الفصل 70 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السبعون 70 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
12
كلمة
8,428
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

سارعت تعدل شيرين من حال الوشاح حول رأسها عندما نبهتها إحدى الضابطات أن الرائد مُعاذ يريد أن يراها..

ما إن شعرت بقدومه حتى وقفت من مكانها متوترة وهي تنكس وجهها..

فتح مُعاذ النافذة عليها ولم يتحدث في البداية لدقائق.. قبل أن ينطق أخيرا بصوته الرخيم الهادئ

((كيف حالك يا شيرين؟))

رفعت عينيها اللامعتين ببطء له.. ارتجفت شفتاها ونطقه لاسمها بدون أي رسمية جعلها تتجرأ أن تتشبث به كأحبالها المنجية لتهمس بعذوبة صوتها وعذابه

((لقد أخذوني للحبس الانفرادي رغم أني لم أخطأ بشيء، أرجوك اطلب منهم أن أعود للعنبر فالزنزانة المتكدسة أفضل من هذا الانفرادي..))

شعرت في جوف روحها ألما يخنق أنفاسها فيفيض عذابا على وجهها وهي تردف بشقاء قلبها

((شعوري بالوحشة داخل السجن يقل في حال وجود مَن يؤنس وحدتي، ومع وجود رفيقات في الزنزانة يمكنهن مشاركتي الطعام والشراب، والحديث عن حيوات كل منهن فيما قبل السجن! التشارك معهن في أنشطة يومية تقتل الوقت والحنين إلى الخارج، أما هنا كيف سيمضي الوقت وقد انتفت أبسط حقوقي وطرقي في التحايل على الوقت والملل الذي لا ينتهي، أو الذي لا أعرف نهاية محددة له؟))

تعانقت عينا شيرين بعينيه بحرقة وتشتت.. فعلى أقل تقدير يعلم السجناء المحكوم عليهم متى الخروج من هذا المكان القميء، المغلق المظلم! يوجد لهم محرك لمرور الوقت، وانتظار موعد انتهاء العقوبة.. ولكن هي المحبوسة احتياطيا محرومة حتى من حساب الأيام، فلا يوجد موعد محدد لخروجها، ستضيع سنوات عمرها في انتظار انتهاء هذا الجحيم الذي تعيشه هنا أو استيقاظ طه من غيبوبته..

تقبضت يدا مُعاذ بتلقائية وفيض عذابها يغمره برغبة فوضوية إليها.. وحواسه كرجل كلها تتحفز ألما لشقائها.. ليقول أخيرا بهدوء خادع

((أنا أتفهم ما تقولينه فالحبس الانفرادي يساهم في تعميق الشعور بثقل الزمن))

أشاح مُعاذ بوجهه بعيدا عنها وضعفها يصل إليه كنار توهن ثباته.. ثم قال أخيرا

((لا تقلقي هي مسألة يومين أو ثلاثة وستعودين للعنبر الذي دخلتيه في بداية فترة سجنك، لقد حاولت نقلك لزنزانة انفرادية أفضل حالا))

شتتت شيرين نظرها في الزنزانة وقالت صادقة بصوتها المتحشرج

((نعم وفيها نافذة، شكرا لك.. يا.. مُعاذ))

تنهد مُعاذ ثم قال وقد سكن الإجهاد صوته

((المشكلة أن معظم الزنازين الخاصة بالحبس الانفرادي مُصمَّمة بشكل لا يسمح بدخول أشعة الشمس أو الضوء الطبيعي وتقريبا هذه هي أفضل زنزانة انفرادية))

سالت دمعة على خدها مسحتها على الفور وقالت بصوتٍ مرير وابتسامة معذبة جميلة ترتسم على وجهها

((بمجرد أن وصلت بوابة هذا السجن وقد تم التعامل معي كمجرمة حقيرة لا يليق التعامل معها كانسان، ضاربين بعرض الحائط بالمقولة القانونية التي تنص على أن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته".. لكن الأمر اختلف معي منذ قدومك.. شكرا لك مجددا))

شكرها العاطفي مس شغاف قلبه فابتسم لها وهو يرخي أجفانه ثم قال بنبرة مميزة

((ألا يكفي عار ابن عمي الذي كان بيده أن يشهد بجانب زوجته السابقة معك بل ويقدم دليلا سيساهم ببراءتك فورا، ولكنه عوضا عن ذلك هرب تاركا المحامي يواجه عواقب كثيرة حتى يحصل على تلك المكالمة التي حصلت بينكما! على كل حال طلبت أن يجلبوا لك كتبك وأغراضك هنا))

صدح فجأة رنين هاتفه فرفعه يناظر المتصل ثم قال بعفوية

((إنه أخي مُؤيد! شقيقي الثاني الذي يصغرني بثلاث سنوات))

تلبكت قليلا وكسا شيء من الاحمرار وجهها لاطلاعه إياها على من يتصل به لتقول بتعثر خافت

((نعم أعرفه، أقصد سمعت باسمه.. أعني أنا أعرف أسماء إخوتك..))

رد عليها مُعاذ بصوته الحلو

((إنها فترة راحتي الآن لذا سأرد عليه الآن))

أما شيرين فتعجبت ورفرفت بعينيها وهي تراه فعلا يفتح الخط مع أخيه ويتحدث معه.. حتى أنها جلست في مكان بالزاوية وظلت تصغي بفضول للحديث الذي يجريه مع أخيه بكل أريحية وصراحة رغم عدم إلمامها بالموضوع.. لكنه بدا شيئا يخص زوجة أخيه..

كما بدا وأن مُعاذ قد قرر أن يقضي وقت راحته كلها بالقرب من زنزانتها ومعها حتى لو كان هناك اتصال آخر عليه إجراؤه..

بمجرد أن انتهى مُعاذ من مكالمته على الهاتف ووقت راحته على حد سواء سألها لمرة أخيرة إذا كانت تريد شيئا بابتسامته المفعمة بالود وهي مسحت تعابير الشجن عن وجهها لتشكره.. تلكأ قليلا لا يقدر على كبح رغبة قلبه في التواجد معها قبل أن يغادر فعلا..

