لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل السادس والعشرون
خارج المحكمة..
كتَّف مَالك ذارعيه وهزَّ ساقه بتوتر ينتظر قدوم سمية بينما يقول لأخيه منبهًا
((إيَّاك أن تذكر أمر عقد القران هذا أمام أيّ أحد يا مَازن حتى لا أحطم رأسك الكبير، أنا تعمدت ألا أجلب غيرك أنتَ وصديقي هنا لتشهدا فقط، لأنه يجب أن يظل من في القرية على ظنّهم أني لم أنفصل عنها أبدًا بعد زواجنا حتى لا يستدعي أيّ شكوك حولنا))
أطلق مَازن تنهيدة طويلة قبل أن يقول بضجر
((لا تقلق يا أخي))
أمسك مَازن كتفه ثم عقب
((أبي قال بأنه سينشر خبر زواجك الذي أخفيته عن أهل القرية في كل الأرجاء وسيقوم في ليلة الغد بإطلاق الطلقات النارية وتوزيع الولائم ولحوم وجلود الذبائح وأكوام فواكه بساتيننا على الموائد..))
بتر مَازن كلامه على صوت صدوح رنين هاتف توأمه الذي ما إن فتحه حتى وصله صوت سمية متسائلا
((مرحبًا مَالك.. لقد أوصلني السائق أمام المحكمة.. أين أنتَ بالضبط؟))
ضيَّق مَالك عينيه وهو يجول بنظره في الأرجاء بحثا عنها وهو يقول
((قمت بالإجراءات الأولية بقي فقط أن يعقد المأذون القران))
ارتفع حاجبا مَالك ما إن وقع نظره عليها ليغلق الخط ويهرول نحوها منفرج الأسارير..
تباطأت خطواته ما إن وصل لها ليلقي نظرة على مظهرها وقد ارتدت ثوب طويل بلون هادئ..
هذه هي المرأة التي يحبها.. رشاقة دون نحافة.. جمال زاهٍ دون تبرج.. أناقة دون إفراط..
أشار لها بوجهه أن تتبعه ليدخلا للمحكمة وسارا على نفس المستوى بخطوات رزينة قبل أن يناظرها وابتسامة جذابة تتألق على شفتيه فبادلته الابتسامة بنعومة..
وبمجرد أن عقدا القران وثبتاه حتى ضمَّت سمية قبضتيها بحزم وهي تؤكد على نفسها أنها ستنسى تماما مسألة تلك الفوارق وستحرص أيضًا على جعله ينساها..
أما مَالك اتسعت ابتسامته الصادقة من قلب ذاق ويل الفراق أعوامًا والآن فقط عادت روحه الغائبة..
أشار بعينين حازمتين لأخيه وصديقه بالمغادرة بلا مطرود فقال توأمه باستياء
((سأسبقك للبيت أيها العريس النزق))
لكن لم يرد عليه مَالك بينما يميل ليلثم جبين سمية ومن ثم يحتضن كلتا يديها بقوة.. أخيرًا ينال قربها بعد كل تلك السنوات..
هدَرَ لها بصوتٍ أجش وبعينين تتألقان ببريق خاص
((مبارك لنا.. ها قد عدت زوجة لي.. من الليلة أريد منك ترك زمام كل شيء لي لأتولاه أنا.. وأريدك أن تتقبلي كل شيء مني مطيعة.. ومدللة))
كلامه أذاب كل شيء فيها وخدر أطرافها براحة وسكينة فجذبها له يحيط كتفيها بذراعه ثم يسير بها للخارج.. قبل أن يسألها
((سنذهب لأحد الأماكن لتناول الطعام))
ازدادت حمرة الخجل التي تلفها بينما يفتح باب سيارته الأمامي لها لتستقل السيارة.. ثم يستدير حولها ليجلس في مقعده خلف المقود.. أخيرًا وبعد كل هذه السنوات صار باستطاعته الانفراد بها والذهاب معها حيث ومتى ما أراد..
.
.
بعد غروب الشمس..
تطلعت زاهية باستياء لابنها وزوجته حديثًا على تأخرهما في العودة إلى هنا وقد تمَّ القران قبل ساعات طويلة على حسب ما أخبرها مَازن.. ثم قالت بفتور
((جهزت غرفة مَالك لتناسبكم لفترة مؤقتة))
ابتسمت سمية بارتباك في وجه حماتها رغم جُمود ملامحها تجاهها بينما تعلمها نعمة بعملية
((كل الحقائب التي أحضرتها وضعناها هناك يا سيدة سمية))
اندفعت سمية تتحدث بلهفة
((أرجوكِ يا سيدة نعمة بلا ألقاب فلم يختلف أيُّ شيء بزواجي من مَالك))
أصرت أن تقول نعمة بهدوء
((بل اختلف هناك الكثير ولا يصح أن نظل نعتبرك نفس البستانية))
بنفس الملامح البائسة التي تلازم زاهية الأيام الأخيرة تطلعت لوجه مَالك المشرق وتمتمت
((تبدو سعيدًا وها قد حققت ما تريده، مستقبلًا لا تأتي شاكيًا باكيًا لنا بأنها لا تناسبك))
انزعجت ملامح مَالك قليلا لكنه أمسك يد أمه ورفعها ليلثمها قبل أن يتلمس تفهمها
((عندما أحببتها أمي لم أنظر إليها على أنها تكبرني، أو أنها لا تناسبني بل كانت بالنسبة لي فقط المرأة التي أحبها.. سمية حنونة مثلك تماما وستكون قادرة على استيعابي وتوفير الاستقرار لي))
.
