لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل التاسع والعشرون
بدأ مُعاذ مهامه في هذا المركز الإصلاحي النسائي الذي تم نقله إليه.. فبلده يصر أنه بلد بلا سجون وأن كل الموجود لديه الآن وما اصطلح على تسميتها بالسجون لا تغدو إلا أن تكون "مراكز إصلاح وتأهيل"!
جلس مُعاذ أمام رئيس السجن الذي رحب به وشرح له أكثر عن مهامه هنا.. ثم طلب منه أن يجري معايشة ميدانية لعدة ساعات داخل عنابر السجينات للوقوف على حياتهن داخل العنابر وكيف يتحركن ويقمن فيها..
فاستجاب مُعاذ ملقيا له التحية العسكرية قبل مغادرته..
بمجرد أن توجه لمنطقة العنابر وجد أمامه لافتة كبيرة مكتوب عليها أرقام العنابر.. ثم فُتح له باب ضخم وبمجرد أن وطأت قدمه المكان كان أمامه مدخل طويل تزينه على الجانبين الآيات القرآنية والحكم والمواعظ التي تدعو للصبر وضبط النفس والانخراط في الطريق السليم..
وجهته الأولى كانت نحو العنبر الذي عرف أن شيرين تتواجد فيه لا لشيء إلا ليتأكد من أحوالها.. من بعيد..
بالكاد كبح ابتسامة ترتسم على وجهه محاولًا تهدئة قرع طبول قلبه المتصاب الأهوج لأنه متواجد معها في نفس المكان.. لكن الجلبة العالية وأصوات شجار وصراخ النزيلات أثارت قلقه مما جعله يطلب من الضابطات أن ينبهن النزيلات بدخوله لتفقد الأحوال..
كان قلقا جدًّا من أن تكون شيرين طرفا في هذا الشجار..
كتم أنفاسه لحظة أخيرة ثم دلف من خلال الباب الفولاذي بهدوء.. مجرد رؤيتها واقفة هناك جعلت دقات قلبه تتضارب أكثر لكنه تعمد التظاهر بالحزم والجلد سائلًا دون مقدمات
((ما هذا الذي يحدث هنا؟))
كان يضع عينيه بخضرة عيني شيرين بصرامة بينما يسمع صوت الحارسة تجيبه بصوتٍ مرتبك وهي تشير إليها
((لقد قامت هذه النزيلة المدعوة شيرين بكسر الميكروفون الذي من خلاله نصدر التعليمات للنزيلات))
ببراعة أخفى دهشته مما يسمعه وذهوله..
ما هذا الذي فعلته ولماذا؟
اكتسحه شيء من الغضب منها.. هو مضطر الآن بسبب ما فعلته التعامل معها على حسب ما تمليه وظيفته عليه..
سألها بصوتٍ فظ صارم أقرب للانفعال
((لماذا قمتي بكسره أيتها النزيلة؟))
تصلب جسد شيرين بالكامل وغار قلبها الميت في صدرها.. لكنها ظلت واقفة مطرقة بوجهها.. مضطربة الملامح وساكنة لدرجة مزعجة وغير مبررة..
اختنقت حبال شيرين الصوتية ولم تنساب من شفتيها إلا كلمات متقطعة وفي نبرتها لمحة تضرع
((أنا.. أنا في.. الأمر..))
تلجلج كلماتها نشب مخال الذعر بقوة أكبر في جسده فتطلعت الحارسة للرائد مُعاذ تسأله
((هل نقوم بنقل النزيلة إلى زنزانة انفرادية عقابا لها على ما فعلته؟))
تطلع مُعاذ للحارسة وانفجر هاتفا بها يصب على رأسها كل غضبه المكتوم
((عندما أتحدث مع نزيلة لا تقاطعيني))
انتفضت كل خلية في الحارسة رعبا إذ أنها في هذا السجن في أسفل السلم الوظيفي.. أما مُعاذ وبنفس الصرامة عاد ينظر لشيرين آمرا
((أجيبي أيتها النزيلة))
ترغرغ الدمع في مآقيها وشعرت بحجر صوان عالق في حنجرتها.. بلعت هذه الغصة بصعوبة ثم تمتمت بصوتٍ جاهدت على خروجه ثابتا إلا أنه خرج مهتزا
((لم أقصد كسره، قامت إحدى النزيلات باتهامي بسرقة غطائها ومن ثم استنجدت بباقي رفيقاتها ليبرحنني ضربا))
ضاقت عينا مُعاذ وهو يمعن النظر بالكدمات والخدوش على وجهها.. تراجع رأسه للخلف قليلًا ثم قال لإحدى الضابطات الواقفات بجانبه بنبرةٍ مبهمة
((تأكدي من حصول كل نزيلة هنا على غطاء لها، واذهبي بالنزيلة شيرين للطبيب لمعالجة خدوش وجهها))
ألقت الضابطة تحية عسكرية له قبل أن يستدير مُعاذ بكامل هيبته مغادرا العنبر..
.
.
كان الطبيب العسكري زياد في مكانه بالعمل يراجع ملفات نزيلات والاستياء واضح على ملامحه.. هو أبدًا ليس راضيا عن العمل هنا والطبيب الزميل له والملقب من قبل النزيلات بالجزار يستغله ليقوم بمعظم أعماله..
تنهد بسخط تزامنا مع إدخال إحدى الحارسات له شيرين فعبس وجهه وقال باقتضاب بعد أن خرجت الحارسة
((مجددا؟ قلت لك لمصلحتك ومصلحتي ألا أتعامل معك ولكن أنتِ لم تكتفي بذلك بل حتى طلبت من صديقتك جُمان أن تأتيني))
اضطربت ملامح شيرين لكنها ردت بحنق
((لقد دخلت بمشاجرة صغيرة، لم أقصد المجيء عندك وأما بشأن جُمان كان هذا قبل أن أراك للمرة الأولى))
تمتم زيادة بعبارات مقتضبة غير مفهومة قبل أن يبدأ بعلاج كدمات وجهها مستغربا أن يسمحوا لنزيلة بالقدوم عنده لسبب تافه من وجهة نظرهم كهذه الإصابات الطفيفة!
بمجرد أن انتهت شيرين حتى قالت للحارسة المرافقة لها
((لو سمحتي أنا بحاجة أن تضعي اسمي على الدور لأن هناك اتصال بحاجة أن أقوم به، حقا لا ينفع تأجيله))
عبست الحارسة بها وتمتمت بغضب مشتعل
((لا يوجد لديك دور ومن غير المسموح لك باستخدام الهاتف..))
بترت الحارسة كلامها وقد جفلتا الاثنتان على صوت الرائد مُعاذ متسائلا بحزم بينما يتقدم منهما
((هل أنهت النزيلة العلاج؟))
أدت الحارسة التحية العسكرية وأجابته مرتبكة
((نعم يا سيادة الرائد وسأعيدها الآن للعنبر))
أمرها مُعاذ بوجه غير مقروء
((اذهبي بها إلى مكتبي ثم غادري))
ثم تجاوزهما غير آبه للنظرات المتسائلة المطلة من أعينهما.. لكن الحارسة التزمت بأوامره وصحبت شيرين لمكتبه ثم غادرت..
تلبست شيرين حالة فظيعة من التوتر بسبب أمر معاذ بالانفراد بها وشعرت بالدقائق تمر كالسنوات وهي بانتظار قدومه..
رباه.. ليتها ماتت قبل أن تعرف أن مُعاذ سيعمل هنا!
