لا تنسو التصويت ❤️❤️
ارتدى مُعاذ سترة بدلته العسكرية ثم وضع حزام السلاح الصغير حول خصره.. انتعل حذائه الضخم وخرج من الخيمة المنصوبة الخاصة به في المعسكر.. أشاح برأسه بعيدا وهو يعدل من نظارته الشمسية عندما لاحظ خروج الضابط صقر عن انضباط صفه ويتحدث مع أمرأه.. فتجهمت ملامحه وسار بثبات نحوهم..
بمجرد أن انتبه صقر لاقتراب مُعاذ منه حتى رفع له يده مؤديا التحية العسكرية ثم سارع الاعتذار بارتباك عارم
((أعتذر منك يا سيادة الرائد إنها أختي تعمل معنا هنا لكن بوحدة عسكرية مختلفة وكانت تحدثني بأمر طارئ وسأعود الآن فورا إلى واجبي))
همست أخته له بضيق شديد
((ولكن أنا لم أنتهي لك من سرد..))
حدجها صقر بغضب هامسا
((لاحقا، لاحقا سأتصرف والآن ادعي لي ألّا أُعاقب لخروجي من التدريبات بغير إذن))
ثم رمى مُعاذ بابتسامة متوترة وهو يسارع الانصراف قبل أن يتخذ معه أي إجراء.. لكن مُعاذ استوقفه ليتسمر الأخر مكانه بإحباط شديد.. لا مناص من العقاب على ما يبدو.. التفت بضيق نحوه مُتهيئًا لتلقي عقابه
((نعم سيادة الرائد))
ظلّ مُعاذ على ملامحه المتجهمة ثم قال له بهدوء
((انظر لحاجة أختك لنصف ساعة ثم عد لتدريباتك وأي دقيقة أخرى زيادة عن النصف ساعة ستحاسب عليها))
اتسعت عينا صقر للحظات قبل أن يقول بشكر وعرفان
((شكرا لك يا سيادة الرائد))
التوت زاوية فم مُعاذ بشبه ابتسامة وهو يومئ له برأسه وكان سيمضي قدما في طريقه عندما سمع من جانبه صوتا ساخرا بوقاحة فجّة
(("وأيُّ دقيقة أخرى زيادة عن النصف ساعة ستحاسب عليها"! هل تعتبر نفسك صارما بهذا الشكل يا سيادة الرائد مُعاذ؟ يجب أن يعاقب لأنه غادر موقعه بلا إذن لا أن يُكافئ))
ما إن أبصرت عينا مُعاذ الملازم الأول حمد حتى انفلتت أعصابه وتوجه نحوه بغته يمسكه من تلابيب سترته يهدده دون تحفظ
((لقد تجاوزت حدودك يا حمد، وإن سكت مرة وعشرة لن أتغاضى أكثر من ذلك، لا تمتحن صبري حتى لا أخرج عن طوري معك))
احتقن وجه حمد وكاد يختنق من شدة خشونة مُعاذ في إمساك مقدمة سترته فأفلته الأخر بازدراء حتى تراجع خطوات للخلف واختل توازنه قبل أن يقع أرضًا لاهثا بجنون..
صدح صوت معاذ بصوتٍ جهوري صارم
((أمامك نصف ساعة قبل أن تعود لتدريباتك يا صقر))
أومأ صقر بخوف وما إن غادر مُعاذ حتى أمسك يد أخته يفر من أمام نظرات حمد المرعبة..
كزّ حمد على أسنانه بغضب مستعر.. لقد أمسك نفسه بشق الأنفس عن افتعال مشكلة مع الرائد مُعاذ الذي يظل يقف له بالمرصاد لكن لن يستمر الحال طويلا.. ليهمس بتهديد هيستيري
((بل أنا يا مُعاذ من لن يسكت أكثر من ذلك))
=============================
في الفندق.. ليلا..
حيث يقضي مُصعب ونورين أجمل أيام حياتهم في المدينة الساحلية.. اقتربت نورين من مُصعب الذي كان يأخذ قيلولة وناظرته بوله.. منذ بدئهم هذه العطلة وهو يحرص كل الحرص على إسعادها.. حتى أن وجهها قد ازداد إشراقا بالصحة والانتعاش.. دائما ما يذهلها بلطفه وطيبة قلبه المستمرين بدون أي انقطاع..
مدت يدها برقة لتوقظه لكن تفاجأت به يفتح عينيه فجأة.. شَهقت بخوف وهي تتقهقر خطوات للخلف لكنه أمسك رسغها واجتذبها نحوه فارتطمت فوق صدره مما جعلها تطلق ضحكات منطلقة ومفعمة بالسعادة مغمغمه من بينها ((لقد أفزعتني))
طوقها وجعلها ترتاح فوقه وتتمدد بينما يقول بتلاعب
((أيتها العفريتة دعيني أنام لقد تعبت اليوم))
لامست ذقنه بأناملها وهي تقول له برقة
((لقد أوصلت خدمة الفندق عشاءنا وجهزته فوق الطاولة، استيقظ وانضم لي))
أرادت أن تنهض من عليه لكنه شد ذراعها وغمز لها وهو يقول
((ولكن لدي رغبة في تناول شيء آخر))
تمنعت بدلال مغمغمه
((قم واغتسل ثم دعنا نتناول طعام العشاء))
حرر مُصعب ذراعها ثم نهض من رقوده.. تناول الاثنين بالشرفة تحت أضواء السماء المتلألئة وجبة العشاء الفخم..
ارتشف مُصعب آخر ما تبقى من المشروب الغازي في كأسه لتعرض عليه نورين
((هل أسكب لك كأسا آخر؟))
ابتسم لها وأجابها
((لا فأنا أحاول ألا أحتسي المشروبات الغازية إلا في المناسبات))
((كنت أختبرك ولم أكن لأسكب لك كأسا أخر))
ضحك بخفوت على دعابتها في حين هي تناولت منديلا تمسح يديها ثم وقفت تناظر إطلالة البحر الخلابة التي تطل عليها الشرفة.. الأضواء تتلألأ من بعيد.. مع رقرقة الموج.. وسكون البحر..
