الفصل 56 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس وخمسون 56 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
11
كلمة
9,906
وقت القراءة
50 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الثالث والعشرون

أطلق وليد نفسا عميقا مُجهدًا ولمحات من ماض بعيد أخذت تتتابع على عقله..

بعد تخرّجه من كلية المحاماة واجه الكثير من المشاكل في عمله عرقلته، كسيطرة المكاتب الدولية على السوق، وصعوبات تحصيل الأتعاب مِمّا جعله ناقمًا على هذه المهنة ويفكر في تركها قبل أن يستطيع أحد المحامين المخضرمين في المجال أن يكتشفه ويدعوه ليكون من بعده محامي عائلته لما رأى منه من ثقافة، خبرة، إدراك، سعة ذاكرة، قوة الشخصية وطلاقة اللسان.. والأهم من كل هذا أنه ينحدر من عشيرة غنية ومعروفة ربّته على الشبع والأصول ولن يدفعه الجشع أو المال يوما أن يغدر بهم..

فاكتفى بالعمل كمحامي لدى تلك العائلة الثرية التي جعلته حامي حماها، وحافظ أسرارها، والواجهة عنها أمام القانون، ووكيلها الناطق في جميع شؤونها المالية، والعارف بكيفية تصريف حقوقها، وميراثها، وتوريثها..

كان أفراد العائلة من جانبهم، يأمنون جانبه، ويطمئنون إلى إجراءاته، وينامون رغدًا وهو السّاهر على ممتلكاتهم، والمدافع عن كرامتهم إنْ تعرّضوا لأي مشكلة، أو لظلم، أو حاول أحد النّيل منهم..

وبعد ثلاثة سنوات استيقظت هذه العائلة على فجيعة اتهام ابنتهم بجريمة قتل خطيبها..

كان واضحا أن الاتهام ملفق لها وأنها ضحية مهووس كان يلاحقها ولا يجد منها إلا الصدّ فتألمت كرامته وقام بنفسه بقتل خطيبها ثأرًا منها..

ولأن هذا المهووس هو ابن عائلة كبيرة.. عائلة من حيتان البلاد استطاع والده باستخدام نفوذه رمي سهام الاتهام نحوها..

بالطبع أمرت العائلة من وليد أن يكون على واجهة فريق الدفاع لتبرئة ابنتهم المكوية بنار الاتهام.. وكان هو طوق نجاتهم بعد الله سبحانه وتعالى.. فوضع كل تركيزه وطاقته ووقته على هذه القضية حتى يكون عند حسن ظن هذه العائلة التي وثقت فيه منذ البداية..

بدأت رسائل التهديد بالقتل والأذى تأتيه كما باقي المحامين المشاركين في الدفاع عن براءة الابنة في هذه القضية والذين استجابوا للتهديدات المثيرة للذعر خوفًا على أنفسهم وأموالهم وعائلاتهم ونفضوا أيديهم عنها قبل أن ينالهم أي سوء لا يُحمد.. إلا هو قد كان مُصرًا على الدفاع عن هذه الابنة حتى آخر رمق..

ليس هو من يجدي معه نفعًا أسلوب التهديد.. حتى لو كلفه الأمر حياته..

حتى أخيرا اكتشف والد المهووس أن هناك طرق أخرى بعيدة عن الترهيب والتهديد يمكنه من خلالها أن يسحب وليد لصفه بل ويكون ورقته الرابحة في هذه القضية.. وهي إغرائه بالمنصب والشهرة والمكانة وإتاحة فرصة لتقدمه المهني في عمله!

لم يطل الأمر كثيرا حتى وافق وليد على عرضه المغري والانسحاب كمحامي دفاع عن ابنة العائلة قبل أول مرافعة ثم الانضمام لفريق الدفاع عن الشاب المهووس مستغلا كل ما يعرفه من معلومات خاصة وسرية عن تلك العائلة..

كان هو السبب الأول والرئيسي في زجّ ابنة العائلة في السجن بتهمة القتل لسنوات طوال ظلمًا وبهتانًا بسبب ما كان يعرفه من معلومات وأسرار عن تلك العائلة.. وبعد أن اشتهر اسمه واكتسح مجال المحاماة أنشأ مكتبه الخاص وبدأ يتهافت على الترافع فقط في القضايا ذات الصيت أو ذات مقابل مادي مجزي دون تحري الحقيقة فيها رغم أنه كان مكتفيا ماديا..

لم يأبه لحقيقة أن دفاعه عن بعض موكليه يزهق الحق ويؤيد الباطل، بل كان يعمل بكل الوسائل الممكنة على استصدار الحكم لصالحه ظلما وزورا، مع الحرص على عدم ارتكاب مخالفات قانونية ظاهرة يمكن أن يحاسب عليها مهنيا أو يؤاخذ عليها أخلاقيا واجتماعيا..

ليقول في النهاية بصرف النظر عن وجه الحق وبكل افتخار أنه لم يعتد خسارة أي قضية يتولاها، ويعتبرَ الفوز في القضايا دليلا قاطعا على كفاءته كمحامي..

فشوّه الصورة المشرقة عن مهنة المحاماة واتبع كل أشكال الابتزاز، واللف والدوران، والاستنزاف ماليّا، والمساومات غير النظيفة، وتزوير أوراق وتقارير، وتدليس الحقائق وما شَابه ذلك للتحايل على القضاء لمصلحة موكّله..

وكان كل شيء يسير على خير ما يرام، حتى شعر بوخزة تؤنب ضميره عندما وصله خبر قتل ابنة تلك العائلة في السجن على أيدي بعض البلطجية من النزيلات معها..

لكن لم يعرف أن الأمر قد يتطور إلا عندما سمع عن مقتل ذاك الشاب المهووس من قبل شقيق ابنة تلك العائلة المغدورة والذي ما يزال حتى الآن هاربًا من أيدي العدالة..

وعندما وصلت له رسالة تهديد هو الآخر بأنه سيكون التالي على قائمة الانتقام أدرك آنذاك بأنه في خطر حقيقي.. فإذا كان الشاب المهووس ابن الرجل المعروف بصيته ونفوذه قد قُتل بكل إقدام فأين هو كي يختبئ من نيران انتقام تلك العائلة!

انتشل وليد نفسه من دوامات الماضي وهو يذكر نفسه بأنه أمضى وقته في الأيام الفائتة كلها بنقل أمواله وممتلكاته وتجهيز أوراقه للسفر للخارج خوفا على نفسه.. عليه أن ينجو بحياته ويبدأ في مكان آخر يكون أكثر أمانًا له..

لكن قبل كل شيء عليه أن يحاول استرداد شيرين، عليه أن يلجأ لأي طريقة مهما كانت ليحوز على رضاها وقبولها التام العودة له حتى يسافر معها للخارج بلا عودة إلى هنا..

=============================

المدينة.. داخل مكتب مُؤيد..

امتقعت ملامح دموع الجالسة أمام منضدة المكتب وهي ترى مُؤيد ينفجر ضاحكًا بصخب لم تألفه.. كتفت ذراعيها ثم قالت بصوتٍ مغلول وهي ترفع إحدى حاجبيها

((لماذا تسخر مني؟ هل قلت شيئا مثيرا للضحك؟))

تدريجيا خفت ضحك مُؤيد وتعانقت عيناها بعينين مظلمتين قاسيتين ترمقانها باستحقار تألفه ثم تهكم بقتامة

((كأنك تُلمحين أنك بانتظار أن أطلب يدك؟ لم تقوليها مباشرة لكن هكذا فهمت!))

