لا تنسو التصويت ❤️❤️
في مطعم الفريال.. ليلا قبل موعد إغلاق المطعم..
كان قُصي منهمكا في تنظيف الأرضية بقوة كأنه يفرغ غضبه المكتوم في المسح..
الخطة كانت التقرب من سهر والبوح لها بسره والأسباب التي أرغمته على الكذب عليها قبل عودة أبيها من السفر! لكن ما حدث أنه الحال انتهى به يعمل وينظف من الصباح الى المساء ولا يجد وقتا للتحدث معها.. وبراتب زهيد..
قمع قصي خواطره على صوت السيدة فريال صاحبة المطعم تزمجر في المراهق الذي يعمل عندها صارخة
((ابتعد من هنا أنت وورقتك النقدية المزيفة يا نور قبل أن أحطم عظامك))
هتف نور بدفاعية من بين بكائه الحار
((ولكن بعد أن أعطيتِ لي راتبي الأسبوعي ذهبت إلى ذلك الرجل وطلبت منه أن يصمدهم لي بورقة نقدية واحدة، وهو من أعطاني القطعة من فئة الخمسين دينار هذه))
غمغمت به فريال بغضب
((أيها الأحمق عندما أعطاك ورقة من فئة خمسين دينار مقابل دنانيرك الأربعين مُسامحا إيَّاك بالفرق كان عليك معرفة أن هناك خطب ما من تصرف الرجل وأن نقوده غالبا مزيفة ومزورة))
انفجرت الينابيع المالحة من عيني نور وتساءل
((والآن ما العمل؟ هذه النقود كنت سأعطي منها جزءً كبيرًا لأمي المريضة))
قالت فريال باشمئزاز خالي من أي تعاطف إنساني
((لقد غادر الزبون على عجلة بسيارة الأجرة بمجرد أن أعطاك المال المزور، ولا سبيل لعودته أو معرفة أين يقطن، اذهب أيها الأحمق من أمامي قبل أن أطردك))
تنهد قصي وهو يناظر نور يجلس على الأرض غارقا بدموعه كالفتيات بعد أن خسر راتبه الأسبوعي.. ورغم ريبته وتوجسه من هذا المراهق لسبب يجهله إلا أنه طالبه بهدوء
((أعطيني يا نور ورقة الخمسين لأرى إذا ما كانت مزيفة أم لا))
حاول نور أن يتوقف عن بكائه وقام من مكانه بإحباط يتسع العالم واقترب من قصي وأعطاه الورقة النقدية..
تناول قصي الورقة منه ثم رفعها بيديه إلى مصدر الإضاءة يضيق عينيه يدّعي أنه يحاول معرفة زيفها من عدمه ثم اصطنع ابتسامة لنور مبشرا
((إنها ليست مزيفة بل قديمة بعض الشيء، سأبدلها لك بورقة الخمسين التي استلمتها اليوم))
أبعد نور يده التي كان يمسح بها دموعه ثم انفجرت أساريره بفرحة عارمة وقال هاتفا بلا تصديق
((شكرا لك يا قصي.. شكرا لك..))
ناوله قصي ورقة الخمسين خاصته وقال
((خبئها جيدا يا نور وانتبه على نفسك أثناء مغادرتك))
قال نور بامتنان وعرفان وهو يغادر قفزا للخارج
((لا تقلق سأكون بخير فبيتي مقابل هذا المطعم، أنا أحبك يا قصي))
مالت زاوية فم قصي بابتسامة على براءة هذا الأحمق المثير للريبة والتوجس.. في حين لف الازدراء وجه سهر التي كانت تراقبه وهي تكتف ذراعيها.. فهي منذ عمل قُصي هنا وفريال تستغلها وتجبرها على العمل لوقت متأخر من الليل بذريعة أن خطيبها يعمل معها ويمكنه أن يوصلها إلى حيث تقطن بأمان!
في أول ليلة رفضت أن تسمح لقصي أن يرافقها أثناء العودة لكن أصوات الشباب الثملين عند نهاية الشارع والذين يضحكون ويتناوشون ويراقبون المارة بوقاحة وعيون جائعة أثاروا ذعرها وجعلوها بنفسها تنتظر قصي حتى يوصلها لبيت صديقتها..
انتبه قصي على سهر تقول له متهكمة تتشدق
((تصرف أحمق منك قصي، لقد أعطيته راتب أسبوع من عملك هنا))
زمّ قصي شفتيه ثم قال بفتور
((لا علاقة لك بنقودي))
اعتراها الغضب وردت عليه بحزم
((أنا فقط أحاول نصحك أن تتوقف عن عيش دور الفتى الثري، عليك أن تعي لنفسك، أنت مجرد شاب فاشل وعاطل قمت بخطأ لا يغتفر في شركتك السابقة قبل أن أدبر لك عملا هنا لأنقذك من براثن التشرد والجوع))
رماها قصي بنظرات مغتاظة قبل أن يعطيها ظهره ويتابع مسح آخر البلاطات فتفاقم غضبها هاتفة
((لا تتجاهلني عندما أتحدث معك))
قال بينما هو منهمك بالمسح
((لا حق لك بإرغامي على الاستماع إليك أو مبادلة الكلام أيتها الباربي البلاستيكية))
((أيها الأحمق أنا أنصحك لما فيه مصلحة لك.. لقد ضيعت توا راتبك لأسبوع كامل لصالح نور مقابل قطعته النقدية المزيفة وإذا استمررت على هذا الحال..))
قاطعها قصي هاتفا بصوتٍ عال يصل لخارج المطبخ
((سيدة فريال هل يمكن أن تخبري سهر أن تتوقف عن الكلام معي فهي تلهيني عن عملي))
وصله صوت فريال البارد
((دعها يا قُصي تتحدث بقدر ما تشاء فأنا أساسا أريد حجة لأطردها منذ مجيء عامل مجد ونشط مثلك قادر على إنهاء مهمات عاملين اثنين في وقت واحد، ليس من المعقول أن تبقى هنا مقابل الثرثرة وإعاقتك عن عملك))
فغرت سهر عينيها وتوجهت إلى حيث تجلس فريال وهتفت باستنكار
((تفكرين بطردي!؟ أنا سهر موظفتك المدللة التي بكيتي فرحا عندما طلبت أن أعود لأعمل معك!))
