لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثامن والعشرون
بعدما أنهى وليد مكالمته ألقى بهاتفه فوق المكتب بقوة وقد اقترب حاجبيه من بعضهما.. كان يشعر بالتشوش يغزو عقله والغضب المستعر يشتعل في داخله كأنه بركان يستشيط بحممه..
لا يصدق إلى الآن أن شيرين كانت حامل! حامل! كان هناك طفل بأحشائها منه.. منه هو.. قبل أن تخسره أثناء وجودها بالسجن!
طفح الذنب وتأنيب الضمير على ملامحه المحتدة.. وبدا كأنه أكبر من عمره بعشر سنوات..
لقد كان هو المتسبب الأول بخسارتها إيَّاه.. فلو رفض السفر قبل تقديم براءتها وإخراجها لم تكن لتبقى هناك مدة أطول خاصة وأنَّ محاميها فشل بكل الطرق الممكنة على الحصول على الفيديو الذي يؤكد براءتها!
احتدت الدماء في وجنتيه غضبا منها وتراقص اللهب في مقلتيه الداكنتين سخطا عليها..
لم يكن عليها معاندته والإصرار على تركه.. لم يكن عليها ذلك.. تبا لها..
ربـــــــــاه.. فقط لو كان يعلم أنها حامل.. يقسم بأنه لم يكن لينتظر ثانية أخرى قبل أن يبذل كل ما بوسعه لإخراجها.. كان ليخاطر ببقائه في البلاد لمدة أطول حتى تخرج سالمة من السجن ولو ترتب على الأمر أن يخسر حياته.. هذا فقط لو كان يعرف بأمر حملها!
لقد خسر طفل له مع جُمان في السابق قبل أن يصبح حملها مجددا صعبا بل مستحيلا.. والآن ها هو يخسر ابنا ثانيا له مع شيرين..
انهارت ملامحه وتراخت جلسته على كرسيه.. ارتعشت شفته السفلى باختلاج فؤاده المحروق ونزيف قلبه المنهمر بغزارة راجيا من الله أن يعوضه بابن ثاني من شيرين..
=============================
في غرفة المعيشة..
زفرت زاهية المشغولة بالتطريز وعلامات الضيق متجلية على وجهها.. ثم ناظرت ابنها الجالس بجانبها تنهاه عن عادته المستفزة لأعصابها
((توقف يا مَالك عن هزّ ساقك بهذا الشكل، أنتَ توترني))
التفت مَالك بوجهه المحتقن لأمه هادرًا دون أن يتوقف عن هز ساقه
((لن أفعل يا أمي فأنا أكاد أموت قهرا وكمدا، كل شيء منذ لحظة زواجي كان يسير بخير حتى عرفنا بطلاق مُؤيد لزوجته، فمن وقتها سمية تنشغل عني لتعتني بأولاد أخي مُؤيد بجانب يزيد خاصة وأن امتحاناتهم على الأبواب))
تطلعت زاهية له باستنكار هادرة
((وماذا أفعل لك أنا!؟))
بادل مَالك مُؤيد الجالس مقابله النظر بحنق ثم قال ببغض
((أريدك أن تخبريها أن الاهتمام بولديْ مُؤيد هو أمر إنساني وتُشكر عليه، لكنه ليس من واجبها وعليها أن تهتم بزوجها فهو لا زال عريسا جديدا))
تجلى الامتعاض على وجه زاهية وقالت بترفع
((لسنا بحاجة لجميل زوجتك! اذهب وأخبرها أن تبتعد عن أولاد مُؤيد وتتفرغ لك))
لف الإحباط مَالك وقال لأمه بقلة حيلة
((أمي لن أفعل، ستظن أني أتصرف بتسلط معها وربما تأخذ على خاطرها مني، أخبريها أنتِ وتصرفي كأنك صاحبة هذا الكلام، أو سآخذها وأهجٌّ من هذا المكان إلى حيث لا يجدني أحد، وأترك يزيد عندكم أيضًا))
أطلقت عينا زاهية سهام الازدراء والاستخفاف برجولة ابنها مِمَّا جعل مَالك يقول بدفاعية وهو يشيح بنظره عن عينا أمه المتهمة
((أمي لا تناظريني بهذا الشكل، ليس لأن ابنك الآخر يريد أن يمشي على حلّ شعره ويتزوج مجددا عليّ أن أعاني من عواقب قراره وتتحمل زوجتي تربية أولاده!))