اتسعت عينا دموع بإشعاع مخيف ومشاعر مريعة تتصارع داخلها تسطع ببشاعة على وجهها وهي تقول بغل

((لا لم أكن ألمح لك أن تتزوجني، لكن حتى لو كنت ألمح فما الخطأ؟ ماذا ينقصني لتطلب ودّي والزواج مني! متوفر بي كل صفات فتاة أحلامك مستعدة أن أتزوج منك عرفي ولن أطلب منك الإنجاب))

حدّق مُؤيد في عينيها للحظاتٍ طويلة فتلاشت الابتسامة عن شفتيه تدريجيًا حتى اختفت تمامًا.. ثم حدق بها بتجهم قبل أن يزعق

((هل أنتَ مجنونة أيتها الحثالة؟ بل هل أنتِ واعية لما تطلبينه مني؟ أنا مُؤيد ابن يعقوب الكانز كبير القرية التي أنحدر منها أتزوج امرأة مثلك؟))

أجفلت من زعيقه بها حتى أن رأسها قد تراجع للخلف قليلًا بصدمة وتسّمرت مكانها ناظرة إليه بفم فارغ.. قبل أن تقول بحرقة وقهر

((وما العيب بي لتتحدث بهذا الشكل يا مُؤيد عني؟))

لوى فمه باستهانة لسؤالها وفاضت مقلتاه المتكبرتان بالاشمئزاز منها وهو يرميها بكلماته المستحقرة لها

((أنا لو أردت الزواج ثانية سأتزوج من فتاة لم يسبق وأن خرجتُ معها.. لست ديوثا لأقبل أن أتزوجك والله أعلم كم خرجت أو تحدثتِ مع رجال قبلي))

رفعت له عينان تقدحان بالشّرر وهي تحذره بكبرياء قاتم

((أنا لا أسمح لك.. لم يسبق وأن تحدثت أو خرجت مع رجل قبلك.. ولم يكن بيننا أي شيء إلا بعض الخروجات لأماكن عامة ومحادثات على الإنترنت فالزم حدودك، كله إلا المسّ بشرفي وسمعتي..))

كانت تسمع أنفاسه الصاخبة بالغضب رغم انحنائه على سطح المكتب يضع عليه يديه الاثنين كأنه يحجم نفسه من نوبة غضب همجية بينما يقاطعها هاتفًا

((أين كان شرفك أو سمعتك عندما قبلت أن تخرجي معي أنا وصديقي بعد منتصف الليل لإحدى الحفلات الماجنة؟ أين كانت سمعتك وشرفك عندما قبلت أن أتحدث معك بأمور حميمية بين الزوج وزوجته على "الفيس بوك"!؟))

نظرت في عينيه مجيبة بثقة وبرود

((هل كنت أفعل هذا وحدي؟ ألم تكن معي وقتها يا شيخ مُؤيد صاحب الدين والالتزام!))

لم ترتبك ملامحه حرجًا.. بل على العكس ارتسم على وجهه الاستياء والاستنكار وهو يرد بامتعاض شرس

((أنا رجل لا يعيبني شيء مهما فعلت، خروجي معك كانت للتسلية وتقضية بعض الوقت مع امرأة جميلة مقابل أن أنفق عليها من أموالي بسخاء))

أغمض مُؤيد عينيه للحظات يحاول الحفاظ على رباطة جأشه ثم قال

((أنتِ يا دموع عاقلة لست بحاجة أن أختلق الكثير من الأعذار لأقطع علاقتي معك وأنهيها))

ارتعش جسد دموع غضبًا وتأثرا بنظراته الداكنة وقلبها يخفق حتى كاد يغادر صدرها.. أسبلت أهدابها الطويلة وهي تنهج انفعالا ووجلًا.. ثم قالت بصوتٍ مغلول

((لأني فقط طلبت منك يا مُؤيد أن نتزوج تخبرني بأنك تريدني أن أخرج من حياتك!))

رفع مُؤيد كفه في الهواء ناويًا الهتاف بعنفٍ وغيظ.. إلا أنه في اللحظة الأخيرة تمَالك نفسه وهو يضم قبضته ضاغطًا على أسنانه هامسًا بشراسةٍ

((وهل قليل طلبك!؟ هل يعقل أن أكون متزوجا من أم أولادي أم فهد ابنة الحسب والنسب القارورة المُصانة سيدة بيتها وملكة العفة، ثم أنزل من مكانتي ومكانة عائلتي وأتزوجك أنتِ التي كنت متاحة لرجال من قبلي لتمضية وقت تسليتهم؟ هل أنتِ مجنونة يا امرأة!؟))

احمّرت عيناها من نبرته المحقّرة لها وهو يُضرم بكلامه عن زوجته رتيل نار الحسد والغيرة بشرايينها الشيطانية.. لكنها شمّخت بذقنها بعنفوان وواجهته متحديّة.. صلبة.. ليخرج صوتها المشحون حقدًا

((سأنتقم منك يا مُؤيد.. سأنتقم منك وانتقامي سيكون في قارورة منزلك المصانة.. أو كما تعتقد أنتَ..))

قاطعها مُؤيد بنبرة قاصفة

((اغربي عن هنا ولا تريني وجهك، ولسانك هذا أقطعه لو جلب سيرة زوجتي المستورة بحيائها والملتزمة بأخلاقها.. اذهبي ما أنتِ إلا غفلة استيقظت منها ونزوة شيطانية كانت تحاول جرّي للرذيلة..))

لم تستجب له.. بل أجبرت قدميها على الانغراس بالأرض وعدم الهرب وهي ما تزال تحتفظ بشموخ وقفتها رغم الارتجاج الذي زلزل خافقها.. فاقترب منها ببطء.. حتى توقف على بعد مسافة معقولة وقال بخفوت خَطر

((هيا اغربي عن وجهي بدلا من أن أنادي البواب، وهذا ما لا أرغبه فقط لأنك امرأة.. هيا ارحلي))

ألقت دموع نظراتها الأخيرة بعينيها اللتان تشعان سوادًا على ملامحه ثم استدارت على عقبيها مغادرة..

أما مُؤيد فعاد خلف مكتبه يتكئ بمرفقيه إلى سطح الطاولة وهو يسند رأسه الثقيل المشحون بكفيه يقطع عهدًا على نفسه بأنه لن يخرج أو يتحدث مع أي امرأة لا تحل له مرة أخرى لغير الضرورة حتى لا يَعلق مع امرأة كهذه يصل بها الحال أن تَعرض عليه الزواج منها وتجمّله.. فإذا استطاع التخلص من دموع بسهولة فقد لا ينجح مجددًا مع أخرى..

.

.

في الخارج بعدما غادرت دُموع من المكان صاغرة وذاكرتها تأبى إلا أن تنغزها لتتذكر كل كلمة مستحقرة نطق بها نحوها.. أمّا كرامتها المهدورة تئن بالانتقام منه..

طلبت رقمًا سريعًا وسرعان ما جاءها رد صديقتها لتهتف بملامح شيطانية وبصوتٍ مغلول مشبع بالانتقام

((غُنوة.. غُنوة.. أرسلي لي الآن صور قرة ابن الكانز المصونة المتواجدة في هاتفك حتى أسحبها، وبالتأكيد لك مقابل مادي محترم عن كل صورة ترسلينها لي))

============================= في وقت راحة الجميع دخلت نجوم المطبخ مستغربة من صوت الجلبة فيه وهي تهتف بفضول

((من هنا في المطبخ؟))

كَسَى وجهها احمرارًا والكلمات تتسلل من شفتيها بصوتٍ خافت خجول

((هذا أنتَ يا سيد مَازن؟))

تطلع لها مَازن وما إن رآها حتى ابتسم لها بود وتأسّف

((أعتذر بشأن ما قلته في ذاك اليوم، أرجوكِ انسيه إذا تسبب بشعورك بأيّ ضيق مني))

بلهفة سارعت تنفي نجوم وهي تلوح بيدها

((لا تقلق لم يحدث شيء.. هل أساعدك بما تفعله؟ هل هذه حلوى شوكولاتة؟))

تطلعت باهتمام لما يصنعه بانهماك تام من تزيين لطبق يشبه حلوى الشوكولاتة الهلامية بينما يجيبها

((لا بل هي بالونات أخذتها من صغار البيت وملأتها بالماء والآن أقوم بتزيينها بالشوكولاتة وسـأقدمها لزوجتي العزيزة))

اتسعت عيناها بذهول وهي لا تفهم مقصده تمامًا بينما هو بدأ يبحث بعينيه عن شيء ما هادرًا

((أين هي عبوة المشروب التي قمت بخضّها لعشر دقائق!))