وهكذا ولأول مرة وضعت رأسها على فراش مريح وأغلقت جفنيها وابتسامة جميلة ومطمئنة ترتسم على وجهها..

=============================

قالت رتيل على الهاتف بصوتها الباكي المتأثر بعد أن انتهت من حديث طويل مع ولديّها

((شكرا لك أنا ممتنة على ما تفعلينه يا ياسمين، لكن أرجوكِ لا تخبري زوجك أني أتحدث خلسة مع أولادي على هاتفك، أخشى أن يفلت لسانه بالخطأ أمام أمه أو أخيه، لا تقبلي اتصالاتي إذا كان متواجدا عندك))

قالت ياسمين بلطف

((إنه ليس هنا بل كالعادة عند منال ونجوم يعدان له الحلوى والأطعمة، رغم أني متأكدة أن لديه فكرة عن حديثي معك ولا يُمانع))

ضيقت رتيل عينيها تفكر بكلام ياسمين وقد نست موضوع ولديها قليلا.. ثم تذكرت مشاهد من أول يوم لعودة مَازن للبلاد.. لتقول بفطنة

((نجوم ومنال؟ ألا تلاحظين في كل مرة أسألك إذا ما كان زوجك بجانبك تجيبيني أنه عند منال تعد له أحد أصناف الحلوى؟ لم يكذب مَازن عندما كان يدعوك في بعض الأحيان لوح الجليد! أنتِ كذلك بالفعل))

قالت ياسمين باستدراك

((أعرف أنه يكثر الذهاب عندهم وهذا لأنهما يصنعان له ما لذ وطاب من الأطعمة، ولكن هذا الأمر من مصلحتي لأرتاح من رؤيته، ألا يكفي أنه لا يعمل ويقضي معظم النهار بجانبي!))

أكتنف صوت رتيل المتعب الجدية

((ياسمين اصغي لي، كان هناك إحدى الرجال المعروفين في قريتنا قد استقدم خادمة من إحدى دول شرق آسيا‏ بعد أن اضطرته أزمة صحية إلى التقاعد المبكر،‏ وخلال فترة وجوده الدائم في البيت كانت عاملة المنزل هي من تهتم به من رعاية واهتمام وتفان وإخلاص، في حين أن زوجته الحمقاء كانت مثلك بالضبط لا تهتم إلا بإبعاده عنها، لذلك بمجرد أن تعافى الرجل حتى أدرك أهمية دور العاملة في حياته،‏ وبالفعل تم زواجه بها، بالطبع طلبت زوجته الطلاق وكان لها ما أرادت، أما هو فيعيش في سعادة واستقرار مع زوجته الجديدة‏..))

رفرفت ياسمين بعينيها بحيرة ثم تساءلت

((لماذا تخبريني بهذه القصة؟))

أجابتها رتيل بلهجة مبطنة بالتوبيخ

((حتى تعي على نفسك ولا تسمحي لنجوم بالاقتراب من مَازن.. إذا كان تلك العاملة كبيرة في السن ومع ذلك استطاعت أن تأخذ لب عقل ذاك الرجل الوقور فما بالك بزوجك خفيف القلب؟))

قالت ياسمين بلا اكتراث رغم أن هناك شعور مبهم يعتمل بداخلها

((لا يهمني فلتأخذه وتتزوجه ولتشبع به))

في هذه اللحظة دخلت دارين على جناح ياسمين وعرفت أنها تحدث رتيل لوجود فهد وباسم جالسين بجانبها فاندفعت دارين ومدت يدها تقول

((أعطيني زوجة عمي رتيل لأتحدث معها))

استجابت ياسمين باستغراب لها فوضعت دارين الهاتف على أذنها وقالت بصوتٍ خرج بالكاد متماسكا

((زوجة عمي متى ستعودين؟))

أطلقت رتيل نفسا مرتجفا قبل أن تقول

((لا أعرف متى سأعود لكن ربما لا أفعل، الله أعلم ما هو الخير لي))

انهار ثبات ملامح دارين وتغرغرت عيناها بالدموع وهي تهمس باعتذار صادق

((أرجوكِ سامحيني زوجة عمي لأني كنت أهددك دائما بإخبارهم بذلك الأمر لو كنت أعرف أن الأمور ستؤول لما آلت إليه لم أكن لأفعلها))

تمَالكت رتيل دموعها من الانحدار وهي تخفف عنها

((لا بأس أنتِ ليس لك أي علاقة بأي شيء، إنه خطئي كاملا))

شرعت دارين بالبكاء بعجز وهي تستنجد بها

((إذن أرجوكِ عودي يا زوجة عمي فأنا تعبت من تولي مسؤولية أبنائك الذي يعيشون هنا كالمشردين، جدتي تمنع كليا زوجتيّ عمي مَالك ومَازن من التدخل ووظفت مربية قاسية تصرخ وتزمجر طوال الوقت بنا، حتى باقي العاملين في هذا القصر تمردوا ولا يلبون ما نحتاجه وجدتي ليس لها كلمة عليهم جميعا..))

فغرت رتيل شفتيها المرتعشتين وقالت ببهوت

((أولادي كالمشردين؟))

رفعت رتيل راحة يدها فوق فمها بينما تسمع دارين

((نعم هما كذلك فلا يقبلان أن يدرسهما أحد ولا يأكلان شيئا من أحد ويبكيان طوال اليوم، حتى جدتي تمنع ذهابهما للعب مع أصدقائهما لأنهما يرفضان المذاكرة مع المربية.. سيظلان هكذا إذا لم تعودي..))

أخذت دموع رتيل تنسكب فتمسح وجهها بظاهر كفها وهي تشهق بالبكاء بتقطع وتقول

((وماذا بيدي لأفعله يا دارين؟ وماذا بيدي؟ سأغلق الهاتف الآن.. استودعكم الله))

هتفت بها دارين منهارة

((لا تغلقيه وعودي إلى هنا فقط))

إلا أن رتيل أغلقت الخط.. فانهارت دارين جالسة على الأرض ببكاء انفطر له قلب ياسمين حتى أنها أرادت أن تبكي معها..

أما هدى كأن عدوى بكاء دارين أصابتها فانفجرت هي الأخرى بالبكاء وهي تلقي نفسها بأحضان أمها..