في هذه اللحظة فقط نطق مُؤيد متجهم الوجه ليقول بصوتٍ خطير
((اخرس يا مَالك ولا دخل لك بي))
شددّ مَالك على كلماته ليقول وهو يستشيط غضبا
((بل لي كل الدخل عندما تكون زوجتي مضطرة للاعتناء بأولادك، تزوج من طلقت زوجتك لأجلها واطلب منها هي أن تهتم بأولادك ودراستهم، نحن لسنا مضطرين لذلك))
ثم ناظر مَالك والدته بطارف عينيه وهو يردف تمردا وكبرياءً
((تذكري يا أمي كيف قام بتحريض أبي ضدي في السابق عند مسألة يزيد ولا تطالبيني أن أقف بجانبه الآن))
اتقدت في عيني مُؤيد نيرانٌ متأججة وهو يقول
((ومن طلب منك أن تقف معي أو تصنع معروفا!))
هتفت زاهية بصوتٍ متحشرج قهرًا على حال أبنائها وعلاقتهم ببعضهم
((يكفي، يكفي أنتما الاثنين، ساق أخاك مكسورة يا مَالك فلا تستقوى عليه.. الآن سأذهب لأخبر زوجتك أن تترك ابنا مُؤيد وشأنهما، لا أريد معروفها))
وتوجهت زاهية إلى حيث تجلس سمية مع الأطفال وهتفت عاليا باسمها فتطلعت سمية على حماتها التي دخلت المكان فجأة وأجابتها بخفوت
((أقوم بمذاكرة امتحانات الأولاد، هل هناك شيء؟))
منحتها زاهية نظرة ممتعضة قبل أن توبخها
((ومن طلب منك أن تذاكري لأحد منهم! انشغلي بابنك وزوجك فقط وغير مسموح لك بالتدخل بأولاد مُؤيد، تعلمي قليلا من ياسمين كيف لا تتدخل بشؤون أحد غيرها))
احتقنت الدماء في وجنتي سمية وتذرعت معترضة
((ولكن رتيل طلبت مني أهتم بابنيها جيدا أثناء غيابها خاصة بدراستهما))
عند ذكر تواصلها مع تلك الخائنة من وجهة نظرها انفلتت زمام أعصاب زاهية لتصب جام غضبها عليها
((قلت لك من الآن فصاعدا لا أريد منك أن تتدخلي بشؤون أولاد مُؤيد، سأدبر مربية لتهتم بدراستهما ورعايتهما ومن هذه اللحظة))
لفَّ الحزن والعبوس الأطفال الثلاث لأمر جدتهم وحتى أن فهد أمسك ذراع سمية وشدَّ عليها لولا أن قامت زاهية بسحبه نحوها بحزم ملفوف بالرفق ومن ثم أخاه خارج الغرفة..
دلف مَالك للداخل تزامنا مع خروجهم وجلس بجانب زوجته التي ارتسم الحزن والضيق عليها فحضنها من كتفها واجتذبها لصدره هامسا بحنو
((حبيبتي لا تحزني))
جمع يزيد كتب ودفاتر أولاد عمه فوق الطاولة التي كانوا يدرسون عليها ولحقهم.. أما سمية فتطلعت بعينيها لمَالك وقالت بإحساس قاتل بالذنب
((لكن أنا أشعر بالسوء لأني لن أستطيع الاهتمام بإبني رتيل بغيابها، وهي أكثر من بذلت كل ما في وسعها للتخفيف عن يزيد بفترة ابتعاده عنا))
قرب مَالك جبينه من جبين سمية وهمس لها مطمئنًا
((أعرف أن ما سأقوله سيكون قاسيا على أبناء أخي ولكن لا تساعديه في الاعتناء بهم حتى يعرف حاجة أطفاله لأمهم ويعيدها لذمّته ويتراجع عن أمر زواجه بأخرى، دعيه يعاني حتى لا ينطق كلمة الطلاق بسهولة بعد أن تعود زوجته له))
اعترضت له هادرة بعاطفتها المتوهجة
((ولكن ما ذنب الصغار! لماذا عليهم أن يعانوا بسبب أخطاء الكبار مثلما عانى يزيد بسببنا!؟))
انخفضت عينا مَالك لفمها قائلا بصوتٍ أجش وروح تواقة
((كم أنتِ رقيقة القلب، لو فقط تنسي كل من حولك وتركزي على زوجك المسكين))
بدأ العبث والشقاوة يتلاعبان بملامحه الحلوة فتسارعت دقات قلبها لتضخ الدم الى وجهها مباشرة فتشعر بخديها يلتهبان.. إلا أنها أظهرت تمنعا واهنا
((مَالك ليس هنا، قد يأتي أحد فجأة))
=============================
خرج مازن من مجلس والده ثم مّر على جناحه يتفقد ابنته والهدية التي جلبها لها ليجدها تهرول له ما إن وقع بصرها عليه ثم تتعلق برقبته تعانقه بقوة تناسب طفوليتها وتغمغم بانبهار لا يقل منذ شرائه بيت الدُمى الضخم لها
((أبي أنا أحبك))
ابتسم مَازن بحنو وهو يبادل صغيرته العناق شاعرا بأساريرها المتفجرة من البهجة لمجرد اقتنائه لها بيت دُمى الذي سمعها تقول مرة عن حلمها بامتلاك واحدا كبيرا مثله بدل الصغير الذي بحوزتها!