نظرت فريال بحب متدفق الي قصي الواقف خلف سهر والذي يهديها ابتسامة تضج جاذبية وشباب وقالت
((ليس بعد أن تعرفت على ُقصي الحبيب))
ازدادت ابتسامة قصي اتساعا وتمتم بخفوت
((أنتِ تحرجينني سيدة فريال))
بالكاد أمسكت سهر نفسها ألا تبطش بهاذين الاثنين ونظراتهما المتبادلة لبعضهما.. قبل أن تفاجئ بدخول نور هاتفًا
((قصي.. قصي.. قصي، هناك رجل نظيف متأنق في الخارج يطلبك))
لف الاستغراب قُصي فذهب ليرى من هذا الرجل الذي جاء لمقابلته بعد أن اقترب موعد إقفال المطعم وسرعان ما عاد لفريال يسألها بتهذيب
((هل تسمحين لي يا سيدة فريال أن أجلس معه لعشرة دقائق))
((تمون يا قصي عليّ، فقط أنهي مسح الأرضية أمام مكتبي واذهب إليه))
ابتسم قصي لها وأسرع يقوم ما تبقى من عمله بينما تنشغل فريال بعدّ نقودها وهي تختلس النظر لقصي بين اللحظة والأخرى برغبة عارمة لا تناسب امرأة كبيرة مثلها.. تراه شديد الجاذبية.. طويل.. أبيض.. عضلاته البارزة تكاد تشق سترته التي تحتضن كتفيه..
سبق وأخبرها أنه لم يشغر أي وظيفة سابقا تطلب جهدا جسديا منه ولكن لا بد أنه كان يقضي ساعات في النوادي الرياضية وهذا هو سر رشاقته وعضلاته المفتولة..
خرجت فريال عن شرودها الآثم على صوت قُصي يضع عصاة الممسحة بمجرد انتهائه..
أخرج قصي من الثلاجة قنينة ماء ووضعها أمام يوسف الجالس على إحدى الطاولات ينتظره بضجر ثم جلس أمامه ليسارع يوسف القول بهيئته المرتبكة المندفعة ببلاهة أمام من يفوقونه مركزا ومكانة
((سيد قصي وقبل أي شيء أريد أن أخبرك أني لن أستطيع أن أقدم لك أي قرش إضافي فعمك يراقبك من بعيد وإذا علم أنك انتقلت لفندق آخر غالي سيشك بي كما عرف عن النقود الذي أعطيتها لك مؤخرا..))
نهره قصي بغيظ وهو يرميه بالقنينة
((حسنا، حسنا، لا أريد أي شيء منك ولكن أخبرني ما آخر أخبار شيرين؟))
أجابه يوسف بهدوء
((لقد سُمح لها بالزيارات وطلبت من المحامي أن تزورها لأنها تريد التحدث معك بأمور أخرى وأدلة تخص براءتها))
رد قصي على الفور
((حسنا سأفعل بأقرب يوم زيارة متاح لي، ما هي آخر مستجدات قضيتها؟))
((هناك شاهدة ستفيدنا قليلا في قضيتها، الشاهدة تكون مُطلقة مطلقها وتدعى جُمان.. كما أن أخي زياد أخبرني بشيء مهم، لكن قبلا هل الماء في الزجاجة صحيّ أم من ماء الصنبور؟))
كان يوسف يتفحص القنينة بشيء من النفور فحدجه قصي بنظرات شرانية يأمره أن يتجرع من قنينة الماء دون تذمر، ففعل يوسف وما إن روى عطشه حتى أخرج من محفظته حفنة من الأموال وقال
((قد لا أستطيع إعطاءك أموالا ولكن سأعاملك كنادل قدمت خدمة لي وأعطيك بقشيش))
توهجت مقلتي قصي بالسعادة وقال وهو يمد كفيه ليوسف كالمتوسل
((نعم بالضبط أنا أريد بقشيش ولكن نفس البقشيش الذي تعطيه للنادل في تلك المطاعم الفخمة التي نذهب لها بالعادة، لقد خسرت اليوم أجرتي لأسبوع كامل وأريد بقشيش منك بمقدارها.. أريد خمسين دينار))
ابتسم يوسف له بلطف وأعطاه ضعفيّ هذا المبلغ وقد أخذته الشفقة على ابن القاني سليل عائلة كعائلته الذي وصل به الأمر أن يعمل في مثل هكذا مطعم شعبي!
.
.
بعد أن رحل يوسف وأغلقت فريال مطعمها سارت سهر مع قصي في الشارع تحت أضواء القمر.. قبل أن تلتفت سهر المتجهمة ومتسائلة
((من هذا الرجل الغني الذي جاءك قبل قليل؟ مظهره وطريقة كلامه وسيارته تدل على أنه بمنصب مرموق فكيف يأتي لمطعم شعبي كهذا؟ وكيف يعرفك؟))
طالعها ثم تساءل بعفوية
((من؟ تقصدين يوسف؟))
شهقت سهر مُدعية الإدراك وقالت وهي ترشقه بنظراتها المستحقرة
((أوه الآن فهمت.. إنه يمتهن نفس مهنتك.. الادعاء بغير ما هو عليه بحثا عن ابنة عائلة غنية والزواج منها للارتقاء بوضعه.. أو ربما أسوء.. كالاحتيال عليها وسرقة أموالها ثم الهرب.. هل هناك مدارس متخصصة لتعليم الرجال المنقبين عن الذهب هذا النوع من الاحتيال؟))
أغمض قصي عينيه يكتم غضبه بشق الأنفس ثم قال
((فقط أسرعي في خطواتك فقد تأخر الوقت))
شعرت سهر بالغضب يكتسحها لأنها مضطرة أن تغادر معه فسارعت بمشيها ودون أن تنتبه كان طرف قميصها الطويل يعلق ب مسمار في المقعد الحديدي مستقر في الطريق وما زاد الأمر سوء التفاف سهر ليتمزق أكثر إلى فوق.. فهتفت مفجوعة مما حدث
((يا إلهي لقد تمزق طول قميصي! والطريق بعيد إلى بيت صديقتي))
هال قصي ما يراه خاصة وأنها ترتدي تحت القميص الطويل بنطالا بغاية الضيق وممزقا من فوق فهدر
((تعالي الفندق الذي أقطن فيه فهو قريب من هنا، سأحضر قميص طويل لترتديه فوق القميص))
أخبرته سهر بعينين يصرخ فيهم التهديد
((لن أدخل الغرفة التي تقطن فيها سأبقى في الخارج ريثما تحضر لي قميصك فأنا لا أثق بك))
استجاب لرغبتها فدخل غرفته في الفندق وبحث في أشيائه وكان معطفه الشتوي أطول ما عنده فناولها إياه لترتديه بينما تتجول بنظراتها المشمئزة على هذا الفندق..
تفاجأ الاثنين بصعود أحدهم الدرج يهاتف قصي بينما أنظاره الجريئة تتفحص سهر
((هل يمكن أن أسألك إذا ما كانت هذه الفتاة الجميلة ستقطن معك الليلة في هذه الغرفة أو لا؟ لأنه لو ستفعل سأضطر أن أعطيكم غرفة أخرى تحوي سريرين ولكن ستدفع ضعف الأجرة، هذه قوانين الفندق))
تبدلت ملامح قصي لأخرى مخيفة واجتذب الرجل ليمسكه من تلابيبه بقسوة وقوة جسدية هاتفا به بغضب
((هذه التي معي خطيبتي فلا يذهب ذهنك لبعيد، ستأخذ شيئا مني وستغادر من هنا، ابتعد قبل أن ألكمك في نصف وجهك))
استطاع الرجل بشق الأنفس أن يفر من قبضة قصي إلى حيث مكانه في الاستقبال..