كان فهد يريد أن يشاركها بوصلة البكاء هذه إلا أن أخيه الصغير أمسك يده وجره للخارج.. إلى حيث يجلس والدهما عادة في هذا الوقت مع جدته بغرفة المعيشة.. ولحق بهما الباقيين..

كانت جدته تتمتم بكلمات الحمد لأن والده أخيرا قد فك الجبس من قدمه وتشافت وصار يستطيع التحرك بكل أريحية.. فوقف باسم أمامه ببسالة طفولية يقول

((أبي متى ستعود أمي؟))

عبس مُؤيد وهو يقول بنبرة حازمة

((باسم ابتعد عني لا ينقصني أنتَ الآن))

التفتت الحاجة زاهية تقول لولدها

((لا تتهرب يا مُؤيد من أسئلة الأطفال عليك من الآن أن تجعلهم يدركون أن أمهم لن تعود لأنكما تطلقتما))

هددّ باسم بعصبية محاولا التصرف كشخص ناضج

((أبي أخبر أمي أن تعود الآن أو سأهرب من البيت))

انسحب الدماء من وجوه الجميع بالصدمة من هول الكلمات التي انسابت من فم هذا الطفل الصغير.. أما مُؤيد فانتفض على الفور وقبل أن يفر باسم من وجهه المخيف أمسك يده يجره نحوه يقول بلهجة خطيرة

((تعال أيها التافه الصغير.. تهرب؟ تهرب أنتَ! من علمك هذه الكلمة؟ رأسك هذا سأكسره لو كررت مثل هذا التهديد))

شدد مُؤيد من إمساك يد باسم إلى حد آلمه وكان يرفع يده الأخرى مهددا بلكمه قبل أن تجزع زاهية إلى حفيدها وتسحبه نحوها..

شرع باسم بالبكاء وقد كانت هذه أول مرة يهدد والده برفع يده عليه فجذبته زاهية لصدرها تزعق عليه

((مُؤيد إياك أن ترفع يدك على أحدٍ من أحفادي))

ارتجفت الكلمات من فم مُؤيد من فرط الغضب وهو يقول

((بل سأفعل عندما أسمع مثل هذا الكلام على لسان ابني، افترضي لو فعلها وهرب من هنا وحل به مكروه))

طبطبت زاهية فوق كتف الصغير تهدئ من روعه وهي تقول لابنها

((سأؤكد على كل العاملين في الخارج أن يكونوا أكثر حذرا وحيطة حتى لا يقدر على الهروب، هذا لو تجرأ وفعلها فهو صغير ويخاف))

أشفق فهد على أخاه فصرخ بأبيه

((لن أسامحك يا أبي ولن أغفر لك هذا الفعل أبدا))

ثم هرول يبتعد من أمامه قبل أن ينزل والده عليه عقابا مما جعل مُؤيد يغمغم بوجه مبهوت من الصدمة

((قليل الأدب! سأعيد تربيتكما))

هدى التي كانت تراقب المشهد كاملا أمسكت ثوب أمها ودمدمت

((أمي أنا أكره عمي مُؤيد وأحب أبي فقط))

تناهى إلى سمع مُؤيد كلام الصغيرة واهتزت حدقتيه وهو يشعر بنفسه غريبا مكروها في هذا المكان! جميعهم ساخطين عليه بلا استثناء.. إخوته بمن فيهم مُعاذ الذي صُدم من الرسائل التي كتبها.. والده يرفض التحدث معه قبل أن يعيد زوجته على ذمته عنوة.. والدته ترفض الاعتناء بولديه قبل أن يسمح لها بالبحث عن عروس أخرى ويخطبها.. أولاده الذين يريدن أمهم وتركه.. حتى بنات إخوته من أشبعهم دلالا في غياب والد كل واحدة منهما بتن يكرهنه!

انتشله من غوصه العميق بهذه الأفكار صوت أمه تقول بغتة لدارين

((المربية تشكو لي أفعالك يا دارين وتقول بأنك لا تساعديها))

هتفت دارين بسخط

((وبماذا أساعدها؟ بالصراخ وتوبيخ أولاد عمي الصغار؟ أخبريها أنها تقوم بعملها جيدا بدوني))

وقبل أن تغادر دارين الغرفة رمت عمها بنظرات كارهة وقالت

((أعد زوجة عمي وإلا كلنا في البيت سنكرهك أكثر))

.

.

غرفة رتيل..

بدأت أنفاسها تتهدج بالبكاء الخافت وشظايا الندم تسير بدمائها وتؤرق روحها وتجلدها بسياط الأوزار.. كلمات دارين التي تخبرها عن الحال الذي وصل له ابنيها في غيابها كالصرخات في أذنيها تشوش عقلها وتحمل لها تحذيرات متشائمة عن حالهما في المستقبل..

هي ستبقى في بيت عائلتها مسجونة في هذه الغرفة.. صامتة وضائقة وتعيسة..

رفعت رأسها ناظرة للسماء من خلال نافذتها وملامحها تفيض بالحسرة والحزن.. تدعو الله هامسة بحشرجة بكاء

((يا رب أعد ولديّ لأحضاني فهما أجمل شيء بحياتي بل كل شيء.. يا رب سامحني على ذنبي فقد ندمت عليها))

ليتها لم تفعل ما فعلته وأغضبت ربها وفُضحت أمام والدة زوجها وحُرمت من ولديها..

لا بد أن حال ولديها في القصر يرثى له ولا بد أن جدتهم ترفض من سمية وياسمين الاعتناء بهما حتى تجبر مُؤيد على الاستعجال في الزواج..

انخرطت ببكاء حار مرير..

المسكينان من الطبيعي ألا يقبلوا من أحد آخر أن يدرسهما غيرها.. فهي بنفسها من كانت تذاكر لهما وتبحث على الإنترنت عن وسائل تسهل عليهم التحفيظ والفهم..

لا تفهم متى سيحن عليها مُؤيد متحجر القلب ويسمح لها بمقابلة فلذات قلبها..

تصاعد رنين هاتفها ففتحت الخط دون أن تعرف هوية المتصل وسرعان ما اتسعت عيناها وذلك الصوت الرجولي الخشن يصلها بحرقة

((أنا أكرهك يا رتيل أنا أكرهك! لقد ألبت ابنيّ ضدي! ماذا تخبرينهما عني حتى باتا يعبران بكرههما لي بكل صراحة!))