أبعدت هدى وجهها لتلثم وجنة والدها وذقنه الخشنة برقة وحب ليبعثر مَازن شعرها بيده هادرا بمرح
((وانا أحبك أكثر ولكن يكفي، هل ستظلين تمطرينى بالقبلات كل دقيقة!))
عادت هدى تناظر بيت دماها الضخم وتقول بعفوية طفولية
((كنت آمل منذ زمن الحصول على بيت دمى مثل هذا، وأمي ترفض قائلة بأنه من المعيب طلب نقود للعبة باهظة مثلها من جدي))
طالع مَازن ياسمين التي تناظره بحنق لكسبه قلب ابنته بسهولة وقلب حالها للنقيض معه لمجرد شراء بيت دمى باهظ الثمن لها.. ثم قال ببراءة مصطنعة
((بل العيب أن ألا أشتري لابنة أبيها مثل هذه اللعبة منذ وقت))
قطبت ياسمين حاجبيها بغيظ من مَازن الذي يناكفها ثم قالت بشيء من الحزم لابنتها
((هيا يا هدى تعالي لأذاكر لك دروسك، واتركي بيت الدمى هذا ولا تكون لهفة عليه بهذا الشكل كمحرومة))
زمّت هدى شفتيها بإحباط لترك بيت الدُمى إذ لا تشعر أنها شبعت من اللعب به أبدًا، لكنها طالعت والدها وقالت بلهفة وهي تحتضن بيديها الغضّتان كفه الضخمة
((أبي تعال وذاكر لي مع أمي))
أمسك مَازن وجنتيّ هدى وشدّهما برفق وقال
((حسنا يا ابنة أبيكِ سآتي لأذاكر لك، انتظريني نصف ساعة فقط لأن جدك طلب مني شيئا))
أطاعته هدى وودعته قبل أن تغادر أما هو فتوجه حيث شقيقه مُؤيد.. الذي كان متكئا على أريكته مكتئبا فاقدا لكل أشكال الحياة.. لا يرد على اتصالاته وترك إدارة عمله كاملة للموظفين عنده..
إصابة قدمه تمنعه من الهروب لأبعد مكان في الكرة الأرضية حتى ينسى ولو مؤقتا ما حدث مؤخرا معه..
انتشله من خلوته هتافه بابتسامة عريضة لا تبشر بالخير
((مُؤيد تعال.. والدي يريدك بشكل ضروري جدًّا ويبدو غاضبا جدًّا منك، ومعه مُعاذ))
حانت من مؤيد المتجهم نظرة لمازن وتساءل بتحذير
((هل تقول الصدق يا مَازن؟))
رفع مَازن حاجبيه ثم قال بشماتة
((نعم أقول الصدق، وليكن بعلمك أبي يبدو غاضبا أكثر من أي مرة رأيته في حياتي، حتى أني انتظرت قليلا قبل أن أتي الآن))
.
.
في مجلس الحاج يعقوب..
