لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل السابع والعشرون
تألقت ابتسامة على وجه سمية الواقفة أمام منضدة الزينة عندما أنهت الزينة الصباحية على وجهها.. رشَّت من ذاك العطر ذي الرائحة المنعشة عليها ثم جلست على طرف السرير تطبطب فوق كتف مالك توقظه..
تململ قليلا مكانه يبدي رفضا لفتح عينيه فتابعت هزه بعتاب رقيق
((استيقظ لعملك، ألم أخبرك بالأمس أنَّ علينا ألا نفرط في السهر؟))
كان مَالك النائم يشعر بيد ناعمة يعرفها تلامس وجهه كأنها فراشة توقظه من النوم.. لكنه لم يستجب فألحت هذه الفراشة تشبث ملامساتها تلك التي تدفعه طوعًا للاسترخاء فرفرف بأهدابه..
تراجع للخلف قائلا لها بخفة ظل وهو يفتح عينيه على وجهها الصبوح ورفقتها الحلوة
((هل كنت تحاولين تقبيلي؟))
صدر صوت ضاحك منها لتنفرج منه ابتسامة وهو يشعر بنوع من التجاوب منها.. مال لها قليلا يسألها هامسا بصوتٍ يقطر عشقا
((هل ترغبين في تقبيلي؟))
شعرت بجفاف حلقها فلم ترد عليه فدفن وجهه بجوف رقبتها هامسا
((رائحتك جميلة))
تزايدت وتيرة خفقاتها وهي ترى نفسها محل إعجابه بل ومرغوبة منه..
كان يغرقها بقبلاته ولمساته عندما قال مرة أخرى بمرح
((والآن؟ هل ترغبين في تقبيلي؟))
كسى الاحمرار وجهها فلم يكن ليحرجها أكثر وهو يقبلها مباشرة برقة.. قبل أن يهدر بإحباط
((رباه ... ما هذا الظلم الذي أعيشه!؟، لم أستطع أخذ إجازة أطول بذريعة المرض لأني لا أستطيع البوح لهم بحقيقة أني عريس حديث العهد بالزواج))
قالت له بابتسامتها المعهودة وهي تسحب صينية وتضعها فوق حجره
((لقد جهزتُ لك الشاي والفطور))
قال ووجهه يتسع بابتسامة وغامت عيناه بمشاعر جياشة
((كم غدوت محظوظا، لم أتخيل يوما أني سأستيقظ على أحد يجلب لي الفطور على فراشي، عليك أن تكوني حذرة من الإسراف في تدليلي كالأيام السابقة فقد أجعلك عبدة لطلباتي))
مالت برأسها تقول بغنج لطيف
((اطلب مني ما تشاء وتريد، ولكن اليوم هو آخر يوم توقع فيه أن نفطر هنا، علينا الانضمام لهم على الفطور حتى لا تنزعج أمك))
تلاشت ابتسامته وعقب وهو يمسك شوكته
((معك حق ففطور العريس على فراشه مع زوجته هو من أكبر أنواع العقوق المنهي عنه))
لاحظت الانزعاج الذي خيّم عليه فسارعت تقول
((لكن لا أحد يهتم بالعشاء يمكنني دائما إعداده لنا لتناوله هنا))
رفع الشوكة ليطعمها أولا ففتحت شفتيها ثم قالت له وهي تلوك اللقمة بفمها
((بما أني اشتقت للبستان أفكر اليوم أن أستأذن من أمك إذا ما كان يمكنني الاهتمام بالزرع في الشرفة الكبيرة))
كان مَالك يطعمها لقمة ثم يأكل هو لقمة فعقب على كلامها بينما يمضغ الطعام
((يمكنك ذلك دون الحاجة لسؤال أحد، لكن كهواية لقتل شوقك عندما تكوني في انتظار عودتي من عملي، فمن اليوم ستبدئين بأخذ مصروفك مني، وإياك أن تفكري بالرفض))
بالتأكيد لم تكن لتتدخل في أي شيء من تفاصيل هذا القصر من الداخل قبل سؤال أمه لكن لم تعقب فمَالك يهتم بشكل مبالغ بتفاصيل لا تخصه..
تنحنحت قبل أن تهز له إحدى كتفيها وتقول بتأكيد
((ولم سأرفض بل أريد مصروفا كافيا يكفيني لأدفع شهريا للضمان الملتزمة به منذ سنوات طويلة، فأنتَ من دفعتني لترك العمل وأنت المجبر الآن بدفعه عني))
تطلع مَالك لها بنظرات متلاعبة وقال
((حسنا سأكمل الدفع عنك وحتى يحين موعد تقاعدك منه سأتقاسم نصف راتبك))
أصدرت ضحكة خافتة ناعمة وقالت بترحيب
((حسنا لا بأس))
ثم تلألأت مقلتيها التي انصهر بها الليل لغزل عينيه فابتسم بخفة وأبعد الصينية ثم رفع إبهامه يداعب شفتها السفلى هامسا بعبث
((أمازحك طبعا))
تورد وجهها من نظرات حبه الجارف وبخجل ابتعدت عنه وقالت وهي تشد يده ليغادر الفراش
((يكفي الآن قم حتى لا تتأخر، يزيد وأبناء أخيك بانتظارك اليوم حتى توصلهم للمدرسة بدلًا من السائق))
استجاب لها على مضض ودخل للحمام..
ساعدته بعد ذلك في ارتداء ملابس عمله.. جلس على سريره ينتعل جوربه بينما يقول بصوتٍ يضج شقاوة
((يبدو أني سأحب فقرة الصباح هذه طالما أجد من توليني كل هذا الاهتمام في ارتداء ملابسي))
زمّت شفتيها تكتم ابتسامتها الخجولة وقالت بصوتٍ أبح
((هل تحتاج أي شيء آخر؟))
أومأ لها نافيا فودعته بابتسامة دغدغت مشاعره
((إياك أن تقود بسرعة وطمئني برسالة عند وصولك))
ثم طبعت قبلة أذابت قلبه على وجنته قبل أن تلوح له..
.
.
بمجرد أن غادر مَالك لعمله حتى توجهت سمية لبيتها الصغير تنقل آخر ما تبقى من أغراض فيه للجناح الذي جهزته الحاجة زاهية لهم وعرضت مدبرة المنزل نعمة عليها مساعدتها..