شعرت فجأة بمُصعب يخَصرها بذراعيه ويجذبها نحوه معانقا جسدها ويهمس بالقرب من أذنها
((أشعر بالذنب لأن هذا الفندق أقل فخامة من سابقه))
كان يعقد مقارنات بين رفاهية الفندق الذي مكثوا فيه أثناء أيام المؤتمر على حساب المشفى وبين هذا الفندق الذي أكملوا فيه بقية عطلتهم على حسابه الشخصي والذي كان أقل رفاهية.. فاستدارت له نصف استدارة تناظر ذلك البريق الجميل الذي كان يتلألأ في عينيه وهمست
((لا يهم نوع الفندق الذي حجزته، أساسا نحن لا ندخل إلا ليلا، كما أننا بحاجة لكل دينار من راتبك لادخاره لتغيير بعض الأثاث وكماليات المنزل))
أومأ لها وقال بجدية غزت نبرته
((أعرف أني تأخرت بتغيير أثاث المنزل، ولكن أنا شخص من النوع الذي لا يحب أبدًا أن يقترض أو يضغط على نفسه بالأقساط أو حتى أطلب الأموال من والدي))
استدارت كُليا ورفعت يديها لتحتضن وجهه وقالت بفخر
((وهذا ما يعجبني بك على غرار باقي الشباب، إنه شيء مذهل أن تعتمد على نفسك ماديا وتعيش على قدر راتبك دون الحاجة للاقتراض وإغراق نفسك بالديون))
ابتسم لها تلك الابتسامة الخاصة وشرد بعينيه نحو البحر خلفها فتحسست يديها معالم وجهه قبل أن تسمعه يقول
((هل تذكرين الرواية التاريخية التي كتبها ابن عمي؟ كنت قد أرسلتها لإحدى دور النشر المرموقة وقبلوها مرحبين دون أن يعترضوا على أي تفاصيل فيها ويطلبوا تغييرها على غرار دور النشر السابقة.. أنا متحمس لنشرها باسمه))
اتسعت عيناها ببهجة هادرة
((أنت صديق حقيقي، ابن عمك محظوظ بك، فأنتَ لم تدخر أي جهد في الدعاء له والتصدق باسمه بصدقات جارية إلى جانب تحقيق حلمه في نشر هذه الرواية))
رفع كفيه يعانق يديها وهو يقول وشيء من الحزن يعتلي وجهه
((لا أظن أنه كان محظوظ بامتلاك ابن عم مثلي))
ازدردت ريقها قبل أن تقول بتردد
((أنتَ تقصد لأنك قمت بالنهو على شقيقته ضاربا بصداقتكما وقرابتكما عرض الحائط!))
انغلقت ملامحه بشيء من السخرية القاتمة وصحح لها
((قلت لك مئة مرة لا تجلبي هذه السّيرة، وبالنسبة لسؤالك فلا، بل لأنه في ذلك اليوم الذي توفي به، أنا من أرسلته عوضا عني للمزرعة التي حدثت فيها المشادة))
طافت عينيها حول وجهه بانشداه.. وهي ترمقه فاغرة الفاه.. تسبح في عالم آخر..
لقد فتح لها ما في قلبه أخيرًا وعرفت سبب عدم مرونته وتكيفه بعد وفاة ابن عمه.. وشعرت بأكوام من الحزن والعجز تنبثق منه..
الآن فهمت كم كان من عليه أن يتزوج من فتاة تقرب لقاتل صديقه وابن عمه الذي يشعر أنه أخطأ عندما أرسله عوضًا عنه إلى هناك! أخفضت بصرها أرضا وتساءلت بخفوت
((إذن أنتَ تحمل نفسك سبب موته؟))
تنهد مُصعب قبل أن يقول منغمسا أكثر في التحدث عن فقده في الماضي
((من وقت لأخر تداهمني الكثير من الكوابيس التي تدينني في كوني المتسبب في موته، لكن سرعان ما أستغفر الله وأدعو له بالرحمة، مدركا بأن كل ما يجري في هذا الكون هو بمشيئة الله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته في الكون شيء))
تطلعت لكلامه العاطفي الموزون الذي مس قلبها وأومأت بتأكيد
((نعم عليك ذلك فالقدر كله خير وحكمة وعدل ورحمة من الله سبحانه الذي قضى بتقدير المصائب والبلايا وكل ما يكرهه الإنسان لحِكم كثيرة.. ويحيى سيظل جزءً منك ما حييت، فاعتز بتلك الذكريات))
ثم أخفضت وجهها وشدت على يده المحيطة بها وأكملت بصوتٍ متحشرج
((اتضحت الصورة لي الآن أكثر.. شكرا لك لأنك فتحت لي قلبك بهذا الخصوص.. الآن عرفت سبب إفراطك في النوم في بداية زواجنا.. وسبب مداهمة تلك الكوابيس لك في بعض الأحيان عن يحيى))
رفع مُصعب وجهها بيده وسألها وهو يرفع إحدى حاجبيه
((لا تستخفّي أبدًا بقدرة النوم على مداواة جروحِك.. فهذا العلاج الساحر والبسيط هو ما استخدمته البشريّة طوال تاريخها لتخدير الألم مؤقتا))
ابتسمت نورين بخفة ليتساءل متشككا بضيق
((أكدرت عليك هذه الليلة؟))
نفت بابتسامة مطعمة بالألم
((لا أبدًا.. لا تصدق مقدار سعادتي لأنك بحت لي بهذا الأمر عن أقرب الناس لك))
أرخى مُصعب أجفانه وقال بصوته الحلو الممزوج بشجن الماضي
((كان فعلًا أقرب الناس لي، وأقرب لي من جميع إخوتي.. كان صديقي الذي آتيه بالهم وأعود بالابتسامة، كنت أستمد أشياء كثيرة منه.. رحل فجأة.. ربما رحل فقط لأنه يريد أن يخبرني أن لا شيء يدوم.. صحيح أن الحياة لا تقف على رحيل شخص ولكنها ستمر مؤلمة كنصل سيف يخترق الجسد ويدمي القلب.. كان رحيله نقطة تحول كبيرة في حياتي لم أعد أستطيع الانسجام في الحياة، كل شي أصبح بدون طعم وأصبح مكانا موحشا للغاية وكئيب.. حتى..))