وجد العبوة فأخذها بحماس وقال وهو يغمز إحدى عينيه

((إنها مقالب سأصنعها بياسمين))

ظلّت نجوم مذهولة حتى مغادرته! هل حقا يخطط أن يقوم بهذه المقالب الطفولية بزوجته! وحينها تيقظت لحقيقة أنه هو وزوجته ياسمين لا تتناسب شخصيتهما معًا أبدًا..

فياسمين ليست من النوع الذي يختلط بالجميع سريعًا.. دائمًا هناك مسافة هائلة بينها وبين الذين تضطر إلى رؤيتهم كل يوم.. أما هو فحتى لو كان يوحي الانطباع الأول عنه بأنه لا يُطاق.. لكنه على العكس تمامًا يحمل داخله مرح ودهشة لا ينقطعان..

غادر مَازن المطبخ في نفس وقت دخول منال التي قالت لابنتها في تساؤل

((ماذا كان يعمل السيد مَازن هنا؟))

تلعثمت نجوم في البداية فأكملت منال بامتعاض

((الحاجة زاهية طلبت مني أن تبتعدي لمدة من هنا، وتذهبي عند العائلة حيث إخوتي يسكنون طبعا ستمكثين هناك مع دفع أجرة لك، حظك مبهر يا بنت))

أما نجوم فاتسعت عيناها لما تسمعه دون أن تجد تفسيرا لأمر الحاجة زاهية هذا!

.

.

تركت ياسمين المشغولات التي كانت تقوم بتطريزها ثم كتفت ذراعيها بضجر وهي تصغي بوجوم لعتاب مَازن الذي يضع أمامها طبق حلوى هلامية شهيّ المنظر كما يظهر لها

((لقد تعبت في إعداد هذا الشيء المغلف بالشوكولاتة لك، خذي الشوكة وكلي قطعة واحدة منها ولا تكسري بخاطري، اعتبريه عربون تصالح عن كل الكلام الفظّ الذي قلته لك))

رفضت وهي تبعد الشوكة التي يمدها لها

((لن آكل شيئا تحضره، لا أثق بك أبدًا))

تنهّد مَازن بحزن مصطنع ثم أبعد طبق الحلوى كما يظهر لها وأمسك عبوة المشروب الغازي ومدّها لها يقول برجاء ضمتي

((على راحتك، لكن على الأقل خذي عبوة المشروب الغازي الذي جلبته لك))

عكفت ياسمين فاهها وملامحه لا تطمئنها.. لكنها هَدَرت

((سآخذه بما أنه مغلق ولا احتمال أن تكون قد وضعت شيئا فيه))

تناولت العبوة منه بهدوء لكن وبمجرد أن فُتحتها حتى فار المشروب الغازي كله في وجهها كأنه انفجر من فوهة بركان بسرعة كبيرة..

شَهَقت بصوتٍ عالي وتساءلت أمام قهقهته العالية بقهر

((هل قمت بتحريك العبوة ورجّها قبل أن تعطيها لي؟))

ظلّ مَازن يضحك بصوتٍ عال حتى دمعت عينيه دون أن يجد قدرة على الإجابة.. في هذه الأثناء دخلت هدى ابنتهما للداخل وهي تقفز مكانها نحوهم وتقول

((أمي أريد أن أخرج مع..))

عقدت حاجبيها وهي تحوم بعينيها باستغراب على هيئة أمها الملطخة بالمشروب الغازي ثم أخفضت بصرها إلى الطبق الذي يمسكه والدها وتساءلت بانبهار يكاد يسيل لعابها

((لمن هذه الحلوى يا أمي؟ تبدو لذيذة))

خفتت ضحكات مَازن وهو يمد الطبق لابنته هادرًا

((إنها لك يا جميلتي، خذي الشوكة واقتطعي جزءً منها))

بلهفة تناولت هدى الطبق منه وغرزت الشوكة سريعا في طبق الحلوى الهلامية لينفجر طبق الحلوى بها..

أخذ الأمر منها لحظات حتى تفقدت هذه الحلوى المنفجرة واكتشفت بأنها بالون ممتلأ بالماء كان مغلفا بالشوكولاتة لتقول بصوتٍ مرتعش بالبكاء

((إنها ليست حلوى))

ضحك مَازن بخفوت على ابنته وملامحها، فهتفت ياسمين الغاضبة به وهي تكاد تنفجر غيظًا

((انظر كيف قمت بإهدار كميات كبيرة من الشوكولاتة من أجل مقلب سخيف طفولي! لا احترام لديك لنعم الله..))

أشار مازن لملائة السرير البيضاء وقال من بين ضحكاته

((لا تنسي أن تبدلي هذه الملاءة فقد غرقت بالمشروب الغازي والماء))

بمجرد أن غادر الغرفة مستمتعًا بما فعله بهما حتى ناظرت هدى والدتها تقول بحنق طفولي

((أنا لا أحبه أبدًا))

أيدتها ياسمين القول

((ولا أنا أحبه يا أيضًا))

=============================

أضنى التفكير رتيل وآرّقتها الأفكار المتعلقة بمُؤيد..

أرهفت لهسيس صوت رنين هاتفها الخافت الذي يعلن وصول رسالة ما..

شكّت رتيل أنها من غنوة! وقد تكون عرفت شيئا أخر عن دُموع ومُؤيد!

انتفضت مكانها تلتقط هاتفها وتفتح الرسالة.. جحظت عيناها بصدمة وهي تقرأ فحوى الرسالة..

هناك رقم مجهول أرسل لها الكثير من صورها ويطلب منها مبالغ خيالية مقابل ألّا يرسل هذه الصور لكل من يعرفها!

لم يكن هناك شيء يعيب صورها هذه إلا أنها تظهر فيها كاشفة الشعر وترتدي في بعضها تنانير قصيرة!

ارتجفت يد رتيل الممسكة بالهاتف وتصاعدت وتيرة تنفسها..

هل عليها أن تتصل بالشرطة الإلكترونية؟ لأنه لو وصلت هذه الصور لمُؤيد بطريقة أو بأخرى سيفتضح سرّها!

تفاقم الخوف الذي تملكها..

من هذا المرسل الذي يهددها؟ ومن أين حصل على هذه الصور لها؟

قوست حاجبيها وهي تنتبه للقاسم المشترك بين كل هذه الصور وهو أنه تم التقاطها جميعها عن طريق هاتفها أو طلبت من غنوة التقطاها لها! فكيف يمكن أن تصل لمخلوق آخر على وجه هذه الأرض!؟

عند تردد كلمة "غنوة" في عقلها اهتزت حدقتي رتيل!

شَرَدت بنظرها وبدأت تستعيد مشاهد سريعة من تلك الليلة.. تحاول استيعاب الغموض الذي حصل معها..

غنوة هي من كانت قد اقترحت عليها أن تذهب لذاك المهرجان دون أن تخبرها طبيعته رغم معرفتها بأن قدمها لا يمكن أن تطأ هكذا أماكن!

مُؤيد الذي يعمل في مدينة أخرى كان متواجدا في العاصمة وتحديدا في ذاك المهرجان في نفس الوقت بصدفة عجيبة!

عندما حاولت المغادرة من طريق آخر غُنوة ألحت عليها أن تسلك الطريق الذي يتجه حيث يقف مُؤيد مع صديقه ودُموع!

لم تكن غنوة قد شاهدت مُؤيد أو حتى المرأة التي تقف بجانبه ومع ذلك عرفت شكلها واسمها.. بل وخلال دقائق حصلت على حسابها ورقمها السرّي!

والآن هذه الصور!

شعرت رتيل بحُمقها وغبائها بينما إدراكها يصفعها مرةً تلو أخرى..

رفعت أصابعها تعبث بخصلاتها الناعمة بعُنف تحاول إخراج الغضب الذي تملّكها.. كَسَى الاحمرار عينيها التي تطايرت منهما شرارات الغلّ والوعيد وهي تطلب رقم غنوة.. ثم تقول بصوتٍ مبحوح وعينين مخيفتين بمجرد أن فُتح الخط

((غنوة سوف أزورك في الغد، هناك أحد يهددني بصوري ولا أحد أمامي ليخرجني من هذه الورطة غيرك أنتِ.. علينا أن نُسكت المُهدد حتى لو ترتب عليّ أن أدفع كل ما أملكه من أموال أو حتى أن أسرق من زوجي!))