انهمكت بحمل الأغراض للخارج عندما تفاجأت باقتراب رجل ما يقول بصوتٍ مشحون بالغضب والغل
((لقد عرف كل من في القرية زوجة من أصبحتِ يا سمية، بل زوجة من كنت طوال السنوات الماضية))
اعترت الصدمة سمية هي ونعمة واستدارت له هادرة بذهول
((كامل! ما الذي تفعله هنا عند بيتي القديم!؟))
ثم حانت من سمية نظرة إلى زوجته التي كانت تأخذ زاوية وتشاهدهم..
حدج كامل سمية بنظراته ثم قال بوقاحة فجّة
((لقد تساءلت أنا وزوجتي عن السبب الذي جعلك ترفضين عرضي السَّخي في الزواج منك مُجددا فوضعك لا يصلح حتى أن تتمنعي ولو تمنعا وهميا، لكن اتضحت الصورة بعد أن عرفنا جميعا أن ابن الحاج يعقوب كان متزوجا منك والطفل طفله، لولا أن الميت لا يجوز عليه إلا الرحمة وإلا تحدثت أكثر عن مكر أمك في ربطك به وجعله يتزوج منكِ، الآن فهمت لم تجاوزت طلاقك مني بسهولة ولم تنتظري مني شيئا))
حافظت سمية على صلابتها النارية وهي ترد بصرامة
((في كل الأحوال كنت سأتجاوزك، سواء تزوجت من غيرك أم لا، فلم قد أتذكر شخصا مثلك؟ بل ماذا قد أنتظر منك؟ أن تعيدني على ذمتك؟ أن تعتذر لي عما فعلته؟ أن تعترف لي بخطئك في حقي أو حتى محاولتك تصحيحه؟ محال..))
نعم، محال أن تنتظر يوما اعتذارا منه عن ذبحها، فهو لن يكون القادر على مداواة جروحها بل هي المخولة الوحيدة لتساعد نفسها في التعافي منه.. فاكتسبت نبرتها صلابة وأردفت
((غادر وإيَّاك أن تقف أمامي فأنت تعرف بالفعل أني متزوجة))
مالت زاوية فم كامل بشبح ابتسامة حقودة ليستدير على عقبيه مغادرًا قبل أن يراه أحدا واقفا هنا ويلاقي ما لا يعجبه.. التفتت نعمة لسمية تقول بهدوء
((في عينيه رأيت الاعتذار، لا بد أنه كان لديه رغبة قوية لإعادتك حتى يرتاح من أرملة أخيه وتسلطها يومين أو ثلاثة في الأسبوع))
ظل نظر سمية موجهًا لزوجة كامل الواقفة في مكانها ثم قالت لنعمة بصوتٍ فيه بحة
((لم أكن لأقلل من نفسي وأعود له مهما حدث))
قالت نعمة وهي تنتبه إلى أين تسدد نظراتها
((زوجة كامل ما زالت واقفة هناك، اذهبي لها واعرفي ماذا تريد منك ثم اطلبي منها ألا تأتي هنا مجددًا حتى لا تسبب لك مشاكل مع السيد مَالك))
استجابت سمية لكلام نعمة ومضت قُدما إلى حيث تقف زوجة كامل وتساءلت بجفاء
((أريد أن أعرف ظهورك أنتِ وزوجك أمامي مؤخرا بين الحين والآخر؟))
تبدلت أنفاس زوجة كامل لتدمدم باضطراب مكتوم
((كنت أريد التأكد من أنك لن تعودي لكامل، لكن ها قد عرفنا جميعا أنك بالفعل متزوجة من ابن الحاج يعقوب الكانز.. في الأساس تزوجتِ يا سمية أو لا، لم أكن لأسمح لكامل بالعودة لك، ألا يكفي تقصيره المادي تجاه أولاده مني ومن أخيه الراحل! ألا يكفي سوء خُلقه الذي أضحى عليه! ثم يريدني أن أسمح له بالزواج الآن فقط لأني أبديت بعض التعب من العمل لساعات طويلة في مزرعتهم المستأجرة!))
لم تتفاجأ سمية مِمَّا تسمعه منها فهي كانت تعرف أن كامل ما كان ليفكر بها إلا لأنه كان بحاجة لامرأة تعمل في مزرعتهم بدون أجر ولا يكلفه زواجه منها أي فلس إضافي.. فقالت
((إذن أنتِ سعيدة بزواجي من ابن الحاج يعقوب، هكذا أطمئن قلبك بأني لن أعود له ولن أكون تهديد عليك))
تكَّدرت ملامح زوجة كامل لتقول بصوتٍ مثقل بالغل والحقد
((بل سأسعد فقط عندما أراه يتركك ويطلقك فامرأة قبيحة مثلك لا تستحق إلا التعاسة))
اقشعر بدن سمية مِمَّا ترميه من كلمات مسمومة عليها لترد بوجه باهت
((ما هذا الحقد الطافح على وجهك تجاهي؟ تتحدثين كأني ظلمتك ولست أنتِ من سرقتي من كان زوجي! لقد كنت في الماضي دائما أحثُ نفسي على تقبل قرب كامل من أولادك وبقائه في بيت والدته معكم حتى لا أكون أنا والزمن ضد أرملة تعيل أولادها، وكنت أجبر نفسي على العمل وحيدة في الحقل والمزرعة دون أن أطلب مساعدتك! كنت دائما أقول حتى لو أراد كامل الزواج منك فلن تقبلي أنتِ الغدر بي.. لكن على كل حال أنا اعتبرت نفسي أني من ترملت في ذاك اليوم ونسيتكم))
شعرت زوجة كامل بكلمات سمية كصفعة على وجهها ولكنها تجاهلتها بعزيمة لترد
((هو من طلبني وأنا لم أسرقه ولم أغدر بك، نحن تزوجنا فقط من أجل الأولاد، وهل كنت تريدين منه أن يلقي بأبناء أخيه المرحوم؟))
ردّت سمية عليها بحزم
((ألم يكن ليقدر على الاهتمام بهم بدون الزواج من أمهم؟ وإذا كان يبيت النّية في الزواج منك فلماذا لم يخبرني بها قبل أن يجعلني أنتظره سنوات طويلة حتى يكون نفسه ويتزوجني؟ ثم هل من المنطقي أن يساعدك في تربية أولاد زوجك الراحل والإنفاق عليهم ويتركني لسنتين يرفض علاجي في تأخر الحمل؟))
أخذت سمية نفسًا عميقًا لتعي أن كل هذا النقاش لا جدوى منه وفتح الماضي الذي جاهدت نفسها على نسيانه لن يفيدها بشيء فقالت لها بهدوء
((غادري من هنا، ولا تفكري أنتِ وزوجك بالظهور أمامي، لأنه لو عرف مَالك فلن أضمن لك ردة فعله!))
