مثقل بالقهر والنقمة

((ومن سمح لك أن تشفق عليّ! هل تظنني سعيدة في الزواج منك وحبس نفسي بين أُناس لا أشعر بالانتماء لهم طوال تلك السنوات؟))

كانت كل ملامحه خالية من التعبير وهو يقول بفتور

((أعرف بأنك لست سعيدة لكن عليك أن تعلمي أن هذا الشّعور متبادل.. وبما أننا وللأسف متزوجان بالفعل ومنذ سنوات وتربط علاقتنا طفلة بيننا فمُضطر أن أقبل بنصيبي البائس وأظل معك))

هَتَفت به بانفعال

((لكن أنا لا أريد أن تظل معي.. لولا عائلتي لكنت طلبت الطلاق منذ زمن..))

أَطبق شفتاه في خطٍ قاسٍ قبل أن يمرر عيناه عليها من أعلاها إلى أخمص قدميها بنظرة رجولية متفحصة بعد أن خلعت عباءتها وظهرت بمنامتها البيتية الضيقة ثم قال بجفاء

((لكنك لم تفعلي وطالما أنتِ أمامهم زوجة لي سنكمل حياتنا كما كانت قبل سفري.. هيا الآن تجهزي))

خيم صمت ثقيل فوق رأسيهما.. وازدردت ريقها من نظراته ثم تساءلت غير مطمئنة

((أتجهز إلى ماذا؟))

رفع حاجبيه لها وقال بصوتٍ غريب جرّدها من كبريائها

((أريد حقوقي الزوجية! ما هو غير المفهوم؟))

أخذت ياسمين نفسًا عميقًا كي تسيطر على ألم رُوحها.. ثم نظرت إليه بابتسامة تواري قهرها وهي تبدأ بفك أزرار قميصها ثم بصقت كلماتها من فمها بنظرات احتقارٍ

((تفضل خذ حقوقك))

نظر مَازن لجسدها وتقاسيمه التي تسلب عقله كأنه يراها لأول مرةٍ في حياته! أو أن رغبته الجائعة زيّنت له طلتها!

في بداية زواجهما ما إن يبادر للاقتراب منها حتى تتجمد جسدًا وروحًا قبل أن تسمح له بنيْلهَا، فَكَرهَ العلاقة الزّوجية كلها ولم يقترب منها إلا على مضض..

لكن وبعد مرور تلك السنوات ونمو الرّغبات فيه كرجل اختلفت نظرته للأمر..

فلم يشعر بنفسه وهو يندفع نحوها اندفاعًا كاد يُسقطها لولا دعمه لها بين ذراعيه..

بخفة ألقى ظهرها فوق السرير قبل أن يميل برأسه نحوها ويجتاح شفتيها بعُنفٍ.. ولمساته تمتد بكل إنش فيها يستحضر كل فنون الإغراء التي يُتقنها أي رجلٍ بالفطرة.. انهمك يخضع جسدها ويجعله طوْع بنَانَه.. وفي النهاية نال استجابتها لكن بطريقه لم ترضيه.. وشعر بالدماء الساخنة داخله.. تستحيل لصقيع!

.

.

فجرًا..

فتحت ياسمين عينيها ثم هدرت بوجع محاولة دفعه جسده المطوق لها بقوة حديدية عقب أن حررّت ذراعيها أخيرًا

((ابتعد يا مَازن، تكاد تحطم ضلوعي))

تململ قليلا أثناء نومه إلا أنه لم يتحرك إنشا كالجبل..

بل تلكك فمه ثم دفن وجهه في عنقها يستنشق رائحة غسول شعرها الممزوج برائحتها الأنثوية لتُكون عطرَا خاصا بها..

عندما همّت بالقول مجددا قاطعها بصوتٍ ناعس أجش

((شششــ... هل تعرفين أن سبب إصراري على العودة هنا هو لهذا السبب؟ فبعد أن أنهيت دراستي الصعبة وازداد وقت فراغي لم أعد أفكر إلا بالعلاقة الزوجية، وأنا الآن بحاجة لقربك حتى أُعَوض))

غمغمت له بحنق مكتوم وهي لا تزال تعافر لتتحرر كليا من عناقه المتملك

((تريد أن تعوض على حساب خنقي؟ ابتعد يكاد نفسي ينقطع))

التفت أصابعه حول خصلات شعرها ولثم زاوية شفتها هامسا

((عودة لأحضاني علّ شيئا من الثلوج التي خلفتها الغربة في روحي تذوب))

تمتمت له بصوتٍ مخنوق وهي تنأى بوجهها عنه

((ألا تستطيع هذه الثلوج أن تذوب بطريقة غير هذه الطريقة؟ أنتَ تخنقني))

تشدق متهكمًا ((للأسف ليس هناك طريقة أخرى))

رددت له بامتعاض ملح

((مَازن.. مَازن الصّلاة.. سيطلع الصبح.. ولم نصلي الفجر بعد))

أخيرا خفف من قبضته حولها لتتحرر من بين ذراعيه وتتراجع جالسة عند زاوية مكدسة بالوسائد واللحف بينما تسمعه يقول بصوتٍ ناعس يغمض إحدى عينيه

((أوه فعلا الصلاة))

نهضت ياسمين من مكانها ليأتيها سؤال مَازن المستغرب

((بالمناسبة يا ياسو، أنا لم أرَ أخي مَالك طوال اليوم وهاتفه مغلق، هل تعرفين أين ذهب ومتى سيعود؟))

تجهمت ملامح ياسمين وقالت

((وهل تذكرت الآن أن تسأل عنه؟ ألم يلفت انتباهك وجود طفل يُدعى يزيد مع أمك طوال الوقت!))