وصلها صوت غنوة بصدمة مصطنعة

((لا أصدق ما تقولينه! من هذا النذل الذي قد يفعل أمرًا كهذا بك؟))

أجابتها دون أن تنحسر ملامحها الجامدة القاسية

((مجرد نذل كما قلتي..))

=============================

خرجت ياسمين من القصر إلى الحديقة ومعها مشغولات الخياطة حتى تقوم هي وحماتها بالتطريز كما هي العادة الجديدة بينهما.. لم تجد أحدا يجلس عند الطاولة إلا يزيد الذي كان يذاكر وجدته ليست معه..

استغربت ياسمين لكن تناهى إلى سمعها صوت جلبة من الحديقة الخلفية فمضت بطريقها تتبع الصوت لتفاجئ بالحاجة زاهية تشّد على ثوبها وتصرخ بمنال بوجه محتقن انفعالًا وتوترًا

((ألم تجدي يا منال غير مَازن كي يتسلق الشجرة ويقطف الليمون! الآن من سيقنعه أن ينزل!))

دهشت ياسمين ورفعت نظرها عاليًا إلى مَازن لتجده يجلس على أحد أغصان شجرة الليمون شاهقة الطول ضاحكًا..

استقام مَازن واقفا على الغصن العالي برشاقة ليقول مشاكسا

((أمي أنا أقطف الليمون وحسب، لم أبدأ بالشقلبة مثل القرد بعد!))

ذعرت زاهية ما إن وقف مَازن وزجرت ابنها بانفعال أكبر

((انزل يا مَازن من الشجرة، يكفي ما التقطته من ليمون، هيا انزل!))

بلحظة انتبهت زاهية على اقتراب ياسمين مذهولة فصرخت بها

((اتركي يا لوح الثلج مشغولات الخياطة ونادى على زوجك حتى يهبط من الشجرة))

ما إن انتبه مَازن على وجود ياسمين حتى تأرجح فوق الغصن بحركة بهلوانية خطرة جعلت قلب زاهية يقفز من مكانه ثم قال بشقاوة متأصلة فيه

((أمي انتظري قليلا، هناك ليمونة على طرف آخر الغصن، لن أنزل قبل أن أقطفها من أجل ياسو الجميلة))

تصاعد رعب زاهية وصرخت بياسمين

((أخبريه أنك لا تريدين ليمونًا واجعليه يهبط))

ضيّقت ياسمين عينيها وتطاير الشرًّر منها! إنه يوقع المشاكل بينها وبين أمه التي لا تحبها من الأساس!

اتسعت ابتسامة مَازن لأنه نجح في إغاظة زوجته التي لا يملك إلا استفزازها..

أعطت ياسمين صندوق مشغولات الخياطة لنجوم ثم اقتربت من الشجرة أكثر ورفعت رأسها تهتف عاليا

((انزل يا مَازن ولا تثر المشاكل))

أبدى مَازن تعابير التظلم على وجهه ليقول وهو يتحرك على الغصن الرفيع العالي

((أتعب نفسي لأجلب الليمون من أجلكم يا ياسو وتتهميني بإثارة المشاكل! ثم..))

بتر مَازن كلامه وشهق عندما تعثر في خطواته وبدأ يميل قليلا للأمام فصرخت والدته التي خطف لونها

((انتبه.. يا إلهي يا مَازن كنت ستقع..))

استعاد مَازن توازنه وكان يريد أن يطمئنها لكن ياسمين زعقت به

((ارحم قلب أمك يا مَازن وانزل من الشجرة))

رفع مَازن كفه ليضعها على أعلى صدره بحركة تأثر مصطنعة وهو يرقّق صوته عن عمد

((لوح الثلج صارت حنونة وتخاف على أمي أكثر مني))

رفعت نجوم يدها تكتم ضحكاتها على مَازن بينما زاهية تشدد من إمساك ثوبها وتقول بصوتٍ واهن من الذعر

((أنا لن أتحمل رؤيته هناك أكثر سأذهب ليزيد وما أن يهبط أخبريني))

غادرت زاهية الحديقة ولحقتها منال حتى تتأكد من أنه لن يحدث شيء لها بينما قالت ياسمين وهي تكاد تنفجر غيظا

((حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مَازن، انزل بدل أن تقع على رأسك وتموت))

لم يظهر مَازن أي استجابة بأنه سينزل من الشجرة فتطلعت ياسمين للخلف تتأكد من أن حماتها بارحت المكان تماما ثم أمسكت ساق الشجرة تبدأ بهزّها وقد فاض كيلها من سخافته وطفوليته.. فصرخ بها مَازن بجدية وهو يتشبث جيدا في الغصن حتى لا يقع

((ما الذي تفعلينه أيتها المجنونة!؟ توقفي عن هزّ الشجرة! سأقع))

تلاشت ابتسامة نجوم وشعرت بقلبها يقف بينما ترى مَازن يتمايل ويكاد يفقد توازنه فرمت صندوق الخياطة من يدها وهرعت تمسك ياسمين من كتفيها وتبعدها عن ساق الشجرة هاتفة

((أرجوك اتركي الشجرة يا سيدة ياسمين، سيقع زوجك))

وما إن نجحت في إبعادها حتى شعرت كل من ياسمين ونجوم بشيء من خلفهم يسقط من الشجرة إلى الأرض..

ببطء وحذر استدارت ياسمين للخلف مخطوفة اللّون ونبض قلبها يخفق بجنون وهي تجد مَازن مسجى على الأرض بلا حراك مغمض العينين.. فهرولت نحوه هاتفة بصوتٍ مرتجف

((مَازن! مَازن ماذا حلّ بك؟))

انكبت ياسمين على ركبتيها جوار جثة مَازن وأفلتت من نجوم شهقة بكاء قائلة

((هل مات؟))

جحظت عينا ياسمين! هل يعقل أن يكون قد مات! لكنها هزّت الشجرة فقط حتى تخيفه وينزل منها ليتوقف عن أفعاله الطفولية! ثم وسط ذعرها الداخلي انحنت بأذنها إلى صدره لتسمع نبضات قلبه بوضوح.. تنفست الصعداء ولسانها يلهج بكلمات الحمد ثم التفتت لنجوم هاتفة

((لم يحدث شيء له، فقط أحضري عطرا ذا رائحة قوية))

استجابت نجوم لها وهرولت لداخل القصر فناظرت ياسمين وجه مَازن وقامت بصفعه عدة مرات بخفة بينما تردد بصوتٍ باكي مرتجف

((مَازن أرجوك استيقظ، أرجوك يا مَازن))

وعندما لم يستجب تحلت بشيء من القوة والصلابة ووضعت فمها على فمه تبثه أنفاسا سريعة قبل أن تقوم بالضغط على قلبه بصورة مستمرة ومتكررة لإنعاشه..

قررت أن تعيد إجراءات الإسعاف الفموي مرة أخرى فوضعت فمها بفمه تبثه الأنفاس قبل أن تشعر بشيء غريب.. كأنه مستيقظ.. بل ويستجيب لها!

حاولت أن تبتعد عنه فشعرت به يمسك رأسها بقوة رهيبة ويمنع ابتعادها حتى يتعمق في قبلته لها..

أخيرا استطاعت أن تحرر نفسها عنه لاهثة مقطوعة الأنفاس لتسمعه يقول من بين ضحكاته المبحوحة

((لقد كدتِ تصابين بأزمة قلبية من الخوف))

تقهقرت للخلف بأعصابها التالفة وهي تحدق به ببلاهة..

فرفرف بعينيه وصوت ضحكاته المجهدة في تصاعد..