تصاعدت وتيرة سهر بخوف وهي لا تصدق الواجهة التي أظهرها قصي في هذه اللحظة.. لا تصدق أنه هو الوديع المتزن البشوش دائمًا والقادر على تحمل وقاحة كل من حوله دون شكوى قد يصل لحالٍ من هذا الجنون..
ازدردت ريقها وسارعت تهبط بخطواتها على الدرج ومن خلفها قصي.. وما إن خرجت من باب الفندق حتى تنفست الصعداء وقالت بازدراء عارم
((ما هذا المكان الشعبي القميء الذي تعيش فيه! إنه لا يشبه القصر الفاره الذي كنت ترسل لي صورك فيه حتى أصدق كذبك عن ثرائك))
أطلق تنهيدة مكتومة قبل أن يقول بضجر
((هذا المكان يناسب الثروة التي أتقاضاها بأجر أسبوعي من مطعم فريال))
اشتد في داخلها الغضب وقالت وهي تلوح بيديها والقهر يتشعشع في داخلها
((أين بركة السباحة التي كنت تتصور فيها صباحا وترسلها لي يا منبع الكذب؟ أين هو أسطول سياراتك الخاصة بك وبإخوتك يا منقب الذهب!))
قهْرها دفعها لضرب صدره بكل قوة، فأمسك قصي يديها يبعدها عنه هادرا
((توقفي، أنتِ تجلبين الانتباه لنا))
لهثت مكانها بقوة وحقد موجه له ثم تخاذلت كتفيها وتمتمت بخفوت كمن تحدث نفسها
((ما يجعلني أعذر نفسي لتصديقك يا منقب الذهب هو أنك توثق لي كل سفرك ونشاطاتك بالصور، أنا متأكدة أنك ظهرت بحياتي لأدفع ثمن كل الذنوب التي فعلتها في السابق، ذنب مراد أكاد أقسم بذلك.. آه))
تأوهت بألم عندما لكزها قصي بقوة من كتفها مدمدمًا
((لا تجلبي لي سيرته حتى لا أحطم رأسه ومن قبله رأسك))
فردت له اللكزة بواحدة أكبر قبل أن تتسارع خطواتها أمامه..
=============================
في اليوم التالي.. سجن النساء..
رفرفت عينا شيرين مستيقظة على أصوات صراخ وهتافات عالية وحديد يرتطم بالحديد وأبواب تفتح وتغلق وتصفق وضرب فوق الجدران فأدركت أين هي الآن..
لقد انتهت أيام النعيم بالمشفى بعد إسقاطها لجنينها وها قد عادت للسجن..
أغمضت عينيها وفتحتهما وهي تتحسس رأسها متأوهة..
تطلعت حولها تبحث عن شيء ثم انتشلت منديلا ابيضا وربطته فوق عينيها لكن الضوء ظل ينفذ من خلال المنديل إلى الجفن ثم إلى عينها.. فأزالت المنديل عنها متنهدة ببؤس ونامت على ظهرها تطالع السقف..
الحر كان شديدا والعرق المتفصد على جسدها كان لزجا حتى أن ثوبها التصق بجسدها.. كأن لا نقطة هواء واحدة في هذا العنبر..
ظلت على حالها قبل أن يقع نظرها على برص كبير أصفر ملتصق بالسقف يزحف ببطء قد خرج من شق الجدار فوقها.. فنهضت مذعورة خشية أن يسقط عليها..
لكنها أكدت على نفسها بأن هذا العنبر ورغم سوئه إلا أنه أفضل من الانفرادي..
فهناك عند الزاوية تتواجد غلاية شاي لعمل المشروبات الساخنة، فضلًا عن وجود فواكه للأكل منها.. وهناك نزيلات تتجاذب معهن أطراف الحديث.. حتى أن كل نزيلة تعرف كل شيء عن الأخرى وتسمع قصصهن عدة مرات فالكلام أداة التسلية الوحيدة هنا..
كما تستطيع الخروج في الورش والمشروعات الإنتاجية بالسجن، فضلًا عن وجود ساعتين للتريض يمكن أن تقضيها في الملاعب أو المكتبات أو الحدائق..
انتشل ألم المعدة المباغت شيرين من خواطرها فتأوهت قبل أن يأتيها صوت نزيلة متسائلة
((هل تحتاجين شيئا يا شيرين فأنتِ غارقة في النوم منذ ساعات طويلة؟))
تطلعت شيرين للمرأة الودودة التي معها في نفس العنبر وقالت وهي تضغط معدتها بكفها
((لا أنا بخير، الأمر فقط أن معدتي تؤلمني قليلا وأظن أني بحاجة لزيارة طبيب السجن ليكتب لي مسكن.. ولكن كيف أطلب الطبيب؟))
أجابتها النزيلة ببساطة وهي تهز كتفيها
((كالعادة أخرجي صوتك بأعلى ما يمكن ونادي على الحارسة وهي بالمقابل ستذهب لتبلغ الضابطة التي ستبلغ المأمور ومن ثم ضابط المباحث وهناك سيأمر طبيب السجن الجزار بالتوجه الى عنبرنا وربما يتأخر على حسب ظروفه فكما تعرفين لقد تم نقل الطبيب الطيب الآخر ولم يعد غيره))
تأوهت شيرين بعذاب هذه الإجراءات المعقدة وقالت بائسة
((المرض أسوء من الموت هنا، فهو نوع من أنواع الموت الطويل البطيء المعذب.. ليتني أموت وأرتاح))
عبست النزيلة وزجرتها
((حرام أن تدعي على نفسك بالموت))
ثم قامت بغتة بإخراج شيء من أغراضها وناولتها لشيرين بالخفية هامسة
((خذي هذه السجائر حتى يتم علاجك فأنتِ كما تعرفين أن السجائر هي العملة النقدية هنا لتنجحي في إتمام أمورك))
ابتسمت شيرين بامتنان لها وهي تتناول السجائر هذه لكن تجلت علامات الاستغراب عليها بغتة لتتساءل
((ذكريني مرة أخرى لماذا يتم تسميته بالطبيب الجزار؟))
تحلت النزيلة بالجدية وهي تقول بإقرار
((لأنه طبيب جزار بالمعنى الحرفي، يستغل وظيفته ومنصبه كطبيب للسجن في قبول الرشاوي، ليس عنده ذمة أو ضمير ويمكن أن يكتب أي تقرير يُطلب منه ولو من أجل رشوة بخسة، هو كطبيب هنا علينا أن نخافه أكثر من رئيس السجن، يمكن أن يفعل بنا كسجينات أي شيء من تشويه، بتر، إعاقة دون أن يكتشف أحد أو يحاسبه..))