بدت ملامح الحيرة متجلية تماما على وجه مَازن فأكملت

((سأخبرك لاحقا))

ثم قفزت أرضا وهي تحيط الملاءة حول جسدها هادرة

((لكن سأستحم قبلك))

ناظرها مَازن تمر من أمامه باستمتاع ورأسه فوق ذراعيه..

=============================

شركة القاني..

خرج قصي من سيارته الشبابية مفتوحة السقف ثم ولج للشركة وفي عينيه تلتمع نظرة تنذر بالشر.. حديثه مع عمه أفقده أي ذرة تعقل بقيت فيه..

دخل إلى المستودع يأخذ كل أغراضه من خزانته الخاصة.. قبل أن يُسلم استقالته..

بمجرد أن سلم مفتاح خزانته للقسم المعني حتى توجه نحو قاعة العمل ثم إلى حاسوبه لأخذ أغراضه التي نسيها في ذلك اليوم الذي غادر به الشركة فجأة..

قبل أن يخرج لاحظ زميله طه يتشنج غيظا أثناء حديثه مع عميل ما على الخط..

ضيّق قصي عينيه يميل لزميله ويمعن النظر في احمرار وجهه بينما يسمع صوت العميل يشتمه بكل وضوح ويصرخ عليه..

قال الموظف طه بصوتٍ مضطرب

((سيدي لو سمحت لا تخرج عن نطاق المكالمة وإلا ستضطرني أن أغلقها..))

عاد العميل يشتمه وقبل أن يكرر طه تحذيره الثاني كان قصي يسحب السماعة منه ويتحدث هاتفا

((أيها العميل الغبي تحدث بأدب مع الموظف، إنه يرتدي سماعة الأذن على مدار تسع ساعات متواصلة وردّ على أكثر من مائتين عميل بمشاكل وطلبات وثقافات مختلفة بترحيب ومودة واحتواء، فلا داعي أن تزيد عليه بشتمك إياه))

صرخ العميل بقُصي وهو يلاحظ اختلاف صوت الموظف

((أيّها اللعين من أنتَ لتتحدث معي بهذا الشكل؟ حسّنوا من خدمات موقعكم الإلكتروني ولن يكون هناك داعي أن نتصل بكم أيها الحثالة........))

اتسعت عينا قُصي وهو يسمع العميل يشتمه شخصيًا فما كان منه إلا أن انفلتت لجما غضب وهمس به بتشنج غاضب مقهور

((أيها الأحمق كيف تشتمني بهذا الشكل؟ أنا مجرد ممثل للخدمة ولست صاحبها الحقيقي، لأن هناك موظفون غيرنا قائمون على الخدمة.. أنا فقط أمثلهم فليس من العدل أن تحملني فشل البقية))

((بل سأحمٌّلك أيها الفاشل .................))

شدّ قصي على نواجده يكاد يتميز غيظًا ليرد

((أيها الرجل ليس هناك أحد @#$ #@$ غيرك أنتَ يا @#$ ^%$$ %$$^ &^% $$%))

أغلق قُصي المكالمة من النظام مِمّا جعل عينا طه تجحظان ممّ تفوه به ليقول مستنكرًا من هول فعلته

((كيف قمت يا قًصي بشتمه بهذه الألفاظ الفظيعة!))

غمغم قصي من بين أنفاسه المتلاحقة كمن خرج من الحرب توًا

((هو من بدأ بشتمك وشمتي أولا))

قال طه منهارا وهو يكاد يفقد ذرات عقله

((أنا كنت سأنبهه ألا يكرر شتيمته حتى لا أغلق المكالمة عليه.. يحق لنا إغلاق المكالمة في حالة تجاوزه في الكلام علينا ثلاث مرات.. هذه هي القوانين))

قال قصي بصوت كالهسيس من بين أسنانه المصطكة

((هل كنت تريد مني انتظاره أن يشتمني ثلاث مرات لأغلق المكالمة؟ فلتذهب هذه القوانين للجحيم))

رَفَع طه يديه يمسح وجهه قائلا بينما يرى نفسه في موقف لا يُحسد عليه

((ماذا إذا تم سماع مكالمتي أو رفع هذا العميل شكوى عليّ؟ ماذا سأفعل؟ سيتم طردي من هذا العمل))

ارتدى قصي حقيبة ظهره وأجاب قبل أن يتجاوزه

((قل لهم بأني أخذت السماعة منك رغمًا عنك وحمّلني كافة المسؤولية فبكل الأحوال أنا سأستقيل.. إلى اللّقاء))

تعجب طه من استقالة قُصي المفاجئة.. خاصة وأنه مظهره كان مختلفا تماما.. فوجهه بدا كأنه قدّ من صخر.. بذقنه النابتة بهمجية.. وعينيه الخاليتين من الحياة..

توجه قصي نحو البهو قبل أن تبرق نظرة شر خاطفة في مقلتيه وهو يرى شيرين تظهر من العدم وتقف أمامه قاطعة عليه الطريق..

كتّفت الأخرى ذراعيها ورفعت ذقنها تتحدث بعملية

((لماذا جئت يا قُصي للشركة؟ أنا بالفعل رفعت شكوى بغيابك المُتكرر بجانب مغادرتك المفاجئة في ذلك اليوم.. صدّقني لن تنجو هذه المرة من الطرد))

اتقد الجمر في حدقتي قصي المخيفتين لكنه أطبق على صدره وهو يسبل أهدابه ليسجن خلفهم مشاعر تعصف بكل كيانه تحثه بالفتك بثبات هذه المرأة أمامه.. التي تسببت بحدوث شروخ بينه وبين سهر..