غزت أشواك الحسد والغيرة أعماق زوجة كامل وهي لا تصدق كيف أن سمية الضعيفة الواهنة التي لم تمتلك سندا في يوم من الأيام تقف أمامها بكل هذه الصلابة بل وتهددها وتتحامي بابن الحاج يعقوب! فوجدت نفسها قبل أن تغادر ترميها بزمجرة حاقدة تحمل كل ما يقبع في داخلها من غل أسود
((سأدعو الله ليل نهار أن يحرمك من ضنا ثان مع ابن الكانز حتى تكون حياتك كالجحيم معه ويرميك كالكلاب))
انحسر الدم من وجه سمية لهذه الدعوة التي رمتها بها قبل مغادرتها وارتجفت شفتاها لكنها زمتهما بقوة كي تربط جأشها ولا تتأثر..
ثم دلفت لداخل منزلها تتابع إخراج أغراضها مع نعمة قبل أن تفاجأ برسالة تصل لهاتفها فتنهدت بإنهاك وهي تجلس فوق إحدى الحقائب وفتحت الرسالة لتبدأ بقراتها بدهشة
" مرحبا يا سمية أنا رتيل.. لقد عرفت بزواجك ولكن لم تأتيني الفرصة لتهنئتك، مُقدما أريد أن أنصحك مع بداية زواجك من مَالك أن تتركي كل فلسفاتك القديمة التي يتطلّب استيعابها الكثير من الجدل والاستقصاء والاستقراء، وتعيشي حياة بسيطة، بعيدا عن هذا الوهم، يكفي ظلما لنفسك، ورغبتك في عدم الحب والاهتمام ليست مشروعة أبدا، أبعدي المنظار الذي تمسكينه عن وجهك فأنتِ ترين بسببه كل هذا الوهم، ولا داعي أن تخشي مصيرك معه بسبب التجارب السابقة حتى لا تظلميه.. نفس الأسباب لا تؤدّي دائما إلى نفس النتائج، فحياتك ليست مسألة رياضية ليحكمها هذا المنطق"
ابتسمت سمية وهي تنهي قراءة الرسالة.. وشعرت أنها تمدها بمزيد من التفاؤل والطاقة في زواجها من مَالك.. فعلى الرغم من أنه يخيفها أحيانا التفكير أن عشقه المتهور لها سينطفأ أو أنه قد يجد فتاة أكثر حيوية وانطلاقا فتثير إعجابه وفي النهاية يخون عهدها لتتحطم هي.. إلا أنها سبق لها وأن اختبرت مرحلة التوقعات اللاواقعية خلال زواجها السابق، واختبرت الحياة الزوجية الفعلية ومتطلباتها الكثيرة، كل ما عليها فقط هو أن تتخلص من رواسب الماضي التي لن تجني من ذكراه شيئا، غير أنّه يُنغّص ويُكدّر عليها صفو حياتها.. وتتمتع بهذا الحاضر الجميل وقد أنعم اللّه عليها بزوج مثل مَالك وطفل كيزيد..
رفعت حاجبيها عندما صدح صوت هاتفها مجددا ففتحت الرسالة الأخرى التي وصلتها وتكمل فيها رتيل
"والآن بعد أن قلت كل ما عندي لك أريد التحدث معك عن ولديّ الاثنين، فهد وباسم، إنهما الآن في حاجة إليك، مارسي أمومتك وأفيضِ عليهما من حبّك واهتمامك وضميهما لصدرك، امنحيهما الرعاية والاهتمام كيزيد تماما.. سامحيني إذا كنت أخطأت يوما في حقك.. وداعا"
تصاعدت خفقات قلب سمية وهي تشعر بالخوف من وقع هذه الكلمات..
رتيل تكتب وكأنها مريضة تحتضر في أيامها الأخيرة تودع من حولها!
تفاقم خوف سمية من أن يكون للأمر علاقة بوجودها ببيت عائلتها منذ وقت طويل! فسارعت تطلب رقمها وتتصل بها لعدة مرات لكن رقمها لم يكن متاحا..
.
.
وعلى الجهة الأخرى.. عند رتيل.. أغلقت هاتفها وهي تشعر بالراحة تتسلل إليها.. أولادها بإذن الله بأيد أمينة..
تثق بأن سمية ستهتم بهم أكثر من والدهم وجدًّيهم..
فلا أحد أعلم منها بمُؤيد وأخويها.. فلا مُؤيد سيعيدها لذمته ولا أخويها سيسمحان لها بعد الطلاق بأخذ حضانة أولادها!
=============================
ليلا..
فتحت ياسمين جفنيها عندما فُتح باب جناحها فجأة وانتفضت جالسة في مكانها عندما انتبهت لمَازن يدلف للداخل حاملا السلم لتسأله بتلقائية
((ما الذي تفعله؟))
أطفأ مَازن الإنارة ثم صعد السلم ليبدأ بحل المصباح مجيبًا
((سآخذ المصباح الذي أحضرته لك في يوم سابق))
هتفت ياسمين بانفعال
((ولكنك جلبته لي بدلا من أباجوري الذي كسرته!))
ردّ مَازن ببساطة مستفزة
((نعم أنا كسرته يا ياسو وعوضتك عنه والآن سأتراجع عن تعويضي وسأستعيده))
هبط مَازن من السلم ثم تقدم نحو الأباجور الآخر الموضوع في الجهة التي ينام بها عند السرير لتهتف ياسمين
((هل ستأخذ الأباجور الآخر؟ لا يمكنك ذلك ستترك الغرفة كاملة لي بلا أي مصدر إضاءة! أنت تعرف أني أخشى الظلمة! توقف..))