شهقت وانتفضت واقفة مكانها ما إن تناهى إلى سمعه صوت فتح مُعاذ للباب ونخز الخوف صدرها، لكنه توغل للداخل يقول بعملية وهدوء
((سلامتك يا شيرين.. خذي الهاتف واتصلي بمن تريدين.. بمجرد أن تنتهي اطلبي من الحارسة أن تعيدك للعنبر.. إنها في الخارج بانتظارك))
فتحت شيرين عينيها على وسعهما وهي تناظر مُعاذ يجلب الهاتف عندها..
تَحولْ مختلف بنظراته وصوته.. اختلاف مهول..
وضع مُعاذ الهاتف أمامها يرسم ابتسامة لطيفة أمام نظراتها المشدوهة الغير مصدقة قبل أن يغادر.. وكأنه.. وكأنه.. وكأنه يريد أن يتركها على راحتها؟
أخذ الوضع منها دقائق تستوعب ما حدث.. لكنها في النهاية تناولت هاتف السجن وبدأت تطلب رقم جُمان..
عليها أن تخبرها ألا تتعامل مع ذلك الطبيب زياد فهو لن يكون ذا فائدة لها بل قد يكون مضرا لها بعد أن عرف أنها تربطها صلة بقصي القاني الأحمق بما يحمله من حقد دفين تجاه عائلته.. وعندما انتهت من المحادثة لم تجد من يقف فوق رأسها أو حتى يستعجلها.. فقامت بخطوة قليلة الذوق وطلبت رقما ثانيا.. وما إن جاءها الصوت الأنثوي المستغرب حتى تغرغرت الدموع في عينيها وقالت بصوتٍ يضج من حرارة الألم والاشتياق
((مرحبا يا سهر، كيف حالك؟ لقد اشتقت لك منذ آخر زيارة لك لي))
.
.
ليلا..
صفدت الأبواب بعد أن تم تفتيش السجن والتأكد من أن الأمور تسير على ما يرام.. مضت خطوات شيرين نحو سريرها.. كانت ليلة ليست عادية فقد تخللت نسمات الهواء العنبر ولأول مرة من فتحة صغيرة فوقها.. فشعرت براحة كبيرة تسري في قلبها..
رباه ما أحلى نسمة الهواء هذه رغم الرطوبة التي تحيط هذا المكان كله..
=============================
في جناح مَازن..
ناولت نجوم مَازن كوب قمر الدين وهي تقول مبتسمة رغم إجهاد وشحوب وجهها الواضح
((أعدت أمي لك يا سيد مَازن مشروبك المفضل))
بادلها الابتسامة قائلا بلطف بالغ قبل أن تغادر
((شكرا لك يا نجوم))
كانت هدى تتفقد وجه أمها بطفولية وهي تسألها بحزن
((هل آذاك عمي مُؤيد يا أمي؟ لقد سمعته من غرفتي يصرخ عليك))
ناظرت ياسمين مَازن الذي يرتشف من الكوب الذي يمسكه ثم قالت ساخرة بلا مرح
((لا تقلقي قمر الدين أوقفه عند حده.. آه))
بترت ياسمين كلامها عندما أخذ مَازن هاتفها لتحتج
((ماذا تريد من هاتفي؟))
فتح مَازن هاتفها وهو يقول بشرود
((فكرت سابقا بما أنك تمضين وقتا طويلا على الإنترنت أن أضيفك كصديقة على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي، والآن دخلت على حسابك وقبلته))
سحبت ياسمين هاتفها منه معترضة
((سأقوم الآن بحظرك عليه، يكفينا رفقتك في الواقع))
لكن مَازن كان قد انتشل هاتفه يفتحه وهو يقول
((انتظري ليس قبل أن أنشر لك منشورا أعبر فيه عن حبي لك كما يكتب أصدقائي لزوجاتهم))
عبست ملامح ياسمين وقالت
((هل تضيف عائلتك على حسابك؟ سيغضبون عليك، فالغزل بين الزوجين لا يجب أن يتم إذاعته على مواقع التواصل الاجتماعي))
رفع كفه أمام وجهها يطلب منها أن تصمت ليركز فيما يكتبه وهو يتمتم
((اسكتي، وجدت اقتباس جميل، سأنسخه وأنشره على حسابي..))
نسخ الاقتباس الرومانسي الذي وجده ونشره مع وضع إشارة لها ثم أردف عقب أن اضجع على السرير وأمسك كوب قمر الدين
((المهم ياسو حبيبتي كثفي الدعاء لي هذه الفترة))
بدأت ياسمين بالروتين الليلي لابنتها تقوم بفك شعرها المجعد وتمشيطه قبل أن تقول بمزاح غير مألوف فيها
((أنا دائما أدعو عليك.. أقصد أدعو لك.. ولكن لم التخصيص لهذه الفترة؟))
لف الحماس مَازن وهو يخبرها
((كنت أبحث عن وظيفة وتواصلت مع مديرة مكتبة من أجل أن أعمل في الترجمة، نجحت في الامتحان المبدئي وستحدد يوما لتلاقيني فيه في أحد الأماكن العامة من أجل لقاء أخير))
تأوهت هدى من خشونة أمها وهي تلملم خصلات شعرها المعقدة الثائرة بعدة أربطة ثم اعترضت بحزن
((ولكن يا أبي لا تلتقي معها في نهاية الأسبوع فهو موعد خروجنا المعتاد معا للتنزه))
مال مَازن يمسك وجنتيّ هدى بيديه ويقول
((أعرف ذلك يا ابنة أبيك لذلك إذا التقيت بها في نهاية الأسبوع سيكون لقائي معها في الحديقة وسأصحبكما معي))
هتفت هدى ببهجة طفولية
((أنا أحبك يا أبي جدًّا.. آه يا أمي تمشطين شعري بعنف))
لمعت الدموع بعيني الصغيرة من فرط قوة أمها بتمشيط شعرها.. ثم غضنت أنفها قائلة بحسرة طفولية وهي تمرر يدها على شعرها
((إذن أنا أفتقد للأنوثة كما سبق وقلت لي لأني ورثت شعري من أمي قبل أن تملسه هي، ولم أرثه منك أبي))
أفلتت ياسمين فمها شاهقة بعنف لهذا التعقيب وحدجت مَازن بغضب فمط شفتيه ببراءة وقال بمغزى مبطن بينما يمرر أنامله الرجولية في شعره الأملس بلونه البني المحمر
((صغيرتنا فعلا ورثت شعرها منك، فهو لم يكن بهذه النعومة عندما تزوجتك يا ياسو))
ضحكت هدى بخفوت على كلام والدها فاستشاطت ياسمين غضبا.. مَازن هذا المهووس بشعرها الآن يعايرها بأنه كان مجعدا قبل أن تملسه!
فتمتمت ياسمين بغيظ يلتهمها
((فهد وباسل أولاد عمك أكثر أنوثة منكِ يا هدى، الموضوع لا دخل له بالشعر المجعد))
عبست ملامح هدى لأن أمها تركت تمشيط شعرها نكاية بها.. فسحبها مَازن قائلا وهو يمسك مشطها
((تعالي يا هدى دعيني أضفره له))
=============================
في سجن النساء..
بوجه يطفح الشر فيه قالت إحدى النزيلات لباقي رفيقاتها في الزنزانة اللاتي يحدجن شيرين بنظرات خطيرة
((لقد تراجعت الضابطة عن إعطائنا تلك النقود التي خصنا إياهم عائلة الفتي المأسوف على شبابه، فقد فشلنا في تعذيبها وعقابها على دفعها الشاب من الشرفة))
وقفت فجأة واحدة من شلتهن وقالت
((لا زال هناك فرصة أخرى لنا لاستعادة تلك النقود))
وبحركة خاطفة عنيفة كانت المرأة تتهجم على شيرين وتتغلب عليها تبعا لضخامة جسدها.. وعلى الفور ساندنها رفيقاتها لتمسك كل واحدة منهن شيرين بقوة كبيرة من يدها..