اشتد الألم في معدة شيرين لكنها تحاملت عليه وقالت وهي تعيد السجائر لرفيقتها
((يا إلهي! لم أعد أريد الذهاب هناك، أنا بخير))
غمغمت النزيلة وهي تطبطب فوق بطنها
((كما تريدين، أنا لقد شبعت.. وجبة إفطار اليوم شهية))
رشقت شيرين الطبق أمام النزيلة بسخط وتمتمت
((شهية!))
قالت النزيلة بقناعة تحسد عليها
((الحمدالله على النعمة، لا يجب أن نعيب أي طعام، المهم أن يشبع جوعنا))
تشدقت شيرين بقتامة
((توقفي عن التصرف كأنك تعيشين في فندق خمس نجوم))
زعقت نزيلة أخرى بها بغضب من أفعالها التي لم تكن لا تؤذي بها نفسها وحسب بل تؤذي الآخرين أيضًا
((توقفي يا شيرين عن لوم المرأة على ذنب لم تفعله.. ماذا تريدين منها؟؟ أتودين أن تجلس إلى جوارك تبكي وتلطم خديها حتى تموت!؟ على الأقل هي تحاول تخطي أزمة حبسها والقناعة بما تملكه، لكنكِ لا تفعلين))
زمّت شيرين شفتيها وشعرت بأن زميلتها في الزنزانة محقة.. إنها لا تسمح لنفسها بالتكيف هنا ولا للأخريات.. تؤنبهن على الأكل والنوم والضحك عفوًا..
صدح صوت فتح الباب الحديدي بينما قالت السجانة بصرامة عاليا
((أيتها النزيلة شيرين.. هناك زيارة لك))
.
.
جلست شيرين على الكرسي مقابل قُصي تناظره بفرحة الدنيا وتقول
((قُصي لن تصدق كم أنا سعيدة لرؤيتك))
رسم لها ابتسامة طفيفة من خلف الزجاج الشفاف وقال بتعاطف
((سمعت بخصوص خسارتك جنينك وسبب غيابك عن السجن، أنا آسف لما مررت به))
تنهدت ببؤس ثم قالت
((خسارة الجنين لم أشعر بها من كثرة المصائب التي تحيط بي من كل حدب وصوب، هناك بالمشفى سمحوا فقط لسهر بزيارتي، المهم.. كيف حالك؟ سهر لا تخبرني أي شيء عنكما ربما من باب أنها لا تريد أن تتسبب في ضيقي بمشاكلها رغم أني أريد حقا أن أعرف أخباركما))
زمّت شيرين شفتيها تكتم ذلك الألم البلغ الذي يجتاحها الآن.. إنها تلجأ للمزاح القاتم لتواري عن ألما بجنين مكث مدة ولو قصيرة داخل أحشائها..
كتّف قُصي ذراعيه ورد
((سهر معها حق فأنتِ في وضع لا يسمح لك بالاهتمام بأخبار أحد غيرك.. أخبريني كيف هو حالك هنا؟ هل تتعرضين لأي مضايقة من باقي النزيلات؟))
هزت شيرين رأسها نافية وتشدقت بكوميديا سوداء
((لا أبدًا، فأنا الوحيدة في العنبر الموقوفة بتهمة جريمة قتل، لذلك لدي هيبتي بينهن وجميعهن يخشين غضبي أو ضيقي ودائما ما يحرصن على راحتي حتى لا يكونوا ضحيتي الثانية))
أصدر ضحكة خافتة على ما بشرته به وقال
((أنا سعيد لما أسمعه، لقد أخبرك المحامي أن جُمان ستكون شاهدة بكل ما حدث في تلك المكالمة الهاتفية، كما أن المحامي بالفعل يبحث عن طريقة لاستعادة الفيديو بما أننا عاجزين عن إيجاد هاتفك أو الوصول لزوجك السابق))
كانت تريد التحدث إلا أنها أغمضت عينيها متأوهة بألم وتمتمت من بين أسنانها
((يا إلهي لقد اشتد الألم على معدتي!))
لفه القلق وأخبرها باهتمام شديد
((إذا كانت تؤلمك فلماذا لم تطلبي طبيبا في السجن! لقد فقدت جنينك مؤخرا ولا يجوز أن تهملي صحتك))
شدت شيرين أكثر على أسنانها وقالت له
((لقد تم نقل الطبيب الطيب من هنا وبقي الطبيب الجزار والأفضل أن أموت على الذهاب له))
هزَّ قصي وجهه ببؤس وهو يجد نفسه عاجزًا عن مساعدتها لكن رسم ابتسامة باهتة قائلًا
((حسنا لدي خبر مفرح لك، هل تذكرين يوسف غزوان؟))
فتحت إحدى عينيها وهي تجيبه
((أتقصد نائب المدير التنفيذي لفرع العاصمة؟ وهل يُنسى شخص بمثل منصبه!؟))
أكمل لها قصي بهدوء دون أن تنحسر ابتسامته
((أخبرني يوسف أن أخاه الأكبر زياد الذي يعمل طبيب عسكري سيتم نقله قريبا هنا، طلبت من يوسف أن يعلمه عنك وعن وضعك، ويمكنك متى ما أردت أن تذهب عنده ليصرف لك الأدوية التي تحتاجيها، يدعى زياد غزوان))
فتحت عينيها الاثنتين بشكل متسع يعتريها الذهول وقالت
((هل تقصد أنه ستكون لي وساطة في السجن! قُصي أنت هدية من رب العالمين لي))
كان صدرها يعلو ويهبط بفرح وهي ترى الفرج يدنو منها حتى قالت له بعد دقيقة بعتاب مرح
((أنا للآن لا أصدق كيف قام شخص مثلك بشتم العميل وتسبب بإغلاق القسم كاملا!))
ناظر قصي شيرين بغيظ ودمدم
((اصمتي يا شيرين ولا تسمعيني كلمة عن شركة القاني الغبية، أتمنى أن تُهدم هذه الشركة، هكذا على الأقل لا أتحسر على حقي الضائع من ورثة أبي رحمه الله، ضعنا بعد وفاته أنا وأخي))
هزَّت شيرين كتفيها وهي تشعر بأنها تتعرف على قُصي آخر غير الذي كانت معتادة عليه.. ربما لأنها أثناء عملها لا تُدخل أيا كان إلى مكتبها وتحاول أن تكون شخصيتها غامضة بالنسبة للموظفين ومبهمة حتى يحترموها أكثر.. فلا تتعامل معهم كثيرا ولا تدعوهم عندها..
.
.