.
دلفت سمية غرفة مَالك لتجد يزيد جالسا على السرير شارد النظر كأنه كان بانتظارهم منذ وقت طويل.. وما إن لمحها حتى انتفض من مكانه واندفع نحوها هاتفا بشوق
((أمي هذه أنتِ!))
انخفضت سمية وفتحت ذراعيها تعانق صغيرها وصوته الطفولي الحماسي يبث الدفء إلى قلبها.. شددًّت في عناقه بقوة وقالت بحرارة
((لقد اشتقت لك بحجم الأرض والسماء))
ابتعد يزيد عنها قليلا وتساءل
((وأنا أيضًا.. هل صحيح أنك تزوجت أبي؟))
هزَّت رأسها له بلهفة لتبتهج أسارير الصغير بينما ينتشلهم صوت مَالك الذي وقف عند عتبة الباب
((نعم لقد تزوجنا يا يزيد وسنعيش سويًا تحت سقف واحد، والآن أريد منك أن تذهب كالفتى المطيع لتلعب مع أولاد عمك وتترك أمك لي قليلا))
ضمَّ يزيد شفتيه يستعطف والده
((ولكن أنا لم أراكم منذ أيام))
عقد مَالك حاجبيه وقال يصد تأثير عليه
((لا تحاول أن تبتزَّ أحدنا يا يزيد فكلنا لم نرَ بعضنا منذ وقت طويل.. هيا بنا يا سمية))
قاطعهم صوت فهد الصغير الطفولي وهو يقول بمرح
((عمي مَالك جدتي تطلبك الآن أنت وزوجتك لتشاركونا طعام العشاء))
تأففّ مَالك بضجر والتمع الرفض بتقاسيم وجهه إلا أن سمية قالت له برجاء بضمني
((دعنا نذهب ونشاركهم الطعام، وبعدها لدينا وقت لنفعل ما نريد))
فاستجاب لها على مضض وإحباط..
=============================
وضعت رتيل هاتفها جانبًا ثم أضجعت على سريرها.. لقد أرسلت لها ياسمين التي تظنها في زيارة عند عائلتها رسالة تخبرها عن موافقة الحاج على زواج سمية من مَالك.. ربّاه كم شعرت براحة عظيمة تجتاحها لأن سمية ستتواجد مع أبنائها..
تنهدت رتيل متسائلة ماذا حلّ بالرسائل التي أرسلتها مع صبي قريتهم؟ هل وصلت للحاج وهل قرأها؟
قطبت رتيل حاجبيها بقسوة متمنية أن يحرم مُؤيد من المال بعد ما تصل تلك الرسائل لوالده ويقرعه بشدة..
برق الحقد من عينيها وهي تتمتم
((إذا كنت سأموت فعلى الأقل لن أسمح لك أن تعيش جيدا من بعدي، سأجعلك لا تجرؤ على النظر بوجه والدك، ولولا خوفي على منظر والد أبنائي الصغار أمام أصدقائهم لكنت أرسلت تلك الرسائل لكل زملائك وأصدقائك وأبناء قريتك.. فإذا كنت أغضبت ربّي بخروجي إلى مكان كذبت فيه أمامك وإذا كنت خنت ثقتك فأنتَ قد فعلت نفس الشيء بل وأنكى فأنتَ كنت تخرج مع نساء لا تربطك بهم أي صلة))
كان صدرها يرتفع وينخفض بغضب بالغ قبل أن تشعر بيد غليظة تقرع فوق بابها بينما يصرخ
((افتحي الباب أيتها الحقيرة، افتحي الباب يا رتيل))
انتفضت رتيل مكانها وأخذ الذعر منها كل مأخذ وهي تجيب أخاها بصوتٍ مرتجف
((لن أفتحه، لن أستسلم لكم بسهولة، سأقاوم حتى النهاية قبل أن تنبثق روحي من جسدي))
قال أخيها بصوتٍ يستعر غضبا وهو يزيد من طرقاته فوق الباب يكاد يحطمه
((لقد أخبرني مُؤيد عن سبب طلاقه لك رغم عدم مباشرته وصراحته، لو كنت مكانه لكنت قتلتك على الفور))
سمعت صوت والدتها تتساءل من الخارج وقد وصلها صراخ ابنيها
((وماذا قال لك سبب طلاق أختك، هيا أجب يا بني؟))
ارتعد قلب رتيل رعدةً كادت تُبليه.. تغضّن وجهها بالمزيد من الذعر بينما تغمض عينيها وتسمع أخيها يجيب بصوته المشحون غضبًا
((ما فهمته من كلام أبي فهد المُبهم هو عدم احترامها له أو لعائلته، وعندما سألته ماذا فعلت تحديدًا لم يرضَ أن يجيب.. فخمنت أنها افتعلت مشاكل عندهم، في المجمل يا أمي ابنتك غير المحترمة لا تتعامل مع عائلة زوجها بأدب، قليلة الحياء))
فتحت رتيل عينيها واهتزت حدقتيها بلا فهم بينما تسمع والدتها تزجرها من الخارج
((سود الله وجهك يا رتيل كما سودتي وجوهنا))
تدخل أخاها الثاني يقول بصوتٍ أقل علوا وشيء من الاستياء
((لكن أليس من المبالغ فيه يطلقها لأجل سبب كهذا؟ كان بإمكانه تأديبها.. وإذا لم يعرف يعيدها لنا لشهر واحد ونرجعها له تلك الفتاة المطيعة التي لا تنبس بحرف اعتراض حتى لو قال لها أن ترمي نفسها بالبئر))
تحسرت والدته على حال ابنتها والقهر يعتريها
((نعم هذا ما كان عليه أن يحدث، لا أن يطلقها هكذا مباشرة دون أّيّ مقدمات))
زمجر شقيق رتيل الغاضب
((لا بد أن ما فعلته بحق عائلته أو والديه ليس بهيّن، فقد أكد لي مُؤيد أن لا سبيل لعودتهما بعدما فعلته))
قالت أمها بفزع وموجة بكاء تداهمها
((أخبرك بأنه لن يعيدها له؟))
رد بتأكيد على أمه
((نعم لن يعيدها يا أمي، لقد قال لي أنه لن يربطهما شيء بعد الآن، حتى ولديها لن يسمح لها برؤيتهما وسيتزوج من أخرى))
ضربت والدة رتيل صدرها ثم تحسّرت هادرة
((يا مصيبتي! يا مصيبتي!))