وما إن أدركت ياسمين مقلبه بها حتى هبّت واقفة على قدميها وهي تركله بقدمها هامسة بغيظ

((أيها التافه، أنا أكرهك، أكرهك، أساسا كنت متأكدة من أنه مقلب، فقد وقعت بعد أن توقفت عن هزّ الشجرة))

امتقعت ملامح مَازن وتأوّه بألم هامسا

((لم أتعمد أن أقع حقا، ولو لم أمسك بآخر غصن لثوان قبل أن أهبط أرضا لتهشمت كل عظامي))

حضرت نجوم أخيرًا لاهثة وهي تمسك بخاخ للتنظيف برائحة قوية نفاذة.. تهلّلت أساريرها براحة عندما رأت مَازن مفتوح العينين لكن ياسمين سحبت منها بخاخ التنظيف بخشونة وقامت برشقه على وجه مَازن بكل غل وحقد مما جعله يهتف وهو يغطي وجهه بكلتا يديه

((توقفي، توقفي يا مجنونة كلها مواد كيميائية مضرة، سأختنق))

رمت ياسمين البخاخ أرضًا بغيظ وغضب ثم استدارت راحلة ولم تعرف أن دموعها أخذت تسيل دون وعي منها وكل خلية فيها ترتجف..

التافه حقا أوقع قلبها وتخيلت نفسها تتصدر أولى صفحات الجريدة المحلية كزوجة متوحشة قتلت زوجها بعد أن تسببت بوقوعه عن الشجرة!

اعتدل مَازن شبه جالسًا مُتأوها فأسرعت نجوم تعطيه منديلا ليمسح آثار مادة التنظيف بينما تقول بكلمات متناثرة وهي تشيح بوجهها حتى لا يرى أثر دموعها التي نزلت ذُعرًا عليه

((ألف سلامة عليك يا سيد مَازن))

=============================

العاصمة.. شركة القاني..

بدأت شيرين تذرع المكان ذهابا وإيابا بجسد متصلب..

لقد حزمت جميع أغراضها بالفعل وانتقلت لشقة أخرى في العاصمة بعد أن تم نقلها لفرع القاني في العاصمة..

وبدل أن تتشّمت بما سيحصل لقصي ذاك المخادع المؤذي ها هي تنصاع لرجاء وإلحاح سهر في محاولة معرفة مصيره والسؤال إذا ما كان سيدفع المال كشيء من التعويض لشركة القاني قد يقلل الجزاء الذي سينزل عليه!

رفعت مساعدة نائب المدير التنفيذي لشركة القاني وجهها لشيرين تقول بحنق

((يا سيدة شيرين توقفي عن المشي أنتِ تشتتينني عن عملي))

استدارت شيرين نحوها وقالت بإحراج

((أنا آسفة سأجلس))

زمّت المساعدة شفتيها ثم قالت

((لو أردت نصيحتي وفّري ما تبقى من وقتك وغادري فالسيد يوسف أخذ حديثا منصب نائب المدير التنفيذي وهو إنسان مشغول، يظل في مكتبه لما يزيد عن اثني عشرة ساعة، ولا أتوقع بأنه سيستقبلك بعد عودته من اجتماعه))

عقدت شيرين حاجبيها بحزم ثم قالت بإصرار عنيد

((مع ذلك أنا عازمة على انتظاره، لن أشغل الكثير من حيزه المهم.. هي فقط بضع دقائق قليلة..))

قاطعتها المساعدة متنبهة عند سمع وقع أقدام من البهو

((ها قد جاء السيد يوسف))

نظرت شيرين بعينين مشدوهتين نحو هذا الرجل المدعو يوسف غزوان.. نائب المدير التنفيذي لشركة القاني..

بدا وأنه في أواخر العشرينات أو حتى في بداية الثلاثينات.. المهم أنه يصغرها.. فهالها أن يصل لهذا المركز على الرغم من أنه ليس من عائلة القاني!

فما هذه الكفاءات أو المهارات التي يتمتع بها حتى تسمح له أن يتولى هذا المركز!

هناك حوله هالة مغناطيسية جاذبة له بينما تراه يمسك عدة ملفات يطالعهم بانشغال أثناء سيره نحو مكتبه.. لكن جاذبية مكتسبة وكأنّه تعلمها واكتسبها مع الزمن.. لا تلك الكاريزما الفطرية.. كهبة إلهية..

هزّت شيرين رأسها تنتشل نفسها من تفكيرها التحليلي السخيف ثم تقدمت منه بهدوء ورزانة تقول

((مرحبا سيد يوسف))

رفع يوسف وجهه لها وأمسك بيده نظارته الطبية بإطارها الأسود وهو يتساءل بعملية

((مرحبا يا سيدة، هل لديك موعد مسبق معي؟))

لم ينتظر إجابتها وهو يلتفت نحو مساعدته على الفور يلقي عليها وابلا من أوامره

((قومي على الفور بطباعة عدة نسخ لهذه الأوراق واجلبي لي الملفات التي أخبرتك عنها في الصباح من الأرشيف حالا))

همّ بالمغادرة نحو مكتبه دون أن يهتم بسماع إجابة شيرين فهرولت تقاطع طريقه تقول بشيء من الارتباك

((سيد يوسف أعتذر أني لم أحجز موعدا مسبقا قبل أن آتي ولكن أنا..))

تسرب الامتعاض لملامحه وهو يقاطعها

((يمكنك حجز موعد من مساعدتي بعدها قابليني للتحدث))

تمتمت بابتسامة متشنجة وهي تكز على أسنانها غيظًا منه ومن نفسها ومن الموقف برمته

((لكن مساعدتك رفضت أن تحجز لي موعدا عندك لأني..))

كشّر بوجهها وهو يقاطعها بصوتٍ باتر

((هذا يعني بأن مشكلتك مكانها ليس عندي وعليك أن تذهبي للقسم المعني))

تجاوزها يوسف ودخل إلى مكتبه الواسع الفخم فعادت شيرين تعترض طريقه وتقول

((أنا أعتذر منك لا أقصد أن أكون وقحة لكن لن آخذ من وقتك أكثر من دقائق قليلة))

لكنه أغلق الباب خلفه لا يكلف نفسه وقتا للحديث معها.. فتفاجأ من شيرين تفتح باب مكتبه متجاوزة حدودها.. تطلع لها بتعجب وخرجت نبرته عن طورها وهو يقول بصرامة

((كيف تتجرئين على الدخول إلى مكتبي بهذا الشكل؟ من أنتِ وهل تعملين هنا في شركة القاني؟))

وقفت شيرين مكانها تواجهه بثبات

((أنا اسمي شيرين.. سبق وشغرت منصب مشرفة في قسم الموقع الإلكتروني الذي سبق وتم سحبه من فرع شركة القاني الثاني..))

وضع يوسف الأوراق والملفات التي بيده على الطاولة ثم أخذ نفسا عميقا قبل أن يقاطعها بعملية

((الفرع تم سحبه بالفعل وأيٌّ استفسار يخص هذا الموضوع سواء كان بشكوى على المنصب والقسم الجديد الذي انتقلت له أو غير ذلك فمكانه ليس عندي يا سيدة شيرين))

أغمضت شيرين عينيها بغيظ أكبر للحظات.. إنه عجول جدًّا ومتسرع ولا يترك لها أي مساحة أو فرصة لتتحدث ولن يفعل إلا إذا دخلت مباشرة بصلب الموضوع دون مقدمات.. فهدرت على الفور

((سيد يوسف أنا أريد أن أسال عن الموظف قُصي سامح الذي تسبب بالمشكلة برمتها، ماذا سيحل به، وإذا ما كان بإمكاني التواصل مع الفريق القانوني للشركة لمعرفة مصيره وكم قد يلزمه أن يدفع ليخرج من هذه الورطة؟))

تغضّن جبينه بالضيق وبدا مستاءً من الموضوع الذي فتحته قبل أن يجيب بنفس عمليته

لن تقبل الشركة ولا حتى وكيل الموقع الإلكتروني من شركتنا أن يعرف أحد تفاصيل إجراءات المشكلة))

فغرت شيرين شفتيها قليلا قبل أن يتجه نحو الباب ويفتحه لها قائلا بهدوء

((الآن يا سيدة شيرين.. فأنا مشغول جدًّا.. لقد سمحت لك بمقاطعة عملي المهم معي دون موعد.. ونظرًا إلى أنك سبق وكنتي مشرفة في قسم مهم في الفرع الثاني من شركة القاني فأنا سأتجاوز ما فعلته، لكن وقتي ثمين ولا أستطيع الاستغناء عنه أكثر، وعليّ أن أطلب منك الرحيل.. فهل يمكنك ذلك؟))

قوست حاجبيها تقول بانزعاج

((لا.. ليس بعد..))