بترت ياسمين كلامها بصرخة مذعورة عندما قام برمي الأباجور أرضا فحطمه لشظايا معقبا
((هذا الأباجورة لي وحقي أن أفعل بها ما أريد))
كان الظلام قد عمّ الغرفة تماما فحضنت ياسمين الوسادة وهتفت برجاء متوسل بينما تشعر به يغادر الغرفة
((أرجوك لا يا مَازن لا تذهب.. لا تفعل أرجوك.. أعد المصباح على الأقل، فالغرفة أصبحت مظلمة تماما))
قال مَازن بصوتٍ مُثخن بالرضا
((طابت ليلتك يا ياسو، ولا تنسي أن تخبري ما فعلته الآن لابنتك المخلصة حتى تشي بي لوالدي))
صفق الباب خلفه بقوة رجّت أركانه.. لقد تيقظ لحقيقة أن تركه الجناح لها تعد مكافأة لا عقوبة من منظورها الشخصي، وبما أنها سبق وباحت عن نقطة ضعفها المتمثلة بخوفها من الظلام ها قد استغلها وسحب عنها كل مصادر الإضاءة من هذه الغرفة كثأر صغير لنفسه منها!
مثلما يعاني، عليها هي أيضا أن تعاني.. فليس من المعقول أن يرقد على التراس لأيام كالمتشردين بينما يتركها تنام هانئة وحيدة في جناحها وسعيدة بغيابه!
.
.
أخذ مَازن فراشه وغطاءه وبدأ يطرق الباب على والديه، ما إن جاءه الرد بالدخول حتى رسم تلك الابتسامة الواسعة قائلا
((مرحبا يا والديّ العزيزين))
ظل والديّه الجالسين على سريرهما ينظران له بتجهم يتسألان بصمت عن سبب مجيئه إلى هنا في هذا الوقت من الليل فحافظ مَازن على ابتسامته وهو يردف
((الأجواء في التراس باردة جدًّا، فقلت في نفسي أن أفرش وأنام هنا عندكم))
تقارب حاجبيّ يعقوب الكثيفان وتمتم باقتضاب
((هل جننت يا ولد!؟ رجل طول بعرض وتريد النوم في نفس غرفة والديك؟))
طبطبت زاهية فوق ذراع زوجها تهمس برجاء
((دعه يا حاج ينام هنا، أنتَ تعرف أنه تشاجر مع زوجته فدعه على الأقل الليلة ينام هنا وفي الصباح سيسوي الأمور معها))
خفت صوت يعقوب ولكن ظلَّ واجما
((اذهب إلى غرفة الضيوف يا مَازن، أو أي مكان آخر فالمنزل واسع بفضل الله))
اقترب مَازن من والده ورفع يده فحاول يعقوب سحبها إلا أن مَازن أحكم إمساكها ولثمها يتلمس رضاه ثم قال
((لا أريد النوم إلا هنا، لقد جلبت الفراش بالفعل فلا تصرفني الآن))
أشاح يعقوب بوجهه وقال بامتعاض
((أصدر أي هسيسي وسألقي بك في الخارج، أمفهوم؟))
ردّ مَازن لوالده بلهفة ((لا تقلق))
بدأ مَازن يجهز فراشه على الأرض..
أما يعقوب فرغم أنه كان لا يزال يظهر الغضب على ابنه إلا أنه لا ينكر حبه لتصرفات مَازن معه بعد كل مرة يوبخه أو يقرعه فيعود ويتعامل معه وكأن لا شيء حدث بينهما بل حتى يعود مشاكسا أكثر من السابق!
وعلى الرغم من أنه كان أكثر أبنائه إتعابا له لإصراره الدائم على مرافقة أصدقاء السوء وتصرفاته غير المقبولة مع الجنس الآخر إلا أنه لا يذكر أنه مرَّ يوم أو يومين دون أن يتحدث معه..
بعدما أطفأ مَازن الإنارة أغمض الحاج عينيه.. وكان نومه طوال الليل متقطعا بسبب مَازن الذي لم يدعه يهنأ فيه وهو يوبخه بين وقت لآخر
((مَازن أغلق هاتفك فصوت ما تشاهده يمنعنا من النوم))
((مَازن أغلق الهاتف كله فالإضاءة تؤرق نومنا))
((مَازن أزل السماعات عن أذنيك فهي لا تمنع الصوت من الوصول إلينا))
((مَازن أغلق النافذة وعد إلى فراشك فحركة الرياح تمنعنا من النوم))
((مَازن لا تدع والدتك تندم أكثر مني على سماحها لك بالنوم هنا، توقف عن التقلب مكانك))
((مَازن إذا خرجت من هذه الغرفة مرة أخرى للمطبخ سأغلق الباب خلفك ولن أفتحه لك، لم يبقَ الكثير على صلاة الفجر))
بعد مدة استوى يعقوب جالسا مكانه ثم توجه إلى حيث ينام ابنه وانخفض يوقظه هامسا بإلحاح
((مَازن استيقظ وتوضأ لم يبقَ الكثير على إقامة صلاة الفجر))
قال مَازن بصوتٍ ناعس خافت
((دقيقة يا أبي وسأنهض من الفراش..))
هز يعقوب كتف ابنه هاتفا بتوبيخ
((لن أتركك وشأنك قبل أن تنهض من مضجعك وتذهب معي لصلاة الفجر))
قال مَازن وهو يتقلب للجهة الأخرى
((أبي اذهب من دوني، ربما أصلي في البيت))
انفعل والده هادرًا
((النساء فقط من يصلين الفجر في البيت أما أنتَ فاخزي شيطانك وقم من مكانك، توضأ وبعد الصلاة عد للنوم في جناحك، مفهوم؟))
.
.
بمجرد أن عادوا من الصلاة حتى قذف يعقوب الفراش والغطاء لابنه وأغلق الباب خلفه بإحكام فلم يجد مَازن بُدا من الذهاب لجناحه..
ما إن فتح باب الغرفة حتى هاله صوت النحيب المكتوم من طرف ياسمين فشغل إضاءة الهاتف وهرول نحوها هاتفا بجزع
((ياسمين، ماذا هناك؟ لماذا تبكين بهذا الشكل المفزع؟))
أبعدت ياسمين الغطاء عن وجهها واندفعت نحو مَازن الذي جلس على السرير بجانبها تحيط جذعه بذراعيها بقوة تكاد تعتصره، تحتمي به كأنه ملاكها الحارس قبل أن تقول بصوتٍ متهدج إثر البكاء لساعات
((لقد خفت أن يخرج لي أحد من هذا الظلام ويبتلعني، لماذا أخذت المصباح وأغلقت الباب خلفك!))