انفرجت صرخة من شيرين وهي تنتبه للنزيلة الثالثة تمسك الغلة التي كانت على النار لإعداد القهوة ثم تقترب منها مما جعلها تهتف بذعر يجتاحها
((ما الذي تفعلنه أيتها النساء المجنونات!))
كممت نزيلة فمها فوقفت التي تحمل الغلة بيدها تقول بابتسامة شيطانية
((أمسكنها جيدا لعل حرق هذا الوجه الحسن بالماء المغلي يردعها عن تكرار سرقة أغطية النزيلات))
بمجرد أن أبعدت واحدة منهن يدها التي تكمم فم شيرين حتى تسمح للأخرى برمي وجهها بالماء الساخن حتى صرخت شيرين بملء صوتها عاليا تستنجد
((أبعدي هذا الماء الساخن عني.. هيا ابتعدي))
أخيرا تحركت واحدة من نزيلات العنبر الأخريات نحو النزيلة التي تمسك الغلة لتأخذها منها بقوة وتقذفها أرضا صارخة بتأنيب
((ابتعدن يا معدومات الرحمة، هل كنتن تردن حقا رميها بالماء الساخن من أجل حفنة من النقود!))
في هذه اللحظة فُتح الباب الفولاذي ودخلت الضابطات بهلع لتهتف واحدة منهن
((ما الذي يحدث هنا أيتها النزيلات؟))
انهارت شيرين بصوتٍ باكي وهي تحرر ذراعيها من قبضتهن
((لقد حاولن حرق وجهي.. أمسكن الغلة المملوءة بالماء المغلي ليرمينه على وجهي))
قالت الضابطة المسؤولة بامتعاض
((كل يوم شجار جديد بينك وبين إحدى النزيلات هنا! هل كلهن مخطئات وأنتِ الملاك المسكينة المظلومة!))
ردت شيرين بقهر يعتريها وهي تدافع عن نفسها
((كنت جالسة هنا أتحدث بهدوء مع أخرى وهن من هجمن عليّ فجأة، عليك إبعاد هؤلاء النسوة الأربعة في الحال من هنا فهن خطر على حياتي، سأخبر محاميّ أن إدارة السجن هنا تعرض حياتي للخطر))
كان صدر شيرين يرتفع وينخفض بانفعال بينما تسمع إحدى الضابطات تقول بهدوء أتلف أعصابها
((لن نستطيع نقل هؤلاء النزيلات الأربعة لغرفة انفرادية لكل واحدة منهن لذا الحل هو أن ننقلك من هنا بما أنهن لا يتعرضن إلا لك))
تراجعت شيرين خطوات للخلف تستنكر
((السجن الانفرادي يُتخذ في حق كل من انتهك الانضباط داخل السجن أو ارتكب أعمال الشغب فلماذا تأخذونني إليه! أنا ضحية هنا ولست جانية))
تجلت الصرامة على الضابطة وقالت
((نحن مضطرون لذلك كتدبير لحمايتك حتى لا تتعرض سلامتك للخطر من قبل باقي النزيلات))
ارتجفت شفتا شيرين وقالت بحرقة
((هل من المنطقي أن يتم معاقبتي أنا فقط لأنكم لا تقدرون على السيطرة على الباقيات؟ هذا ظلم وإجحاف))
لكن تم نقلها رغما عنها للانفرادي مجددا وبدأت دموعها تنسكب على وجنتيها بصمت..
هنا ستبدأ عزلتها الزمانية إلى جانب عزلتها المكانية..
سيمر الوقت الآن بثقل كالكابوس.. ولن يُحسب بالأيام والأسابيع.. إنما بالساعة والدقيقة والثانية.. فهو ليس نفس الزمن الذي اعتادت عليه في العنبر الذي يضج بالكثير من النزيلات..
هذه الغرفة لا تكتفي بعزلها عن الحياة خارج أسوار السجن بل يمتد الأمر فيها إلى مستوى فقدان الشعور بتعاقب الليل والنهار.. مما ينفي عنها الشعور بالوقت كأنها في متاهة زمن..
تطلعت شيرين حولها.. هذه الغرفة المظلمة لا يوجد بها الحد الأدنى من متطلبات الحياة.. حتى الشباك الصغير المتواجد فيها مغلق بأسلاك حديدية مضاعفة.. فهتفت في الحارسة قبل أن تغادر
((أحضري لي على الأقل كتبي))
قالت لها الحارسة بعبوس
((أنتِ في حبس انفرادي أي ممنوعة من الكتب أو التريض وما إلى ذلك))
غمغمت شيرين معترضة بعذاب
((ولكن أنا محبوسة كضحية لا كجانية))
همهمت الحارسة بتفكير ثم قالت بلامبالاة
((نعم صحيح معك حق، سأسأل في أمرك لكن حتى الآن بما أنك في الحبس الانفرادي فلن أقدر أن أعاملك إلا كنزيلة الانفرادي))
لم يكن ليتواجد بؤس أكثر من هذا! فها قد مُنعت بالتبعية من الخروج سواء للزيارة أو للتريّض وهو ما يعني عدم التعرُّض لأي مؤثرات خارجية بسبب هذا النقل..
=============================
دخل مَازن المطبخ ليجد أمه تشرف مع منال على إعداد طعام الفطور فقال بعفوية
((أمي أنا بصراحة توقعت أن يفشل زواج مَالك لأنه تم رغما عنك، ولكن أبدًا ليس بهذه السرعة، يبدو أنه يتشاجر مع أحد ما))
توجست ملامح زاهية وقالت وهي تهم بالخروج
((لماذا يتشاجر مَالك؟ دعني أرى ماذا هناك!))
ارتقت زاهية بسرعة درجات السلم إلى الطابق الثاني وما إن اقتربت من جناح مَالك حتى تناهي إلى سمعها صوت هتافه المستاء ممزوج بصوتٍ بكاء يزيد..
فأسرعت الخطى نحو داخل الجناح من بابه المفتوح وجلست حيث يبكي يزيد تهدهده وتضمه لها ثم طالعت مَالك تتساءل بتعجب
((ماذا حدث يا مَالك؟ لماذا يبكي حفيدي الحبيب؟))
أشاح مَالك بوجهه ثم قال باستياء
((أمي لا شيء، كنت أتناقش معه بهدوء بخصوص أمر يفعله دائما ويزعجني فبدأ يبكي ويفرض دلاله علينا))
تدخلت سمية التي كانت متمددة على السرير وترفع الغطاء إلى أعلاها لتستر نفسها إذ كانت ترتدي ملابس نوم مكشوفة
((أي دلال يا مَالك! كل هذا لأنه دخل غرفة نومنا بلا إذن؟ قل له ألا يكررها دون أن تصب بجام غضبك عليه))
ولأول مرة شاهدت زاهية ابنها يزعق في زوجته
((اسكتي أنتِ، أنا لن أسمح لك أن تقفى بصف ابني ضدي))
تنحنحت زاهية وهي لا تزال تطبطب بحنان فوق ظهر يزيد ليخفت بكاءه ثم تساءلت بهدوء
((ماذا حدث يا مَالك؟))
نظر مَالك بعبوس لوالدته وأجابها
((لم أفعل ما يستدعيه للبكاء، وبخته فقط لأنه دخل غرفة نومي أنا وأمه بدون استئذان، أنا دائما أحكم إغلاق الباب خلفي ولكن نسيته مفتوحا بعد عودتي من صلاة الفجر))
قالت سمية لحماتها باستياء
((إنه صغير ومن الطبيعي أن يخطئ أحيانا قبل أن يتعلم أدب الاستئذان على والديه))
قاطعها مَالك بصرامة ممزوجة بالغضب
((دائما لا أحيانا))
أخيرا انتشل يزيد وجهه المحتقن من راحة يديه يعاتب والده
((لقد وعدتني بغرفة مرافقة لجناحكما بعد الزواج لكن لم غرفتي في الطابق الأرضي؟))
رد عليه مَالك مغمغما بغيظ
((كما ترى لم أصمم غرف هذا القصر ولم أختر هذا الجناح لأسكن به يا يزيد.. ليس ذنبي أن غرفتك بعيدة عنا، بل للصراحة من الجيد أنها بعيدة.. فأنتَ ملتصق بنا لا تترك لأباك المسكين فرصة ليخلو مع زوجته المشغولة عنه معظم الوقت))
عبست سمية بعتاب لمَالك الذي يتهمها بالانشغال عنه إذا ما تركته قليلا واهتمت بأولاد أخيه..