توسلت له رتيل من بين شهقاتها المتقطعة

((أرجوك دعهما يزوراني، ما قمت به أنتَ لا يغتفر ولا يقل عن ذنبي، فلماذا أحرم أنا من أولادي بينما أنتَ لا! أريد رؤيتهما، اجلبهما لي))

ازداد العذاب المرسوم على وجه مُؤيد ووجد نفسه لا يتحمل سماع نحيبها أكثر فأغلق الهاتف عليها وألقاه بعيدا عنه..

=============================

غرفة يزيد..

وتحت ضوء المصباح الجانبي الصغير الذي تخرج منه هالة برتقالية تضفي جوا من الدفء على الغرفة البسيطة الجميلة.. ارتاح مَالك على سرير يزيد وامتدت أصابعه تلعب في شعر طفله المموج بحنو بينما يقص عليه من القصة المصورة باللغة الإنجليزية بسلاسة لغوية اعتادها منه كما يفعل معظم الليالي كطريقة ممتعة لمساعدته على إتقانها حتى لا يقال بأن ابن أستاذ اللغة الإنجليزية ليس ضليعا فيها!

بمجرد أن أنهاها حتى لف بجذعه ليضع القصة على المنضدة الجانبية متسائلا ببسمة لطيفة وعيناه شاخصتان إليه تراقبان كل إيماءة يقوم بها يزيد

((هل أخذت على خاطرك مني صباح ذاك اليوم لأني صرخت عليك؟))

زمّ يزيد شفتيه ثم قال بمزاح واضح

((نعم، وكثيرا))

بعثر مَالك شعر ابنه وقال بمرح

((إذن اضرب رأسك بالجدار المرة القادمة، لا ينقص إلا أن تنام بيننا على السرير))

صدرت من يزيد ضحكة خافتة وقال بصوتٍ أجش

((حسنًا سأفعل))

رفع مَالك حاجبيه وبادله الضحكة قبل أن يحتضن وجهه بكفيه ويقول

((لا، لا تفعل أيها الشقي، أريدك سالمًا.. غدا ستعلم أختك أو أخاك بمجرد قدومه من شقاوتك))

ملأ يزيد رئتيه بالهواء ثم زفره متمهلًا وهو يفكر بحماس وتوق كم يحتاج أن ينتظر قبل قدوم الطفل!

انتشله صوت طرقات خافتة للباب من شروده.. لتدخل سمية هادرة بخفوت

((لقد تأخرت في الصعود يا مَالك))

اعترض يزيد بحنق

((لا زال الوقت مبكرا يا أمي، دعيه هنا))

ضم مَالك ابنه لصدره قائلًا

((نعم لا زال الوقت مبكرا))

اعترضت سمية بشقاوة

((لا تأخذ صف ابنك ضدي يا مَالك))

ضحك مَالك بصوتٍ أبح لمقصدها المبطن من كلامها وشغف يتدفق في أوصاله وهو ينظر إليها كامرأة جميلة للغاية.. تجذبه لها كمغناطيس.. بشعرها الطويل حالك السواد كظلام ليل بهيم..

طبطب مَالك فوق الفراغ القليل المتبقي على السرير في دعوة لتتمدد بجانبه هادرًا

((تعالي هنا، لا تقلقي السرير سيتحمل))

رسمت ابتسامة جميلة له أسرت قلبه بعنف ثم خطت مسرعة نحو السرير لتتوسد فوقه بجانبه وتريح رأسها على صدره ليتسلل دفئه عبر الحرير لجسدها.. قال بنبرة مؤثرة جعلتها تشعر كأنه مد كفه ليمسك قلبها بقبضته

((ما أحلى قربك))

رفعت عينيها لتذوب بعينيه ونظراته المستكينة تأسرها طواعية.. قبل أن يلامس جبهتها بشفتيه.. لتلامس روحها سعادة خفية لم تحلم بها.. لم تحلم أبدًا طوال سنواتها السابقة أن تمتلك زوجا مثله وطفلا غير يزيد..

حتى عائلته رغم علمها تمام العلم أن بعضهم لا يودونها كثيرًا إلا أنهم يحسنون لها على عكس عائلة زوجها السابق الذين تنطق نظراتهم قبل كلماتهم لها بالبغض والغل رغم أنه لم يصدر شيئا منها تجاههم إلا كل خير ليتبين لها لاحقا أي مستنقع كانت تعيش فيه..

من دون أن تشعر اختض جسدها قليلا بفعل دموع الامتنان التي تكتمها بداخلها.. لا تصدق كم أضحت عاطفية ومندفعة باندهاش منذ ارتباطها منه.. وفي نفس الوقت لم تصل يوما إلى هذا الحد من النضج إلا عندما اختبرت الحب الحقيقي معه..

شعر مَالك بنشيجها المكتوم فلفه الذهول وقال وهو يطبطب فوق ظهرها

((يا إلهي هل تبكين! أنتِ تبكين حقا! انظر يا يزيد كيف جعلت أمك تبكي! سأكون بصفها ضدك))

تجلى القلق على وجه يزيد ليقول بعفوية وهو يمرر يده الصغيرة فوق شعرها

((أمي لا تبكي أنا سأكون بصفك ضدي))

انفرجت ضحكة بصوتٍ أجش من ثغرها على طفولية صغيرها لكن لم ترد أن ترفع وجهها المبلل بالدموع له لتسمع مَالك يقول

((يبدو أن هرمونات الحمل ظهرت من الآن))

رفعت ذراعيها تلفها تحت كتفي مَالك سامحةً لدفء رجولته أن يحتوي ضعف أنوثتها قائلة

((نعم هرمونات الحمل، لذا ضمني فقط يا مَالك))

وشدد من ضمها بالفعل ليتسلل لها المزيد من دفئه وكم ودت لو تستطيع أن تبوح له بالكثير من كلمات العشق لكنها لم تفعل لطبيعتها الخجولة..

=============================

في الحديقة..