اتسعت عيناه مرددًا

((ماذا قلت؟))

تنحنحت شيرين بحرج قبل أن توضح

((أنا آسفة.. أقصد أني فقط أريد أن أعرف من هو القسم المعني في القضية؟ وكيف يمكنني التحدث مع..))

انخفضت نبرة شيرين في آخر كلماتها ثم بلعت ريقها بصعوبة وقد استشفت الغضب في ملامح يوسف..

يبدو أن عليه التوقف عن استفزازه.. ثم هي فعلا فعلت ما بوسعها لتحاول مساعدة قصي من أجل سهر وليس من المعقول أن تخسر وظيفتها من أجل ذاك المخادع! فما كان منها إلا أن هزّت رأسها بطاعة واستسلمت

((حسنا سأرحل بهدوء))

استدارت شيرين نحو الباب لكن تملكتها صدمة مباغتة ونظرها يقع على آخر شخص توقعت أن تراه.. قُصي...!! يرتدي ملابس سوداء شبابية يغلبها اللون الأسود تضفي على مظهره شيئًا من الغموض وبعيدة كل البعد عن الملابس الرسمية التي تلزمها الشركة على موظفيها أثناء فترات الدوام..

وضع قُصي يديه في جيبي بنطاله الجينز الغامق وهو يزم شفتيه.. ثم تساءل

((شيرين ماذا تفعلين هنا؟))

تسمرت شيرين مكانها واختلجت شفتيها مانعة أي كلمة من التسلل، ولم يخرجها من تخشّبها إلا صوت يوسف من خلفه يتساءل بذهول

((هل تعرفها يا سيد قُصي!؟))

تطلع قصي له بملامح عادية ليقول يوسف بتوتر كمن تذكر شيئا

((أوه.. صحيح سبق وأخبرتني بأنها كانت مشرفة للقسم الذي كنت فيه))

غزت الدهشة شيرين عندما تجاوزها قُصي وأكمل طريقه لداخل مكتب يوسف حتى جلس على الكرسي واضعا قدما فوق قدم بانعدام تهذيب متحدثا

((في الحقيقية يا يوسف ليس هناك سبب لقدومي هنا لكن قلت في نفسي ما المانع بما أني متفرغ أن أمر في زيارة لك ونحظى بدردشة سريعة أثناء احتسائنا فنجان قهوة))

بدا على يوسف الامتعاض من تصرف قصي الخالي من الذوق والاحترام إلا أنه ردّ على الفور بنبرة تجلى فيها مدى حرصه على تملقه

((فنجان قهوة! سأطلب من مساعدتي إحضار قهوتك كما تحبها.. حلوة ها؟))

ردًّ عليه قصي بترفع وفظاظة كمن يعامل خادمًا عنده

((أريدها سادة يا يوسف.. لكن مع قطعة شوكولاتة تخفف من مرارتها))

تمتمت مساعدته بحنق وانزعاج

((وهل مكتبنا بوفيه مفتوح؟))

اتسعت عينا يوسف وهو يحدجها بنظرات صارمة ثم يتمتم

((ششش اخفضي صوتك.. إنّه السيد قُصي))

أشار يوسف لشيرين برأسه حتى تبتعد خارجا عن عتبة مكتبه ليغلقه عليها تاركًا إيّاها بوجه باهت.. مصدوم.. وعقلها يتزاحم فيه مئات الأسئلة الحائرة..

توجه يوسف عند طاولة مكتبه يلملم أوراقه بينما يسأله قصي بنبرة مستفزة

((هل تشعر بالسّخط يا يوسف لأني قاطعت وقتك المهم؟))

تدبر يوسف ابتسامة متملقة وقال

((وهل هناك يا سيد قصي أهمّ منك؟))

حرك قُصي قبعته السوداء الأمريكية للخلف بتهكُم جرّد الآخر من كرامته

((أنتَ منافق بارع.. أمي محقة بكلامها عنك، أنتَ مستعد لتلعق حذاء عمي حتى يرضى عنك دائما))

ازدرد يوسف غصة مسننة عالقة في حلقه ثم توجه نحو قصي يبادله النظر وهو يقول بلهجة مقهورة مشوبة بالتوتر

((سيد قصي كلامك قاسي جدًّا، بغض النظر عن كل الخلافات بيننا أتمنى أن يظلّ الاحترام له مكان بيننا مهما حدث))

استحالت ملامح قصي لأخرى غير مألوفة فيه وهو يهتف بانفعال

((ومن أين سيأتي الاحترام بعد أن أخبرني عمي بقراركم بعد هذا الاجتماع؟))

ازدرد يوسف ريقه مُجددا قبل أن يقول وهو يمنع التواصل البصري بينهما

((قرار مثل هذا لا يؤخذ من قبل شخص واحد أو إثنين، بل كان بإجماع أصحاب الأسهم في شركات القاني.. أنا رفضت التصويت وكذا الأمر للسيد فارس واتخذنا جانب الحياد..))

ضرب قصي الطاولة بيده باحتدام وقال بنبرة خطيرة

((إذا كان عمي قد استغل وفاة أبي بسرقة حقي وحق أخي وكل ما يحق لنا من أسهم في هذه الشركة فلماذا لن يكون هو من حرّض الباقي على اتخاذ قرار كهذا!))

ردد يوسف بانضباط انفعالي

((سيد قصي أنت لم تمتهن شيء منذ تخرّجك من الجامعة إلا مؤخرا هنا كموظف بسيط وتسببت بكل تلك الخسارة للشركة وخسارة قسم كامل.. ربما الأفضل أن تطالب بحقك المهدور في ورثتك أنتَ وشقيقك دون الحاجة أن تعمل هنا))

استقام قصي من مكانه بعنف ليقول بغضب عام

((ما فعلته كان بسببكم أنتم! عندما أخبرني عمي قبل ثلاث سنوات أن أبدأ العمل في شركة القاني كموظف بسيط ومن ثم هو سيقوم بترقيتي تدريجيا حتى أصل للمنصب الذي أستحقه كوريث لأسهم شركة القاني فعلت ذلك وبدأت عملي باجتهاد لكن بعدما لاحظت بأني لا أتزحزح من مكاني ولا أترقى، أدركت بأنه سيظل على تسويفه وإبر تخديره ولا نية له أن يعطيني شيئا من حقوقي، لهذا بدأت استهتر وأهمل عملي..))

ظل يوسف للحظات يبادل قصي النظر قبل أن يقول

((ما الذي تريد أن تصل إليه يا سيد قصي الآن معي؟ تعرف أني كأيّ مجرد موظف هنا لا حول لي ولا قوة))

ضيَق قُصي عينيه وهو يجيبه بجدية اكتنفت صوته

((الذي أريد أن أصل له هو أني لن أهتم بقرار أصحاب الأسهم هنا.. أنا حتى وإن كان ليس هناك ما يثبت ذلك، أَرثُ مع شقيقي من أبي جميع أسهمه التي سلبها عمي منا مكتفيا بأن يتكفل بمصروفنا الشهري.. لذلك سأعود للعمل في الشركة، لكن في منصب يليق بي أنا قصي القاني.. ومكانك هذا لا تعتاد عليه فلن تظل به كثيرًا، إنه من حق أحد أبناء القاني))

رمقه قصي بنظرات تصغره وتحقر من شأنه قبل أن يستدير على عقبيه مغادرا مكتبه.. تقبضت يد يوسف بغيظ بالغ وغمغم بنبرة مشحونة

((أولاد القاني الأغبياء من أكبرهم لأصغرهم))

.

.