اكتسحت الصدمة مازن من جلالة خوفها المهول ثم استنكر وهو يلقي بتساؤلاته إليها بوجل
((هل تبكين بسبب خوفك السخيف من الظلام؟ إذا كان يثير فزعك إلى هذا الحد الهيستيري فكان بإمكانك الخروج للصالة أيتها الغبية))
قالت بصوتٍ متقطع من البكاء
((لم أتجرأ على إبعاد الغطاء عن رأسي))
رفرف مَازن بعينيه يعسر عليه تصديق جوابها وقال
((هل يعقل لامرأة كبيرة عاقلة مثلك أن تخاف كل هذا الخوف من الظلام؟ إلى الحد الذي يجعلها تضيء مصباحين بإضاءة قوية طوال الليل؟ هل بسبب شيء حدث في الطفولة معك أم بسبب حادث مؤلم مرتبط به أم بسبب أفلام الرعب؟))
رفعت وجهها المحتقن المتورم من البكاء وهمست له بنبرةٍ متحشرجة وعينان شاخصتان
((السبب هو أني سبق ومكثتُ في الظلام لمدة طويلة لا أرى فيها أي شيء آخر، تم ربطي بعامود السرير بحبال غليظة وكنت آكل الطعام الذي تضعه أمه لي في الظلام لا أدري أيصلح للأكل أم لا.. فكيف تردني أن أخفي هذا الرهاب الفظيع الذي يتملكني من ظلمة الليل))
انتفض خافقها الصغير عند هذه الذكريات ليعيد إلى جسدها شعورًا قويًا بالألم والبرد.. رجفة عنيفة دبت في أوصالها ولم تعي للدموع الأخرى التي بدأت تشق طريقها عنوة على وجنتيها..
كانت لا تزال تحيطه بذراعيها فقربها منه وأجلسها على حجره متسائلا وهو يناظر وجهها تحت ضوء هاتفه الموضوع جانبا بخفوت قلق
((لماذا بقيت في مكان مظلم لمدة طويلة؟))
أخفضت نظرها وهي تريح رأسها على صدره ونطقت بنبرة مرتجفة بثت في قلبه ألما مبرحا
((لأن والديّ كانا يعتقدان أني أكذب بشأن خطفي بحكم احتفاظي بعذريتي، واتهماني أني هربت مع شاب أحببته بإرادتي الكاملة وعندما خذلني الشاب لجأت إلى كذبة الاختطاف وأبلغت الشرطة..))
بترت حديثها السابق وقد خانها صوتها وخنقتها العبرات واهتزت روحها كلها داخل جسدها كأنها تئن.. لكنها تمَالكت نفسها بعد دقائق وهي تكمل
((عندما رجعنا للبيت أخذوني إلى غرفتي، أمي وأبي وأخي الصغير.. وبدأوا يحققون معي قبل أن يتحول الأمر إلى شتائم وإهانات وضرب في أنحاء جسدي فأمتلأ بالدماء والكدمات الملونة.. لقد أغلقوا نوافذ البيت خوفا من أن يسمع أحدهم صراخي، عندما أصررت على براءتي من اتهاماتهم استغلت أمي عدم وجود أبي وقالت بما أن الضرب والإهانة لم يساعدا في جعلي أقر بالحقيقة المخزية فيجب أن أموت))
شحب وجه وتفطَّر قلبه عليها.. أما هي فاغرورقت عيناها بالمزيد والمزيد من العبرات بينما تتابع
((لقد جلبت أمي أحد عبوات الأدوية وقامت بتثبيتي في السرير لتجرعني إياها رغما عني، وقتها أخبرتها ألا تتعب نفسها وأنا من سأفرغ حبوب الدواء في معدتي كلها، ولو أن أخي لم يتدخل لكنت حرفيا ابتلعت حبوب الدواء كلها.. تخيل أن أخي الصغير عرف أن ما أفعله خاطئ في حين أمي كانت تناظرني بغل وتنتظرني أن أموت حتى تتخلص من عبئي! لو لم يسارع أخي في جعلي أرتشف الماء المخلوط بدواء بطعم مر حتى أخرج كل ما بجوفي من حبوب ابتلعتها لخرجت روحي إلى بارئها))
أغلقت ياسمين جفونها.. إنها تدرك جيدا حقيقة أن
أمها لطالما كانت هي وأبيها سبب انكسارها وإحساسها بالذل.. وفقط حينما تزوجت وابتعدت عنهما استطاعت أن تنفض ضعفها وتتمسك بكبريائها وكرامتها.. لكن رغم ذلك عند معرفتها بوفاتها قبل سنوات لم تستطع ألا تنهار وتغرق في الحزن لأسابيع طويلة..
ظل مَازن يحتويها بذراعيه متسائلا
((أنا اسف لكل ما مررت به))
ردت بصوتها المتهدج
((وافقت على الزواج منك عندما جاء والدك يعرض ذلك على أبي بعدما أذاقوني ألوانًا وأطيافًا من الذل والإهانة، وإلّا فما الذي يدفعني أن أتزوج منك أنت الذي كنت جزءً من دمار حياتي! كان عليك حتى لو لم تعرفني آنذاك أن تبلغ عما يخططوا لفعله بي))
بمجرد أن أنهت الحديث حتى غطت وجهها بكفيها ونشجت بقوة.. شعرت بالعجز والهوان لما باحت به أمامه.. أما هو فلم يجد أمامه إلا أن يتألم أكثر لحديثها البائس.. ارتجافها المخيف.. وبكائها المرير..
ناولها مناديلا ثم شددَّ من احتضانه لها وكفه الدافئ يمرره فوق ظهرها بينما يسند ذقنه فوق رأسها..
تركت أخيرا تخبطاتها جانبا ونفضت عن قلبها الروع.. لتترك لسحر عناقه منفذا لروحها..
وظلّا هكذا لدقائق طويلة قبل أن يجيء صوته الحنون ليخرجها من شريط العرض المقيت الذي هي غارقةٌ به في الماضي وهو يحثها على الصلاة قبل طلوع الشمس..
استجابت له وبقي معها هو وضوء هاتفه حتى توضأت وأتمت صلاتها..