جلس مَازن على مقعد تحت المظلة الخشبية بجانب زوجته يراقبان هدى تلهو وتلعب مع أولاد عمها وباقي الأطفال..

بالكاد أقنعت ياسمين الحاجة زاهية أن المسكينان منذ مغادرة أمهما لم يذوقا طعم السعادة وعليهما أن يخرجا كباقي الأطفال ويستمتعا بوقتهما قليلا..

لم يمر الكثير قبل أن يشع عطر أنثوي ثقيل ملازم لصاحبته التي تقدمت منهم ملقية بالسلام..

استقام مَازن من مكانه يرحب بها، أما ياسمين فلم تكلف نفسها بالوقوف بل ردت السلام عليها بتمتمات مقتضبة وهي تطالع ملابس المرأة وألوانها الفاقعة المبالغ بها..

انتبهت المرأة لنظراتها فرمتها بالازدراء ثم جلست مقابلهم تسأل مَازن

((من هذه المرأة التي معك؟))

ابتسم مَازن لزوجته وأمسكها من كتفها حاضنا إياها ليقول

((إنها زوجتي الجميلة ياسو))

أظهرت ياسمين نفورا وابتعدت عنه هاتفة كمن توبخ طفلا صغيرا

((كم مرة عليّ أن أنبهك ألا تقوم بهذه الحركات أمام أحد))

كسى وجه مَازن الحرج مِن ردة فعلها حتى كساه اللون الأحمر القاني.. لكنه ابعد واجهة الحرج التي تلبسته وعالج الأمر فتنحنح يجلي صوته.. وقال للمرأة التي أمامه ملطفا الأجواء وهو يشير بسبابته إلى هدى

((تلك الطفلة هي صغيرتي، نحن نتنزه بين الحين والآخر هنا في هذه الحديقة لذا أحببت أن ألتقي بك هنا))

قالت المرأة بابتسامة تكاد تتلوى ازدراء على ثغرها وهي تطالع ياسمين بتعالي

((أنا أرى أن تذهب المدام ياسو وتلاعبها ريثما ننهى مقابلة عملنا))

أمسك مَازن بيد ياسمين واعترض

((بل دعيها تبقى هنا وتعرف أكثر عن عملي في الترجمة بمكتبتكم))

نفضت ياسمين يده وقالت ببرود استشعر غضبها

((وماذا سيكون عملك معها في المكتبة غير الترجمة! لست مهتمة بالاستماع لكم، دعني أتابع هدى عن كثب))

غادرت ياسمين من أمامه متوجهة نحو الأطفال ومَازن يتفاقم غضبه حتى أنه ضم قبضته ليمنع ظهور ارتجافها من شدة الحنق.. إنها حتى لا تشعره أنها تراه رجلا يستحق أن تغار امرأته عليه وتستحوذ على مشاعره مهما حاول أن يستفزها أو يثير غيرتها.. فيبدو أمامها دائما كصبي يفتعل موافق تقلل منه ليحظى بانتباهها..

قالت المرأة تتجاوز حدودها الحمراء

((زوجتك هذه مثل البومة المنفرة، كيف تتحملها بالله عليك!))

اشتدت قبضة مَازن المغلقة ثم ردعها بعملية لا تخلو من لباقة فطرية لا ينم عما يعتمل في صدره

((لو سمحتي يا آنسة لا تقللي احترامك لزوجتي ودعينا نكمل حديثنا بخصوص مكتبتكم))

.

.

بعد ساعة..

دلفت ياسمين إلى حجرتها ومن خلفها مَازن..

كانت تشعر بذبذبات التوتر تعم من حولهم فمَازن لم ينطق بحرف طوال طريقهم إلى هنا.. هي حقا لا تفهم سبب ردة فعلها المتطرفة التي تكشف حرقتها من الداخل! هل بسبب أن المرأة التي التقت بها وتبدو بسنها كانت تظهر فاتنة بزينة وجهها الملائمة لملامحها وثيابها المبهجة الراقية على خلافها تماما! فساءلت وهي تنزع من ملابسها

((ما نتائج تلك المقابلة يا مَازن؟))

مرر مَازن أصابعه بحنق على عنقه ثم قال

((لقد ظننت أنها ستكون مقابلة عمل لتتأكد من درجة اتقاني اللغة وضلاعتي بها أو تسال عن أعمال سبق وترجمتها لكن اتضح أن المقابلة كانت لإقناعي بالعمل عندهم بأجرة زهيدة مقابل الخبرة فرفضت باختصار))

اتشحت نظرات ياسمين بالذهول واعترضت قائلة

((وماذا فيها لو كان عملا بأجرة زهيدة؟ هل تظن أنك يجب أن تجني الملايين من أول عمل تبدأ به))

هتف بها مستنكرا

((كوني معدوم الخبرة لا يعني أن أقبل العمل في مكان يعطيني أجرة متطوع خيري))

تمتمت ياسمين له بتحقير

((مدلل أنتَ وتريد أن تمضي حياتك باللهو فقط))

أغمض مَازن الذي كان لازال حانقا منها عينيه.. بالكاد يمسك نفسه ألا يفتك بها.. يكره كيف أن المرأة التي تكون زوجته لا تعامله باحترام.. يكره كيف أنها لا تطالبه بشيء وتكتفي بما عندها.. إنها لا تكترث لشيء يخصه ولا تغار عليه ولو بمقدار ذرة رغم امتلاكه تلك الوسامة المهلكة التي تجعل النساء تقع صرعى طلته البهية كما لا تنفك أمه عن إخباره.. فوقف أمامها يتساءل بصوتٍ خطير

((هل أعجبتك تلك الطريقة المهينة التي عاملتني بها أمام تلك المرأة؟))

لم تبالي به وهي تجيبه بفتور

((كم من مرة نبهتك أن تثقل قليلا أمام الناس! أكره الابتذال))

قطب مَازن حاجبيه ثم هتف بها بغضب مشتعل

((ياسمين.. ربما أكون حقا قد أخطأت بحقك.. وبحق نفسي وحق عائلتي لكني لست مستعدا للتكفير عنه أكثر من ذلك.. لا طاقة لي لتحملك والصبر عليك أكثر من ذلك خاصة وأني لا أحبك حتى))

تحلت بكل برودها الظاهري وتساءلت

((وما هو المطلوب مني؟))

كزّ مَازن فوق أسنانه محاولا السيطرة على أعصابه وقال

((عليك أن تعرفي أني أريد أن أحبك.. ولكن بالتأكيد سأظل أحب نفسي أكثر، لذا لن أقبل عليها تحمل المزيد من جفاءك.. لن أتحمل ولن أستطيع حتى لو أردت))

اقتربت أكثر منه تقف أمامه وتقول

((ولكن أنا وعلى الرغم من عدم حبي لك فلا أقصر بحقوقك شيئا، هل طلبتني مرة ورفضت!))