تأكيد عدم عودة رتيل لزوجها جعل والدتها تطرق باب رتيل كالمجنونة صارخا
((افتحي الباب يا رتيل لأقطعك إربا.. إربا.. حلال ما سيفعله أخويك بك الآن.. افتحي الباب))
التقطت أخيرًا رتيل أنفاسها المسروقة ثم زفرتها بعمق والحياة تعود لوجهها الشّاحب.. ثم تمتمت بصوتٍ واهن
((الحمد الله أن حقارة مُؤيد لم تصل إلى الحد الذي يجعله يبوح بما حدث حقيقة))
زادت الطَرَقات الغاضبة فوق بابها تأمرها أن تفتح الباب فأخذت رتيل نفسًا آخر وهي تمسح فوق وجهها المتفصد بالعرق ثم قالت وهي تخرج المرأة الشرسة المقاتلة في داخلها
((لن أفتحه لكم، سأقاتل من أجل أن أنجو بحياتي لآخر رمق))
ظلت أمها وإخوتها يطرقون فوق بابها الخشبي المتين يأمرونها بفتحه.. إلا أنها تمددّت فوق فراشها باسترخاء يتسرب لجسدها وقد نست ما قامت بإرساله لوالد مُؤيد من رسائل وأغمضت عينيها لعل النوم يجد لها طريقها..
=============================
دار المفتاح في الباب الحديدي الضخم والثقيل ثلاث دورات ثم فتحته الحارسة.. دفعته بصعوبة فلم يفتح إلا عن مساحة صغيرة تسمح لمرور جسد شيرين إلى تلك الغرفة المختنقة بهواء راكد لا يتحرك ورائحة تشبه التراب ثم أغلقت الباب بإحكام..
كفريسة تنهار من فرط الذل والمهانة والعجز تأملت شيرين هذا العنبر والذي يعتبر أفضل عنبر في هذا السجن كما قيل لها..
السقف الأجرب الأسود.. الجدران العالية المليئة بالشقوق التي تزحف فيها الحشرات.. القضبان الحديدية.. النزيلات اللاتي يرقدن على الأسرة الحديدية ذات الدورين.. أرض الإسمنت التي تنفث فيها الرطوبة.. الباب الأسود المصنوع من الحديد والفولاذ..
تنهدت ببؤس وهي تتوجه للجلوس على سريرها..
في حين تشرق الشمس وتغيب في سجال دائم تنم عن دورة حياة جديدة في عالم مليء بالحرية.. هي هنا داخل هذا السجن الذي توقف فيه كل شيء ساعة دخولها إيّاه..
نفس الليل ونفس النهار.. لا جديد أبدًا سوى قرقعة الحارسات لأبواب العنابر الأخرى وبعض المناوشات من باقي النزيلات..
طالعت شيرين ثوب السجن الذي ترتديه لتوقن أن هذا الكابوس ليس إلا واقعا.. والذي قد يطول إذا لم تثبت براءتها!
عند هذه الفكرة بدأ صدرها بالارتفاع هبوطًا ونزولًا وشعرت بضيق بالتنفس كأنه لا يكفي حرارة العنبر العالية..
عليها عند زيارة قصي وزيارة محاميها التالية أن تخبرهم عن أمر وليد وذلك التسجيل الذي بحوزته..
فركت شيرين أصابعها ببعضها وهي تومئ برأسها لتؤكد على نفسها أن عليها فعل ذلك..
وجدت نفسها لا إراديا تتمشى في الغرفة ذهابا وإيابا كلَبْوَة محبوسة داخل قفص تعصر ذهنها وتحاول تذكر إذا ما كان هناك شيء آخر يمكن أن يساعد في إظهار براءتها.. وأين تركت هاتفها!