بدأت خيوط الشمس تتسلل إلى النافذة فاعتمدوا عليها عوضًا عن ضوء الهاتف المشع المزعج.. ثم وجد مَازن نفسه يقول لها فجأة وهو يغمر أنامله بشعرها الكثيف
((أنا أيضًا عانيت بسبب أبي مثلك))
عادت من نظرتها الفارغة إلى عينيه القريبتين منها وقالت بسخط
((مهما تلقيت من والدك فلا بد أنك استحققته، أنتَ لم تتلقى عقابا على شيء لم تفعله مثلي))
قال بجمود لا يناسب نظراته التي تفيض ألمًا
((ياسو ما رأيك أن تسمحي لي أن أعوضك ولو بشيء بسيط عما تسبب فيه خطئي؟ لقد ندمت على ما حدث وحرَّمت أن أُصادق رفقاء السوء الذين تجذبني مغامراتهم واكتفيت بأصدقائي أصحاب الأصل الطيب الذين أعرفهم))
تجلت ملامحها بالامتعاض رفضًا.. ثم اتكأت إلى الوسادة الموضوعة خلف ظهرها.. ورفعت وجهها بغتة تسأله بفضول حقيقي
((ماذا قصد والدك في ذلك اليوم في المزرعة عندما قال بأن لك سوابق؟ لقد سمعته مرة يقول لأخيك مُعاذ أنها ليست أول مرة تتعرض لفتاة وتسبب لها أذى))
عَلَت وجه مَازن بسمة صغيرة لاذعة ثم أجابها بنبرةٍ مبهمة
((هناك الكثير من المواقف التي لا تعد ولا تحصى.. لكن أكثر المواقف التي لا أنساها هي اثنين، أولها عندما كنت في الإعدادية وأعجبت بجمال ابنة مزارع يعمل عندنا تقاربني في العمر وبُحت لها بحبي برسالة، وهي بالطبع أخبرت والدها والذي بدوره شكيني لوالدي وطلب منه أن يؤمن له عملا في قرية أخرى ينتقل لها مع عائلته، أبي أكد له أنه سيعاقبني ولا داعي لمغادرته.. ولكن المزارع أصَّر على المغادرة فشّك أبي بأني فعلت لابنته شيئا أكثر من اعتراف الحب السخيف ذاك ولكن المزارع يرفض الاعتراف خوفا على سمعة ابنته، فوافق أبي على تأمين عمل للمزارع في قرية أخرى))
سألته ياسمين ((وماذا فعل معك؟))
أجابها ببساطة ((فقط ضربني ضربًا مبرحًا جعلني أتشنج بعده لساعات وبقي أثره على جسدي لأيام، ولولا أمي لكان سيزهق روحي))
شعر بعجزه عن طرد الهواء السّام الذي دخل رئتيه عنوة فازدرد لعابه بصعوبةٍ بالغة.. ثم أكمل وبصره يزيغ جانبا
((أما الموقف الثاني الذي لا أنساه فهو عندما كنت بالثانوية قبل أن أتفاجئ برجل من الجيران يشكوني أمام أبي بأني أبتزّ ابنته وأدعي أني أمتلك صورا غير لائقة لها وقد أفضحها إن لم ترسل صورًا عارية لها، بالطبع أنكرت ذلك فحتى الحساب المرسل لابنته لم يكن لي رغم أنه كان بإسمي وموضوع عليه صورتي الشخصية، لكن أبي بالطبع لم يصدقني وصفعني أمامه لدرجة أني لم أستطع تحريك رقبتي وإيقاف نزف أنفي المتكرر لأيام..))
انقبض قلب ياسمين التي تصغي له بتحفز بينما يتابع
((عندما لجأ أبي للشرطة الإلكترونية لإيقاف ذلك الحساب اكتشف أن صاحبه هو زميل بفصلي، لكنه ظل على إصراره أني كنت شريكا له))
لم تفاجئه عندما عقبت له بتهكم
((وأنا أظن ذلك، فلا يمكن أن تكون ملاكًا بريئا في كل مرة تقع بورطة وترتد المشكلة فيمن حولك))
تجاهل اتهامها وهزَّ كتفيه ثم قال بينما يمرر أنامله بشعرها دون أن يجد منها اعتراض
((ما رأيك أن نذهب سويا لإحدى المولات التجارية مع هدى؟ أخي مُؤيد ليس هنا ليخرج بها فصار واجبًا علينا أن نتنزه معها من وقت لآخر))
ظلت على صمتها ولم تعطه إجابة فعرف أنها موافقة..
أغمضت عينيها فتابع يمسد فوق شعرها حتى نجح في جعلها تسترخي تماما وتغط في سبات عميق وتلك الذكريات المريرة تبتعد عن عقلها لتنام بسلام..
ضيّق عينيه ونظره يُسدد لخدّها الذي صفعه وأثر ذلك الخدش المريع لا زال عليه..
أبعد خصلاتها الدّاكنة الكثيفة عن جبهتها ولثم جبينها برقة قبل أن يجذبها لصدره ويضمها له..
بعد تلك الغربة الباردة أضحى أكثر من يقدر كلمة "العائلة" أو "الزوجة".. فما أجمل أن تغرق في النوم وفي أحضانك جسد أنثى غض.. حتى لو كان لا أحد منهما يحمل حبا للآخر..
=============================
في الظهيرة..
ساعدت سمية مَالك في خلع ملابسه وهي تسأله بوجه بشوش
((كيف كان يومك؟ لقد اشتقت لك وتأكدت في المطبخ أنهم أعدوا على الغداء وجبتك المفضلة))
تجهم بغتة وسألها على الفور
((هل تعملين في المطبخ أو أمرك أحد بفعل شيء؟))
فتحت له الحمام بعد أن جهزت له الماء الساخن ثم تشدقت بمرح بما يشبه الدعابة
((لا تقلق لم يتعرض لي أحد بالضرب ولم يسرق طعامي في غيابك))
أصدر ضحكة خافتة قبل أن يعترض
((أنا قلق بشأنك وأنتِ تسخرين مني))
بررت له دون أن تنحسر ابتسامتها
((أنا فقط أحبُ قضاء الوقت مع السيدة نعمة ونجوم في المطبخ، إخوتك مجتمعين في الأسفل، انتهي بسرعة وتعال لنقضي بعض الوقت معهم))
.
.
بينما كان الجميع مجتمعون في غرفة المعيشة برفقة مُؤيد..