اندفع قصي من مكتب يوسف بفظاظة وظلّ يمضي قُدما بطريقه في الممر قبل أن يشهق وهو يخرج يديه من جيبي بنطاله بحركة تلقائية للتي ظهرت أمامه بملامح متجهمة..

التقط قصي أنفاسه يستعيد رباطة جأشه قبل أن يردد

((أفزعتني يا شيرين.. أعطي تنبيها قبل أن تقفزي أمامي بهذا الشكل))

ضيقت شيرين عينيها بنبرة تفحصيه..

فالرجل الذي دخل كملك له هيبته مكتب يوسف مختلف عن الواجهة المستهترة الودودة التي يظهر بها أمامها.. فسألته باختصار

((لماذا أنتَ مُهم؟))

رفع قصي حاجبيه يردد

((من هو المهم؟))

قطبت حاجبيها بغضب وتساءلت مكررة

((لا تدعّي البلاهة! ومن مهم غيرك!))

هز قصي كتفيه يجيب ببراءة

((أنا لست مُهمًا!))

أشارت شيرين بسبابتها نحو الاتجاه الذي يوصل إلى مكتب يوسف ثم قالت وهي تتحرر من صبرها

((بل مهم وإلا لماذا عاملك السيد يوسف غزوان بشكل وكأنه يهابك ويخشى غضبك!))

مرّ شبح ابتسامة على وجه قصي دون أن يجيبها، فاحتلت الصرامة وجهها قبل أن تردد

((قصي سامح.. من أنتَ؟ أرجوك صارحني وبدون أكاذيب يا منبع الكذب))

هزّ كتفه مجددا وهو يقول باستمتاع

((أنا هو أنا.. كما تعرفيني))

رفعت شيرين يديها تدلك جبينها بإنهاك وهي تتمتم بخفوت كمن تحدث نفسها

((هل تعرف يا قصي أن الكذب يُعتبر واحدًا من أسوء الصفات التي من المُمكن أن يتصف بها الإنسان؟ الرجل الكاذب هو شخصٌ مكروه وغير جدير بنيل ثقة من حوله حتى المقربين إليهِ))

تنهد ثم قال كمن أخذ على خاطره

((شكرا على ذمّي))

تطلعت له بغضب ورددت

((أنا لا أذمك وحسب بل أعريك أمام نفسك.. أنتَ كاذب يا قصي.. بل منبع للكذب.. يا أخي لماذا تحب أن تكذب؟ ما الممتع بالكذب وأن ينعتك الناس بلقب كاذب! الكذب يسقط الهيبات وهو أصل الرذائل، الشخص الكاذب تُبغضه الناس وتحتقره ولا يُقِيمون له وزنًا ولو صدَق يومًا فإنهم لا يصدقونه لأنهم لَم يتعوّدوا منه إلا الكذب))

أغمضت شيرين عينيها للحظات ثم قالت بجدية وهي تضع عينيها بعينيه

((سأسألك للمرة الأخيرة وكن رجلا صادقا فالحقيقة العارية أفضل من أجمل كذبة لباسًا.. من أنتَ يا قُصي؟))

ظل يبادلها تلك النظرات للحظات طويلة قبل أن يجيب بجمود

((حسنا أنا هو ابن أخ صاحب شركات القاني بفرعيها.. أنا قصي القاني.. وهذه هي شركة عائلتي))

لم تنحسر ملامح شيرين السابقة وهي تسأله بهدوء

((هل تعرف ماذا قال أدولف هتلر؟))

قال قصي بملامح مترددة مستغربًا

((ماذا قال؟))

أجابت شيرين بنفس الهدوء

((قال "اكذب كذبة كبيرة ثم حاول تبسيطها وكررها، في النهاية ستصدقها" وهذا ما يحدث معك.. لم تدع أحدا لم تحاول الكذب عليه بشأن عملك في منصب كبير في شركة عائلتك حتى نفسك صدقت كذبتك..))

كتّف قصي ذراعيه ثم قال بضيق

((هذه هي الحقيقية وليست كذبة.. نسبيًّا.. فأنا لا أعمل في منصب مهم في شركة عائلتي لكني أعمل بها..))

أخرجت شيرين ضحكة ساخرة خالية من أي مرح ثم احتقرته

((أنا كنت سأصدقك هذه المرة لو لم أرَ بنفسي معلومات سيرتك الذاتية يا قصي سامح يا منبع الكذب! من أين جلبت عائلة القاني لاسمك فجأة؟))

هزّ قصي كتفيه كمن يترك لها حرية التصديق أو لا وظل يسير للأمام إلى آخر الردهة وهي تسير خلفه بحذر وتصوب نظرها له بتوجس.. قبل أن تتوقف مكانها تناظر الرجل السّتيني الذي خرج من المصعد برفقة مرافق له شاب.. فتوقفت مكانها أمام هيبة هذا الرجل وملامح وجهه القاسي وقد عرفت هويته.. السيد فارس القاني.. رئيس مجلس إدارة شركات القاني..

بدأ السيد فارس يسدد عينيه لقصي هادرًا بهدوء صوته الرّخيم الخشن

((قُصي ماذا تفعل هنا؟))

زرع قصي تلك الابتسامة المستفزة مجيبا

((كنت عند يوسف وتحدثنا قليلا! لكن لم نصل لشيء لذا سنتابع حديثنا في البيت يا عمي))

حانت نظرة من فارس لشيرين بعنف مخيف ثم سأله والحزم يتدفق من نبرته القوية

((من هذه التي معك يا قصي؟ هل هي خطيبتك سهر؟))

أجابه قصي بهدوء

((لا إنها شيرين، كانت تعمل مشرفة لنفس القسم الذي كنت أعمل به، وسمعت بأنه تم نقلها لتعمل في هذا الفرع))

رمى فارس بنظرات قاتمة لقُصي يعلمه من خلالها بأن حديثهم لم ينتهي بعد وسيكمله في وقت ومكان لاحق.. ثم مضى الطريق أمامه بتلك الهيبة الفطرية.. تاركا قصي مكانه وفيضانات من الانفعالات المتناقضة تعصف بكيانه، كل خلجة من خلجاته شحنها بالكره البراق الى صدره..

فقالت شيرين بتردد ونظره معلق بأثر الذي بارح المكان

((إنه السيد فارس القاني.. صحيح؟))

أجابها قصي بمقت ((نعم))

كبّلت الصّدمة لسان شيرين وهذا اليوم يرفض التوقف عن رميها بالمفاجآت! أما قُصي تفهم ما تمر به فدعاها لتجلس مقابله على المقاعد الموضوعة بالبهو حيث يمر من هنا قلة من الموظفين تبعا لأن هذا الطابق مخصص فقط لقاعات الاجتماعات ومكاتب أصحاب المناصب الرفيعة في الشركة!

بصعوبة تحركت شيرين تجلس على إحدى المقاعد ونظرت لقصي تقول بذهول يلفها

((رباه.. رباه.. لكن كيف يعقل هذا؟ أنتَ قصي سامح لا قصي القاني))

أطلق قصي نفسا يكتمه ورد

(("القاني" هو اسم عشيرتي لكن في دفتر العائلة اسمي الرابع هو سامح.. كل عائلتنا نفس الشيء.. حتى عمي اسمه في هويته المدنية فارس سامح))

هامت شيرين وهي تشرد بعينيها للماضي محاولة استجماع الخيوط

((إذن لقد كنت صادقًا! نوعا ما! إذن أنتَ أغنى مما حتى كنت تدعّي! لا أظن أن عائلة سهر الغنية تضاهيك شيئا! والمسكينة سهر كانت منهمكة في تجميع كل المجوهرات التي أهديتها لأمها حتى ترجعها لك لعلها تنقذك من الورطة التي وقعت بها))

اتكئ برأسه للخلف وهو يقول بنبرة محبطة

((على كل حال، لقد عقد مجلس الإدارة اجتماعهم ووصلوا إلى نتيجة واحدة وهي أني لن أعمل هنا مجددا.. صحيح بأنه تأذى الكثير من الموظفين بسبب انفعالي وفقدوا وظائفهم لكن صدقيني شركة القاني لم تخسر شيئًا وسيأتي وكيل غير الذي ذهب.. لكن عمي استغل الأمر وحرضهم ضدي بعد إقناعهم أن وجودي هنا قد يسبب المزيد من الكوارث.. عمي فارس إنسان جشع، استغل وفاة أبي حتى يخون الأمانة ويسلب حقنا أنا وأخي وما ورثناه منه))

ترققت ملامحها وهي تقول

((وضعك معقد جدًّا..))