هزت زاهية رأسها بيأس وعدم رضا من مَالك ثم وقفت من مكانها وأمسكت يد يزيد تحثه على الخروج معها وهي تقول بكلام مبطن
((تعالى يا يزيد يا حبيبي، لا أحد يحبك بمقدار جدتك))
أوصدت زاهية الباب خلفها فأبعدت سمية الغطاء عنها وقالت بصوتٍ محتقن
((لماذا صرخت على طفلك وأبكيته بهذا الشكل! عليك أن تتعامل معه بصبر أكبر فهو لا زال صغيرا، أنتَ كنت في السابق أكثر صبرا وتفهما))
رفرف مَالك أهدابه مما يسمعه وهو يراها لا تزال تأخذ صف يزيد ضده فرفع كفه في الهواء ناويًا الهتاف بعنفٍ وغيظ.. إلا أنه في اللحظة الأخيرة تمَالك نفسه وهو يضم قبضته ضاغطًا على أسنانه هامسًا بشراسةٍ من بينهم
((اسكتي أنتِ الأخرى، من الآن سترين أنتِ وابنك مَالك مختلف تماما عن السابق، بل هل تعرفين ماذا؟ أنا سأفرغ كل الغضب الذي أشعر به إزاء الماضي بك))
بهت وجه سمية لكن استقوت نبرة صوتها وعيناها تومضان بدموع أبية منيعة لترد
((ما هذا الذي تهذي به))
حرك مَالك شفتيه بامتعاض ثم عاد يؤكد متوعدا لها
((لقد عشت بالعذاب لأكثر من سبع سنوات بسببك حتى قررت أخيرا أن تتنازلي وتقبلي بي زوجا لك والآن وبعد أن صرت ملكي أشعر بحاجة ماسة للانتقام منك على كل ما جعلتني أعانيه ولا زلتي تجعليني كذلك))
ارتجفت شفتا سمية إلا أنها قالت بسخرية لا تحمل من المرح شيئا
((تريد الانتقام مني يا مَالك؟ حسنا شكرا لك يا زوجي الحبيب، لا أصدق كيف بقيت طوال ليلة أمس مستيقظة أفكر بأجمل طريقة يمكن أن أعلمك بها بحملي))
حدقت سمية في عينيه للحظاتٍ طويلة فتلاشت السخرية عن ملامحها تدريجيًا حتى اختفت تمامًا وبادلته النظر بتجهم وارتباك.. وخوف.. لتقول
((ما بكّ لما تناظرني بهذا الشكل! ألم ترد مني الحمل؟))
ظل الصمت المذهول سائدًا حتى استوعب الكلمات التي خرجت منها وانتفض نحوها يمسك كتفيها بقوة ويسألها
((حامل! أنتِ حامل! هل حقا أنتِ حامل؟))
ازدردت سمية ريقها وهزت وجهها وأجابت بعد تردد
((نعم لقد أجريت أكثر من اختبار حمل واتضح أني حامل بالفعل بجميع الاختبارات..))
لم تكمل سمية كلامها وكان مَالك يجتذبها بقوة إلى صدره معانقا إياها لتهدر به باختناق
((آه مَالك أنتَ تعتصر عظامي))
أبعدها قليلا عنه يقول بصوتٍ أجش مضطرب وتلعثم
((لا أصدق حقا أنك حامل، لم أتوقع أننا قد ننجب غير يزيد.. أعني ظننت أنك لن تحبذي الإنجاب في مثل هذا العمر..))
تجهمت ملامحها بزيف تقصد فيه إشعاره بالذنب لزلة لسانه غير المقصودة من باب المرح.. ثم عقبت بغضب مصطنع
((أنا لست فوق الأربعين!))
تلبكت ملامحه ثم تنحنح يحاول رفع الحرج عنه قبل أن يصحح بلهفة
((لا.. أبدًا.. لا.. كنت أقصد.. أعني باختصار لم أحب فتح موضوع الإنجاب معك أبدًا وتركته لتدابير القدر إذا كان مكتوب لنا أن ننجب غير يزيد، لذا لا تتصورين مقدار سعادتي الآن))
وقف مَالك في نهاية الحديث من على السرير ثم أمسك بكفيها يشدها حتى وقفت على قدميها ليناظر بطنها التي بدت مسطحة قليلا وتساءل
((هل حقا متأكدة أنك حامل؟))
وسرعان ما تحول الغضب المزيف فيها إلى ابتسامة لطيفة وهي تهز رأسها له مما جعله يصرخ فجأة هاتفًا وهو يحيط خصرها بذراعيه ويرفعها عاليًا ويؤرجحها بين ذراعيه
((حامل.. أنتِ حامل))
بعدها بفترة انزلها مَالك على قدميها حتى حطت واقفة أمامه وهي تقول
((أن شاء الله سننجب طفلا أخرًا، أنتَ تعرف كم الأولاد مهمين في مجتمعنا للرجل كعزوة وواجهة أمامية للناس وأنا لم أكن لأحرمك أن تكون أقل من إخوتك))
أمسك كفيها يقربهما من ثغره ويلثمهما قبل أن يميل ويضع جبينه على جبينها هاتفا
((أنا ممتن لأني حظيت بامرأة مثلك))
عقدت حاجبيها بحزن لتعاتبه برقتها المعهودة
((وأنا ممتنة لأني أحظى برجل يريد الانتقام مني على ما صدر مني في الماضي إزائه دون قصد))
ابتسم مَالك ضم أرضاها بصوتٍ أجش مبتهج
((ما عاش ولا كان هذا الذي يريد الانتقام من زوجتي وحبيبتي، أنا فقط كنت غاضبا قليلا لأن يزيد كان مصرا على قضاء يوم العطلة هنا معنا وإفساد خصوصياتنا))
.
.
غرفة المعيشة..
حيث معظم أفراد العائلة مجتمعون حول سفرة الفطور..