عادت شيرين للعنبر وكل ما فيها لا يتسع من الأمل بالفرج القريب لكن وقبل أن تغلق الحارسة عليها الباب جاء ضابط يقول
((صدر أمر بفصل النزيلة شيرين عن هذا العنبر فلا تدخليها إلى هنا))
انتفضت شيرين مكانها وقالت جازعة
((فصلي عن هذا العنبر!؟ ماذا تقصد!؟ إلى أي عنبر ستأخذونني؟ أنا لن أغادر من هنا أبدًا))
تغضّن جبين الضابط بالغضب وحرك رأسه بصرامة يأمر الحارسة بتكبيلها بالأصفاد الحديدية مجددا استعدادا لنقلها.. فناظرت شيرين بوجه يُرثى له رفيقاتها بالزنزانة وقالت برجاء
((لا تسمحوا لهم بأخذي..))
وقفت باقي النزيلات صفا واحدا ليحلن دون فصل شيرين عنهن لكن الحارسة الممتلئة نجحت بانتزاعها منهن بالقوة ونقلها لعنبر آخر.. أسوء من هذا العنبر بكثير وأعداد النزيلات فيه أضعافه..
طالع الضابط رفيقه يقول له ساخرا
((لا تشعر بالذنب فهي موقوفة لاتهامها بجريمة قتل ومكانها من الأساس في ذاك العنبر المقيت لا هذا))
وافقه رفيقه الضابط هادرا
((معك حق، علينا أن نبذل أقصى جهدنا لجعل حياة النزيلة شيرين مزيجا من العذاب، على الأقل لنحلل الرشوة التي أخذناها من عائله طه))
=============================
غسلت نجوم وجهها وخرجت من الحمام وهي تلهث بإعياء لتجد والدتها بملامحها المخيفة تقف أمامها متسائلة
((كم مرة تقيأتِ يا نجوم اليوم؟))
تكللت ملامحها بالدموع وهي تجيب بصوتٍ مُعذب
((أمي، لقد كنت أشك بأني حامل فأجريت اختبار الحمل لأتأكد من صحة شكوكي))
انهارت نجوم أرضا تلامس قدميّ أمها وتنوح
((ماذا سأفعل الآن وأنا أحمل بالفعل ابن سفاح! ماذا سأفعل يا أمي! لم يسبق وأن تحدثت عن عرض أحد أو هتكته بالكلام فلماذا يحدث لي كل هذا وما ذنب الطفل بأحشائي أن يقال عنه "ابن حرام"؟))
انحنت منال لترفع ابنتها وتوقفها فتستند نجوم على الجدار بلا قوة وتبعد شعرها الطويل الملتصق بوجهها بفعل دموعها.. لتسمع صوت أمها تقول بصلابة
((ستجهضينه.. هل فهمت؟ لا يمكن أن نبقي على حملك!))
هزت نجوم رأسها نافية وهي تقول
((لن أستطيع إجهاضه أبدًا، بل كيف سأفعلها دون أن يعلم أحد ما فعله ابن خالتي بي))
أمسكت منال ذراع ابنتها تضغط عليها فتئن نجوم ألمًا وهي تسمعها تقول بصوتٍ يستعر غضبا
((لن يعرف أحد فأنا سأجلب امرأة تجهضك بالبيت))
=============================
مجلس الحاج يعقوب..
جلس بعض من رجال وجهاء عشيرة الكانز مقابل الحاج يعقوب وابنه مُعاذ بينما يسترسل أحدهم كلامه بغضب
((ما فعله وليد لا يغتفر وإن لم يحاسبه أحد في الماضي فلا يعني أننا سنمرر الأمر الآن))
كان باطن كلام الوجهاء فيه اتهام صريح بتحميل كافة مسؤولية أفعال وليد الهوجاء وغير المقبولة لعمه يعقوب.. فأومأ الأخر بوجهه بامتعاض وقال بإذعان
((معك حق وليد كسر هامتي أمامكم، أنا أحاول التواصل به منذ أن وصلني من أخبار عما فعله بزوجته السابقة ولكنه لا يرد على أي من اتصالاتي، أنا لا أعرف تحديدا إلى أين سافر))
عقب أحد الوجهاء بهيبته
((ابن أخيك الفاجر يرفض أن يعطي الفيديو الذي سجل الحادثة لمحاميها الذي يجد صعوبة في الحصول عليه من مكان آخر غيره خاصة وأن هاتف المسكينة مفقود))
وتابع رجل آخر بنفس الهيبة المحيطة به يقول
((لن نسكت على تسببه بسجنها، لا تنسَ يا حاج أن أمها من قريتنا، وإن كانت من عائلة بسيطة فذلك لا يخوله لفعل كل ذلك، أخوالها لا يتوقفون عن الاستنجاد بنا من وقت لآخر فليس لديهم أحد غيرنا بعد الله ونحن لن نخذل أحدًا لجأ إلينا))
ردَّ يعقوب بصلابة وتأكيد
((بالتأكيد أنا معها بغض النظر إن كانت أمها من قريتنا أو لا، لست أنا من أقبل على أي امرأة أن تتعرض لمثل هذا الظلم المجحف، أقف مع الحق حتى لو كان ضد أبنائي))
لم يخفِ أحد الرجال استياءه وهو يقول
((وأيضا وصلني من أخوالها أنها كانت في المشفى بعد أن أسقطت جنينها والآن عادت للسجن))
تكّدرت ملامح يعقوب وهو يقول بأسف حقيقي
((كانت حامل؟ كم هذا مريع! ذنوبك يا ابن أخي تتزايد))
شعر معاذ بقلبه يتقرح فكور أصابعه وزمّ فمه بقوة.. تكتسحه في هذه اللحظة مشاعر همجية تحثه على أخذ ثأر شيرين الآن وقتل ابن عمه! لقد كانت حامل!
بدأت تتصاعد الدماء أكثر إلى رأسه ومع ذلك تحلى بشيء من رزانته المعهودة وتدّخل
((كنت أريد أن أضع أنا ووالدي محامي لها ولكن عرفنا بأن محامي كبير بالفعل تولى قضيتها، ونسأله بين الحين والآخر عن آخر المستجدات، والحمد الله بشرنا أنها مسألة وقت قبل أن تخرج فلا دليل ملموس ضدها))
تنحنح أحد الرجال في المجلس يوجه كلامه للجميع
((فعلا هي مسألة وقت قبل أن تخرج، لذا الكلام الذي نجريه الآن عليه أن يبقى هنا ولا يعرف أحد بأمر سجنها، لا نريد أن يمس أي شيء أو أحد سمعتها))
أكمل الرجل على كلام الذي بجانبه يقول بنبرة خشنة
((وبعد أن تخرج من السجن عليك يا سيادة الرائد أن تتزوجها أنتَ))
اتسعت دائرة حدقتي معاذ بصدمة هادرًا
((ماذا!؟ أتزوجها أنا!؟))
فأجابه الرجل بهدوء وثبات
((نعم، عليك أن تتزوجها أنتَ فقد أخبرني أحد أخوالها أنه كان هناك مشروع زواج بينكما ولكنك بآخر لحظة تراجعت))
اضطربت ملامح الحاج يعقوب!