تحرك جسد لنزيلة فوق الدور العلوي لأحد الأسَّرة ونهضت من نومها فجأة تهتف في شيرين بعصبية
((لقد أقلقت نومي.. توقفي عن المشي هكذا مثل الحيوانات))
انتفض جسد النزيلة عندما رأت شيرين تقف مكانها وترفع رأسها لها تطالعها بعينين يتطاير منهما الشرر الحاقد ويكاد أن یُردیھا قتيلة مع تحذير جنوني.. قبل أن يصدح صوت شيرين عاليا بهجوم
((اصمتي وادفني نفسك في النوم لأنك لو تفوهت بكلمة أخرى هنا سألقنك درسا لن تنسيه))
صمتت النزيلة رغم امتعاضها خوفًا من أن تحول شيرين هجومها اللفظي إلى جسدي في حين ردعتها النزيلة التي تجلس على الدور السفلي من السرير بخفوت
((اسكتي يا امرأة ولا تستفزيها، لقد سمعت أن تهمتها هي محاولة القتل العمد))
اتسعت عينا المرأة فوق السرير وتلعثمت
((قتل؟ قتل؟ هل هي قاتلة؟ من قتلت؟ زوجها؟))
أجابتها هامسة بحذر
((يقال بأنها قامت بدفع أحد الأشخاص من الشرفة))
اقتربت النزيلة الثالثة منهما تقول وهي تضيّق عينيها نحو شيرين
((أنا أكيدة أني سمعت من موظفي أمن السجن أنها تعمدت رمي أحدهم من الشرفة والله أعلم إن مات أو لا))
استاءت النزيلة الأول لتقول بغيظ
((كيف يمكن أن يجلبوا نزيلة متهمة بجريمة قتل في نفس العنبر معنا؟ يجب أن يتم فصلها عنّا لأجل سلامتنا))
شدت شيرين على نواجذها بشدة وبدأت تهز ساقها بتوتر وعصبية.. شعرت بأنها لو لم تبتعد عنهن سترتكب جريمة فعليّة في حق إحداهن.. تناولت من مكانها فرشاتها ومعجونها وصابونها ومنشفتها ثم توجهت نحو الحمام المرفق فلم تجد ماء في الصنبور..
التهب وجهها بالغضب! ألا يكفي أن هذا الحمام بلا دش والمرحاض بسيفون تالف!
ورغم كل الانفعالات التي تسكنها إلا أنها وجدت نفسها تنهار باكية تدفن وجهها بين راحتيها.. ليتها ماتت قبل هذا.. ليتها سقطت صريعة قبل أن تطأ قدمها هذا المكان!
ظلت تبكي لدقائق طويلة قبل أن تشعر بإحدى النزيلات معها بالغرفة تقترب منها وتحاوطها بذراعيها وتربت على ظهرها قائلة
((لمَ تبكين يا شيرين؟ ما خطبكِ؟))
رفعت شيرين رأسها ودفعت المرأة عنها بعُنف وازدراء.. ثم قامت من مكانها نحو الخارج إلا أنها لم تستطع كبح شعورها المُلح بالغثيان وعادت بخطوات مترنحة حتى جثت أمام المرحاض لتتهالك على ركبتيها وتفرغ كل ما في معدتها..
في الحقيقة لم يكن هناك أي شيء في معدتها إلا عصارة حارة تكوي حلقها وهي بالكاد منذ دخولها هذا المكان تأكل ما يبقيها على قيد الحياة فقط..
عادت النزيلة تقترب منها وتجثي على ركبتيها إلى جوارها تربت على ظهرها بعاطفة ظاهرة وهي تتمتم
((ربما أكلتي شيئا فاسدا، علينا إعلام الحارسة))
أخذت شيرين تلتقط أنفاسها ودموعها تتقاطر على الأرضية فسارعت النزيلة الأخرى تحضر ماء في علبة بلاستيكية وبدأت تغسل وجه شيرين بلطفٍ مشفقة عليها..
ما إن هدأت شيرين حتى استقامت واقفة تبعد المرأة عنها وتعود إلى الداخل حيث مكانها.. تعيد أغراضها لمكانها قبل أن تلاحظ غياب أشياء منها كانت قد جلبتها سهر لها في زيارة سابقة بعد أن طلبتهم منها..
تلبسّها الجنون وهي تنظر باتجاه النزيلات صارخة بعصبية
((أين ذهبت كتبي تلك التي جلبتها لي صديقتي في وقت سابق؟))
تطلعت النساء النزيلات لها بوجوم لتعاود الصراخ بهن شبه هيستيرية
((أجبن هيا قبل أن يكون لي تصرف آخر))
لَوَت إحدى النزيلات فمها قبل أن تقول بنبرة مستهزئة
((لقد صادرت إحدى موظفات أمن السجن كتبك عندما كنت في وقت زيارتك، ليس لنا علاقة بالأمر))
صرخت شيرين بهن وعيناها جاحظتان بجنون
((ماذا!؟ هل تمازحنني؟ وكيف يتم مصادرة كتبي بدون سبب؟))
في هذه اللحظة شعرت شيرين بنفسها عاجزة عن الصمود.. عاجزة عن السيطرة على أعصابها وغضبها واهتياج مشاعرها.. وعلى الفور كانت تتقدم من الباب الحديدي وتضرب فيه صارخة
((افتحوا الباب، هيا افتحوا الباب الآن وأرجعوا كتبي، ليس وكأنني سجينة سياسية))
كانت تضرب وتصرخ بعنفوان وقوة دون أن تجد ردا..
مسحت على جبينها وشعرها وهي تلهث بإعياء.. ومجددًا للمرة التي لا تعرف عددها داهمها ذلك الغثيان المزعج الملازم لها منذ دخول السجن أو حتى قبله بقليل..
هرولت مسرعة إلى المرحاض تفرغ ما في معدتها!