تطلع يزيد الجالس بجانب جدته بحزن يبوح
((في الماضي كان يقضي معي الكثير من الوقت لكن الآن بالكاد يلعب معنا بالكرة أيام العطلة))
تفتت قلب زاهية على حفيدها ثم سارعت تبرر له هادرة
((لا يا عزيزي بل زادت مسؤولياته، ثم من مصلحتي أنا أن تقضي معي الوقت وأعوض سنواتك التي فاتتني))
قال يزيد مبتسما بطفولية تسلب القلب
((أنا أحبك يا جدتي))
مالت زاهية تلثم مفترق شعره ثم تقول لوجهه المنير المتورد بأثر البكاء وهي تدهن له الزبد والمُربى فوق خبز التوست
((وأنا لا أحب أحدا مثل ما أحبك أنتَ يا يزيد))
لم ينتبه أحد في هذه الأثناء لعيني مُؤيد المسددتين نحوها وهو يقول فجأة بغيظ من بين أسنانه المطبقة
((ها أنا أرى يا أمي بأنك فارغة البال لا هم لديك أو مسؤوليات إلا يزيد فلماذا لا تفعلين المثل مع فهد وباسم اللذان لم تسألي حتى لماذا لم يشاركننا طعام الفطور! وكالعادة زوجة مَالك هي من ستذهب عندهما لتجبرهما على تناول ما يسد جوعهما))
ناظرت زاهية ابنها بطارف عينها وقالت ببرود
((لقد عينت لهم مربية فهما حتى لم يعودا يسمعا كلامي))
استاءت ملامح مُؤيد ليقول بنبرة مغلفة بالقهر
((أمي أنتَ لست عادلة.. رغم أن مَالك تزوج من سمية إلا أنك وحتى الآن لا تزالين تغدقين على يزيد من الحب والحنان والرعاية الكثير أما ولديّ اللذان يعيشان الآن بلا أم تتجاهلينهما وترفضين حتى السؤال عليهما.. ثم ولا أي مربية يا أمي قادرة أن ترعى الأحفاد مثل الجدة، الجدة دورها العائلي يحتم عليها الحفاظ على استقرار حياة أبنائها برعاية الأحفاد عندما تكون أمهم غائبة))
أدارت زاهية وجهها لمُؤيد وقالت بصوتٍ أجوف
((لن آخذ دور أمهم يا مُؤيد، إذا أردت أن يرعى أحد أولادك فتزوج واجلب لهم أم مراعية وحنونة))
تقبضت يد مُؤيد ثم هتف عاليا بغضب مشتعل
((إذن أنتِ تبتزيني يا أمي حتى أتزوج))
في هذه الأثناء صدح صوت مَازن المرح عاليا وقال وهو يدلف للداخل
((يكفي شجارا جميعا لقد أعدت منال لكم جميعا أكواب قمر الدين وستحضره حالا))
عقبت الحاجة زاهية بحيرة
((ما قصتك أنتَ مع منال! منال بالكاد تقوم بأعمالها الواجبة عليها على مضض فكيف تنازلت وبدأت تلبي رغباتك التي لا تنتهي بأعداد الطعام والحلوى))
رماها مَازن بابتسامة عريضة واعتدّ بغرور
((ليس ذنبي أني محبوب من قبل الجميع))
ما كاد أن ينهي مَازن كلامه حتى جاء توأمه يقول بصوتٍ جهوري للجميع بصوته المبتهج تزامنا مع دخول منال المكان لتجلب صينية أكواب العصير
((أود جميعا أن ألقي عليكم أخبارا سارة وهي أن زوجتي حامل وسنذهب الآن للطبيب لتبدأ بمتابعة الحمل))
لف الذهول وجوه جميع من في الغرفة بينما استقام يزيد واقفا يكاد أن يشهق بابتهاج قبل أن يقول وعيناه تلمعان
((هل سيصبح عندي أخ؟))
باندفاع طفولي هرول يزيد نحو والده الذي رفعه نحوه ليعانقه بقوة وحرارة ويقبل وجنتيه قبل أن يجيبه
((نعم يا حبيب أبيك ستصبح أخا، ولكن ستبقى دائما وأبدا ابني المفضل، لا تتعب جدتك يا يزيد فربما نتأخر قليلا أثناء عودتنا))
أخفض مَالك ابنه وألقى السلام عليهم قبل أن يغادر..
عاد يزيد إلى مقعده حيث يجلس بجانب جدته التي قالت بشيء من الامتعاض
((ما شاء الله تبارك الرحمن، لقد حملت بسرعة لتربطه بمزيد من الأطفال))
ضحك مَازن بخفوت ثم ناكف والدته بمزاحه المألوف
((أمي لا أدري لم لدي شعور أنها حامل بتؤام))
تدخلت منال في هذه اللحظة وقالت بنفور
((لا تقل هذا يا سيد مَازن، بعيد الشر أن تكون حامل بتؤام هكذا سيصعب على مَالك طلاقها لاحقا والتخلص منها))
شعرت زاهية بالرجفة التي اجتاحت جسد يزيد الذي كان جالسا بجانبها وملاصقا لها عند ذكر منال سيرة الطلاق.. مما جعلها توبخ منال هامسة
((ما هذا الكلام يا منال! أي طلاق تتحدثين عنه! كفى الله الشر فحفيدي المسكين يزيد لن يتحمل أن يكبر بين والدين منفصلين، يكفي ما عاناه سابقا))
تراجعت منال بملامح منقبضة لتسارع الاعتذار
((آسفة يا حاجة، لقد خانني التعبير لكن بالتأكيد أنا لم أقصد))
أما مُؤيد الذي كان شاهدا على هذا الموقف أفلت الملعقة واتكأ بذقنه الغير حليقة والشائكة تحت كفيه يفكر بالدوامات من حوله.. من كان ليصدق أن أمه سترى فُراق تلك البستانية التي تكرهها عن مَالك شرا فقط حتى لا يتربى حفيدها الغالي يزيد بين والدين منفصلين!
في حين أنها تحثه وتشجعه على طلاق رتيل حتى لو ترتب عن الأمر تشرد ولديه أو عيشهما كالأيتام يتنقلان من مربية إلى أخرى..
يدرك أن ما فعلته رتيل بعرفهم لا يُغتفر.. هو نفسه غير قادر على مسامحتها رغم أن خطأه بحقها أكبر.. ولكن ألا يجب على أمه أن تحاول التغاضي عما فعلته زوجته وتحثه.. بل وتجبره مثل والده على إرجاع رتيل.. على الأقل من أجل فهد وباسم!
هذا لو كانت تحبه وتهتم بمصلحته مثل مَالك وابنه..
اندلعت شرارات الغضب بعينيه المصوبتان نحو أمه!
هل يعقل أن تصدق أن الزنا أو الحمل غير الشرعي ليس سبب زواج مَالك السري ممن يحبها بمجرد أن أقسم لها بينما لا تزال إلى الآن تشكك بقصة أن رتيل كانت لا تفعل أي شيء مشين في المدينة عندما كانت تذهب إلى بيت غنوة! رغم أن مُعاذ بنفسه أكد عليها أنه حقق مع غنوة ودموع وأقرا بكل شيء ولم يكن هناك أي شيء ولو بمقدار ضئيل يسيء لرتيل..
أطلق مُؤيد نفسا مثقلا وهو يمسح وجهه بيديه شاعرًا أن التركيز يضيع منه تدريجيًا.. أما مَازن فتحرك من مقعده ليجلس بجانب ياسمين.. ثم مال لها هامسا
((انظري لمَالك كيف بدا متحمسا لأن زوجته ستنجب طفلا له كأنه سيصبح أبا للمرة الأولى! إنجاب الأطفال أمر رائع، ما رأيك يا ياسو أن ننجب ابنا آخر؟))
تسمرت يد ياسمين الممسكة بالشوكة مكانها فلكزها بخفة يردف هامسا
((أجيبِ هيا، ما رأيك بفكرة إنجاب طفل آخر؟ أشعر أننا لو رزقنا بطفل آخر وبدأت أعيل طفلين بدلا من واحد سأصبح أكثر مسؤولية وأبحث بجد أكبر عن عمل يدر علينا دخلا مناسبا وأتوقف عن طلب المال من أبي))
أطبقت ياسمين على أسنانها بغيظ ثم طالعته تقول
((ابحث عن عمل واحصل على راتب مقبول نهاية كل شهر أولا ثم سننجب! الآن أعطيني كوب عصير من الذي صنعته منال))
عبست ملامح مَازن وبغيظ تناول كأس عصير من الصينية وناوله لياسمين التي أخذته منه بفظاظة وبدأت تتجرعه على مهل قبل أن تتوقف فجأة وهي تشعر أن نظرات مَازن الضيقة والتي لا يزال يرمقها بها غير مريحة على الإطلاق!