صمت للحظات ثم استرسل وأعينهما تتعانقان بتأثر أعمق
((لطالما آمنت أن غياب يحيى عني لن يعوضه حضور العالم كله.. حتى رأيتك.. بالتأكيد ليس من أول مرة رأيتك فيها بل عندما بدأت تتغلغلين في داخلي.. أنتِ.. وحبك))
سألته بتوهج عاطفي وصوت متحشرج وعيناها لامعتان بالدموع الخفيفة
((حقا يا مُصعب تحبني؟ أنتَ تقولها هذه المرة مختلفة عن أي مرة سبق وقلتها))
مال مُصعب لها يلامس جبينها بجبينه وهو يجيب
((نعم.. ولأنك جئت في وقت رفضت فيه الحب، أحببتك أكثر))
ارتجفت دقات قلبها الحالم النقي..
لطالما ارتعبت من فكرة أنه في الواقع لا يحبها.. من فكرة احترامه لها وحنانه معها نابع فقط من كونها زوجته لا لشيء آخر، وأنه لو تزوج من غيرها لكانت نالت كل ما تناله هي.. فالمبادئ التي يتحلى بها رجل نبيل كمُصعب هي من تحتم عليه معاملة زوجته بهذا الشكل..
لكنه قالها.. أخيرًا..
فطوقت عنقه بذراعيها هامسة وعيناها تنطقان كلماتها معها
((أنا أحبك أكثر))
اشتدت ذراعاه حول جسدها يغمض عينيه لحظات.. قبل أن يبتعد عنها فجأة هادرا بحماس
((بلا مشاعر ولا كلام، سيضيع وقتنا، تعالي لنهبط إلى بركة هذا الفندق))
تنحنحت بحرج وقالت ضاحكة
((انتظر عشر دقائق فقط لأتجهز))
.
.
فناء الشاليه..
جلس مُصعب فيه يتأمل ضوء القمر المتلألئ فوق موج البحر في حين شرعت نورين تسبح وحدها في بركة الفندق التي لا تتجاوز الثلاثة أمتار.. وهي تشعر أنها كطفلة تترنح وتتعثر وتتشبث عندما تشعر فجأة بقواها العضلية تعينها على المشي لأول مرة في حياتها بثقة بنفسها ودون مساعدة من أحد..
لقد أفضت دروس مُصعب التي عانى فيها في الأيام السابقة القليلة إلى تعلمها السباحة دون مساعدته أو الحاجة لقربه.. وربما لم تتعلم بعد تماما لكنها فقط تغالي في تقدير مهارتها..
تذكر أول مرة حاول تعليمها السباحة صرخت فعلًا حين رفعت جسدها فوق المياه بحركة أو حركتين.. لكن استولى لاحقا عليّها إحساس غامر يتكثف بالسعادة..
بعد ساعة من السباحة المتواصلة خرجت نورين من البركة فمد مُصعب لها منشفة وسألها
((هل أطلب من الخدمة نوع معين من الوجبات الخفيفة؟))
أجابته وهي تحيط المنشفة بها
((أريد عصيرا مثلجا وحسب))
طلب مُصعب عصيرا لكليهما وقال لها مقترحا
((أفكر غدا في الصباح أن أستأجر دراجة مائية ونقودها في البحر الواسع، لقد اكتفينا من تجريب دراجتي النارية في مزارعنا))
كانت تريد أن تصرخ بحماس لاقتراحه إلا أنها شعرت بشيء يتقلب في معدتها فرفعت يدها تغطي فاهها فسألها مُصعب بقلق
((هل أنتِ بخير؟))
قالت له بقليل من الإعياء
((لا أدري سبب هذا الدوار المريع الذي يجتاحني أحيانا منذ أن وصلنا إلى هنا، هل هو دوار البحر أو ما شابه؟ لكنه غريب فأنا أشعر به حتى عندما أكون في شُرفتي وأناظر البحر))
قال مُصعب بنبرةٍ بدت رغم خشونتها.. مرتجفة بعض الشيء
((نورين اصعدي قليلا فوق وسألحقك بعد قليل))
عبست ملامحها متذمرة
((لكن ليس لدي أدنى رغبة في ترك الشاليه، فأنا أحظى هنا بوقت سعيد معك))
أخبرها بجدية تعتريه وهو يهم بالمغادرة متعجلا
((سأذهب لشراء أي شيء يخص فحص الحمل وأعود يا نورين لجناحنا في الفندق))
.
.
بعد وقت..
خرجت نورين وقالت بهدوء
((أنا حامل بالفعل))
تجمدت أطرافه عند الباب والتفت كالمنحوتة الحجرية يطالعها.. ثم تقدم نحوها مشدوهًا مما سمعه وتساءل
((إذن كنت محقا بتخميني قبل قليل؟))
طاقة هادرة من السعادة اندفعت في جسده كالدماء ليفقد زمام سيطرته على نفسه ويخطف مرفقها بقبضته لتتأوه..
انفرجت ملامحه عن ضحكةٍ صغيرة ثم انتفض مكانه يحملها بين ذراعيه غير آبه لشهقتها وبدأ يدور بها الغرفة بكل أرجائها.. بدا كأن قلبه يدور معه ويضحك له وعليه قبل أن تصرخ من بين ضحكاتها المنطلقة
((توقف يا مُصعب، أنزلني أرجوك أنزلني، الدوار الذي يجتاحني بدأ يتصاعد وقد..))