جحظت عينا مُؤيد حتى كادتا أن تخرجا من محجريها بينما يسمع صوت أبيه يزمجر به
((هل هذه المحادثات الحميمية هي لك يا مُؤيد؟ قبل أن تنفي أن رسائل هذا الحساب لك أقسم لي بالله العظيم))
اضطربت ملامح مُؤيد.. هو متأكد بأنه حذف كل هذه الرسائل من حسابه بعد أن أرسلها لدموع.. كيف وصلت.. ومطبوعة.. لوالده!
رفع عيناه بخزي وخجل لوالده الذي كان يرمقه بنظرات الخيبة الممزوجة بالغضب.. وقال بصوتٍ ثقيل
((أبي أنا لن أنكر، لكن أقسم لك بأنها كانت أول وآخر مرة أتحدث بمثل هذه المواضيع المخزية مع امرأة))
زعق به يعقوب بضراوة
((ومن هذه المرأة المدعوة دُموع؟))
ازدرد مُؤيد تلك الغصة المسننة في حلقه ثم رد
((دموع هذه.. عميلة عندي، كل ما كان بيننا هي بضع خروجات لأماكن عامة ومحادثات عادية، ومرة واحدة فقط استطاعت استدراجي للحديث معها من حسابي الشخصي في مثل هذه الأمور المخزية، لكن قطعتُ علاقتي بها تماما وندمت والله ندمت وعاهدتُ نفسي ألا أتحدث أو أخرج مع أمرأه لا تحل لي بلا حاجة أبد الدَّهر))
كان مَازن يقف خلف مُؤيد مضيقا عينيه وهو يقرأ الرسائل بحوزة أخيه.. وما إن انتهى من قراءتها حتى استقام في وقفته وقال لوالده بنبرة ذات مغزى
((قالوا للسارق احلف، فماذا قال؟ قال "جاء الفرج".. أعني كثرة قسمه تعني أنه كاذب على الأغلب))
فغر مؤيد شفتيه كأنه انتبه على وجود مَازن فاستدار نصف استدارة له يقول مهددا بأعين تطلق شرارات مخيفة
((غادر يا مَازن من هنا أو سأبرحك ضربا))
ابتسم مَازن يتقصد استفزازه وهو يهز رأسه بالنفي مِمَّا جعل مُعاذ يتنحنح يجلي صوته ثم يقول بصوتٍ حازم
((مَازن غادر من هنا فهذا الأمر لا يخصك))
غادر مَازن المجلس على مضض، بينما جلس يعقوب مكانه وقد شعر بارتفاع ضغطه.. مسح على وجهه بغمّ ثم قال بصوتٍ منهك وهو يمسك الأوراق
((دعني أستوعب، قلت بأنك ندمت وعاهدت نفسك ألا تخرج أو تتحدث مع النساء! وهل كنت تفعل ذلك بالسابق؟))
كتَّف مُعاذ ذراعيه وقال لوالده بصوتٍ قوي خشن
((نعم يا أبي ابنك في المدينة لديه الكثير من الصديقات اللاتي يخرج ويتحدث معهن بذريعة الصداقة، مستسهلا الحرام والتصاحب مع النساء، وحتى أني صدفة في المدينة رأيته جالسًا مع إحداهن))
ناظر مُؤيد أخاه الكبير بصدمة لا يصدق أنه أفشى سرّه لأبيه إلا أن مُعاذ لم يرف له جفن على ما قاله فما قرأه من محادثات بين مُؤيد ودموع نسفت أي تعاطف له تجاه أخيه..