ازدردت ريقها قبل أن تتمتم بشيء من الجزع
((مَازن هل هناك شيء في هذا العصير؟ شعرت بأنك تعمدت انتقاء هذا الكوب بالذات من بين الأكواب فوق الصينية.. هيا قل ماذا فيه وخفف من لوعة كبدي))
أجابها مَازن ببرود وملامح مبهمة
((ماذا سأضع فيه مثلا؟ هل يمكن أن أضع صفار بيض بنفس لون العصير!))
انكمشت وتقززت ملامح ياسمين وانتفضت من مكانها تتهجم عليه ضربا بقوة على صدره صارخة بقهر
((أيها النذل لماذا! لماذا تفعل هذا بي! تبا لك ولمقالبك السخيفة! أنا أكرهك، أكرهك بشدة))
كانت تضرب مَازن بكل قوتها حتى أنها أوقعته من على الكرسي أرضا ومَازن لا يبدِ أي ردة فعل إلا الانفجار ضاحكًا من قلبه حتى دمعت عيناه من شدة الضحك ليقول أخيرا بعد أن خفتت ضحكاته وهو يحاول صد ضرباتها
((أمزح، لم أضع شيئا، بالأساس منال من صنعته))
كانت تنهت بقوة لكنها انحنت تضرب كتفه وهي تقول منتحبة ببكاء
((لماذا إذن لم تقل هكذا من البداية؟ هل تستمتع بما تفعله بي؟))
((ياسمين ما هذا!))
جفلت ياسمين وتوقفت عن النواح عندما أخترقها صوت حماتها لتتيقظ أخيرا وتذكر أنها لا زالت بينهم..
ببطء وحرج استقامت واقفة وحُمرة الخزي تلف وجهها وهي تنتبه للصدمة التي تعلو وجه حماتها ومُؤيد ويزيد.. إذ أنها معتادة على التربص بمَازن بسم كلامها وأفعالها بينهما والأبواب مغلقة عليهما أما أمام عائلته فهي تتعمد الظهور بثوب الزوجة الهادئة الباقية على زوجها المجنون طمعا لأجر الله ورضاه..
همست أخيرا بصوتٍ خافت ووجها يضج بالاحمرار من فرط الإحراج
((أنا آسفة يا عمتي لكن أحيانا مقالبه أثقل من أن أتحملها..))
تنحنح مَازن واستقام واقفا يعيد هندمة قميصه قبل أن يقول
((لقد كنت أمزح معها يا أمي، أستغفر الله أن أتلف نعمة الله من أجل مقلب كما كنت أفعل في السابق، لقد تغيرت))
بدأت ياسمين ترمش وتطرق برأسها هاربة من عيني حماتها المتربصة التي صرخت بابنها بقهر على رجولته التي نسفتها زوجته أمام أخيه
((هل هذا ردك على زوجتك التي شتمتك وضربتك أمامنا يا سبع الرجال!))
شعر مَازن بنظرات والدته الساخطة تصيبه من تصرف ياسمين المفرط في إهانته فغمغم بحنق مدافعا عن نفسه
((أمي أنا ساكت عليها فقط احتراما لوجودك أنتِ ولو أطلقت العنان لرجولتي لكسرت يدها التي رفعتها عليّ، ولقطعتُ لسانها الذي أطلقته عليّ))
مسحت ياسمين آخر دموعها وقالت بخفوت وندم
((أنا آسفة، انفعلت ولم أنتبه على ما قلته أو فعلته))
لكن والدته رمت كلماتها بوجهه بانتقاص منه قائلة
((اغرب من أمام وجهي وإياك أن تحدثني عن الرجولة مرة أخرى))
أظلمت ملامح مَازن فجأة لكلام أمه المبطن.. خاصة أمام نظرات أخيه مُؤيد المُحتقرة والمزدرية له مما جعله يحكم قبضته على رسغ ياسمين بقوة آلمتها صارخا بما جعلها تختض خوفا
((تعالي خلفي الآن يا هانم لنتحاسب على ما فعلتيه فأنا لن أسكت لك طويلا على تماديك عليّ وقلة احترامك))
جرها مَازن خلفه إلى خارج غرفة المعيشة غير آبه لتوسلاتها أو تبريراتها الواهنة وهي تقول بخوف
((أنا آسفة يا مَازن لكن كم من مرة أخبرتك أن تتوقف عن مقالبك هذه معي لكنك لا تصغي لي..))
أغلق مَازن باب غرفة المعيشة خلفهما وابتعد خطوات عنها قبل أن يتوقف فجأة ويترك معصم ياسمين..
فسحبتها فورا تشهق بخفوت وهي تتحسس موضع إمساكه قبل أن تشعر بيديه تتحسس الاحمرار الذي خلفه وراءه هامسا
((لم أقصد أن أشد يدك بهذا الشكل وأؤلمك، ولكن كان عليّ الصراخ عليك أمامهم حتى لا يشمت بي مُؤيد التافه وتظن أمي أنى معدوم الرجولة))
اتسعت عينا ياسمين لما تفوه به وهي تناظره! هل صرخ عليها قبل قليل فقط من باب فرض رجولته أمام عائلته! وسرعان ما توحشت ملامحها وهي تدفعه بغيظ ليعاود الهتاف مدافعا عن نفسه
((توقفي، توقفي عما تفعلينه))
.
.
في داخل غرفة المعيشة..
حيث الحاجة زاهية تجلس مكانها أغمضت عينيها وعضت على شفتيها وأصواتهم في الخارج تصل إليها لتقول بخفوت وخزي
((مُؤيد، اذهب وأنجد أخوك))
لم يكن الازدراء الذي يلف مُؤيد أقل وهو يمضغ الطعام ليقول
((أمي لا تتدخلي بين الاثنين، زوجة وتريد أن تقوم سلوك زوجها، حقها، في النهاية هي لا تريد إلا مصلحته)) =============================
وقف مُعاذ أمام إحدى الضابطات يقول بنبرته الجافة الحازمة
((من الآن وصاعدا العنابر التي هي تحت إمرتي لن أسمح لنقل أي نزيلة للزنازين الانفرادية دون الرجوع لي أولا، فنحن نضع النزيلات في الانفرادي في حالات استثنائية أو كملاذ أخير ولأقصر فترة ممكنة))
شاب حركة الضابطة بعض الارتباك وهي تظهر الطاعة وتؤدي التحية العسكرية.. أما مُعاذ فظل على واجهته الصارمة وهو يكمل متسائلا
((كم هو الحد الأقصى لعدد النزيلات اللاتي يستطعن أن يقطن هذا العنبر حتى تنقلوا النزيلة شيرين هنا؟))
أجابته الضابطة بخفوت
((عشرين نزيلة يا سيادة الرائد))
رفع مُعاذ إحدى حاجبيه وتساءل بخشونة
((لماذا إذن هنا اثنين وثلاثين نزيلة؟ هل باقي العنابر ممتلئة؟))
ترددت الضابطة قبل أن تجيب
((هناك غرفة صغيرة فيها أربع نزيلات فقط وهو الذي كانت تقطن فيه النزيلة شيرين قبل ذلك.. وهناك عنبر آخر شبه فارغ))
أمرها مُعاذ بصلابة
((إذن ببساطة أعيدوا النزيلة هناك هي ونزيلة أخرى والعدد الإضافي انقلوهم للعنبر الشبه فارغ))
امتقع وجه الضابطة ولكنها قالت
((سنقوم باختيار نزيلتين لنضعهما في ذلك العنبر..))