توقف مُصعب على الفور وانتابه القلق قائلًا
((لا أرجوكِ ليس هنا، سأذهب بك للمرحاض))
((لا بأس أنا بخير، أنا بخير، أوصلني للأريكة فقط))
استجاب لها وأراحها فوق الأريكة وبدأ يغرق بشرتها بقبلاته الكثيرة.. تساءلت حالمة
((ماذا تتوقع أن يكون جنس الجنين؟ الذي فقدناه مرة كان ذكًرا))
أجابها بعاطفة صادقة عقب أن لثم جبينها
((ما يهم هو أن يأتينا بكامل صحته وعافيته.. لا تصدقين مقدار سعادتي رغم رغبتي الحقيقية في أن نعيش بلا مسؤوليات أو أطفال لمدة أطول))
شهقت فجأة واتسعت عيناها كمن تذكر شيئا ثم قالت برجاء رقيق
((لكن لا تخبر عائلتك عن حملي الآن لأنهم لو عرفوا سيصرون عليك أن نعود حالا وأنا لا أريد أبدًا أن نقطع هذه الإجازة لأي سبب))
تشدق مصعب بما يشبه الدعابة
((ولكن بقي لنا يومين هنا))
ناغشته ردًا وهي ترفع يدها كي تلامس ذقنه
((لا أريد أن نفوت أي يوم من إجازتنا))
قهقه بانطلاق وقال وهو يقرص جنتيها
((حسنا لا بأس، ولكن عليك أن تكوني أكثر حذرًا يا نورين وألا تكوني بمثل تهورك في فترة حملك السابقة))
=============================
في غرفة المعيشة..
كان الحاج جالسا بين أحفاده اللاهين بلعبهم من حوله مشغول البال لا يعرف بأي مشاكل أبنائه عليه التفكير..
لكن أكثر من كان يشغله هو مُؤيد ومصيبة زوجته!
لا يصدق أن ابنه الأرعن طلق زوجته..
لقد أخطأ في السنوات الأخيرة بالتجاوز عن تفكير مُؤيد صعب المراس وتصرفاته الهوجاء ليصل به أن يدمر عائلته بسبب تفكيره الذكوري المتزمت!
عليه أن يجبره على إعادة زوجته بل والاعتذار لها ثم التعهد على عدم نطق كلمة "الطلاق" مجددا على سبب تافه كالسبب الذي طلقها من أجله..
تيقظ يعقوب من دوامات تفكيره على صوت باسم البريء وهو يشد ثوبه هادرا
((جدي يزيد يبكي منذ ساعات لأن أمي غادرت ولم تعد بعد))
تطلع يعقوب لحفيده بتجهم ثم غمغم
((عجيب أمره، إذا كنتما الاثنين لم تحزنا على مغادرة أمكما!))
ابتسم فهد وقال باعتزاز وفخر طفولي
((أنا وفهد معتادان على ذهاب أمي لعائلتها كل فترة لأيام وعودتها لنا محملة بالألعاب والهدايا والحلوى والشكولاتة، أما يزيد فهو حزين لابتعادها لأنها هي من كانت تقوم بإرساله إلى أمه.. آه))
بتر فهد كلامه متأوهًا بألم عندما لكزت دارين كتفه موبخه بصوتٍ خافت
((اسكت يا فهد الأحمق))
أنّبها جدها هادرا باستخفاف
((هل تظنين يا دارين أني غافل عن لقائه خفية بأمه؟))
طفح الندم على وجه دارين وتمتمت بحنق وهي تشير بيدها ليزيد الجالس وحيدا بالزاوية
((هل كانت هناك أي طريقة لإيقاف بكائه غير هذه يا جدي؟))
نست زاهية مصيبة ابنها مُؤيد وطالعت حفيدها الذي لم ينضب دمعه لتتوجه نحوه هاتفة بألم بالغ
((توقف يا حفيدي الغالي عن البكاء))
مدت زاهية يديها المرتجفتين وأخذت تمسح دموع يزيد المنهمرة من فيض اشتياقه لوالديه ثم عانقته تطبطب فوق ظهره قبل أن تمسكه من ساعده وتحثه على الجلوس معهم..
استجاب يزيد لها وسار خلفها فهدرت دارين لجدها
((كان يزيد يقول لي من بين بكائه المستمر أنه لا يفهم لما تكرهانه حتى الآن!))
اخترقت هذه الجملة زاهية فسألت يزيد بصدمة ممزوجة بالألم
((ألا زالت تلك الأفكار تقبع في داخلك! أنا وجدك لا نحب أحدا مثلك، إيَّاك! إيَّاك أن تظن العكس))
غمغم يزيد بوجهه المحتقن بالدموع
((لكن كنتما ترفضان أن أمضي وقتي مع أبي والآن ترفضان أن أرى أمي أيضًا.. أنا أشتاق لهما، لا أفهم ما الخطأ الذي قمت به لأحرم منهما!))
ثم تطلع يزيد ليعقوب مستنجدًا وعيناه تغيمان ببراءته الفطرية
((جدي أرجوك! سأظل أناديك بجدي لكن أرجوك اسمح لي برؤيتهما من وقت لآخر))
ارتجفت أنفاس يزيد ترقبًا بأفكاره التي لا تنتهي برأسه الصغير لرد جده الذي تأثر بكلامه فاحتضنته جدته نحو صدرها لتشعر بدقات قلبه السَّريعة.. ثم مدت يدها الأخرى إلى ذراع زوجها كأنها ترجوه بلا كلام أن يستجيب لرغبة حفيدهما..
ابتلع يعقوب غصة مبعدا ذراع زوجته ليرد بنبرة خافتة تخفي كل ما يشعر به من احتراق
((اذهبي يا دارين لعمك مَازن الآن واطلبي منه أن يتصل بمَالك ليحضر الآن للمنزل))
.
.