قال يعقوب وهو يناظر وجه مُعاذ
((ولماذا قد يمتلك أخاك علاقات عاطفية مع نساء بصبغة حميمية؟ هل يفعل ذلك مثلا بنية الزواج الثاني؟))
عاد مُعاذ ينظر لأبيه ويرد بثبات
((لا يا أبي أي زواج هذا! الزواج ليس في قاموسه! لماذا يكلف نفسه الزواج وتبعياته وهناك بديل مجاني بدون التزامات يعوضه عما يرفض فعله مع زوجته كالتنزه معها.. فزوجته مكانها فقط البيت وصديقاته من يفعل معهن ذلك.. هذا ما قاله حرفيًا لي في إحدى المرات))
تدخل مُؤيد وقال بعنفوان مصطنع
((أبي أنا ليس لدي أي علاقات عاطفية، أي امرأة أخرج معها لا نذهب إلا لأماكن عامة غير مشبوهة ومن باب الصداقة.. صداقة بريئة ومنزهة عن كل غرض دنيء))
ضرب يعقوب بيده الأخرى فوق المنضدة وصرخ مستنكرا مفاهيم ابنه وحججه الواهنة
((هراء، فلا الآن أو في غابر الأزمان كان يسمح فيه لأي من الجنسين أن يستمتع بالآخر ومعه تحت أي شعار غير شعار الزواج لأنه مرفوض في ديننا ومجتمعنا بأسره))
قال مُعاذ متهكما بلا مرح
((المشكلة يا أبي أن ابنك المنافق الذي لا يرى أي مانع من إقامة صداقات "بريئة" مع النساء، يخلع عباءة التظاهر بالتحضر والتحرر عندما يعود الأمر لزوجته ويرفض حتى أن تحظى بصديقة من نفس جنسها!))
رفع مُؤيد كفه لصفيحة وجهه يمسحه وهو يقول بغضب لا يدري منبعه من نفسه أم من أخيه
((لست منافقًا يا مُعاذ.. انتقي ألفاظك لو سمحت!))
كادت أعصاب يعقوب أن تنفجر وكأنه فوق صفيح ساخن ليقول بغلظة
((بل أنتَ منافق! كيف تدعي أنك متعلم ومتفتح وعادل أمام الناس وقد طلقت زوجتك بذريعة خروجها لعيادة عمتها دون أخذ إذنك!))
لم يرد مُؤيد عليه وابتلاع ريقه كان الدليل الوحيد على تأثره، أما ُمُعاذ فأطلق زفرة طويلة محبطة..
طال الصمت في المجلس ورغم أن يعقوب كان محافظا على صمته إلا أن جسده كانت يهتز كأنه جبل بركاني يوشك على الاندلاع.. فقال أخيرا وهو يلوح بالأوراق
((مُرسل هذه الرسائل هي زوجتك يا مُؤيد، هذا ما استنتجته عندما رأيت بطارف عيني الصبي يستقل سيارة يقودها أخيها.. استنتج الآن أن سبب طلاقك الحقيقي لزوجة محبة ومخلصة مثلها هو اعتراضها على "صداقاتك البريئة"!))
أصدر مُؤيد صوتا ساخرا بمرارة من كلمة "مخلصة" التي نطقها والده بينما يكمل وهو يهز رأسه يمينا ويسارا بامتعاض
((خيبت ظني بك يا مُؤيد، بئس الرجل أنتَ، فما تفعله بمحادثة نساء أخريات أو الخروج معهن هو خيانة والخيانة عمل مشين لا علاقة له بمعتقد أو مجتمع أو دين.. هو ببساطة عمل لا تقبله الطبيعة الإنسانية التي جُبلت على الصدق والإخلاص))
دمدم مُعاذ بحزم وهو يرى أن أخاه وزوجته متعادلان الآن بأخطائه تجاه الأخر
((عليك يا مُؤيد أن تعيد النظر في قرار طلاقك، فأم ولديك لا تستحق منك ما تفعله بها، لتواجه هذا المصير، ألا يكفي حياة الانغلاق التي تجبرها على عيشها؟))
قال مُؤيد بحشرجة غاضبة
((أي حياة انغلاق يا أخي!؟ ألأني لا أنزهها أو أخرجها الى أماكن ترفيهيه أكون مقصرا؟ لم يسبق وأن سمعت من إحدى أصدقائي أنه يذهب بزوجته إلى تلك الأماكن ومع ذلك لم يواجهوا أية مشاكل))
أنبه مُعاذ هادرًا
((مُؤيد ليس عليك أن تستمع إلى أصدقائك لأنك لن تكون متأكدا من صدق كل ما يقولونه، ثم أنت أكثر من يعرف أنهم يغارون جميعا ويحسدونك على استقرار منزلك))
حاول يعقوب أن يأخذ نفسا عميقا يخفف من الدماء التي فارت فيه بغضب قبل أن يقول وهو يعتدل في مكانه
((مُؤيد سأعتبر نفسي لم أرَ أو اقرأ أي شيء من هذه المحادثات المخزية، لكن وبدون يمين لو وصلني شيء مشابه له مستقبلا فلن ترَ خيرا.. اخجل على نفسك
فانت لست مراهقا بل في منتصف الثلاثين.. وتذكر بأن الرجل يظل مهيبا حتى يُمازح ويتلطف ويتصادق مع من لا يخصه من النساء بغير داع فتسقط هيبته.. هذا أولًا.. أما ثانيا فزوجتك ستعيدها اليوم قبل الغد))
ارتفع صوت مُؤيد المثقل بالقهر وهو يقول
((لا داعي لتهديدي يا أبي فسبق وقلت لك بأني عاهدت نفسي ألا أكرر ما فعلته خاصة وأن ما مررت به بسبب ذلك كان قاسيا جدًّا، لكن زوجتي لن أعيدها لي وهذا أمر لا رجعة فيه))
صرخ والده به وهو يلوح بسبابته بتهديد
((بل ستعيدها، وستعيش معك في نفس المكان الذي ستستقر فيه في المدينة حتى لا تتركك على حلّ شعرك))
مزّق يعقوب الرسائل من المنتصف ورماها على الطاولة ثم غادر حتى لا يسترسل أكثر في هذا الجدال العقيم وينفجر ضغطه ويفقد حياته بسبب أولاده الذين لا يريد أي واحد منهم أن يرسى على بر..