قاطعها مُعاذ يقول بصرامة ممزوجة بالغضب
((أريد منك أن تعيدي شيرين ونزيلة أخرى.. شيرين أريدها أن تعود لعنبرها الأول فأنا سألغي لها الحبس الانفرادي طالما أنها لم تفعل ما يستدعي لذلك))
قالت الضابطة باحترام أمام وجهه الصخري القاسي
((حسنا يا سيادة الرائد، لكن ألن تخبر الرئيس أولًا؟ لأن الإجراءات ستأخذ أياما لتنفذ))
صكّ معاذ على أسنانه فاهما تلميح الضابطة فقرر إلا يتجاوز صلاحياته وقال بهيبة قبل أن يغادر مباشرة
((سأرفع طلبا، وحتى ذلك أريد منك أن تنقلي شيرين لزنزانة منفردة أخرى))
.
.
بتململ جاءت الحارسة تقترب من زنزانة شيرين الانفرادية وتتساءل بامتعاض
((نعم ماذا تريدين؟))
هتفت شيرين حانقة وهي تناظرها من فتحات الباب الفولاذي
((منذ ساعة وأنا أنادي والآن فقط سمعتي صوتي! ما هذه الغرفة المزرية التي وضعتموني بها! هذا وأنا بريئة لم أفعل شيئا يخل بالنظام أو أسيء لأحد))
ضيقت الحارسة عينيها بخطورة مقتربة من شيرين أكثر تسرق أنفاسها وتتشرب تعابيرها ثم قالت بنبرة مظلمة
((هل تذكرين طه؟ ذلك الموظف المسكين الذي قمت بدفعه من الشرفة؟ لا يهمني أن أعرف السبب فلا سبب يبرر دفع شخص من شرفة عالية.. لكنه حتى الآن لم يستيقظ من غيبوبته، وما يزيد مصاب عائلته المسكينة هو ما قاله المحامي عن إمكانية خروجك قريبا فطاقم فريق المحاماة الذي يقف خلفك ليس بالهين بل يقودهم محامي يعتبر من أكبر قراصنة المحاماة بالبلاد))
تعمق سواد عيني الضابطة ونبرتها تحترق لكنها تضج صدقًا وهي تسترسل
((لا أدري حقا من أنتِ ولكن لا بد أن من خلفك ينحدرون من خلفية مهمة، وهذا ما دفع عائلة طه لبذل الغالي والرخيص لرشوة الضباط هنا ليحولوا حياتك إلى جحيم.. عليك أن تعرفي أنه مهما بلغت نفوذ أو سلطة من ورائك فالله لن يسمح بالظلم وبإذن الله ستتعفنين في هذا السجن وسنحرص على جعل كل يوم يمر عليك هنا كالجحيم))
لا تعلم شيرين لمَ نغز الخوف قلبها فجأة لتدمع عيناها وهي تهمس بضعف نادر فيها
((أنتِ لا تعرفين شيئا، أنا لم أدفعه، لست أنا ما فعلت ذلك بل موظف شاب آخر يدعى فائق، الأمر فقط..))
قاطعتها الحارسة بسخط وهي تشمئز مما تظنه كذبا
((اسكتي يا امرأة لا تسمعيني صوتك، وليكن بعلمك كل ما فات لا شيء من الذي نجهزه لك، فهناك دراسة نسعى لتنفيذها بتوزيع النزيلات هنا على العنابر حسب السلوك وليس حسب التصنيف الجنائي للقضية، وإدارة السجن بدأت فعليا بتطبيق هذا النظام حيث سيتم تقسيم المبنى الجديد إلى ثلاثة أجزاء، والجزء الثالث سيكون للنزيلات مثيري المشاكل ومن ضمنهم أنتِ حيث أنشئ بمواصفات السجون الأميركية شديدة الحراسة))
هزت شيرين رأسها بقوة نافية وقالت بحرقة وتشتت
((أنتِ لا تصدقين القول..))
صوبت الحارسة عينيها في عيني شيرين المُعذَبة ترى خوفا وخشية تشع منهما لتنتشي وترد عليها
((سنرى قريبا.. وليكن بعلمك أن إدارة السجن راعت في تصميم المبنى الجديد أن تكون جميع الزنازين فيه انفرادية ومراقبة بشدة عن طريق كاميرات مراقبة شديدة الحساسية تم تزويدنا بها حديثا مع أجهزة تشويش..))
قطع كلام الحارسة اقتراب إحدى الضابطات منها تعلمها
((أيتها الحارسة كبلي النزيلة هنا فقد تم أمري أن أغير زنزانتها الانفرادية لأخرى على حسب طلب سيادة الرائد مُعاذ))
=============================
تأبطت نورين ذراع زوجها بعد أن خرجا برفقة رشا ووالدتها من المقبرة.. كانت طوال الوقت تنبه نفسها أن تحافظ على رباطة جأشها ولا تؤرق كلاهما أو تضيق الخناق عليه أو تحد من حريته لمجرد ذهابهما برفقة ابنة عمه..
جلست بالمقعد الأمامي بجانب مُصعب بعد أن استقلوا جميعا سيارته.. وحاولت أن تختلس النظر للمرآة الأمامية لتطالع ملامح رشا إلا أنها لم تتبينها وقد كانت الأخرى ترتدي نظارة كبيرة معتمة.. فنهرت نفسها عما تفعله وتوقف حاجتها الملحة بالفضول نحوها..
مشكلتها ليست مع رشا فهي لا تظهر أي اهتمام بمُصعب.. مشكلتها مع زوجها..
خيمّ الصمت الطاغي بينهم طوال الطريق إلا من بعض تساؤلات بسيطة من مُصعب لابنة عمه كأين الفندق الذي تمكث فيه حاليا ومتى ستغادر هي وأمها!
أوصلهم مُصعب إلى حيث يمكثون ثم تحرك بالسيارة راجعًا الى المنزل ليدخله شارد الذهن دون أن ينتظر نورين أو يلقي نظرة عليها..
دلف إلى غرفته ثم أغلق الباب خلفه واضجع على السرير ولمحات من ماض قريب أخذت تتتابع على عقله.. حينما كان عليه التفكير مليا قبل أن يقع ضحية تلاعب رشا واستغلالها ليوافق على مخططها!
كان آنذاك جالسا في غرفة الضيوف الخاصة بمنزل عمه..
طلبت رشا من أخيها أن يشتري لها شيئا مستعجلا فاستأذنه الخروج لنصف الساعة وطلب منه ألا يبارح الغرفة.. بمجرد أن غادر يحيى حتى تفاجئ مُصعب بها تتوغل للداخل وتقول بصوتٍ متحشرج دون أي مقدمات
((هل تعرف أبا رضا صديق أبي وشريكه بتجارته؟))
((نعم وعرفت أيضًا أنك خطبت له، أبي انزعج من مسألة فرق العمر بينكما لأن أبا رضا أرمل وأولاده بسنك، لكن والدك وضح له أنك قابلتيه وجلستي معه عدة مرات قبل أن تشعري تجاهه براحة عجيبة وتوافقي على طلبه للزواج))
((الحقيقة أنه في الأمس أراني كسوة وملابس اشتراها من بلاد أخرى وقال بأنها مخصصة لعروسه، أعجبتني الثياب وطلبت منه أن يشتري لي مثلها وكنت أهم بإعطائه ثمنها قبل أن يلفه الذهول ويخبرني أن هذه الثياب والكسوة كلها لي! اتضح أنه طلبني من أبي للزواج وأبي وافق دون أن يسألني أو حتى يعلمني.. أنا آخر من يعلم بالقرية بخطبتي.. سيزوجني له لأنه شريكه بعمله وصديقه الحميم، يريد أن يقوي أواصر المحبة بينهما ويضيع مستقبلي أنا))
((هل أخبرتِ يحيى بهذا؟ دعيه يتدخل لا يعقل أن يزوجك أبيك دون موافقتك!))