ربما لا يكون سبب هذا الأمر المتكرر اشمئزازها من هذا المكان فقط.. بل لأنها قد ابتلعت بسبب إهمال المكان شيئا فاسدًا أو مؤذيا كما قالت رفيقتها في الزنزانة..
تماسكت بصعوبة وتوقفت عن النحيب وهي تصفع وجهها بخفة لتستعيد رباطة جأشها وتخرج من هنا..
اقتربت من تلك النزيلة تنتزع منها قنينة الماء بغلاظة دون استئذان تبلل وجهها بما تبقى فيها من ماء وتجمع خصلاتها لأعلى برابطة شعرها الوحيدة..
ثم توجهت نحو الباب الحديدي تصرخ بهيستيرية وجنون وعَبَرَاتها الحارة تشق طريقها على وجنتيها
((افتحوا الباب.. هيا افتحوه قبل أن أقلب هذا المكان رأسَا على عقب.. إذا لم تفتحوا الباب هذه الليلة لن تمر إلا بضجة صاخبة، وسأرَّج المكان كاملا))
وبعد دقائق من الصراخ الهستيري والتهديد والوعيد، فجأة سمعت المفتاح يدور في باب العنبر الحديدي قبل أن يُفتح ويدخل عدد من موظفي أمن السجن عيونهم متسعة تحملق فيها..
أخذت تبادلهم النظر وهي تحس أن صدرها ينتفخ بالغضب فقالت بعصبية
((أريد الآن أن تعيدوا لي كتبي التي تمت مصادرتها))
أجابتها إحدى الضابطات التي ترتدي ملابس عسكرية بصوت بارد لكنه قاطع كحد السكين
((من وقت لآخر نصادر كل الكتب لتفتيشها ثم نعيدها، انتظري للغد.. هل هناك شيء آخر؟))
اتسعت عينا شيرين وارتبكت قليلا ولم تتوقع هذا الرَّد منها الخالي من أيّ تعنت.. فظلت الدهشة مسيطرة عليها لثوانٍ قبل أن تقول بنفس النبرة العدوانية
(((أريد منكم إصلاح المرحاض وصنبور المياه والدش وإبادة الحشرات المقززة التي تحيط هذا المكان.. كما أريد حلًا لهذا الحر والرطوبة الشديدة))
علت نظرات الازدراء ملامح الضابطة وهي تقول ساخرة بلا مرح
((وما رأيك أن نركب أجهزة تكييف ونطلب لك بيتزا؟))
شدّت شيرين على كلماتها هاتفة بعينين مشتعلتين بالجمرات
((فليكن بعلمك أنا سبق ودرست المحاماة وأعرف حقوقي جيدا، والآن أطالبكم بإصلاحات لهذا المكان الذي لا يصلح أن يسكن فيه بشر))
تحركت المرأة بالملابس العسكرية تجاه شيرين خطوة واحدة تقول بتطاير شرار كلماتها المُحذرة بتهديد
((اسكتي أيتها النزيلة ولا تجبرينا على اتخاذ تدابير لن ترضيك، هذا العنبر الذي تزدرينه نعيم بالنسبة لباقي العنابر التي توضع فيها أعداد مكدسة من النزيلات))
ابتلعت شيرين ريقها بوجه محتقن انفعالا والخوف يدب بقلبها فعليًا من نظراتهن إلا أنها حاولت التحلي بشجاعة مزيفة وهي تقول
((لا يمكنك تهديدي فقط لأني أطالب بإصلاحات في هذا العنبر، ثم هل تعرفين لو لم تنفذوا هذه الإصلاحات ماذا سأفعل؟ أنا سأقوم بالإضراب عن الطعام))
اتسعت عينا المرأة ذات الملابس العسكرية وقالت بصوتٍ خطير
((الإضراب عن الطعام؟ هذه النغمة جديدة على نزيلات هذا السجن!))
قالت الحارسة لزميلاتها بقلق
((علينا نقلها من هنا حتى لا تحرض باقي رفيقاتها هنا))
قست عينا امرأة أخرى ترتدي ملابس عسكرية شارف عمرها على الخمسين وغزا الشيب شعرها
((معك حق فمثل هذا الشغب يمثل خطرا على أمن باقي النزيلات بل على أمن السجينة نفسها، لذا ستقع عليها عقوبة السجن الانفرادي.. قيدي يديها بالأصفاد الحديدية))
بمجرد أن ألقت الضابطة الأوامر حتى تقدمت الحارسة تضع الأصفاد الحديدية حول يدي شيرين التي انتفضت فجأة صارخة
((أنا لم أفعل أي شيء خاطئ، من حقي في السجن أن أضرب عن الطعام وآكل وأمتنع عما أريد))
إلا أن الحارسة ممتلئة الجسم ظلت تحاصر شيرين حتى كبَّلت يديها رغما عنها غير آبهة لصوت بُكائها أو صراخها.. وتمّ إيداعها في غرفة الحبس الانفرادي..
وهناك انهارت باكية وظلت تصرخ حتّى احتقن حلقها الجاف وغزا رأسها الطنين واهتز جسدها من الضعف والألم..
أسدلت جفنيها وحاولت تهدئة وتيرة أنفاسها المنفعلة..
خلعت حذائها الذي كانت تنتعله.. إنه صغير قليلا على قدمها فتسبب بتورمها قليلا..