أنفعل مَازن بها بحنق

((المشكلة ليست مشكلة حقوق وواجبات بل هي أني أريد أن أعيش حياة ود واحترام وهذا ما ينقصه من جهتك))

هزت كتفيها ثم قالت بهدوء استفزه قبل أن تعطيه ظهرها

((هذا هو طبعي لا أستطيع التمثيل أمامك بعكس ما أضمره فعليا لك))

هتف بها باستنكار يؤجج غضبه

((ولماذا لا تستطيعين حتى تمثيل الاحترام لي؟ لماذا تعامليني كأني قصدت إيذائك؟ أنا كنت ضحية مثلي مثلك.. أخطأتُ بتستري على خططهم بخطفك وتلويث سمعتك لأني لم أرد جلب المشاكل لي ولكن ندمت وعوقبت بالزواج من لوح ثلج مثلك وانتهى الأمر))

رفع مَازن كفيه يمسح وجهه ثم قال بعد دقيقة بنبرة مختلفة

((مفاد نقاشنا هذا أن طريقنا وحياتنا مسدودة.. تماما))

استدارت ياسمين نصف استدارة لكن ظلت على جمود ملامحها وحركة حلقها كانت الوحيدة التي تدل على تأثرها..

ضيق مَازن عينيه عندما لم يجد منها أي إجابة ثم قال

((حسنًا.. ممتاز.. ولكن عليك أن تعرفي أن الرجل إذا لم يجد راحته وسعادته في منزله يذهب ليبحث عنها في مكان آخر))

تعمدت أن تميل زاوية فمها بابتسامة مستخفة تواري بها حرقتها من كلامه وقالت

((إذا كان بحثه عنها في الحلال، وضع خطين تحت كلمة "حلال" يمكنك أن تفعل ما تريد))

كلامها المبطن أثار غضبه ليستعر أكثر وينفجر بها

((بالتأكيد في الحلال، وإياك ثم إياكِ أن تلمحي لغير ذلك، ما كانت تربيتي ولا ديني يسمحان لي أن أفعل غير ذلك))

قالت له دون اكتراث ظاهري وبصوت خرج رغما عنها مرتجفا

((إذا مبارك مقدما))

تقبضت يدا مَازن حتى ابيضتا وقبل أن يقدم على شيء يندم عليه استدار ليهم بمغادرة المكان كله.. قبل أن يعود أدراجه عدة خطوات ويقول

((أنا بالفعل سأتزوج ولا أقول مجرد كلام، ولكن ليس قبل أن أطلقك))

غمغمت له باقتضاب

((لا شكرا، لا أريد الطلاق، خاصة مع ظروف عائلتي، افعل ما تشاء واذهب أينما تريد ودعني أعيش بسلام مع ابنتي هنا))

هنا فقط انفرج وجهه عن ملامح شيطانية مستمتعة لا تلائم ملامحه الودودة وتهكم بنبرة قاتمة

((ولكن الأمر ليس عائدا لك يا ياسو، أنا لا أشعر أني سأكون مرتاحا إلا لو تزوجت دون أن تكوني على ذمتي، نعم لن أتزوج قبل أن أطلقك.. وفي هذه الحالة إذن.. ها إذا استقبلتك عائلتك فلا أظن أنهم سيستقبلون هدى، وهنا لا تلوميني عندما تحرمين من ابنتك))

كلامه استقطب حذرها فتراجعت للخلف واتساع طفيف في حدقتيها التقطه ليسجله في عقله قبل أن تحتد نظراتها ويقسو فمها وهي تتحداه بصوت مختنق

((أباك لن يسمح لك أن تطلقني، سيقتلك قبل أن تفعل ذلك))

تمَالك أعصابه عند تهديدها بوالده، وتعمدها إصابته في رجولته وكرامته.. أغلق جفنيه وهو يسحب أنفاسا متحشرجة قبل أن يفتحهما ويدوي صوته من مكانه وبعنجهية يتدفق من نبرته القوية

((ولهذا سأجد عملا لي يعيلني للاستقلال عن أبي، ووقتها لن أسمح له أن يتحكم بخياراتي الشخصية))

رشقته ياسمين بنظراتها المتحدية المتألمة لعيونه الصخرية فلم يهتز للنيران البنية التي قدحت فيهما بل مالت زاوية ثغره بابتسامة زهو.. شعرت بالدموع تلسع عينيها فقاتلتها وأشاحت بنظراتها الحمراء عنه ثم همست بصوت بحّت نبراته فخرج ممزقا ومجروحا

((تريد طلاقي فقط لجعلي أعاني! هذه دناءة منك، خاصة أني لا أطلب منك أكثر من أن أبقى على اسمك حتى أعيش لآخر عمري هنا أنا وابنتي))

رد عليها من بين أسنانه بملامح متقلصة مشمئزة بثت القشعريرة في جسدها

((مهما أحمل من دناءة فلن تكون بمقدارك))

ثم استدار على عقبيه مغادرا تاركا الألم والمرارة تعتصرها من فرط العجز الذي هي فيه.. هو لا يبالغ بما يقوله، هي تدرك جيدا أن أي لحظة يحررها منه لن يكون من المُمكن لها أن تعيش هنا وتمضي ما تبقى من حياتها وبالتالي ستكون مجبرة أن تعود لعائلتها التي تعرف مسبقا أنهم قد لا يستقبلوها.. وإن استقبلوها فقد لا يقبلون بهدى كما سبق وألقى على مسامعها..

دمعة ساخنة انحدرت ببطء ميت على وجنتها مسحتها بقسوة وهزت رأسها لتجلي أفكارها..