إذن شيرين هي الفتاة التي كان ابنه يرغب في الزواج منها قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة!
حافظ على رباطة جأشه إلا أنه اعترض بصوتٍ له وقت هيبة
((لم يزودني معاذ تفاصيل كثيرة عن مشروع زواجه بشيرين ولكن ما أنا متأكد منه أنه لو كان يريد الزواج منها لمضى قدما فيه دون انتظار توجيه من أحد! فضلا عن أنه ليس ذنبه تصحيح أخطاء ابن عمه))
تغضّن جبين الرجل باستياء وقال من منطقه
((ولكن عليه أن يتزوجها تعويضا عن كل ما تعرضت له سمعتها من ابن أخيك يا حاج..))
رفع يعقوب يده معترضا بهدوء ورد بحيادية
((أقدر موقفها وما تتعرض له من ابن أخي ولكن ابني أيضًا له حق اختيار شريكة حياته، هو لم يبقَ أعزبا طوال هذه السنوات لأفرض عليه الآن الزواج من امرأة كانت زوجة لابن عمه دون مراعاة لنفسيته أو قدرته على تقبلها))
تنحنح مُعاذ بارتباك وتململ في جلسته أثناء حديث والده الذي بدا منزعجا منه ومن اعتراضه الصارم على فكرة زواجه من شيرين!
وبمجرد أن انتهت هذه الجلسة وانصرف الوجهاء مجلسهم حتى تحدث مُعاذ إلى أبيه بنبرة مغلفة بالتردد
((أبي إنهم مُحقين! أعني إذا كان في زواجي منها تكفير عن أخطاء ابن عمي فلم لا أقدم عليه..))
قاطع يعقوب ابنه بلهجة باترة ورفضٍ واضح
((لا يا مُعاذ لا ذنب لك بما فعله وليد، لم أنجب أنا أولادي حتى يتحملوا أخطاء من حولهم، عندما أصرّ الوجهاء على مُصعب أن يتزوج من عروس الثأر بعد رفض وليد لها لم أعترض ولبيت رغبتهم، لكن إلى هنا وكفى.. لن أسمح لحس المسؤولية عندك أن يظلمك.. مُصعب لو لم يكن يعيش هانئا مع زوجته لكان عذبني ضميري لأني فرضت عليه الزواج من قريبة الرجل الذي تسبب بمقتل ابن عمك غدرا))
مرر مُعاذ يده فوق رقبته يقول بارتباك وهو لا يعرف كيف يعبر عما يريده حقا
((ولكن يا أبي لم يكن عليك الرفض.. أعني أنا..))
قال يعقوب بلهجة آمرة
((لن تتزوجها وانتهى الأمر، أنا لن أتحمل رؤيتك تتعرض للضغط للزواج من امرأة سبق ورفضت الزواج منها، ثم لا يعقل ألا يحظى واحد من أولادي بزواج طبيعي!))
كتم مُعاذ تنهيدة محبطة خائبة..
فكيف يقول لوالده أنه معجب بشيرين وسبق وأحس بالميل نحوها منذ الوقت الذي طلب والده منه أن يزور أباها بعدما انتقل من قريتهم!
قاطعهم دخول مَازن المباغت
((السلام عليكم يا أبتي..))
قطع مَازن كلماته وهو يفاجئ بوجود مُعاذ الذي ما إن رآه حتى ابتسم واندفع نحوه معانقا إياه بعناق أخوي ثم قال بحرارة
((انظروا من قد جاء هنا! لم أراك يا مازن ولم أتحدث معك جيدا منذ قدومك))
ابتسم مَازن ابتسامة طفيفة ونكس نظره بينما مُعاذ يجره ليجلس بقربه ويحيط كتفيه بذراعه بقوة ثم يقول باعتراض حائر
((لماذا تسلم عليّ بدون حماس يا مَازن؟ هل أنت غاضب مني من شيء؟))
تطلع مُعاذ بأبيه متسائلا عند سؤاله الثاني ليبتسم يعقوب على ملامح مَازن العابس بتعابير غير مألوفة عليه أبدًا.. فرد يعقوب
((يبدو أنه لا زال آخذا على خاطره منك يا معاذ منذ عودته لصرامتك معه))
نظر مُعاذ لمَازن بتعجب ثم أحاط برقبته وشدد من عناقه يناغشه معترضا بمرح
((وأنت يا أبي كنت صارما معه أكثر مني فلماذا يتعامل معك بشكل عادي على غرار معاملته لي))
رد يعقوب بصرامة وخشونة
((أنا والده وأفعل به ما أريد ويا ويله مني لو أبدى اعتراض.. المهم ما الذي كنت تريده يا مَازن؟))
حاول مَازن أن يحرر رقبته من يديّ مُعاذ تدريجيا قبل أن يحررها الآخر، ثم اعتدل في جلسته وقال لأبيه وهو يمد راحة يده له دون تردد
((أبي أنتَ تعرف أن آخر مشكلة حصلت بيني وبين ابنتي وهي تتجنبني، لذا فكرت أن أصالحها بشراء لعبة ضخمة لها))
رسم يعقوب ابتسامة هادئة وهو يقول
((لطيف منك أن تهتم بابنتك وتحرص على مراضاتها، يسرني ما أسمعه منك))
انفرج وجه مَازن بسعادة وهزّ يده الممدودة لأبيه، فعقد يعقوب حاجبيه متسائلا
((لماذا تمد يدك لي؟))
أجابه مَازن مستهجننا
((أريد نقودا منك يا أبي، وإلا كيف سأشتري تلك اللعبة الباهظة لهدى؟ لم أطلب منك أي مال منذ قدومي هنا وكنت أنفق من مدخراتي.. لكن الآن أريد منك أن تزوده فمصروفي لم يعد لي وحدي.. وربما اشتري سوار ذهبي لياسمين أيضًا))
عبست ملامح يعقوب فجأة وقال
((ألا تخجل في عمرك هذا أن تطلب مني المال؟))
تجلت ملامح سمجة على مَازن مجيبا
((لا أبدًا لا أخجل، أنتَ والدي))
وبخه يعقوب هادرًا
((لا مال بعد الآن لك، يكفي ما أنفقته عليك وعلى تعليمك في الخارج، ابحثْ عن وظيفة تُدر عليك دخلا كافيا تنفقه على نفسك وعائلتك الصغيرة))
اعترض مَازن بخيبة أمل ((ولكن يا أبي..))
استقام يعقوب من مكانه وقال باحتدام
((مَازن لا اعتراض، أنتَ الوحيد من بين إخوتك الذي درست في الخارج بجامعة عريقة، بهذه الشهادة عليك أن تشغل منصب مرموق في إحدى الشركات الكبيرة لا أن تجلس عاطلا في بيتي تنتظر مني مصروفك نهاية الشهر!))