لقد كان قريبًا من الاعتراف لسهر بحقيقته.. كاد يبوح لها بكل شيء عنه وعن عائلته لولا شيرين.. تلك.. تلك.. تبّا لها..

وبشق الأنفس قاوم رغبته الملحة في الإنقاض على هيئتها المزعجة التي تضخ دماء الحنق في قلبه كالمضخة الهادرة.. ثم تابع الطريق أمامه متجاوزًا إيّاها ببرود ظاهري..

اجتاح القهر خلايا شيرين لتجاهله إياها وودت لو تلحقه وتوسعه ضربا جزاء على خداعه لسهر ولكن الغضب المحتجز في مقلتيه المظلمتين حذرها من الولوج في منطقة رجل مفتول العضلات مثل قصي خاصة وهو متشنج الأعصاب هكذا! فتركته وذهبت لمكتب رئيس القسم.. طرقت الباب قبل أن تدلف قائلة بشكل مباشر

((مرحبا سيدي.. أريد أن أعرف ماذا حدث بخصوص ما أرسلته لك على البريد الإلكتروني قبل عدة أيام عن موظف يُدعى "قصي سامح"؟))

توقف رئيس القسم فجأة عما يقوم بكتابته على حاسبه الآلي كروبوت أوقف أحد شحنه.. ثم تطلّع لشيرين بوجه خالي الملامح للحظات قبل أن يسألها مضيّقا عينيه

((ما به؟))

تمَالكت شيرين أعصابها من بروده في مسألة طرد قصي الذي لم يحضر منذ أيام للشركة.. ثم تنحنحت قبل أن تتحدث بعملية وتحفظ

((هناك موظف يدعى "قصي سامح" تكررت مخالفته من غياب ومغادرات بلا أعذار.. وتعبت أنا وقائد فريقه من إعطائه الفرص، لذا أفضل علاج للموظفين أمثاله الطرد إذا لم يقرر الاستقالة بنفسه.. لقد كتبت لك كل هذا بالرسالة الإلكترونية.. وأنا مستغربة من عدم تلقي ردّ أو اهتمام منك حتى الآن بهذا الشّأن))

ظل رئيس القسم يتطلع بتركيز في ملامح شيرين ثم قال بصوتٍ خافت

((هذا لأني حذفت الرسالة بمجرد أن قرأتها، سيدة شيرين لو سمحتي لا تشغلي نفسك كثيرًا مع ذاك الموظف الذي يُدعى قصي.. فقد لاحظت مؤخرًا بأنك تَتَقصّدينه كمن تتبعين متعمدة أخطائه))

لفّ شعور من الغضب شيرين واعترضت

((سيدي أنا هنا كمشرفة لا أقوم بشيء بعيد عن واجباتي، أنا لا أتعمد التنقيب ورائه.. لكن مخالفاته أكثر من أن يتم التغاضي عنها.. هل تحب أن أذكرها؟ أنا أعمل هنا في شركة القاني منذ ما يقارب الثمانية سنوات ولم أرَ بحياتي موظفًا بإهماله واستهتاره))

شاب صوت رئيس القسم شيء من الصرامة وهو يقول

((سيدة شيرين للمرة الأخيرة سأقولها لك.. اتركي قُصي بحاله ولا تشغلي نفسك به.. ولا تضطريني أن أتخذ إجراءات ضدّك.. ربما أضطر أن أنقلك لقسم آخر برتبة أقل من مشرفة))

اهتزّت حدقتا شيرين بصدمة مِمّا تسمعه ثم قالت بصوتٍ خطير وهي تقترب منه

((سيدي هل تهددني؟))

أجابها بحيادية ((بل أحذرك وحسب))

رفعت شيرين حاجبيها وهي تقول

((بل تهددني بنقلي كمشرفة من هذا القسم إن لم أتغاضى عن أخطاء ومخالفات موظف مهمل! على كل حال بما أنك حذفت ما أرسلته لك ولم تُلقِ أي بالًا له.. سَأُصعّد هذه الشكوى لمن هو أعلى منك رتبة))

أرخى مدير القسم ظهره ثم قال ببرود

((لن تتدمر الشركة ولن تتراجع كفاءة القسم لمجرد تغيب قصي عن دوامه لعدة أيام.. لا تضّخمي من الأمر ولا تٌعقّديه))

اتسعت عينا شيرين مما تسمعه بتعجب!

هل هذا المدير جاد وواعي فيما يتحدث به؟ بل هل هو نفسه مدير القسم الصّارم الحازم الذي لا يعرف الرّحمة في العمل مع أحد فيه؟

سَاورها شكّ رهيب وهي تسأله باستهجان

((هل يقربك "قصي سامح" بشيء؟ لأني غالبًا سأرفع شكوى عليك قبله.. موظف بتسيبه وإهماله لو لم يكن له واسطة من حضرتك لم يكن ليتم التغاضي عن أخطائه ببساطة))

تلاعبت ابتسامة خبيثة على شفتي مدير القسم وهو يمعن النظر في شيرين بتسلية ثم قال باستخفاف

((حسنا صعدي شكوى ضدي لرفضي طرد الموظف المدعو "قُصي سامح".. يمكنني أن أزودك إذا أردت بنموذج الشكوى للأقسام العليا المعنية بالشكاوى ضد أي مسؤول))

ازدردت شيرين ريقها وتسللت الريبة لقلبها مِمّا يتفوه به.. فلم لا يبدِ أي خوف أبدًا من شكواها عليه! ازدادت حيرة شيرين ولم تعرف إذا ما كان عليها التحرك أو التراجع فعِناد مسؤولين أكبر منها لن يكون في صالحها!