قالت نورين مأخوذة الأنفاس وهي تناظر السلسال الذهبي اللامع الذي ألبسته إياه حماتها
((عمتي تبدو القطعة ثقيلة وغالية، لم يكن عليك تكليف نفسك كل هذا))
لمعت عينا زاهية وقالت بعاطفة صادقة
((لن تصدقي مقدار سعادتي عندما أخبرني مُصعب بحملك، لم أستطع ألا أبتاع لك شيء كهذا، وعندما يهدأ بالي من باقي المشاكل الجاثمة فوق صدري سأطلب أن يفصلوا قطعة أخرى أجمل وأثقل من هذه))
مال مُصعب يقبل جبين أمه قائلا بامتنان
((سلمك الله لنا يا أمي))
ناظرت زاهية ابنها تقول بعتاب رقيق
((هذا أقل شيء أفعله، ألا يكفي أنك تعيش بعيدا عنا أنتَ وزوجتك وبالكاد تزورنا مرة بالأسبوع أو الأسبوعين))
ابتسم مُصعب بشقاوة صارت مألوفة فيه ممازحا
((أمي أنا أساسا تعمدت الاستقلال ببيت آخر حتى تشتاقي لي بالذّات))
ضحكت زاهية بخفوت رغم المشاكل المحيطة بها من كل حدب وصوب ثم قالت بصوتٍ حنون
((لا أتحمل الانتظار حتى تلد زوجتك وأغدق الطفل بالهدايا))
بادل مُصعب والدته الابتسامة ثم ضرب كتف أخيه المتجهم الجالس بجانبه وهو يناظر ساقه المجبورة المتمددة أمامه
((المهم كيف حالك يا مُؤيد وكيف حال قدمك؟))
أجابه مُؤيد بكلمات مقتضبة موجزة ففهم الآخر بأنه لا يريد التحدث مع أحد.. فرضخ لرغبته وصمت.. في حين أراد مَازن الجالس بجانبه من الجهة الأخرى أن يشاكسه فتقرب من أذنه هامسًا
((مُؤيد لقد غابت زوجتك طويلا عن البيت، بدأت أشك أنها في بيت عائلتها كزيارة فقط، هل حدث شجار بينكما قبل أن تذهبا؟))
توحشت عينا مُؤيد واكتفى أن يرمي بنظراته التي تستشيط غضبا نحو أمه ويقول
((أمي ابعدي مدللك النذل من هنا قبل أن أكسر عظامه بقدمي الملفوفة بالجبس))
تمتمت زاهية بامتعاض له
((لا تتحدث مع أخاك بهذه الحدة يا مُؤيد))
نظر مُؤيد لأخيه وقال من بين أسنانه
((لقد كنت في الخارج وكنا مرتاحين من وجهك ودمك الثقيل فما الذي عاد بك الى هنا؟))
اتسعت ابتسامة مَازن المستفزة وعقب بخفوت
((انفعالك من كلامي يشير أن زوجتك غاضبة منك وتجلس عند عائلتها بانتظار قدومك لمصالحتها لكن برأيي قل لها المرأة التي تخرج من بيت زوجها ولا توافق على العودة إلى زوجها فإنه يتزوج عليها، فالرجل هنا في هذه البلدة لا يحب أن يذله أحد أو يضغط عليه.. صحيح يا ياسو؟))
عند آخر جملة التفت مَازن بتلاعب لزوجته الجالسة قريبة منه فناظرته ببلادة لدقيقة قبل أن ترد عليه
((أنا أقول يا مَازن تزوج أنتَ أولا، قبل أن تحرض أحدا من إخوتك على الزواج))
أصدر مُؤيد صوتا ساخرًا مستهزئًا فتملك الغيظ مَازن وهمس مهددا
((سأتزوج، سأفعلها، وستندمين على خسارة شاب مثل الوردة مثلي أنا))
تألقت ابتسامة لامبالاة عليها ثم قالت
((سأشبع نفسي ندما لا تقلق من هذه الناحية لكن تزوج))
ضيّق مَازن عينيه وتجهمت ملامحه.. ربّاه لو يستطيع فقط دق عنقها.. أو تحطيم عظامها.. أي شيء يبرد قلبه حتى لو بقبلة وحشية تُدمي ثغرها الباسم.. الليلة سينتقم منها جيدا بما أنهما تصالحا..
صدح صوت زاهية تقول فجأة لزوجها الذي دلف للغرفة
((تعال يا حاج لماذا تأخرت بالمجيء وقد بشرناك بحمل زوجة مُصعب، تعال وشاركنا فرحتنا))
تنهد يعقوب وتمتم لمُصعب بصوتٍ واجم لا يشوبه من الفرح شيئا
((مبارك لك يا مُصعب أنتَ وزوجتك، ندعو الله أن تقوم بالصحة والسلامة))
استغرب الجميع من صوت يعقوب وحتى مُصعب عقد حاجبيه يقول بضيق مستفحل
((لا تبدو يا أبي سعيدا بهذا الخبر))
رسم يعقوب شبح ابتسامة لابنه ورد باعتذار ضمني
((وكيف لا أكون سعيدا لهذه البشارة لكن عقلي مشغول بما فعله أخوك الأهوج بزوجته لمجرد خروجها من البيت لعيادة عمتها المريضة دون أخذ إذنه رغم أنها أعلمت والدتك))
اختفت ابتسامة يعقوب عند نطق أخر الجملة ورشق مُؤيد جامد الملامح بنظرات نارية لتلف الصدمة معظم الجالسين وتقول ياسمين بعد أن صدرت منها شهقة
((ولكن قلتم أنَّ رتيل في زيارة لعائلتها!؟))
هتف يعقوب بازدراء
((ومنذ متى كانت زيارتها لعائلتها تأخذ أسابيع؟))
بهُت وجه سمية الجالسة بجانب مَالك ونَكَست نظرها تفهم أخيرًا مغزى رسالة رتيل.. في حين تمتمت زاهية لزوجها بعتاب لأنها لا تستطيع شرح موقف مُؤيد
((يا حاج لا يجوز أن تقرع ابنك أمام أهل هذا البيت، هذه حياته الشخصية))
انفلتت أعصاب يعقوب لبرود زوجته وهتف عاليًا
((بل سأفعل ذلك وأمامهم حتى يعرفوا أي ظالم مُتجبر هو ابنك وإيّاك أن تدافعي عنه بحرف، يكفي دلالك للتوأم))
ضرب يعقوب على ركبتيه لينهض صارخا
((إيَّاك أن تظن يا مُؤيد بأني لن أجعلك تعيدها ورجلك فوق رأسك، ولكني أتهاون بسبب ما حدث لقدمك))
قالت زاهية دون أن يرف لها جفن
((ولكن يا حاج هذه حياة ابنك ولا يجب أن تتحكم بخياراته))
انعقد لسانه الحاج يعقوب في البداية لا يصدق كيف تقف زوجته بهذا الشكل المجحف بصف ابنها ضد كنتها المفضلة المسكينة.. ثم قال باستهجان
((اسكتي يا زاهية.. حثيه أن يتعقل ويعيدها على ذمته بدلا من تشجعيه على الظلم، أم فهد هي الوحيدة بين كل زوجات أبناءك التي كانت حريصة على شؤون هذا البيت مع العاملين فيه، كان كل شيء يقع على عاتقها فكيف تشجعين ابنك على التفريط بجوهرة مثلها؟))
لم تنحسر ملامح الجمود عن مُؤيد وهو يقول
((أبي لقد طلقت زوجتي وانتهى كل ما بيننا تماما، وسأطلب من أمي أن تبحث لي عن عروس أخرى لأتزوجها، فلا تجلب سيرة أم فهد أبدًا))
رفع يعقوب سبابته يقول مُهددا
((ستعيدها يا مُؤيد على ذمتك وإذا ما عرفت أنك أقدمت على خطبة امرأة غيرها سأعتبر ذلك عصيانا لكلامي، ولنرى من سيقبل بإعطائك ابنته من أهل القرية بدون موافقتي.. فخروجك عن طاعتي يعني حرمانك من هذا النعيم الذي من حولك..))