لم تكن قد مرت ثلث ساعة وقد طرق أحدهم مجلس الرجال الذي جلس فيه الحاج يعقوب.. سمح يعقوب للطارق بالدخول فدلف مَالك منه يتمتم بوهن
((السلام عليكم يا أبي، مَازن قال لي أنك طلبت مني أن أعود للبيت))
رفع يعقوب وجهه لابنه الذي أوصد الباب خلفه ووقف أمامه بكل هيأته الرجولية.. كانت ذقنه غير حليقه مما أعطاه مظهرا برّيا.. وجهه أكثر نحولا وشحوبًا يبدو عليه الإرهاق وقد أحاطت هالات سوداء عينيه..
رقَّ يعقوب قلبه له للحظة إلا أن عينيه أبت الاعتراف وهي تسدل ستارها على تلك المشاعر القوية التي ظهرت رغما عنه في لحظه خاطفة بينما يشير له بصمت أن يجلس بجانبه.. ثم نظر له بملامح جامدة قائلًا
((اليوم جاءني جارنا أبا أحمد واثنين من الجيران يطلبون مني أن أصفح عنك لزواجك من غير علمي))
اتسعت عينا مَالك وأخذت الدهشة منه كل مأخذ متسائلا
((ولكن.. كيف عرفوا؟))
أجابه أباه بنفس ملامحه الثابتة
((أخبرني أبا أحمد بأن ابنه يُدرس يزيد وبمجرد أن قرأ اسمه كاملا من أول مرة حتى عرف ذلك))
اضطربت حدقتي مَالك وهو يقول بشرود مرتبك
((نعم أحمد يعرف ذلك، وتحدث معي عن الأمر بصدمة، فاعترفت له أني والد يزيد وتوسلت له ألا يخبر أحدًا لأن لا أحد من أفراد عائلتي لديه علم))
أظلمت عينا يعقوب وهو يقول باستدراك غاضب
((هذا يعني أن جميع أساتذة قريتنا الذين سبقوا ودرسوا يزيد على علم بهذه الحقيقة وجميعهم أخبروا أقاربهم وعائلاتهم.. بل وقيل لي بأن والدة سمية أخبرت بعضًا من جاراتها أن زوج سمية الثاني الذي تزوجته خارج القرية وسافرت عنده ما هو إلا مَالك الكانز.. لكنهم كانوا يخشون ذكر هذا الأمر فيما بينهم حتى لا ينتشر ويصل لي الخبر، وأعرف بأن ابني يستغفلني ويقلل من قيمتي أمام الناس ويكسر هامتي!))
رد مَالك بسرعة نافيا والذنب يتجلى على وجهه المنهك
((أبي حاشا أن تُكسر هامتك..))
نظر يعقوب صوب عيني ابنه بكل ما يحمله من قوة ثم انطلق لسانه يصفعه بالحقيقة مقاطعًا إيّاه
((لقد كُسرت وانتهى الأمر.. هل تعرف كيف كان منظري أمام ثلاث من وجهاء القرية وهم يخبرونني أنهم لاحظوا إقصائي لك من القصر وجميع المناسبات التي تحدث هنا وبالتالي فقد أدركوا بأني عرفت حقيقة زواجك! طلبوا مني أن أسامحك وأتقبلك أنتَ وزوجتك ويزيد، فأنتَ لم تخفِ الحقيقة عني إلا خوفًا من رفضي زواجك من بستانية تعمل عندنا.. إنهم يعتقدون أني رجل متكبر أرفض أن أزوج أولادي لنساء من عائلات أقل منَا))
صمت يعقوب قليلا قبل أن يسترسل بقسوة
((تبا لك يا مَالك.. تبا لك يا مَالك.. أنا من أسمع مثل هذا النوع من الحديث في كبَري هذا! سامحك الله وهداك.. سامحك الله وهداك.. لن أدعو عليك أكثر من ذلك.. لو أخبرتموني عن زواجكما الأول منذ البداية لأعلنته وباركته لكما، ولم أكن لأقصر تجاهكما بشيء.. لكن أن تخفوه طوال هذه السنوات هو أفظع من أن أستطيع تقبله!))
همس مَالك بيأس
((أبي أرجوك سامحني، أنا أعتذر لك عن كل الحماقات التي بدرت مني وقبلها أعتذر ليزيد لأني أدركت أنه هو أكبر من أذنبت بحقه فعلًا، لو عاد بي الزمن لم أكن سأخفي حقيقته عنكم.. كنت سأكافح حتى لا يتم انتزاعه عن سمية لكن بنفس الوقت لم أكن سأقبل أن أخفيه وأحرمه من التمتع باسم عائلته علنًا))
ردد يعقوب بازدراء
((في السابق أخبرتني بكل فجاجة أنك لست نادمًا ولو عاد بك الزمن لما كنت ستغير شيئا فعلته))
ذرفت عينا مَالك دموعًا حارقة وأحنى رأسه بخزيٍ ضارعًا
((لقد كنت مخطئا تماما يا أبي))
في هذه الأثناء ُطُرق الباب ثم فتح قبل أن ينتظر الطارق الإذن بالدخول ليتضح أنها زاهية التي تقدمت للداخل تجلس بجانب زوجها الذي قال بهدوء
((حسنا، ندمك جيد ويخفف من سخطي عليك، فحب الآباء للأبناء حب غريزي عظيم لا يضاهيه حب، لأنّه قائم على الرعاية والاهتمام والإيثار.. الأب والأُم لا يترددان لحظة في افتداء أبنائهم بأنفسهم وأرواحهم.. لكن ما فعلته يا مَالك هو شيء ينافي كل مفاهيم الأبوة.. أنتَ كنت أكثر من ظلم وأضرَّ ابنك وأنت تجعله يعيش بهذا الشكل، لكن بعد كل شيء ندمك هذا ليس كافيًا لمسامحتك رغم أني مضطر الآن أن آمرك أن تتزوج من سمية وتجلبها إلى هنا اليوم قبل الغد))
عقب مَالك بلهفة بائسة
((ماذا تقصد يا أبي؟))
أجابه يعقوب بامتعاض ظاهري لا يخلو من الرزانة
((الجيران والوجهاء يعتقدون أنك لا زلت متزوجا سمية ولم تطلقها بعد وتنتظر رضاي عنك حتى تعلن الزواج، وأنا لم أصحح ظنهم الخاطئ، خشية لو عرفوا بأمر الطلاق أن يسيئوا الظن..))