كانت تَهُم بالمغادرة عندما استرسل مدير القسم بلهجة محذرة

((شيرين أنتَ امرأة ذكية لذا سأنصحك لمرة أخيرة أن تمارسي عملك هنا بذكاء.. الكل يتقنص أبسط فرصة ليأخذ محلك))

عَبَست ملامح شيرين فقرأ المدير في خُضرة عينيها الكثير من التساؤلات.. كأنها تنتظر منه توضيحًا وكشفًا لمَا يُلمح له.. لكن لم يعطها ما تأمله وهو يعيد بصره نحو حاسبه الآلي ويكمل عمله!

=============================

كاد يزيد يُدمي شفتيه غارسا ثنايا أسنانه بهما ليمنع ارتجافهما.. يتخبط بألَم لا يتحّمله قلبه البض الصغير بينما يتمتم بألم

((أريد أمي.. متى سأراها؟))

صوت بكائه ونحبيه أحرق قلب زاهية الجالسة بجانبه وعاجزة عن إسكاته كما تستطيع أحيانًا..

رفعت يدها تُمسد رأسها الذي بدأ يخترقه صداع رهيب وقالت بصوتٍ مُعذب

((لماذا لا ينجح أحدكم بجعله يأكل ويتوقف عن البكاء!))

تذمرت دارين بعجز وبراءة

((مرات ننجح في تهدئته ومرات أخرى لا نستطيع عندما يستفحل شوقه لأمه، فماذا نفعل!))

قالت زاهية لزوجها بقلة حيلة تغزوها

((لو كان رضيعا يا حاج لما وجدنا صعوبة في تكيّفه هنا، لكنه بعمر يدرك غياب أمه ومُصر ألا يهدئ من روعه قبل أن يراها الآن))

عقب يعقوب بتعنت غير مألوف فيه

((لن يرَ أمه أبدًا بعد الآن ولن أتراجع عن كلامي))

اعترضت رتيل تحاول تليين قلبه

((لكن يا عمي إنه يبكي منذ الأمس لأنه يريد أمه ولم يأكل شيئًا.. انظر إلى وجهه الشّاحب))

أمسكت زاهية يديّ يزيد بحنو وتوسلت له

((يزيد حبيبي ألم نتفق بأنك ولد كبير لا يجب عليه البكاء؟ هيا كل يا حفيدي حتى تلعب مع أولاد عمك باسم وفهد))

قال يزيد من بين شهقاته التي تشق القلب

((كل مرة تَعدني الخالة رتيل الذهاب لأمي لا تفِ بوعدها))

عاتبت زاهية كنتها

((لماذا وعدتيه يا رتيل بشيء لن يتحقق؟))

تنحنحت رتيل قبل أن تمد يديها وتمسك يد يزيد تحثه على الوقوف

((أعطني إيّاه يا عمتي لربما أقنعه في المطبخ أن يَأكل شيئَا يسد فراغ معدته))

أومأت زاهية لها وقالت بنبرة متحشرجة

((خديه يا رتيل وحاولي معه أرجوكِ.. أملي فيكِ أنتِ))

هَدَرت رتيل وهي تغادر

((تعالي معي يا دارين))

أطاعتها دارين وسارت نحو المطبخ بجانبها هي ويزيد الذي لا تزال دموعه تتدفق على وجنتيه..

لكن دارين تَفَاجأت وهي تسحبهم إلى خارج باب المطبخ فقالت باستهجان

((أين تذهبين إلى خارج المطبخ يا زوجة عمي؟))

قالت رتيل بجمود احتلّ ملامحها

((سنذهب به إلى أمه))

اعترضت دارين بوهن

((وماذا لو عرف جديّ؟))

عقبت رتيل بحدة تكتسح لهجتها

((لن يعرف لو حافظتي على صمتك))

في هذه اللحظة خفت بكاء يزيد ورفع يده الحرة يكفكف دمعه وهو يلحظ أن رتيل تأخذ بيده فعلا حيثما يقع بيتهم الصغير.. والذي بمجرد أن اقتربوا منه حتى ترك يد رتيل وهرول نحوه هاتفًا بصوتٍ متهدج من إثر البكاء

((أمي.. أمي أين أنتِ؟))

لم تَطُل طرقاته كثيرًا حتى فتحت سمية الباب وسارعت بلهفة تنخفض وتعانقه بعد أن تملكّها الحزن طيلة فترة ابتعاده عنها وتسّرب الأمل من بين يديها أن تضمه قريبا.. فشدّدت من عناقه وهي تهدر بشوق قاتل

((يزيد حبيبي لقد اشتقت لك))

وسرعان ما اهتزّت المشاعر وانتاب سمية وابنها الإثنين نوبة من البكاء والنشيج..

في داخل المنزل ظلت سمية تعانق ابنها بحضنها الذي افتقده لأسابيع.. فكان العناق حارًا وباكيًا في مشهد عَاطفي وإنساني مُؤثر أبسط ما يمكن أن يقال عنه أنه فَطَر قلب كل من رتيل ودارين..