((إنه يعرف بالفعل ولا يريد التدخل خوفا من غضب والدي! أنا بحاجة لمساعدتك أنتَ!))
((أنا! بم قد أفيدك؟ هل تقصدين أن أخبر أبي؟))
((لا.. لا أريد منك أن تخبره، في كل مرة يتدخل والدك ويدافع عني أمام أبي، يُحرج منه ويظهر اقتناعه بكلامه مؤقتا لكن ما إن يغادر والدك حتى يفرغ غضبه عليّ لأني شكوته لأخيه الأكبر))
((إذن بماذا يمكنني أن أساعدك يا رشا؟))
((أريدك أن تقوم بالنهو عليّ))
((أقوم بعرف النهوة عليك؟ هل أنتِ مجنونة؟ بل هل سيقبل والدك يا رشا؟))
((بالطبع لن يقبل وسيرفض لكن سيقف الجميع له بالمرصاد لو فكر بذلك.. اطلب يدي أمام وجهاء القرية بصفتك ابن عمي وبعرفنا أولى من الغريب، وبموجب هذا العرف لن يستطيع أبي تزويجي من شخص آخر غيرك حتى لو بقيت من دون زواج مدى الحياة..))
((لا مستحيل لن أفعل، والدي سيقتلني لو قلتها أمام الوجهاء ووضعت أباكِ تحت الأمر الواقع..))
.
.
لم يقبل هو أبدًا ولم يستجب للفكرة المجنونة التي اقترحتها رشا عليه وعندما فشلت في إقناعه غادرت المكان حانقة.. واحتار إذا ما كان يجب أن يطلع أبيه على حقيقة رفض رشا خطوبتها من صديق والدها أم لا..
لكن بعدها بأيام جاءته أخبار من يحيى بدخول شقيقته المشفى لأخذها دواء بالخطأ..
وقتها حاول بطريقة وأخرى الحصول على رقمها والاتصال بها.. وأخبرته أنها أخذت متعمدة جرعات كبيرة من الإنسولين.. ومجموعة حبوب أخرى مختلفة كطريقة للانتحار لأنه رفض طلبها..
كان يعرف أن فتاة ذكية كرشا لا يمكن حتى أن تعرض حياتها للخطر كما تخبره إذ أنها تعمل بمجال طبي وتعرف جيدا مقدار الجرعة التي يمكن أن تتناولها دون أن تتأذى بأي شكل من الأشكال..
إلا ولأنها كانت تخبره أنها تريد فعلا خسارة حياتها عن الزواج من صديق والدها.. خشي إن استمر بالاستخفاف بتهديدها أن تتهور وتقدم فعلا على الانتحار رغم أنه بين لها قبح وعظم هذا المنكر والذنب الكبير..
وعاود يخبرها أنه سيطلع والده على حقيقة رفضها للخطبة فترفض بشكل قطعي تماما وتصر أنه الوحيد من يستطيع مساعدتها..
((مُصعب الشيء الوحيد الذي يمكنك فعله ومساعدتي به هو أن تقف أمامهم وتخبرهم أنك ابن عمي وأني ومنذ ولادتي مقدر لي أن أكون زوجة لك.. وإذا ما فكر أبي الخروج عن التزام النهوة فهدده بقتلي أنا أو العريس الذي جلبه ولن تجد أحدا من القرية يعارضك بل لن تقع أي عقوبة عليك))
((ولكن يا رشا..))
((استعمل النهوة أرجوكَ.. أنتَ أملي الوحيد))
((وماذا سيحدث لو تزوجنا؟ كنت تقولين منذ صغرك أنك تريدين الذهاب للخارج والعيش عند والدتك والزواج من أحد أبناء جيرانها الأجانب أصحاب البشرة البيضاء والعيون الملونة.. لذا كيف سيكون حالنا بعد الزواج؟))
((نسيت كل هذا، لا أريد الآن إلا أن أتخلص من أبا رضا، وإذا تزوجنا سأبذل جهدي لإسعادك حتى لا تندم))
وهكذا لعبت رشا دور الضحية كما هي فعلا بجدارة معه.. لكنها بالغت في جعل نفسها بواجهة الفتاة الضعيفة الهشة التي تحتاجه.. وهو في هذه الحالة لم يتردد في فعل ما يخفف عنها..
.
.
فعل ما طلبته منه وقام بالنهو عليها رغم سخط واستنكار كل من حولهم له.. فهي بنظرهم امرأة مخطوبة بالفعل وتحب خطيبها..
هو فقط مُعاذ من أخبره تحت وطأة ضغطه بالحقيقة..
أما رشا فقد باحت بهذه الحقيقة لأخيها وحسب.. والذي بدوره قام بالإفصاح بها إلى وليد دون أن يقصد بعد أن ضاق بما قاله وليد عنه وهو يصفه بالخسة والدناءة لأنه قام بالنهو على ابنة عمه التي تحب رجلا آخر!
.
.
أمضى وقتا عصيبا حتى تزوج منها وهو بالكاد يتحمل النظرات المشمئزة الموجهة نحوه.. خاصة مع الكم الهائل من الكدمات التي لم تستطع مساحيق التجميل إخفائها على بشرتها الناعمة..
كانوا يظنون أنها تعرضت لعنف جسدي حتى تترك خطيبها وتقبل الزواج منه دون أن يدركوا أنها تعرضت لكل هذا من والدها لأنها وافقت على الزواج منه!
.
.
وطوال فترة زواجهم حاول قدر الإمكان أن يكون الزوج الجيد معها إلا أن النفور الذي كانت توجهه له كان يمنعه.. بل حتى أنه اشترى شقة ودفع أول قسط لها لينفردا في مكان واحد لعل الخصوصية تساعد في حصول تقدم ولو كان بسيطا في علاقتهما.. لكن لا فائدة.. أدرك جيدا سخطها من واقعها الحالي.. فأحلامها لطالما كانت السفر عند والدتها والزواج من أحد رجال الغرب لا من رجل يوغل في ربطها بهذه القرية أكثر! وهو لو لم يكن خيارا أفضل من صديق والدها العجوز لم تكن تلح عليه للزواج منها بأي طريقة كانت..
.
.
فاجأته بعد وفاة والدها بأيام طلبها الطلاق وهو لم يعترض.. فقد كان هذا الزواج البائس المليء بالمجاملات يثقل كاهله كما كاهلها أيضًا..
طلبت منه ألا يخبر أحدا بطلاقهما قبل أن تنتهي عدتها.. وهو لم يتردد كثيرًا قبل أن يوافق.. ربما لأنه كان يعتقد أنها قد تتراجع.. رغم أنه كان يتمنى من أعماق قلبه ألا تفعل ويحدث الطلاق بينهما.. هكذا فقط يمكن أن يتخلى عن مسؤوليتها راضيا.. وبمجرد أن انتهت عدتها كان يظن أنها تحزم أشيائها وحقائبها للعودة إلى منزل أخيها إلا أنه عرف متأخرا أنها قد سافرت إلى حيث والدتها تعيش.. تاركة إياه وحيدا يعاني من نظرات الناس المحتقرة والشامتة به ظانين أنها هربت منه وقبل أن تحصل حتى على الطلاق!
والآن ورغم جرحه الذي لم يلتئم مِمَّا فعلته.. إلا أنه لا يريد إلا سعادتها وراحتها.. فهي شقيقة أقرب إنسان إلى قلبه.. ولا يزال يشعر أنه المسؤول عنها ومن سيأخذ دور أخيها المرحوم في حياتها!
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!