كتّف مَازن ذراعيه وتبرم بملامح منكمشة
((ولكن أعطيني على الأقل ثمن تلك الهدية وسأذهب للبحث عن عمل لاحقا، من أجل هدى ليس من أجلي))
برقت مقلتي يعقوب وتمتم بخشونة
((أشفق على تلك الطفلة المسكينة، ولكن لن أعطيك ثمنها لعل حزنها يكون دافعا جيدا لك لتسرع في البحث عن وظيفة))
ثم غادر المجلس على الفور بمزاج مستاء نحو أرضه ليعمل ويساعد المزارعين فيها قليلا..
في حين اعتلت الخيبة ملامح مَازن قبل أن يُفاجأ بمُعاذ يجتذبه نحوه قائلا ببشاشة
((تعال يا مَازن وأخبرني كم سعر تلك الهدية وأنا سأعطيك ثمنها ريثما تجد وظيفة تسندك..))
انفرجت أسارير مَازن وأخبره سعرها فأخرج مُعاذ بطاقة الائتمانية وناوله إياها قائلا
((هذه البطاقة لك، فيها أموال تساوي ثمن اللعبة ومصروف سيكفيك لشهر كامل))
ناظر مَازن البطاقة كأنها كنز كبير يساوى الدنيا وما فيها ثم انكبّ على أخيه يضمه هادرا وابتسامة انتصار تتراقص على ثغره
((الآن أنتَ أخي وحبيبي))
غادر مَازن على الفور بالبطاقة قبل أن يغير مُعاذ رأيه فهز مُعاذ رأسه بيأس منه.. فهو على غرار والده لا يحب أن يتعامل بقسوة وصرامة مع مَازن واثقا بصلاح جذوره وطيبة قلبه!
انتشل صوت دارين مُعاذ من شروده
((أبي ماذا أعطيت لعمي مَازن ليقبلني من وجنتيَّ أثناء خروجه ويثني عليك؟))
طالع مُعاذ ابنته بحنان جارف وسألها مبتسما
((دعك مِمَّا أعطيته وفكري بما سأعطيه لك في عيد ميلادك القادم؟))
تقوست شفتا دارين بعبوس وقالت بصوتٍ لامس قلب أباها
((وماذا ستجلب لي؟ سلسال أو حلق أو طوق من فضة أو ذهب؟ لا أريد أي شيء من هذه الأشياء، أريد أن تعطيني اهتماما أكبر وألَّا تكتفي بالاهتمام بيوم عيد ميلادي الوحيد في السنة!))
رفرف مُعاذ بعينيه ثم عاتبها برقة
((أنا لا أخرج معك إلا في يوم عيد ميلادك الوحيد في السنة!؟ ألا نخرج سويا للمطاعم ولمدن الألعاب غالبا بعد أن نزور أنا وأنتِ قبر والدتك رحمها الله؟))
ازداد عبوسها وهي تقول بصراحة
((لا، ليس دائما، أحيانا تأخذني معك لقبرها وتعيدني فورا إلى هنا متذرع بالعمل!))
أطلق مُعاذ تنهيدة طويلة ثم قال وهو يمسح بيده الخشنة فوق شعر ابنته الأملس
((وماذا أفعل يا دارين!؟ هذه هي طبيعة عملي، لا أستطيع أن آخذك هناك لتعيشي معي في شقتي لأني أغيب عنها أحيانا لأيام وليس عندي قريب أطلب منه أن يهتم بك أو يزورك بين الحين والآخر لو تركتك في الشقة وحيدة.. بقاؤك هنا عند جدتك أفضل لك))
رفعت دارين ذقنها وقالت بجدية
((إذن عليك أن تتزوج عاجلًا حتى أستطيع أن أعيش عندك في المدينة مع زوجتك، أعدك أن أحبها من حبي لك وألا أجعلها تمر بوقت عصيب معي، لكن تزوج))
رماها مُعاذ بتلك النظرة الخاصة وقال
((لا تقلقي سأتزوج قريبا))
همهمت دارين بتفكير ولم تعرف إذا كان والدها جادا هذه المرة لكنها قالت وهي تحثه على الوقوف
((هيا بنا الآن للمغادرة، سنتأخر على زيارة خالي))
كان يهم مُعاذ بالوقوف فعلا ولكن صدح رنين هاتفه ليفاجئ بأن المتصل زميله في العمل..
زوى ما بين حاجبيه متسائلا عن سبب الاتصال بحكم أنه في وقت إجازته لكنه رد على المكالمة مرحبا ليأتيه تذمر صديقه
((لماذا لا ترد عليّ اتصالاتي؟ هل وصلك قرار نقلك؟))
انتفض مُعاذ واقفا من مكانه متسائلا
((أي قرار نقل!؟ ما عرفته أن أحدا من طرف ذاك الملازم الأول حمد كان يريد رفع شكوى ضدي بحجة تقصيري وسماحي بالتسيب لمن يعمل تحت إدارتي وأنا متجهز حتى أبين للمسؤولين بأنها شكوى كيدية))
وصله صوت صديقه الحانق
(لكن لم يُرفع أي شكوى ضدك بل صدر قرار من جهات عليا بأنه سيتم نقلك إلى مبحث آخر، في سجن نسائي))
احتقن وجه مُعاذ ونفرت عروقه كأعمدة بركانية تتدفق حممه سُخطًا ليهتف
((ماذا؟ سجن آخر؟ ونسائي؟ بدلا من أن أرتفع بعملي يتم نقلي إلى مكان آخر نسبة ترقياته معدومة! هل تظن أني سأسكت؟ سأقيم الدنيا عليهم ولن أقعدها.. أقسم بالله لن أهتم به وبمن ورائه وســ.. وأيضا.. لحظة.. لحظة..))
كان صوت مُعاذ المهتاج يخفت تدريجيا قبل أن يتساءل
((هل يمكن أن تخبرني اسم السجن النسائي الذي تم نقلي له؟ فسجون النساء محدودة))
وسرعان ما اتسعت عينا مُعاذ حتى كادتا أن تخرجا من محجريهما ما إن سمع اسم السّجن النسائي الذي سيبدأ العمل فيه..