وما إن مرّ الوقت وتعب الاثنين من البكاء قالت رتيل ببرود محاولة ألا تظهر عاطفتها الحقيقية

((لم يأكل يزيد شيئًا منذ الأمس، معك فقط نصف ساعة حتى تطعميه قبل أن آخذه لجدته، فقد جئت إلى هنا أنا ودارين متسللتين))

اتسعت عينا سمية مِمَّا تسمعه لكنها هرعت بلهفة نحو المطبخ هاتفة

((حسنا.. دقائق قليلة.. سأذهب لأحضر طعامه المفضل))

أعدًّت سمية شيئًا سريعًا ليزيد ورفعت الملعقة تلقمه بنفسها بحنان..

حتى بعد ما أعلن يزيد شبعه ظلت ترجوه أن يكمل الطبق حتى نهايته ويريح قلبها.. فعقبت رتيل باستياء

((إذا قال لك بأنه نال كفايته من الطعام فلا تجبريه على أكل المزيد، أريد أن نعود قبل أن يشعر أحد أني هرّبته من البيت))

التفت يزيد لها بخوف طفولي

((لا أريد العودة هناك بدون أمي أو عمي مَالك))

صححّت له رتيل بصرامة

((توقف عن قول "عمي"، إنه والدك، ادعوه بـ "أبي"))

نَكَس يزيد رأسه شاعرًا بالتخبط، فحدجت رتيل سمية بنظرات غاضبة وتمتمت بحنق

((أيها المسكين لا بد أنك كنت تعيش في إرهاب فظيع عند والدتك التي تجبرك على مناداة أبيك بـ"عمي" وحرمتك من حقك كحفيد للحاج يعقوب الكانز))

نأت سمية بنظرها والذنب يثقل كاهلها لتقول

((توقفي يا رتيل، لقد فعلت كل هذا لمصلحة الجميع))

هتفت رتيل بها باستنكار مغلف بالغضب

((وأين مصلحة مَالك في أن يحرم من أن يعيش أبوته مع ابنه الوحيد إلا بالخفاء؟ وأين حق يزيد الذي عاش حياته أقل من تلك التي يحق له أن يعيشها))

وضعت سمية الطبق على الطاولة أمامها وهي تجيب بحزن خالص

((لم أكن أخطط لإخفاء الحقيقة للأبد، وإلا لما كنت أخبرت طفلي منذ صغره وقبل أن يُدرك شيئًا في الحياة أن والده هو مَالك.. كل ما في الأمر أني كنت أريد أن أؤخر الأمر قدر الإمكان حتى يكبر ويُصعب نزعه مني.. فهو ما تبقى لي في هذه الحياة))

لاحت على شفتا رتيل ابتسامة ساخرة متسائلة

((نزعه منك؟ من كان سيجرؤ على أخذه من والدته!))

تطلعت سمية لها بعينين تشعان عذاب وهي تقول

((تخيلي لو عرف والدا مَالك بأن أصغر أبنائهم تزوج من امرأة تكبره بسبع سنوات ومطلقة؟ هل تظنين بأنهما كانا ليتقبلا الأمر بكل بساطة؟ كانا ليجبرا مَالك على طلاقي ثم أخذ الطفل مني.. ثم كانا ليزوجاه من امرأة أخرى تتولى هي رعاية يزيد والاجتهاد في تربيته وما كنت لأمثل له شيء أكثر من أم بيولوجية تقتات على رؤيته بين الحين والآخر بوقت شحيح.. وأنا بت وحيدة بعد طلاقي الأول ووفاة والديّ، وكان وجود يزيد بجانبي هو ما يمدني بالحياة.. الآن حتى لو أخذوه مني فلن يقدروا على نزعي من قلبه وروحه للأبد، لن يستطيعوا أن ينفوني من حياته أبدًا))

تهكمت رتيل بمرارة

((إذن ساهمت في إخفاء حقيقة يزيد من أجلك أنتِ فقط))

قالت سمية بإصرار صوتها المهتز

((بل من أجله أيضًا فالاهتمام والحب الأمومي اللا مشروط أفضل له بكثير من مال وجاه عائلة الكانز، لن تكون زوجة أبيه أحنّ وأكثر عطفا عليه مني))

زعقت رتيل بها بانزعاج

((لماذا تنشغلين بالتفكير في زوجة أبيه غير الموجودة بدلًا من التفكير في كيفية جعل مَالك يعود ليتزوجك ثم يتقبلك الحاج يعقوب! هكذا ستعيشين بجانب ابنك دون أن تحرميه أي شيء من حقوقه!))

تحشرج صوت سمية وهي تقول

((لأن مَالك يستحق الأفضل.. يستحق أن تكون عنده زوجة تناسبه ويكون هو أول رجل في حياتها))

فتحت رتيل يديها تقول وهي تتميز غيظا

((وما دخلك به! هو رجل بالغ عاقل وأدرى بمصلحته! إذا كان معمي على عينه ومضروب على عقله وقلبه ولا زال يريدك فعليك القبول أولا من أجل يزيد ثم من أجل نفسك، لو تزوجت من مَالك ستعيشين معه في كنف الرّخاء المادي وكل طلباتك ستكون مُجابة والأكثر من هذا فإنه مجنون ويحبك أكثر من نفسه))

تنهّدت سمية وهي تعقب

((مشاعره الجارفة هذه تجاهي تجعلني لا أثق فيه على الإطلاق.. لأني في سابق العهد كنت متزوجة من كامل الذي عندما رفض والديّ في البداية طلبه للزواج مني بسبب ضيق حاله المادي حاول الانتحار.. وعندما تزوجته أهداني الحب والاهتمام بغير حساب وهون عليّ بطش والدته سيئة الطباع.. لكنه خذلني في النّهاية بعدما هجرني وعلّق زواجي ثم تخلّى عني وجعلني أعيش أيامًا عصيبة بسببه! بسبب كامل عشت الانتكاسة والإحباط وانطويت على نفسي))

هدرت رتيل بخشونة

((لا تقارني مَالك بكامل..))