اتسعت عينا مَالك وفغر فمه بينما يسمع أمه تقول بصوتٍ فاتر أجوف
((إيّاك أن تظن يا مَالك أننا راضيان عنك أو عن تلك البستانية لكن كله يهون لأجل يزيد.. لا أريد أن يشك أحد لا سمح الله أنه جاء بالحرام والعياذ بالله أو حتى بزواج عرفي.. بل جاء من زواج صحيح شرعا وقانونا وبعلم عائلة سمية))
زمّ مَالك شفتيه المرتجفين وهو يناظر أمه ويمعن النظر في وجهها المحبب لقلبه لأول مرة منذ وقت طويل فتترقق ملامحه وتوهن.. على الأقل سمية كان يراها بين الحين والآخر أمّا أمه فلم تكن تخرج من البيت ليتاح له رؤيتها..
انتبهت زاهية التي أصرت منذ دخولها إلى هنا أن تضع قناع القسوة إلى تحديقه بها بألم واعتذار لتفاجأ بعينيه تدمعان.. فذهلت ملامحها وهي ترى ابنها يجثو أرضا أمامها ويمسك كفيها.. سائلًا بيأس
((أمي أرجوكِ سامحيني، لن أتحمل غضبك أكثر من ذلك.. لم أصدق كيف مرت تلك المدة عليّ بدون ردك على اتصالاتي أو الاطمئنان عليّ.. أمي أنا لست معتادا على قسوتك أبدًا عليّ.. أرجوك سامحيني وارضي عني))
كانت هي المرة الأولى التي تراه في تلك الحالة المزرية... بكاؤه انتزع روحها من جسدها وطعنها في صميمها.. كلماته المرتجفة وأنفاسه التي زرعت البرد في عظامها أفزعت قلبها.. فلم تقدر أن تداري تأثرها واحتوته بين أحضانها بلا مقدماتٍ ومسدت على رأسه بحب جارف قبل أن تريح أصابعها فوق ظهره.. تهمس بصوتٍ مرتعش حنون أضعف من أن يقسو
((ليرضى الله عليك أنتَ وكل إخوتك))
عند هذه الكلمات اعتصر جسدها ودسّ وجهه بين ضلوعها.. وتساقط دمعه الحارق على ثوبها..
رفع رأسه من بين أحضانها ومازال جسده يلتمس منها الرضا
((أنا أحبك يا أمي فليحفظك الله لنا جميعا أنتِ وأبي))
ابتسمت زاهية له تزامنا مع دخول يزيد المجلس والذي ما إن لمح مَالك حتى هرع إليه راكضا بهتاف لهف مشتاق
((أبـــــي أنتَ هنا))
اندفع يزيد نحو أحضان مَالك الذي فتح له كلتا ذراعيه ليعانقه بحرارة وقوة عاطفته الأبوية بينما يسمعه يقول من بين بكائه
((أبي لقد اشتقت لك ولأمي))
شددّ مَالك من ضم يزيد وبكل قوته حتى آنّ طفله من الضغط على عظامه.. لكن كان قد اشتاق هو الآخر له كثيرًا.. لم يغب عنه يومًا بمثل هذه المدة.. شهقة مختنقة صدرت منه فابتعد عن يزيد.. مسح دموعه عنه بينما فَرَدَ صغيره كفه الغضة على وجهه بحزن وقال بابتسامة تضج ألم
((اشتقت لك أكثر))
بالكاد منعت زاهية دموعها من الانزلاق على وجنتيها وهي تقول بشرود
((انكشاف الحقيقة هي ما جعلتنا نفهم سبب معاملتك ليزيد أفضل من أولاد مُؤيد.. كم كان مؤلمًا عليك أن تعاني من أجل تمضية الوقت معه وإشباع أبوتك!))
أجلس مَالك يزيد على حجره ورفع وجهه لأمه يعقب بصوتٍ أجش
((كنت أكره أن أتعامل بحنية مع أي طفل لأني كنت أرى أن فاقد الشيء لا يعطيه.. وإذا كنت أحرمُ ابني من حناني ورعايتي وعزوة عائلته فلا يحق لي أن أعطيها لغيره))
غمغمت زاهية بحزن
((سامحك الله يا مَالك لو أنك لم تخفي الحقيقة لما كنت ستتسبب بألم لأحد))
ثم ناظرت يزيد تتساءل بعتاب رقيق
((هل قلّ كرهك يا يزيد لي أنا وجدك؟))
رد يزيد بتسامح وبراءة
((أنا لا أكرهك، أحيانًا تكونين قاسية لكنك تظلين والدة أبي))
نظرة تأثر عاطفي تجلّت في عيني زاهية وهي ترد بحنو
((حفيدي، يزيد أنتَ حفيدي الغالي))
فجأة أبعد مَالك يزيد عنه وانتفض واقفا يقول وقلبه يتراقص كقلبِ صبيٍ حديث في الحب
((أبي قبل أن يتأخر الوقت، سأذهب لأجر سمية الآن للمحكمة لنعقد القران.. سيذهب معي مَازن كشاهد.. ممممم ومن أيضًا سأصحب معي فباقي إخوتي ليسوا هنا.. حسنا إذن سأتحدث مع صديقي))
كان منظر مَالك مضحكا وهو يحدث نفسه قبل أن يغادر المجلس بينما طالع يعقوب زوجته قائلا بازدراء وسخط
((هذه هي أُبوة ابنك يا زاهية! لم يجلس مع ابنه إلا دقيقتين وسارع كالخروف يركض نحو نعجته))
=============================
منزل عائلة رتيل..