تحررت من الغطاء على رأسها فانسدل شعرها ليخفي كل ملامح وجهها.. اتكأت بيديها على الأرض تحمل جسدها فوق قدميها وسارت نحو السرير لكن ما إن جلست عليه حتى هبطت شرائطه الحديدية الممزقة ولامست الأرض..
يبدو أنه ومنذ وقت طويل لم يدخل أحد هذا الحبس الانفرادي!
عضت على شفتها السفلى بوجع والظلام حولها يدفعها للبكاء بعذابها..
رفعت المرتبة المطاطية من فوق السرير ووضعتها على الأرض وتمددت عليها لعل النوم يزورها بعد هذا اليوم الطويل المرهق..
.
.
أما في الخارج وقف اثنان من موظفي أمن السجن وقال أحدهما بعد ضحكة طويلة مقيتة
((هل هذه هي النزيلة التي قامت بدفع ابن تلك العائلة التي قابلناها؟))
رد عليه زميله هادرًا
((نعم، لقد قالت عائلته أنها كانت مشرفة في قسمه وقست عليه عندما رفض أن يعطيها اسم موظف مخالف، لكن لم يتوقعوا أن يصل بها الأمر أن تدخل في مناوشة معه وتدفعه عن شرفة الشركة سواء بقصد أو لا))
قاطعه الأول قائلًا بجشع
((هذه التفاصيل لا تهمني.. ما يهمني هو أن تلك العائلة دفعت لنا ولباقي الحارسات هنا بسخاء حتى نجعل أيامها في السجن صعبة جدًّا.. وسنبدأ من اليوم))
وافقه زميله هادرا
((ربما علينا نقلها إلى عنبر آخر فعائلة طه طلبت حتى رشوة النزيلات هناك خصوصا صاحبات السوابق الخطرة، ستكون لنا نسبة على كل فلس تأخذه النزيلات))
=============================
تململت ياسمين في فراشها على صوت جلبة في غرفتها.. اعتدلت شبه جالسة وهي تدلك جبينها قبل أن ترفع وجهها المستغرب للسقف حيث صوت الجلبة لتهتف بصوتٍ جهوري غاضب
((ماذا تفعل بالمصباح فوق يا مَازن؟))
أجابها مَازن بينما ينتهي من ضبط المصباح الجديد مكان القديم التالف
((لقد حطمت بلا قصد أباجورك يا ياسو فتخلصت منه وسأحضر آخر لك.. لكن كنت في وقت سابق قد انتبهت أن المصباح الموضوع في منتصف السقف شبه تالف واشتريت واحدا جديدا وها قد ركبته))
ناظرت ياسمين المنضدة الملاصقة للسرير من جهتها لتلاحظ اختفاء أباجورها فعلا.. أما مَازن فهبط درجات السلم بحذر ثم حركه للخارج قبل أن يعود سريعا للغرفة ويسأل ببشاشة بينما يضغط على زر الإنارة ليشع ضوء المصباح بنور أقوى من المعتاد
((ما رأيك يا ياسو بإضاءة هذا المصباح؟ أليس أفضل؟ هل عدنا أصحاب هكذا؟))
عبست ملامحها وهي تردد بصوتٍ واجم
((لم ولن نكون أصحابًا يوما))
أبعدت ياسمين عنها الغطاء، في حين تنهد مَازن ببؤس ثم ناظر ابنته الجالسة أمام الشاشة الكبيرة وقال
((هيا لنكمل لعبتنا يا هدى))
بعد ساعة كانت ياسمين شبه جالسة على سريرها تقوم بالتطريز كعادتها كلما فشلت في العودة للنوم.. عندما انفجرت هدى الصغيرة بالبكاء عاليًا وهي ترمي أداة تحكم لعبة الفيديو عن بُعد بإحباط.. فزجرته ياسمين
((مَازن كم مرة عليّ أن أقول لك أن تجعل هدى تفوز عليك.. هل يعجبك بكاؤها بهذا الشكل المريع؟))
لم ينظر لها وهو يجيبها بهدوء بينما يبدأ لعبة جديدة فردية ينافس فيها شخصا افتراضيا
((ابنتي أو ابنة الجارة لا استثناء عندي.. كلهم سواء.. إذا أرادت أن تفوز فعليها أن تحصل عليه بمجهودها))
تمتمت ياسمين من بين أسنانها
((ما أصغر عقلك!))
تحركت ياسمين من مكانها إلى حيث تجلس ابنتها التي سارعت تضمها بحجم الإحباط الذي تشعر به وهي لا تزال تبكي.. طبطبت فوق ظهرها الغض ثم ناظرت مَازن بحقد
((سألعب معه يا هدى وأهزمه لأجلك))
ابتعدت هدى عنها هاتفة وهي تصفق بيديها بحماس
((ماما أنا أحبك))
توقف مَازن عن لعبه وحانت منه نظرة نحو ياسمين بينما يقول بضجر مصطنع
((إذا كانت هزيمتي لك ستريحني من تذمرك وتبعدك أنتِ وابنتك عني فهيا إذن..))