غادر مُعاذ خلف والده وبعد دقائق دلفت الحاجة زاهية للمجلس وتقدمت من ابنها تسأله بتوجس
((ما الذي كان يريده أباك منك يا مُؤيد؟))
غمغم مُؤيد مجيبا وعيناه المحمرتان كالجمر تحدقان بالفراغ
((رتيل قامت بإرسال محادثات حميمية حصلت بيني وبين تلك المدعوة دموع وأرسلتها لأبي الذي استدعاني ووبخني بشدة معبرا عن خيبة أمله وظنه بي، ثم طلب مني أن أعيدها لذمته))
أمسكت زاهية كتف مُؤيد بيدها وتساءلت بصوتٍ مقهور
((لماذا لا تقول يا مُؤيد الحقيقة؟ إخوتك ووالدك يظنون أنك خائن وأن امرأة أخرى لعبت بعقلك وجعلتك تطلقها))
رفع مُؤيد وجهه لأمه وقال وهو يشد على كل كلمة
((أمي أنتِ لم تقرأي تلك الرسائل ولا أريد منك أن تفعلي ولكن أنا بالفعل خائن أتسكع مع نساء أخريات لا يربطني بهم أي شيء.. خطأ رتيل لا ينفي حُرمة ما كنت أفعله بحق ربي وديني وعائلتي.. ونفسي))
لكن زاهية لم تكن تصغي لشيء مما يقوله إلا فيما يتعلق برتيل فعقبت باستنكار
((خطأ؟ هل ما فعلته تلك الفاجرة هو خطأ وحسب؟))
أمسك مُؤيد عكازه بجانبه وضرب بها الأرض هادرا بانفلات أعصاب
((أمي يكفي إلى هنا.. لن أتحدث أكثر.. أنا لن أعود لرتيل لكن في نفس الوقت لن أسمح لأحد أن يعرف ما كانت تفعله))
بهُت وجه زاهية وتمتمت له باعتراض
((لكن هل يعقل أن تتحمل نظرة إخوتك ووالدك وكل من في..))
استعان مُؤيد بالعكاز ليعتدل واقفا يهتف مقاطعا أمه
((هل تريدين مني أن أفضح أم ولديَّ؟ كيف تريدين من فهد وباسم أن يقفا مرفوعا الرأس أمام أعمامهم وأولادهم إذا ما عرفوا بحقيقة أن أمهم كانت تكذب بشأن زياراتها لوالديها وتذهب لتبيت عند امرأة مشبوهة في أمرها لأيام والله أعلم ماذا كانت تفعل المرأة لها أثناء ذلك! ربما كانت تخدرها أو تصورها أو تدخل رجالا عند نومها بغير علمها!))
عند آخر جملة باح بها مُؤيد شعر بكل أوجاعه تصحو مهتاجة دفعة واحدة لتقسو عليه أكثر فغمغم بعذاب وهو يمسك رأسه بيدٍ
((أيعقل!؟ كيف استطاعت رتيل أن تذهب لتلك المرأة بغير علمي لسنوات دون أن أكتشف ذلك! كيف!؟ كيف!؟ كيف!؟ ألهذه الدرجة كنت ساذجا! يا الله ارحمني من هذا الجنون الذي أعيشه!))