=============================
ابتسمت جُمان ابتسامة هادئة وناعمة خلف الزجاج الشفاف ما إن جلست شيرين أمامها
((مرحبا.. أنا جُمان.. تعرفينني صحيح؟))
ازدردت شيرين ريقها وقالت بصوتٍ مبحوح تتجنب النظر في عينيها
((الحقيقة سمعت بأنك ستشهدين لصالحي، شكرا لك على ذلك))
أومأت جُمان لها برقة وقالت
((هذا واجبي لا تفضلا مني، كما أني أشعر بأنك لا تطيقيني))
قالت شيرين بفتور
((لقد تركني وليد في صبانا وتزوج منك في نفس اليوم الذي كان مقررا أن نتزوج فيه فمن الطبيعي ألا أشعر بالود تجاهك، أما بالنسبة لزواجنا فأنا لم أتزوج منه إلا بعد أن تطلقتما بأشهر طويلة))
عقبت جُمان بملامح متسامحة
((نعم كنا قد تطلقنا بالفعل وكنت أنا من طلبت الطلاق))
رفعت شيرين عينيها لتسألها
((لماذا ألم تحبيه؟))
ردت جُمان بعذوبة
((بلى أحببته.. ولكن حبي له كان إساءة لنفسي وخطأ لقلبي فقررت أن أتركه حتى لو كنت لا زلت واقعة في حبه، فهو ليس الرجل الذي أبحث عنه))
حضنت شيرين شفتيها بعبوس فأكملت جُمان
((أعلم أنه تزوج مني من أجل أن يغيظك، أذكر ببداية زواجنا أنه كان يتعمد جعلي أبدو سعيدة أمام أهل القرية لعل الأخبار تصلك بطريقة أو بأخرى، فكان فعلا يحرص على سعادتي بتقديم الهدايا لي وإخباري كم يحبني عند أي ظهور لي معه أمام أحد من أهل القرية.. إلى الحد الذي ظننت فيه فعلا أنه يحبني.. لكن بعد أن أمعنت التفكير لاحظت أن كل هذه التصرفات تتعلق بك، إنه ببساطة لازال يشعر بحبه لك، قبل أن يفقد اهتمامه بي لأنه لم يجد أي رد فعل منك أو ندم..))
كانت شيرين تصغي لكلامها باهتمام تام وبمجرد أن انتهت لم تجد إلا أن تقول بخفوت
((أنا آسفه لما مررت به ولكن كان عليك أن تعرف بأنه لن يكون فيه خيرا لك وألا توافقي على الزواج منه منذ البداية بعدما فعله بي))
اتسعت ابتسامة جُمان الناعمة وهي ترد بصوتها الهادئ
((الأمر ليس سهلا كما تظنين، فقد كنت ومنذ ولادتي مكتوبة باسم وليد.. كان والدي ووالده صديقين ولم يتجرأ طوال حياتي أن يتقدم لي أحد لأنهم يعرفون أني لوليد.. لكن فأجأ وليد الجميع عندما قال بأنه مغرم بفتاة أخرى ويريد الزواج منها، ورغم سخط الجميع عليه وحبي له آنذاك تفهمت ما يقوله ولم أبدِ أي شيء فليس ذنبه أن والديه خطبوني له منذ صغره دون أخذ موافقته..))
قطبت شيرين حاجبيها وقالت
((لم أكن أعرف هذا الأمر من قبل، أخبرني وليد القليل عنه بعد عقد قراننا لكن لم أتدخل بالتفاصيل))
ردت جُمان بتفهم
((نعم أعلم ذلك، فقد انتقلنا أنا وعائلتي لمكان آخر وهناك مررنا بظروف أدت لانفصال والديّ وجعلتني أنا وأبي نعود للقرية.. وحينها أخبرنا وليد بأن الفتاة التي كان يريد وليد الزواج منها خائنة وواقعة في غرام رجل آخر ولن يتزوج منها اليوم وعلى أن أكون بديلة لها.. بالطبع رفضت ذلك رغم أن وليد طالما كان الرجل الذي أحببته وعشقته وتمنيت الزواج به.. لكن أبي آنذاك أصرّ عليّ وحملني مسؤولية إصابته بسكتة قلبية لو رفضت عرض الزواج، وتحت إلحاحه الشديد وضغطه العاطفي وافقت..))
صمتت جُمان قليلا لتشرد عينيها للحظات قبل أن تتابع
((لكن اكتشفت أن زواجي به بهذا الشكل دون حتى أن نمنح أنفسنا فترة خطبة أعاشره فيها لأعرف إذا كان هو الشخص المناسب لي أو لا كان أكبر خطأ في حياتي.. فيوما بعد يوم من زواجي به أدركت حقيقة مشاعره، وشعرت أني أغوص في بئر سحيق..))
أصدرت الضابطة تعليماتها بصرامة بانتهاء موعد الزيارة لتقول جُمان لها
((يبدو أن فترة الزيارة انتهت، سأغادر وأتمنى أن نفرح على نبأ خروجك من هنا قريبا))
ولكن قبل أن تغادر جُمان أخفضت شيرين صوتها تقول
((لحظة انتظري يا جُمان، في هذا السجن سيأتي طبيب جديد اسمه زياد.. زياد غزوان أريد منك أن تذهبي عنده لأمر مهم))
ضيقت جُمان عينيها بينما تنصت لما طلبت منها شيرين فعله على عجل..
=============================
وقف الصبي الذي كان يركض أمام مجموعة من الرجال متسائلا من بين لهاثه
((أين هو قصر الحاج يعقوب الكانز؟ أريد مقابلة الحاج))
أشار له إحدى الرجال قائلا
((إذا كنت تريد الحاج نفسه فها هو هناك، وصل قبل قليل))
انطلق الصبي برجليه راكضا إلى حيث أشار الرجل له..
وفي الطريق كان شقيق رتيل يراقب الصبي بتوتر..
لقد رآه يأخذ شيئا من شقيقته وما إن أغلقت رتيل النافذة حتى لحقه وأخذ منه الهاتف وعرف ما كانت توصيه رتيل به..
ألم تشك البلهاء بأن الصبي قد يذهب بهذه الرسائل هنا أو هناك ويطلعها لهذا وذاك ويفتضح أمر زوجها؟
لذلك حرّص هو على أخذ هاتفه وطباعة الرسائل بنفسه بعيدا عن أعين صاحب الطابعة حتى قبل أن يحذفها من جهاز الصبي ويوصيه أن يذهب بها للحاج يعقوب..
لقد بدأ يشك بأن سبب طلاق مُؤيد لأخته هو امرأة أخرى.. فرجّح أن يقوم بخطة أخته لإرسال تلك الرسائل لوالد زوجها لعله ينجح في إعادتها له، فانتظر عدة أيام قبل الوقت المناسب لإرسال هذا الصبي..
وقف يراقب الصبي يهرول باتجاه الحاج يعقوب ويمد له أوراقا ويقول له بحزم لا يناسب سنه
((هذه الأوراق تحوي رسائل مهمة لك، أرجوك لا تسألني من أرسلها وكيف ومحتواها فما أنا إلا رسول أمين))
ابتسم الحاج يعقوب على ظرافة الصبي وتناول منه الأوراق وأدخل يده الأخرى في جيبه يخرج مالا ليناوله إياه لكنه لم ينتظر أكثر وركض بعيدا..
قوّس يعقوب حاجبيه وبدأ يتصفح بشكل سريع هذه الأوراق التي طُبعت عليها رسائل لمحادثات على الإنترنت..
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!