رمته ياسمين بنظرات كارهة قبل أن تتناول يد التحكم عن بُعد وبالكاد كتم مَازن ابتسامة حماسية بينما عينيه تتألقان ببريق مختلف لأنها ستشاركه شيئا.. سعل قبل أن يقول بفتور مزيف
((سأتهاون في لعبي معك فلا تفتحي فمك ولا بعبارة تذمر واحدة عند خسارتك))
وهكذا لم تنتهِ الجولة الأولى حتى قفزت هدى من مكانها واقفة ترقص بمرح هاتفة
((أمي أنتِ بطلة))
رفرف مَازن بعينيه لا يصدق أنها فازت عليه! فتطلّع لها وقال وهو يتميز غيظا
((لحظة، لحظة لقد تهاونت ولم أركز جيدا بلعبي معك.. لنحظى بجولة أخرى.. لن ألعب معك بأقصى حنكتي ولكن في نفس الوقت لن أتهاون أبدًا))
بدت ياسمين في هذه اللحظة بريئة بشكل مغيظ وهي تنصاع لرغبته وتهز كتفيها..
ما إن انتهت الجولة الثانية.. وبعدها الثالثة.. حتى قذف مَازن بسخط أداة التحكم عن بعد أرضًا بنفس الطريقة التي رمتها هدى قبل قليل! مِما جعل كلتاهما ترميانه بنظرات الشماتة والتشفي.. لكن مَازن تمتم بخفوت كمن يحدث نفسه
((يا إلهي أدائي بات مخزيًا إلى حد رهيب.. المشكلة أنه لم يسبق وأن تباريت مع شخص وهزمني مِمَّا جعل حماسي ينطفئ لدخول التحديات وأميل للعب هذه الألعاب وحيدا، وبدون أن أشعر تراجعت مهاراتي بشكل يثير الحسرة))
كتم مَازن بصعوبة ضحكته لأنه نجح بإقناعهن أنه خسر غير متعمدا بينما يتابع
((لا أفهم كيف تمكنت مبتدئة مثلك الفور عليّ!))
هزَّت ياسمين إحدى كتفيها وقالت بدلال مغيظ
((وما أدراك بأني مبتدئة!؟))
وعند هذه الجملة تلاشت تدريجيا ابتسامة الانتصار المتشمتة منها وشردت بعينيها بعيدا..
بدأت ذكريات الطفولة والصبا مع شقيقها تتسلل لتسكن عقلها فلا تدري أين تجد لها مكانا مناسبا في عقلها المشعث بآلاف الذكريات البائسة!
لطالما كانت تحب أن تلعب بألعاب الفيديو مع شقيقها الوحيد والصغير.. ولطالما كانت تبرع فيها وتهزمه دائما!
لا تعرف للآن ما الذي أخطأت به لتتوالى تلك الصدمات عليها وتتدمر كل حياتها وتضيع أحلامها وينتهي الأمر بها متزوجة من هذا التافه بجانبها!
أغمضت ياسمين عينيها بوهن.. تبتلع ريقها بتثاقل.. ساخطة هي على كل شيء..
رفعت يدها تغطي فمها تكتم شهقة بكاء صادرة منها.. وشددَّت من إغماض عينيها اللتان تذرفان الدموع..
ازدرد مَازن ريقه وسألها بحذر
((لماذا تبكين يا ياسو؟ ماذا حصل؟ لقد سمحت لك بالفوز عليّ حتى..))
تقطعت شهقات البكاء مع كلماتها الخافتة المخنوقة
((ابتعد عني، أنا أكرهك))
تغرغرت الدموع في عيني هدى وهتفت بعصبية
((إنها تشي لأنك حطمت أباجورها، إنها تكره الظلام، سأذهب لأشي عنك لجدي))
لم يُعر مَازن هدى اهتمامه فهرولت للخارج.. وهو صبّ اهتمامه على التي انقلب حالها فجأة فسألها وهو يهز كتفيها
((لماذا ازداد بكائك بهذا الشكل؟ ماذا حدث لك؟))
أمسك مَازن كتفيها وصوته المقيت على قلبها جعلها تفتح عينيها وتنفض ذراعيها عنه.. ثم وقفت من مكانها وهي تنفجر فيه صارخة بحقد متوغل في نفسها له
((اتركني ولا تلمسني أنا أكرهك جدًّا، جدًّا وأكثر مما تتصور))
في هذه اللحظة كان يعقوب وزوجته قد دخلا الجناح بعد أن نادت هدى عليه.. فتوجه لزوجة ابنه يسألها بقلق
((ماذا حدث يا ياسمين؟ لماذا تبكين؟))
لم تجبه ياسمين بل أغمضت عينيها بقوة وتابعت ذرف الدموع بينما تقول هدى بصوتٍ مرتجف من الغضب
((لقد كسر أباجورها، وقبل أيام صفعها على وجهها، ربما تؤلمها وجنتها الآن))
اتسعت عينا يعقوب بسخط ثم قال بخشونة لكنته التي كانت تنتحب
((أريني وجنتك يا ياسمين))
مالت ياسمين بوجهها تسمح له بتفحص خدها الأحمر من أثار الصفعة عدا الخدش غير الملتئم وسرعان ما تطاير شرر الغضب من عينيه وثارت أعصابه فلوح بيده لزوجته هاتفًا بسخط
((انظري يا زاهية لوجنتها المتورمة، أنظري لآخر تربيتك كيف يستقوي على زوجته.. آخر ما توقعته أن يصل به الأمر للضرب))
وقف مَازن من مكانه وناظر ياسمين بصمت وكأنه يطلب منها أن تشرح لوالده أن ما فعله لم يكن إلا رد فعل منفعل على ما بدأته هي! لكن ياسمين أشاحت بعينيها القاسيتين عنه ترفض أي تواصل بصري بينهما..