ازدردت سمية غصة مسننة قابعة في حلقها ثم هدرت

((رغم أن مشاعري التي أكّنها لمَالك أكبر من أن تقارن بمشاعري الباهتة والبسيطة التي كنت أحملها لكامل في الماضي، لكن الفوارق التي بيني وبين مَالك تجلب لي ذلك الشعور، نعم أنا أشعر على طول الخط أنه بعد زواجنا لن يختلف عن كامل.. هذا الإحساس لا يفارقني، لقد بات الهدف الذي أتمنى بلوغه بطريقة لا شعورية.. نعم يتبادر إلى ذهني أنه لو صدق حدسي سأهنأ بحياتي ولن أنتظر بعدها المصير المجهول الذي يتربّص بي))

رفعت رتيل يديها تمسح وجهها ثم غمغمت ممتعضة

((سمية أنتِ لست نكديه وحسب! بل معقدة ومريضة! لو كنت مكانك لأسرعت في الزواج من مَالك قبل أن يدرك أية مصيبة وبؤس سيق فيه عند زواجه منك!))

زمّت سمية شفتيها ثم قالت بصوت مشتد حزين

((أحاول أن أتخلص من هذه الأفكار لكنها تأبى مفارقتي وتفرض عليّ الرغبة في أن يكرهني مَالك لأرتاح من التفكير في أمر نتيجته حتمية))

قاطعتها رتيل حانقة بنفاذ صبر

((سمية أنا لست مصلحة اجتماعية لأعرف ما الذي يجب أن أنصحك به.. لكن عليك أن تتخلصي من هذه الأفكار، عليك أن تتعلمي أن تطلقي العنان لمشاعرك المكبوتة وتتزوجي مَالك وتعيشي حياة بسيطة معه بعيدا عن فلسفتك! إذا ما حدث وأصبح مثل كامل بإمكانك ببساطة أن تفترقي عنه ولن تخسري شيئا.. الحياة متعتها بالمغامرة والتجربة))

ثم استقامت واقفة من مكانها تقول آمرة ليزيد باحتدام

((هيا يا يزيد لنغادر الآن))

أبدى يزيد اعتراضا وهو يتمسك بخوف بأمه

((لا أريد الابتعاد عنك يا أمي، لقد اشتقت لأبي أيضًا))

تنّهدت سمية وهي تجتذب ابنها إلى صدرها تضُمه بقوة.. تقبل أعلى رأسه وتمسد ظهره بحنو هادرة

((يزيد حبيبي اذهب مع خالة رتيل وهي ستأتي بك الى هنا معها بين الحين والآخر، أعدك، لكن حتى يتحقق ذلك عليك أن تكون مطيعا))

ابتعد عنها والدّموع تترقرق في عينيه فدغدغته سمية بحركة مفاجئة ليتصاعد صوت ضحكاته الصبيانية التي خطفت قلبها وهي تذكرها بمثيل لها لكن أكثر نُضجا وأقل أريحية..

عادت سمية تضمه لمرة أخيرة بحنان هامسة له

((لا تحزن يا حبيبي هو وضع مؤقت، أهم شيء ألا تتعب خالة رتيل وجدّيك))

أبعدته عنها وقبلتّه على وجنتيه تتمتع بذلك الدفء.. فرفع يزيد وجهه يلثم وجنتها وهو يقول بطاعة

((حسنًا يا أمي..))

=============================

غرفة نوم سهر وشيرين.. قُبيْل الفجر..

تململت شيرين في نومها على صوت سهر المكتوم والمنخرطة ببكاء مرير..

استوت مكانها وهي تفتح إحدى عينيها الناعستين بينما تناظر سهر تحدق في شاشة هاتفها المنبعث منه نور خافت.. لا بد أن النوم لم يعرف طريقه إليها حيث قضت ليلتها تتقلب في فراشها..

فركت شيرين عينيها وحطت قدميها أرضًا ثم جلست بجانب سهر التي جفلت على اقترابها..

مالت برأسها لهاتف سهر لتلاحظ أن الحمقاء كانت تحدق في صورة قصي تشبع نظرها من وجهه فغمغمت بقهر عليها

((قصي سامح ذاك المخادع..))

أغلقت سهر هاتفها وهي تضيء المصباح الخافت فوق المنضدة لتقول

((أنا فقط لا أستطيع تَقبل انتهاء كل ما بيني وبين قُصي والمضيّ قُدمًا دون وجوده في حياتي، أكثر من فكرة خداعة لي))

لامست شيرين وجنتها بحنو وهي تقول

((أنا أتفهم ما تَمُرين به))

انعقد حاجبي سهر وهي تقول بألم جعد ملامحها الناعمة

((لا أنتِ لا تفهمين.. كل ثانية تمر عليّ أنشغل بها بالتفكير بقصي، ولا أستطيع تقبل فكرة إبعاده عن حياتي.. الاشتياق له يفترسني.. لقد نجح خلال السّنوات الثلاث أن يجعلني مدمنة عليّه.. أفسدني دلالًا إلى حدّ أشعر بأني لن أكون صالحة لرجل غيره.. لن يأتي رجل شبيهًا له ويفعل حتى نصف ما كان يفعله قُصي في حياتي))