أكمل لها بما يجلي الكثير من الغموض الذي يلفه

((أمي بذلت جهدها لاستعادة حقوقنا المهدورة من عمي، لكنه أقنعها أن تتوقف عن محاربته مقابل الزواج منه وتكفلنا ماليا ففعلت، ثم أنجبت منه ولدا ولم تعد تهتم بأحد غير هذا الأخ))

((غريب أمر أمك، ألستم جميعا أولادها!))

((يمكنك القول بأن أولاد عمي من مطلقته الأولى علاقتهم منتهية به.. وأولاده من مطلقته الثانية وهي والدة يوسف نفسها فقدهم.. وابن عمي والذي هو نفسه أخي الغير شقيق هو ما تبقى له.. لهذا توقفت أمي عن النضال من أجل حقوقنا فهي ترى أن أموال وثروة عمي في النهاية ستكون لابنهما وبالتالي لها))

((يوسف ابن مطلقة عمك؟ لهذا استطاع أن يصل إلى منصب كهذا وهو في هذا العمر اليافع!))

((يوسف رغم بغضي له لكنه إنسان مجد ومجتهد لكن عمي أيضًا السبب بكل ما وصل له، إنه يعيش في ظله.. عمي النذل مستعد أن يفضل يوسف علينا نحن أبناء أخيه الراحل بل على أولاده ذاتهم..))

صمت قصي قليلا يظل سارحا بشروده قبل أن يكمل بملامح تقطر بالكمد

((أنا لم أهتم كثيرا بورثتي المنهوبة لأن عمي فارس ومنذ وفاة أبي وهو من يتكفل بكل احتياجاتي المالية.. ثمن مدرستي وجامعتي.. نشاطاتي وسفري.. وهو من شجعني على عيش حياتي كما أرغب وعدم أخذها بشكل جدّي عن طريق إمدادي ماليا بكل ما أحتاجه.. وأنا كشخص غير مسؤول لا يحب غير البحث عن متعته كنت راضيًا بذلك بل ممتنًا))

رفعت حاجبيها وهي تسأله

((لماذا قررت أن تغير هذا الأسلوب؟))

ناظرها وهو يجيب

((الحقيقة بعد استقراري هنا شعرت بحاجة للزواج وأمضيت الكثير من الوقت في البحث عن فتاة مناسبة لاهتماماتي وما أحبه وبالصدفة فقط تعرفت على سهر من بعيد وحاولت التقرب منها ونيل إعجابها هي وأمها قبلها، لكن خفت أن ترفضني عائلتها بعد أن تعرف أني فعليا لا أملك أي شيء وأعتمد ماليًا على عمي، ومتى ما سحب عمي دعمه المالي فلن يبقَ شيء لي، وقتها عرفت أهمية امتلاك وظيفة وأمان مالي وطلبت من عمي أن يوفر لي بشركة العائلة منصب مرموق حتى أستطيع التقدم لعائلة سهر مرفوع الرأس، لكنه وضعني بذاك المنصب البسيط مع وعد بترقيتي متى ما رأى أن الوقت مناسب، فذهبت وحيدا إلى عائلة سهر وكذبت عليهم بمعظم الأشياء على أمل أن عمي سينفذ وعوده خلال أشهر ولم أظن أن الأمر سيستغرق منه ثلاث سنوات من التسويف ثم سينقض الوعد بعد كل هذا))

اعترضت شيرين

((حقيقتك ليست مخزية، ولو أخبرتها لهم لم تكن لترفضك عائلة سهر!))

تنّهد قصي ثم قال شارحا بصوتٍ ينز مرارة

((والد سهر يعرف حقيقتي، عرفها عندما تقدمت لسهر وسأل عني، وأخبرني بأنه سيوافق على عقد القران لكن لن أتزوج سهر قبل أن يثبتني عمي بمنصب مرموق وثابت أو يفتح لي مشروع يدر عليّ دخل جيد فهو لن يزوج ابنته من رجل ليس هناك شيء مضمون فيه إلا اسم عائلته))

هزّت شيرين رأسها بإدراك، إذن والد سهر كان يعرف حقيقته كاملة! قالت له

((عليك أن تخبر سهر بالحقيقية، أي شيء أفضل من أن تظنك مجرد كاذب محتال، أعنى أنتَ على الأقل نصف كاذب ولم تكن تخدعها بمشاعرك ولم تكن تحاول أن تترقى بنفسك بزواجك منها ولم تكن طامعا بثروة عائلتها! بل كان عليك أن تخبرها كل شيء منذ البداية فهي لا تهتم بواجهتك المالية أو الاجتماعية))

اعترض قصي وهو يقول بصوتٍ يشوبه خيبة الأمل

((لم أبح لها بشيء لأني كنت أظنها نسخة من أمها الجشعة، وكنت أقول حقها أن ترغب بابن عائلة ذات صيت وغنية فهي جميلة ومشابهة للعبة الباربي، لكن كنت وصلت بالكذب لنقطة لا يمكن التراجع عنها وقررت ألّا أكشف شيئا حتى يصبح واقع كذبي حقيقة))

باغتت شيرين بما أدهشه قائلة

((هل تعرف بأنها من أجبرتني أن أذهب للشركة وأتواصل مع أي شخص مسؤول وأعرف ما قد يحول دون دخولك للسجن بسبب تلك المشكلة التي أوقعت نفسك بها!))

تساءل قصي بفطنة ولا تزال الدهشة تتملكه

((لهذا كنت عند يوسف؟))

أومأت شيرين له فانتصب قصي واقفا يقول بنبرة بائسة

((أتمنى فقط ألا تخبري شيئًا مما عرفتيه اليوم لسهر))

رفعت رأسها تُطمئنه

((لا تقلق.. لن أبوح لها بشيء ولن أتدخل بينكما إلا إذا كان الموقف يستدعي مني ذلك))

قال قصي ((لا أريد أن أطيل السيرة.. لكن ربما تكون هذه المرة هي الأخيرة لنا تحت سقف إحدى شركات القاني لذا أتمنى لك كامل التوفيق في حياتك المهنية والأسرية مع زوجك.. إلى اللقاء يا شيرين))

أظلمت ملامح شيرين وغمغمت بفتور

((سأتطلق من زوجي لذا لا تذكّرني به))

تأسّت ملامح قصي وقال

((لا أعرف ما أرده عليه فأنا لست بارعا أبدًا في المواساة وحياتك يا شيرين بائسة وحزينة أكثر مما يتحمله قلبي المفعم بالحياة وبهجتها.. بل أنا أعجز عن فهم كيف لسهر أن تلازمك طوال تلك السنوات الماضية دون أن تنقلي لها عدوى الكآبة.. فأنا لا أحب النّكد والبؤس.. ما لهذا خُلقنا..))

ابتسمت شيرين له ولوحت له بيدها تودعه فبادلها قصي الابتسامة بامتنان، ثم وضع يديه في جيبي بنطاله يستعد للمغادرة قبل أن يقف مكانه فجأة كمن تذكر شيئا ليلتفت لشيرين قائلا

((قبل أن أنسى، بالنسبة لقريب سهر الذي يعيش في الخارج والذي أقنعه زوجك أن يتبرع بجزء من كبده لوالد سهر.. أو بالأصح ابتزه عدتُ أنا للتواصل معه.. والشاب كان خلوقا ومتعاونا جدًّا معي، ووافق أن يتبرع لوالد سهر دون أي مقابل مادي أو معنوي.. وأكد لي أن هذه هي نيته من البداية لكن ذاك المدعو وليد الكانز كان يبتزه ويهدده مما جعله يبدي رد فعل عكسي لما يبتغيه في الحقيقة))

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...