أطلقت رتيل الجالسة في غرفتها زفيرا بائسا.. لطالما ظنت أن علاقتها بغنوة هي علاقة مغلفة بقضاء أوقات ممتعة ولم تتصور أنها ستكون أول من يضرها بهذا الشكل بعد أن جمعتهما الثقة والاحترام.. تلك الكلمات التي قالتها غنوة لمُؤيد عن عشيقها المزعوم كانت كأحجار تلقيها على رأسها..
هل يمكن أن يقذف أحد آخر بشرفه وعرضه باطلا فقط لأجل حفنة من النقود؟
لقد أخطأت بكل ما كانت تفعله.. خطأها كان من العيار الثقيل! إذ منحت غنوة الأمان وأطلعتها على أسرارها حتى الزوجية منها دون الانتباه الى أنها حولتها إلى أداة لتهدم بها بيتها.. والآن خسرت كل شيء.. زوجها.. أولادها.. حياتها..
أغمضت عينيها وألم مبرح يداهمها.. لقد اشتاقت حقا لأولادها المساكين ولم تراهما منذ مدة طويلة.. ماذا يا ترى يفعلان الآن من دونها؟
تمنت لو أنها تنام لأعوام وحين تستيقظ يكون الألم الذي يعتصرها قد زال والمصيبة التي تحيطها قد تلاشت كأنها لم تكن..
في هذه اللحظة داهمتها طرقات عنيفة على ظهر بابها بينما أخوها يصرخ
((افتحي يا رتيل الباب، افتحيه الآن قبل أن أقتلك))
هتفت به رتيل بعصبية ورفض
((لماذا تصرخ؟ أنا لم أكن لأفتح الباب لك بالوضع الطبيعي فكيف تريدني أن أفتحه وأنت تصرخ بهذا الشكل العدواني!))
صدح صوت أخيها الآخر يقول بغضب مستعر وتهور
((لقد عرفنا أيتها الحقيرة لماذا أنتِ هنا.. لقد طلقك زوجك))
لطمت والدة رتيل على صدرها وهي تولول
((والله كنت أعرف أن بقاءها هنا منذ أيام طويلة ليس زيارة كما قالت فزوجها لا يحبها أن تخرج من البيت، كما أنها لو كانت زيارة لماذا تختبئ منذ وقت طويل في غرفتها ولا تخرج!))
صرخ الأخ الثاني في رتيل وهو يضرب الباب بعنف أشدّ
((افتحي الباب هيا يا رتيل لأشرب من دمك))
شحب وجه رتيل وانهار جسدها ارتجافًا وهي تسمع صوت تهديدات من كل من أخويها.. لا بد أنهما عرفا عن التهمة التي رمي بها شرفها زورا وبهتانا! فكيف سيصل لهما خبر طلاقها دون قصة عشيقها المزعوم! حانت نهايتها وها هي تعيش آخر لحظات حياتها!
قاطعت أمها ولولتها وهي تهتف لابنها متسائلة
((ماذا فعلت ابنتي لتستحق الطلاق؟ ماذا فعلت؟))
أجاب الأخ الأول بغضب
((لا ندري يا أمي، سألنا مؤيد عن السبب الذي أخبرتنا رتيل به عن طلاقها لكن عندما عرف أن لا علم لدينا بشيء طلب رؤيتنا للتحدث معنا))
هدأ شيء من روع رتيل المذعور وقلَّ ارتجافها! إذن مُؤيد لم يخبرهما بعد بما يظنه عنها..
سارعت الأم تقول بلهفتها وحرقتها
((هيا اذهبا الآن له وحاولا إقناعه أن يردها مهما كان السبب وأنا من سأربي أختكما وأستدرجها أن تقول حقيقة الطلاق..))
بترت الأم كلماتها وهي تستدرك بحيرة من الجلبة التي تصدر من داخل الغرفة
((ما هذا الصوت؟ ماذا تحركين يا رتيل في الداخل؟))
رغم ارتجاف أوصال رتيل إلا أنها أجابت
((أحرك الخزانة لأضعها خلف الباب.. عندي حمام مرافق لهذه الغرفة وطعام يكفيني لوقت جيد، فلا يحلم أحد أن افتح هذا الباب.. سأكافح لإنقاذ حياتي لآخر لحظة ممكنة))
بدأت رتيل تلهث وهي تبذل كل قوتها في تحريك الخزانة أما أمها قالت بعذاب وحسرة
((هيا قولي يا رتيل ماذا فعلتي ليطلقك زوجك؟ قولي))
لم تجبها رتيل وكل تركيزها منحصر في وضع الخزانة ومن ثم منضدة زينتها خلف الباب.. وبمجرد أن انتهت حتى وقفت مكانها تنهت بجنون وتمسح العرق المتفصد على جبينها..
هذه الحركة ستؤخر إخوتها لعدة ساعات قبل أن تلاقي حتفها على أيديهم.. فلا بد أن زوجها مُؤيد الحقير لن يوفر شيء عنها بالإضافة لتلك الأكاذيب التي قالتها غنوة ودموع له! ولكن هل حقا ستظل هنا تنتظر مصيرها الوشيك المظلم أم عليها أن تفعل شيئا آخر؟ الهرب ربما؟
هزت رتيل رأسها نافية..
لا، الهرب لا..
أن تموت على يدي أخويها هنا بسلام أفضل مئة مرة من هروبها وانتشار الفضيحة والأقاويل عنها والتي ستوثر مباشرة على ولديها!
عليها أن تدعهما يقتلاها بهدوء فلو انتشر الخبر أول ما سيقال لطفليها هو أن خالهما غسل عار أمهما!
أغمضت عينيها وازدادت الرجفة التي تهاجم جسدها..
رباه كم هي خائفة من مصيرها الذي ستلقاه بعد أن يعودا الاثنين من عند مُؤيد..