أما هو أطبق قبضتيه بقسوة وفي عينيه تزمجر عواصف ضارية! إنها تنجح في استخراج أسوء ما فيه على نحو رهيب وغير مألوف.. فلم يكن هو ليتشمت أو يتحدث بازدراء مع أي أحد خاصة وهو يدرك أنه الطرف القوي بينهما!

اندفع نحو المطبخ حيث تجلس منال ترتشف قهوتها برواق مع ابنتها التي لا يعرف أحد سبب إجهاد وجهها وذبوله الملفت..

وقف مَازن أمامها بهيئته الثائرة يقول

((هل يمكن يا منال أن تعدي لي قمر الدين فلا أحد في هذا البيت يهتم بي سواك))

امتقعت ملامح منال وتذمرت

((ماذا تريد يا قرة عين أمك! اذهب من هنا فهذا وقت راحتنا أو هل تظننا عبيد عندك.. أوه.. أوه))

ضربت منال صدغها تذكر نفسها أنها بحاجة لاستمالة مَازن ومجيئه الآن يظهر تأثره بما تحاول منذ وقت فعله.. أزاحت كرسيا تدعوه للجلوس عليه معهم

((أقصد سيد مَازن الحبيب تعال واجلس هنا واطلب ما تريد.. على قلبي مثل العسل، الآن ابنتي الجميلة نجوم ستذهب لتعد لك كل ما تحبه..))

حدجت منال ابنتها بنظرات صارمة لتنتفض نجوم من مكانها على الفور خوفا منها.. ورغم تعب حملها الذي لم يبرز للآن إلا أنها كانت تصنع قمر الدين باهتمام.. لا تنفيذا لخطة والدتها الشيطانية بل من أجل هذا القابع في أضلاعها ويخفق بسرعة..

بدأت تختلس النظر لمازن وهي تعد له المشروب.. بدا هو الآخر متعبا مثلها.. عيناه الجذابتان كانتا ذابلتين..

كأنه حقا بحاجة ماسة لها..

ذهبت ذاكرتها لأول لقاء بينهما عندما عاد من غربته..

خضرة عيناه تعلقت بها.. فقد تفاجئ بها كما فعلت هي..

ربما لأنها جميلة.. وربما لأنه.. أحس.. بمشاعر.. تجاهها؟ هل يمكن أن يكون مَازن هو نفسه الذي سيغير حياتها كما تقول أمها؟

هزت نجوم رأسها تجلي هذه الأفكار التي بدأت تأخذ منحنى خطير في عقلها وهي تتابع إعداد العصير!

=============================

مطعم الفريال..

دلف قصي مكتب فريال ليجدها تحدث نفسها بكلمات خافتة غير مفهومة بعد أن انتهت مكالمتها الهاتفية مما جعله يتساءل بغير فضول

((ما بك يا سيدة فريال؟))

تطلعت لقصي تبدي الاستياء ثم تذمرت بدلال لا يناسب خطوط وجهها وقد قاربت على منتصف الخمسين

((آه من زوجي الأحمق.. تخيل أني تزوجته وأنفق عليه كل يوم بعد عودتي من هذا المطعم بعد يوم عمل شاق ليزيد همي بمظهره المشين))

شعر قصي بالحرج لسردها عليه مثل هذا الكلام الخاص وتجلت ملامح الضيق على ملامحه دون أن يحاول أن يواريها من كم الاشمئزاز الذي شعر به نحوها خاصة وملامحها تنقلب للسرور وهي تكمل

((تعال أيها الوسيم لأعطيك أجرتك الأسبوعية المعتادة))

على مضض تقدم منها قصي واستلم أجرته وأجرة سهر التي كانت تنتظره خارج المكتب..

تناولت سهر النقود منه وقالت باقتضاب

((لا تعجبني نظراتها أبدًا لك يا منقب الذهب))

تغضن جبين قصي بحيرة وتساءل

((ماذا تقصدين أيتها الباربي البلاستيكية؟))

صارحته سهر بما يعتمل في صدرها من شكوك

((أشعر أن تلك العجوز المتصابية معجبة بك))

أصدر قصي صوتا ساخرا يشوبه القلق ثم اعترض

((أنتِ مجنونة.. بيننا فارق عمري يزيد عن.. عن.. عشرين أو ثلاثين سنة.. إنها تعتبرني فقط مثل ابنها أيتها البلاستيكية))

مالت سهر له هامسة بضيق

((في الأمس رأيت زوجها بنفسي يركع لها متوسلا أن تسحب قضية الخلع التي رفعتها عليه في المحكمة مؤخرا، ردت عليه أنها لم تعد تحبه ونادمة على الزواج من رجل عجوز ببطن بارزة مثله.. وجلبت سيرتك أمامه وهي تقارن بين كهولته وبين سحرك أنت الرياضي الجذاب))

استحكمت غصة في حلق قصي ثم تساءل

((هل ستطلق من زوجها حقا؟))

أجابته بجدية هامسة

((نعم.. إنه الثالث.. ويبدو أنها مستعجلة على التخلص منه لتبدأ التخطيط للزواج من زوج رابع))

شعر بموجة صقيعية تجتاحه وهو يقول باشمئزاز

((أيتها الباربي البلاستيكية مسيئة الظن! هل تتخيلين أني قد أساير أو أجاري تلك العجوز المتصابية لو فكرت حتى مجرد تفكير بالنظر لي بطريقة مختلفة عن نظرة الأم لولدها!))

زمّت سهر شفتيها ثم قالت بنبرة ذات معنى

((حتى وهي ثرية! أقصد نعم صحيح ليست بثراء عائلتي.. لكنها تملك هذا المطعم كاملا باسمها.. لهذا يلهث أي رجل للزواج منها بمجرد أن تشير بإصبعها عليه.. وأنتَ كرجل منقب للذهب هذه هي فرصتك.. ثم إن الزواج من أجل المال لا يعرف فرق عمر أو شكل))

رماها قصي بتلك النظرات الحانقة ثم تجاوزها وتقصد ضرب كتفه بكتفها بقوة..

.

.