عندما عاد ينظر يعقوب لابنه انتبه له يحدج ياسمين بنظرات غاضبة فهتف فيه وهو يدفعه بقوة للخلف
((لن يهدأ بالي قبل أن أعلمك كيف تتقاوى على زوجتك أيها النذل))
كان يهم بلكمه حقا لولا تدخل زوجته التي وقفت بينهما وهي تمنعه من الاقتراب من مَازن هاتفة بدفاعية
((لا يا حاج تمَالك نفسك، إنه ابنك، تدخلي يا ياسمين وقولي شيئا))
مسحت ياسمين وجهها ودموعها ثم أمسكت يد حماها بخمول قائلة
((عمي أرجوكَ لا تفعل له شيئا))
التفت يعقوب لها هاتفًا بسخط
((حتى لو سامحته، أنا لن أتجاوز عما فعله، فمن يرفع يده مرة على زوجته تصبح له عادة))
كان الإجهاد يغزو صفيحة وجه يعقوب رغم السّخط المتجلي عليه.. لكن ياسمين قالت ببلادة
((لا بأس اعتبرها آخر مرة يا عمي، من أجلي))
تراخت يدا يعقوب عن ابنه ثم قال بازدراء
((من أجلكِ فقط لن أتدخل هذه المرة لكن لو كررها فإيَّاك أن تخفي الأمر عني، وأنتِ يا هدى أخبريني على الفور إذا ما كررها والدك))
تحولت ملامح مَازن إلى غضبٍ مخيف صامت وهو يرى والده يشجع زوجته وابنته عليه! خاصة عندما تجلت صرامة طفولية على وجه هدى الغض وقالت بحمائية على أمها
((لا تقلق يا جدي سأراقبه جيدا وأحمي أمي منه))
ألقى يعقوب نظرات أخيرة على مَازن بهيئة عاصفةٍ نارية ثم غادر.. لتلتفت زاهية لهدى موبخه
((هدى ما هذا الذي تقولينه؟ هل هناك ابنة تفعل مثلك؟ هل يصح أن تفشي أسرار ما يحدث بين أمك وأبيك))
تمتمت هدى بحنق طفولي
((أمي كانت سعيدة طوال سفره وحلَّت عليها التعاسة فقط عند عودته))
ازدرد مَازن ريقه ورغم كل الوجع الذي شاب عينيه من هذا الموقف إلا أن وجهه كان باردا هادئا وهو يقول
((أمي سأنام اليوم على التراس))
ومن دون كلمة أخرى كان يذهب لأخذ فراشه ثم الاندفاع خارج الغرفة وهناك كاد أن يصطدم بنجوم التي شهقت قبل أن تبتعد عن طريقه بخجل.. فوقف مكانه ورفرف بعينيه قليلا وهو يحدق بهذه التي كانت مختفية لأيام قبل أن يقول بعفوية
((يبدو وجهك شاحبا، هل كنتي مريضة؟))
خرج صوت نجوم ضعيفا وهي تجيب منكسة الوجه
((نعم أنا مريضة قليلا))
ابتسم مَازن لها تلك الابتسامة الودودة التي تسارع من دقات قلبها هادرا
((أنا لم أراك منذ وقت هنا، إذا احتجت أحدًا من أجل شراء أدوية لك أو أي شيء آخر لا تتردي في إعلامي))
ابتسمت له بامتنان قبل أن تراه يسير ماضيًا في طريقه وهو يمسك فراشًا وغطاءً.. فشردت في النظر نحوه حتى اختفى من أمامها ثم طرقت الباب وما إن سمحت لها الحاجة زاهية حتى قالت نجوم بتهذيب
((لقد أعددت يا حاجة ما طلبتي مني فعله))
همهمت زاهية لها ثم قالت وهي تشير لهدى
((خذي هدى من هنا يا نجوم وسألحقك بعد قليل))
أطاعتها نجوم وتطلعت ببشاشة نحو هدى وهي تسحبها من يدها للخارج
((تعال يا هدى الصغيرة لأضع برنامجك المفضل على التلفاز))
بمجرد أن أُغلقت الباب خلفهم حتى تطلعت زاهية بغضب ممزوج بالسّخط
((هل يمكن أن تفسري ما حدث قبل قليل يا ياسمين؟))
أظهرت ياسمين البرود لتكمل زاهية بغضب
((هل هكذا تربين هدى؟ إنها تشعر وتدرك جيدا أن هناك مشاكل ومشاعر عدوانية بين والديها وباتت تكره والدها على غير فطرة الصغار بسببك))
تبرّمت ياسمين وقالت دون أن يرف لها جفن
((أنا أحاول قدر الإمكان ألا أجعلها تشعر بشيء))
أخذت زاهية نفسا طويلًا قبل أن تقول بوقار مألوف
((لا أعرف سبب المشاكل بينكما ولا أريد أن أتدخل إلا للضرورة ولكن ما تفعلينه يا ياسمين غير مقبول..))
ثم رفعت سبابتها تقول متوعدة قبل أن تخرج
((تزوجك ابني دون الأخذ برأيي أو إعلامي لأنه يحبك وأنا لم أعترض لأجل سعادته.. لكن إذا بقيت الأمور بينكما بهذا الشكل سيكون لي تصرف آخر لن يعجبك))
ازدردت ياسمين ريقها وقد أخافها حقا تحذير حماتها.. فهي قادرة ولا تشبه شخصية مَازن بشيء..
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!