غادر يعقوب المكان فانتبهت زاهية على ابنها مُؤيد كيف يكتم غضبه وتتكور يديه كأنه قنبلة موقوتة على وشك الانفجار، فاقتربت منه لتهمس في أذنه
((لا تستاء من كلام أبيك فأنا سأخبره الحقيقة وعندها لن يمانع أن أخطب لك غيرها))
استشرت عينا مُؤيد واستنكر كلام والدته
((أمي ألم تقسمي لي أنك لن تخبري ما كانت تفعله رتيل لأي أحد!))
تحلّ صوتها الهامس بالصرامة وهي ترد
((أنا لن أخبره بل أنتَ، حتى يتفهم ما فعلته))
شدَّ مُؤيد على ضروسه وقال لوالدته بغضب مستعر تشنجت له ملامحه
((لا أبي ولا مخلوق آخر سيعرف، وإلا فعهد عليّ أن أحزم أمتعتي وأسافر إلى خارج البلاد إلى مكان لا يعرفني به أحد، فالكلمة التي تمس رتيل ستمس ولديّ الاثنين))
في هذه الأثناء التمعت الدموع في كل من عيون فهد وباسم وتجرأ فهد يطالع سمية سائلا إياها ببراءة بصوته المرتجف
((خالة سمية ماذا يعني والدي بما قاله عن الطلاق؟ ألن تعود أمي؟ هي لم يسبق وأن ذهبت لزيارة عائلتها طوال هذه المدة وحقا اشتقنا لها كثيرا))
تأسّت ملامح الجالسين على منظرهما وقال مَازن باستياء
((لم يكن على أبي أن يقولها صراحة أمام الطفلين! اذهب واحتوي ولديك يا مُؤيد، ماذا تنتظر؟))
التقط فهد بعض الأنفاس المرتجفة الى صدره ولكن الظلام أطبق عليه شاعرا أن عالمه كله ينهار أمام عينيه.. فمدت سمية يدها تعانقه وتحاول تهدئته في حين هتف مُؤيد بأخيه صارخا لا يكبح غضبه
((اصمت أنتَ الآخر يا مَازن))
شهق مَازن بصدمة مفتعلة ثم قال
((من تقصد بالآخر يا مُؤيد؟ هل تقصد أبي؟ هل تقصد أن تقول لي أن أصمت أنا الآخر بعدما أنزله أبي من توبيخ عليك؟))
اقترب مَالك من توأمه يصب الزيت على النار
((نعم يا مَازن وماذا قد يقصد غير ذلك! في المرة المقبلة سأنبه أبي.. لقد فاق عدم احترامه كل الحدود))
ضيَّق كل من مَازن ومَالك أعينهم التي يتطاير منها الشرر والانتقام.. فلا مَالك نسي كيف وقف مُؤيد وشحن أباه ضده حينما كُشف أمر يزيد.. ولا مَازن نسي هو الآخر كيف صب النار على الزيت في يوم عودته عندما غازل نجوم..
خرجا التوأم من الغرفة ثم توجها إلى المجلس حيث يتواجد والدهما..
جلسا بجانبه.. واحد إلى يمينه والآخر إلى شماله..
ثم مال مَازن لأبيه يوسوس له
((هل تظن يا أبي أن سبب خروجها من البيت بلا إذنه هو سبب طلاق مُؤيد لزوجته؟))
قال مَالك مدعيا التفكير
((ربما تعرف على امرأة أخرى وهي من طلبت منه أن يطلق أم عياله ولم يهن عليه ألا يكسر بخاطرها!))
نظر الحاج يعقوب إلى ولديه بتعجب قبل أن يصرخ بهما
((اغربا عن وجهي أنتما الاثنين، مُؤيد لا يمكن أن يكون صاحب علاقات أو نساء، إنه ابني الثاني وتربيتي رغم تحفظي على بعض أفكاره وأفعاله فهو لا يشبهكما أنتما الاثنين في شيء))
ابتعد مَالك عنه قائلا بصراحة ممزوجة بالغضب
((أبي كنا نمزح، نحاول أن نفسد علاقتك به كما كان يفعل معنا))
زمجر يعقوب وقد انتفض صدره العريض وبرزت عروق عنقه
((بدلا من سوء الظن ومحاولة تلطيخ سمعة أخاكما أيها الوقحان التزما الصمت، الأول كان متزوجا بالسر يخفي حقيقة امتلاكه لحفيد بطوله، والآخر ماضيه أبعد ما يكون عن التشريف، مُؤيد سيظل عندي هو ومُعاذ أفضل منكما الاثنين من أفسدتكما أمكما بالدلال))
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!