تغضّن جبين شيرين وهي تقول بإصرار

((بالتأكيد الأمر ليس سهلا أبدًا خاصة وأنك اعتدتِ عليه وبنيت الكثير من الآمال التي تخص مستقبلك وحياتك معه.. لكن مُجملًا فلا وجود لرجل يمضي كل ثانية في حياته في تدليل امرأته، قُصي كان يفعل ذلك بهدف استمالتك وكسب رضاك حتى يحصل على ثروة عائلتك.. الرّجال كلهم من نفس الطينة، وكل شيء متوقع منهم.. حتى لو بدا في البداية رجل مراعي ومحب ومتفهم لكنه بالتأكيد لن يظل هكذا للأبد.. سيأتي يوم عليه ويتحكم به العرق الحقير ليقعل ما يقوم به باقي الرجال من أحط الأفعال.. من الآن فصاعدًا عليك ألا تتعلقي بأحد وكوني مستعدة لرحيله يا سهر))

خفت شيء في بريق عيني سهر وهي تقول بصوتٍ لا حياة فيه

((ولكن يظل من الصعب عليّ أن أتحمل حجم الألم الذي سببه لي، لقد كنت أعيش معه حياة وهمية، ومع ذلك لا زلت أحمل بعض المشاعر له بعد خطبة ثلاث سنوات، خلالهم سافرنا معا.. حلمنا معا.. قضينا وقتنا معا!))

لَانَت ملامح شيرين أما سهر فارتجف جسدها بشهقات بكاء خافتة كأنها لا تصدق أنها أخرجت ما بداخلها هكذا وهي التي لم تشعر في كل حياتها بحزن كهذا!

جذبتها شيرين لصدرها ثم ربتت على شعرها الذهبي قبل أن تجفل على صوت هاتفها يصدح بوصول رسالة..

بهدوء امتدت يدها تتناول هاتفها دون أن تتوقف عن احتضان سهر التي سألتها ((من هذا؟))

تشدّقت شيرين بمرارة

((إنه وليد، يرسل لي بعض الرسائل التّهديدية من حين للآخر))

لكن في داخلها كان يَجتَاحها شعور مُريب عن سبب اكتفاء وليد بإرسال هذه التهديدات وعدم اتخاذه حتى الآن أي ردة فعل مألوفة بأفعاله وفكره الإجرامي!

=============================

في الليل..

كانت نورين متمددة فوق سريرها في مكان خال من المُلهيات التي قد تُعيقها أو تقطع عليها تركيزها خلال القراءة.. قبل أن تغلق الكتاب وتقول بحماس

((لقد ختمت الرواية أخيرا..))

حانت نظرة من مُصعب الذي كان يرتشف من كوب الشاب أمامه لها متسائلا

((أي رواية؟))

ثم شهق وهو يكمل متذكرًا

((أوه صحيح الرواية التي أعطيتها لك.. لقد نسيت أمرها فقد كان قبل فترة طويلة))

قالت له وهي تعيد خصلة شعر خلف أذنها

((في الفترة التي تَشَاجرنا فيها لم أستطع القراءة فأنا لا أحب القراءة عندما أكون في حالة عصبية منفعلة.. القراءة هي أمر مقدس بالنسبة لي ولها أجواء معينة لا أستطيع التخلي عنها.. لذلك تأخرت في إنهائها..))

أومأ لها للحظات بشرود ثم سألها باهتمام

((هل الرواية جيدة؟))

قالت له بجدية دون أن تنحسر ابتسامتها

((نعم.. إنها عبارة عن قصة واقعية لإنسان فعل المستحيل من أجل الحصول على حريته وحرية شعبه.. الرواية تأخذك بأحداثها إلى عالم آخر مليء بالسّحر والغموض الحزن والآلام وصولا إلى الحرية))

بادلها الابتسامة وهو يقول

((سعيد لما أسمعه منك))

((إنها حقا يا مُصعب رواية ممتعة جدًّا رغم أنه لا يوجد بها جانب رومانسي.. لم تترك صنفا من البشر إلا وطرحته.. فيها المتدين والملحد.. المجنون والعاقل.. الوضيع وصاحب الأخلاق.. المظلوم والظالم.. ناهيك عن أسلوب السرد المشوق المثالي والوصف الدقيق الذي ينقلك لعالم الرواية الذي لا يمل))

((نعم فقد عمد الكاتب على عدم ذكر أي زمن أو دولة بعينها.. مجرد أحداث تعود لما بعد أواخر القرون الوسطى في دول أوروبية وعربية بأسماء وهمية))

((ما هي جنسية الكاتب؟))

((كاتب عَربي سبق وقرأ المئات من الكتب التي تخص ما بعد العصور الوسطى في الدول الأوروبية))

ضيّقت عينيها واقتربت منه تدلل برجاء ضمني

((ألن تخبرني من هو الكاتب؟))

تنّهد واعتدل جالسًا وهو يجيبها

((إنه ابن عمي يحيى..))

لفّها الذهول قليلا وهي تقول متسائلة بخفوت

((هل تقول الصّدق؟))

شَاب صوته شيء من الشًّجن وهو يقول

((نعم.. كتب هذه الرواية وكان يريد نشرها.. لكن دار النشر رفضت لأنها كانت تريد منه تغيير بعض الأمور.. لكنه رفض وامتنع عن نشرها.. لذا أفكر بأن أحاول عرضها على دار نشر أخرى مرموقة قريبا.. أهديت لروحه الراحلة الكثير من الصدقات الجارية على حسب ما تسمح لي مدخراتي وراتبي الشّهري وأبي أيضًا لم يقصر.. لكن سأحب أيضًا أن أنشر له هذه الرواية))

تألقت ابتسامة نورين بحنو وهي تقول بينما تمسك كفه وتشبك أصابعها بأصابعه

((هذا مذهل، هل تحب أن تتحدث معي عن ابن عمك؟))

مال برأسه يلثم أرنبة أنفها ثم قال بصوتٍ أجش

((نعم سأحب ذلك يا عفريتة.. لكن لاحقا..))