لكن فجأة لمعت القسوة في عينيها وأحضرت كرسيا وتضعه تحت النافذة.. استقرت قدماها فوقه وأخرجت رأسها من النافذة وبمجرد أن لمحت أول صبي تعرفه يمر بالطريق حتى هتفت باسمه ليأتيها مسرعًا بتساؤل
((نعم يا خالة رتيل؟ ماذا هناك؟))
قالت رتيل بلهفة وهي تفتح هاتفها
((أعطيني الآن حسابك على الفيس بوك، هيا أعطيه لي))
رغم تعجب الصبي إلا أنه أعطاها ما تريده بينما تتابع
((الآن أريد منك أن تطبع هذه الرسائل التي أرسلتها لك كاملة ثم تذهب لبيت عائلة زوجي في القرية المجاورة، وتبحث عن الحاج يعقوب الكانز وتعطي ما طبعته له وتخبره أن هذه هي فضائح ابنه، أريد منك أن تتأكد أنك ستسلمها له، عليه أن يعرف حقيقة ابنه الوضيع))
أخرجت رتيل من محفظتها مبلغا سخيا لا يحلم به صبي بعمره وقدمته له متسائلة
((هل يمكنني أن أثق بك؟))
تناول الصبي النقود من رتيل وخبأهم في جيبه ثم هز رأسه بجدية وحزم قائلا
((صدقيني لن تندمي أبدًا على اختياري لهذه المهمة يا خالة رتيل))
غادر الصبي وعقدت رتيل حاجبيها بغير ندم.. النذل مُؤيد لن يدور في باله أن تفضحه لو عرف.. لكن بما أنها خسرت كل شيء فلتمشي على سياسة "عليّ وعلى أعدائي"..
=============================
خرج وليد من المحكمة بعد أن ثبت طلاقه لشيرين.. على الدعوة أن تصل لها وتعرف أنه جاد بتهديده.. على عدتها أن تمر دون أن يردها وهي من عليها أن تتوسل له العودة..
استقل وليد سيارته وفتح هاتفه يناظر صورة زفافه مع شيرين المفضلة له والتي دائما ما تنجح في التغلغل إلى قلبه وتترك ديمومة في ذاكرته..
أمعن النظر في وجهها.. عينيها.. الأهداب الطويلة شديدة السواد.. لعيني شيرين الكحيلة لغة خاصة لا يفهمها إلا رجل عاشق لها.. وهي تعرف ذلك جيدا بل تزهو به وتفتخر بذلك فلا تدخر جهدا في تكحيل عينيها وإطالة أهدابها..
قاطع جلسة تأمله اتصال صاحبته كانت جُمان..
رد عليها فجاءه ردها اللهف بالعتاب على تجاهل مكالمتها فأطلق تنهيدة طويلة ضجرة قبل أن يقول
((قريبا سأحظرك يا جُمان، لم تتصلي بي بفترة زواجنا التي امتدت لعشر سنوات بقدر ما اتصلت عليّ مؤخرا من أجل شيرين))
هتفت به جُمان باستنكار متجاهلة سخريته المقيتة
((وليد أنتَ تحتفظ بذلك الفيديو ودليل براءة شيرين، لماذا لا تقدمه للعدالة؟ المرأة ستقضي حياتها لسنوات في السجن إذا لم يتم تبرأتها..))
همهم وليد بلامبالاة قبل أن يرد ببساطة
((لقد كنت في زيارة عندها سلفا وتحدثنا قليلا وبعدها قررت ألا أقدم هذا الدليل أو شهادتي))
استهجنت جُمان ما سمعته لتردد
((ما الذي قد يجبرك ألا تقدم شهادتك؟))
استهزئ وليد هادرا
((خففي من انفعالك يا جُمان فأنا لم أراك بهذا الشكل من قبل، ظننت أنك لن تبالي بمصير المرأة التي جعلت من كان زوجك يتركك لأجلها!))
هتفت به بانفلات أعصاب
((تبا لك ولها أنا لا يهمني شيء إلا أن هناك امرأة تقبع في السجن وأنا شاهدة على براءتها، وأريد منك أن تشهد معي بذاك الفيديو))
همهم وليد مُجددا للحظات طويلة يستمتع باستفزاز جُمان قبل أن يجيبها
((ساومتها على الدفاع عنها وإخراجها مقابل أن تتنازل عن دعوى الخلع ونعود لبعضنا كزوجيين ورفضت، لذا لن أفعل شيئًا يساعدها في الخروج))
هتفت به باستهجان عارم
((إذن هل ستدعها مسجونة لأنها رفضت العودة لك؟))
زفر وليد بضجر قبل أن يقول
((لا تقلقي.. بعد مدة سأعود للبلاد لأنقذها وأخرجها من هنا.. سيكون مدة وجودها هنا كفيلة بترويضها وخضوعها لي آنذاك، طبعا هذا لو بقيت على حبها بعد سنوات!))
شهقت جُمان بعمق صدمة مما يتفوه به
((أنتَ لست وليد الذي أعرفه، لم أكن أتخيل أن هناك شيطان يقبع داخلك))
تمتم وليد ببرود
((لطالما كنت هكذا..))
((ولكن أنا لن أسكت يا وليد، سأخبر عمك كل شيء وسأفضحك بكل مكان، على الجميع معرفة أيَّ شيطان أنت))
رد وليد بتلقائية
((لا أبالي فأنا سأسافر قريبا لفرصة عمل متاحة لي))
شعرت جُمان في هذه اللحظة أن مشاعرها تغلي على مرجل مشتعل.. وبالكاد تحافظ على الباقي من سلامتها العقلية.. فغمغمت
((هل تعرف شيئا يا وليد؟ أنا أعتذر لمغادرتي لك دون ترك كلمات تحرق روحك بشكل كافي، أنا نادمة لأنني غادرتك بِلُطف))
أغلقت جُمان هاتفها فأخرج وليد صوتا هازئًا قبل أن تتلاشى ملامح الاستمتاع من على وجهه وتكتنفه الجدية.. عليه أن يسرع في الرحيل.. عليه أن يتأكد من سلامة حياته قبل أن يعود لشيرين فحتى لو قدم دليل براءتها لن تخرج من هنا بسرعة!
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!