أشفقت زاهية على حاله لكن لم يكن بيدها شيء..
هدأت أنفاس مُؤيد اللاهثة ثم قبض على عكازه بشكل أقوى وتحامل متكئا عليها ليخرج من المجلس..
فأمسكت زاهية الأوراق الممزقة وبدأت تقرأهم قبل أن يبهُت وجهها مغمغمه وهي تجعدهم ثم ترميهم في السلة
((هداك الله يا مُؤيد!، كلام يخجل حتى الأزواج أن يتحدثوا فيه))
ما إن دخل للصالة حتى وجد مَازن يجلس فوق ذراع الأريكة بجانب والده يتابع الفتنة عليه
((المهم يا أبي جاء هذا اليوم الذي ترك فيه مُؤيد هاتفه على الشاحن، وعندما أزلته من الشاحن لأضع هاتفي أنا صّدح هاتفه بصوت وصول رسائل له، ففتحتها من باب الفضول لأجد أنها مرسلة من رقم مسجل في هاتفه باسم أستاذته الجامعية، بلا طولٍ للسيرة فقد كان محتوى الرسالة اعتذار صادق منها مرفقا بقبلاتها الحارة له))
كان مَازن يتحدث ويتحدث دون أن يأبه لدارين ابنة أخيه المراهقة التي تصغي له باهتمام جليّ.. أو لحال أبيه والإعياء الظاهر عليه يتفاقم مما يسمعه..
اضطربت ملامح مُؤيد فصرخ من مكانه بصوتٍ قاصف
((مَازن اخرس!))
جفل مَازن على الصوت وتطلع حيث يقف مُؤيد لكنه لم يبالي وهو يقول متشمتا
((لا لن أفعل، عليك يا أبي أن تعرف أن ابنك ومنذ أيام الجامعة لم يكن رجلا بريئا ذو أخلاق عالية كما يحاول جعلك أن تتوهم))
زمجر مُؤيد بضراوة وهو يضرب الأرض بعكازه
((سأضربك بالعكاز إذا لم تخرس يا مَازن!))
كتّف مَازن ذارعيه بتحد سافر لمُؤيد ثم قال متابعا لوالده
((إذا لم تصدق يا أبي هذا الأمر فاسأل مُصعب ومَالك فقد جعلتهما يطلعان على الرسالة، الحقيقة كنت في ذلك اليوم أرغب بأن أخبر مشارق الأرض ومغاربها أن مُؤيد لديه أستاذة جامعية ترسل له قبلات حارة لكن أمسكت نفسي بصعوبة))
اهتزت حدقتي مُؤيد وقد عرف الآن كيف علم مُصعب بسر أستاذته الجامعية وباح به في أول شجار حصل بينهما! لم يتمَالك نفسه وهو يرمي العكاز بمنتصف الصالة وقد عجز أن يرميه باتجاه مَازن خوفا من أن تصيب والده أو دارين..
غادر مَازن هادرا بانتشاء وقد شعر بالتخمة من انتقامه
((إلى اللقاء يا أستاذ "قبلات حارة"))
أما الحاج يعقوب أعطى ابنه نظرة محتقرة أخيرة قبل أن يغادر المكان دون أن يتفوه بكلمة إضافية شاعرًا أنه لم يكن يعرف ابنه مُؤيد يومًا.. بل اتضح أن أفعال التوأمين لا شيء مقارنة بأفعاله..
على الأقل مَالك لم يسلك طريق الحرام ولو بالكلام.. أما مَازن فلم يكن ليجرأ على تطليق زوجته بغير الرجوع له أو قبوله..
لم يبقَ أحد في الصالة إلا دارين التي تطلعت لعمها بامتعاض طفولي وقالت ترميه بكلماتها اللاسعة
((لقد ظلمنا زوجة عمي المسكينة يا أستاذ "قبلات حارة"))
.
.
أغلق الحاج يعقوب باب جناحه خلفه قبل أن ينتشل هاتفه من جيب دشداشته عند رنينه ويتطلع للرقم باستغراب وهو يستدرك أنه رقم من الخارج!
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!