أيدته بتركه عند رغبته وهي تقول بعينين تتوهجان حبًا

((حسنًا يا أميري كما تريد))

نَكَس مُصعب رأسه وأطلق نَفَسا حارًا ثم تعانقت النظرات وهو يقول

((إذن.. ما رأيك أن نخرج الآن لنتمشى؟))

اتسعت عيناها وطالعت ساعة يدها لتقول بدهشة

((إنها الثانية عشرة ليلًا! الظلام الدّامس منتشر في الخارج))

اعتدل واقفا من مكانه بينما يحثها بحرارة ولهفة

((لن نبتعد كثيرًا سنسير في الأرجاء حول البيت.. هيا))

جلب عباءة لها رماها عليها فاستجابت له تحت طاعة القلب..

في خارج المنزل حيث الظلام الدامس منتشر لا ينير المكان إلا ضوء القمر الواهي وقد انقشعت عنه السّحب بدأ الاثنان يتمشيّان بهدوء جنبا لجنب بحميمية..

تنهّدت نورين بعمق وهي تقلب وجهها في السماء فينعكس ضوء القمر الخافت على وجهها ويضيئه بينما تسمع صوته الأجش يقول

((هل تعرفين بأن أبي كان يمنعنا من الخروج بعد صلاة العشاء حتى بعدما كبرنا؟ عندما كنت في الجامعة أتذكر بأني اضطر أن أطيل الرّجاء له حتى يسمح لي بالنوم عند ابن عمي رحمه الله.. ولأن عمي أبعد ما يكون عن صرامة أبي كنّا لا نبيت في منزله ونخرج مع باقي أصدقائنا نتسكع طوال الليل، وكله دون علم والدي))

مالت شفتاها بجمالِ دافئ رغم ارتجافهما من البرد وهي تسأله مبتسمة

((حتى بعدما تخرجّت وبدأت تعمل يمنع نومك في الخارج؟))

همس لها بجدية تغزو ملامحه

((هناك ليالي لا أعود فيها للمنزل إلا بعدما يحل الصباح بسبب عملي في المشفى فلا يبدي أبي الضيق.. لكن إذا ما عرف بأني أريد قضاء الوقت في الخارج في يوم إجازتي يسارع بالمنع بصرامة))

تغضّن جبينها بحنق لذيذ وهي تقول معترضة

((لكن ألا تحلو نزهاتك مع أصدقائك إلا في الليل؟))

أجابها بنبرة خاصة

((هذا لأننا كنا نجتمع في مكان صحراوي اكتشفناه للشواء والمبيت والسمر، ذاك المكان السّري عشت فيه أجمل ليالي حياتي في العشرينات.. لكن للأسف لم يجتمع أحد منا هناك بعد وفاة ابن عمي))

حامت بعينيها تستشف وجهه لتقول بتردد

((كنت أريد أن أطلب منك أن تأخذني هناك يوما ما في الليل.. لكن أظن بأنك لن ترغب في السهر هناك مجددا))

عقد حاجبيه ينفي

((ومن قال ذلك؟ على العكس يمكنني الذهاب بك إلى هناك وربما المبيت معك أيضًا لكن ليس الآن))

سألته بلهفة طفلة وإلحاح

((متى ستأخذني هناك إذن؟))

مالت زاوية ثغره بابتسامة جانبية مجيبا

((لا أدري.. ربما عندما تتحسن علاقتك معي أكثر))

ادعّت الحنق وهي تقول متذمرة

((تتحدث كأني أعاملك معاملة زوجة الأب! أنا أعاملك مثل الأمراء))

‏انفرجت منه ضحكة رققت من ملامحه وجعلتها تبتسم في وجهه بمرح لتدس كفها في جيب معطفه المنزلي الصوفي..

بينما هو كان فعلا يخطط قريبا لأن يطلعها على مكانهم السّري الذي اكتشفه.. حيث حدوده أرض لا نهاية لها..

تطلّع مُصعب جانبه لملامحها الشّاردة دون أن تنتبه يفكر بأنه لم يتخيل أبدًا أن تكون المرأة التي رُتب لزواجها به بمحض الصّدفة تشبهه دون مجهودٍ يُذكر.. وقبل حتى أن تتعرف عليه!

سألته نورين بشقاوة

((هلا سألت أخاك ماذا يحب أن يأكل على الغداء غدا؟))

تنهد مُصعب بثقل عند ذكر سيرة أخيه المتشرد ثم قال بيأس

((أصر مالك عليّ ألا أرسل الطعام له فهو يدبر نفسه جيدا، لكن مع ذلك احسبي حسابه بالطعام كالعادة غدا وانا سأرسله للفندق الذي يمكث فيه.. فقط لو أن هذا العنيد يصغي لي ويعيش عندنا فغرفة الضيوف هنا شبه منفصلة عن البيت ولن يضايقنا أبدًا وجوده))

أيدته نورين متمتمه

((معك حق مكوثه في الفندق طول هذا الوقت هو فقط إهدار لماله))

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...