جلس قصي في الغرفة الصغيرة التي تحوي خزائن الموظفين وأوصد الباب خلفه يطلب رقما ما والذي ما إن فُتح الخط حتى جاءه صوت يوسف المتوسل

((مرحبا يا سيد قصي، أقسم لك أني لا أستطيع إعطاءك ولا فلسا واحدا، ولا حتى بثوب البقشيش، عمك سيعرف كما عرف سابقا، لقد حذرني حتى من الذهاب للمطعم الذي تعمل فيه))

اجتاحت الريبة سهر الواقفة بمواربة خلف الباب تسترق السمع له.. فمن هذا يوسف الذي يبتزه قصي اللعين ليأخذ ماله؟

اندفع قصي هاتفا باستياء

((اصمت، اصمت ما إن تفتح الخط عليّ حتى تبدأ بالبكاء وجلب سيرة النقود قبل حتى أن أقول ما عندي..))

صمت يوسف فتنحنح قصي قبل أن يقول

((المهم أردت أن أخبرك أني سبق وقدمت سيرتي الذاتية لعدد من الشركات الهندسية الإنشائية مرفقة معها إثباتات لشهادات مختومة من أكبر المراكز التدريبية لدورات حصلت عليها تؤهلني للعمل في مشاريع كبيرة حتى لو لم يكن لدي خبرات عملية))

رد يوسف بشيء من التردد

((ممتاز، ولكن هذه الشهادات أليست قبل عقد مضي؟))

تغضنت ملامح قصي بالانزعاج مجيبا

((بالتأكيد تم رفض طلبي من هذه الشركات في نفس اللحظة.. وانقضت على هذه الحكاية أشهر.. ما يهم هو أني عرفت قبل أيام وعن طريق الصدفة أنهم سجلوني على المشروع كمهندس أساسي من دون علمي ولدي كل الإثباتات المطلوبة.. حاولت أن أتواصل معهم ولكنهم يماطلون فكيف أنتزع حقي منهم؟))

رد عليه يوسف ببساطة ومهنية

((ارفع شكوى لنقابة المهندسين، نقابة المقاولين، الضمان الاجتماعي، وأخيرا وليس آخرا لمكتب العمل وسيصلك حقك كاملا.. أي ستحصل على المال منهم حتى لو لم تعمل عندهم))

عقب قصي بوجوم

((ما هذه التعقيدات! كيف سأفعل هذا كله؟))

عرض يوسف عليه بلطف

((لا تقلق دع الأمر لي وأنا سأتولاه عنك على أتم وجه يا سيد قصي))

شابت نبرة قصي الرضا وهو يقول

((حسنا تولى الأمر وأخبرني بآخر المستجدات ولا تتأخر..))

كان قصي يريد أن يسأله عن مستجدات قضية شيرين لكنه انتبه لأحد يقف خلف الباب فأغلق الخط ووضعه بجيبه.. لتفتح سهر الباب كاملا وتتقدم منه تسأله بنبرة مخيفة كأنها تحقق معه

((من هذا الذي كنت تتحدث معه وكأنه خادم عندك؟))

تكدرت ملامحه وقال وهو يضع يده فوق عضلات معدته

((معدتي تؤلمني ولا مزاج لي للتحدث معك))

حاول تجاوز سهر ودفعها فألم معدته لا يسمح له أن يركز معها إلا أنها منعته بإصرار

((إذن كانت شهادتك الحقيقية هي الهندسة كما كنت تخبرنا ولم يكن الأمر كذبة يا منبع الكذب!))

قال قصي بنبرة قوية رغم الإعياء

((نعم شهادتي الجامعية ليست كذبة وأنا درست بالفعل في الخارج، كل ما في الأمر أني أجد صعوبة في إيجاد عمل بها لأني لم أمتهن الهندسة يوما))

هتف نور وهو يدخل الغرفة عندهم

((وأنا معدتي تؤلمني أيضًا))

مد قصي يده مشيرا لنور وقال

((ها رأيتِ؟ نور أيضًا تؤلمه معدته! هذا المطعم يبيع أطعمة فاسدة))

نفي نور قائلا بوهن

((لا، لا، أنا معدتي تؤلمني لسبب آخر وليس من الأطعمة، أنا معتاد على الأمر كل شهر))

غامت تعابير قصي بحيرة ولم يفهم قصد نور للحظات لكنه تجاهل ما سمعه ثم تطلع لسهر مستهجنا

((سهر لا أفهم كيف لا تتذمرين من هذه الأطعمة المكشوفة التي تأكلينها هنا))

عقبت وهي ترمقه بنظرات الاحتقار

((هل يعقل لثور مثلك بهذه العضلات والطول والعرض أن تؤثر عليه الأطعمة المكشوفة؟))

خطا قصي للخارج نحو المطبخ وجلس على إحدى الكراسي ولحقته سهر تاركين نور بالغرفة..

ورغم أنه كان وقت المغادرة إلا أن قصي كان ينتظر حتى تهدأ معدته قبل أن ينصرف مع سهر ويسيرا لمسافات كبيرة..

كان الإعياء واضحا على وجه قصي لكن لم تبدِ سهر تعاطفا واضحا نحوه بل زمّت شفتيها لدقائق ثم تساءلت بغتة بسؤال كان يعتمل داخلها منذ مدة طويلة

((قصي هناك سؤال يلح كثيرًا عليّ بالفترة الماضية.. هل كان لقائنا متعمدا أمام متجر الألماس بجانب النادي؟ هل كانت تلك المرة هي أول مرة تراني فيها؟))

تطلع قصي لوجهها المرتقب لإجابته ورغم ألم معدته لم يكبح ابتسامته مجيبا بينما يستعيد تلك الذكريات الجميلة

((الحقيقة لا، فقد رأيتك أول مرة بالنادي عندما ذهبت مع أمي هناك وشدني حسن وجهك الشبيه بلعبة الباربي.. ورغم كرهي لهذه الأماكن إلا أني بدأت أذهب بشكل يومي لهناك لأسترق النظرات لك، حتى اكتشفت أني قد وقعت في حبك من النظرة الأولى.. وبعدها انتقلت للمرحلة الثاني وبدأت أتقصي أخبارك وعرفت كل شيء يتعلق بك وعائلتك..))

قوّست سهر حاجبيها وقالت بذهول عارم

((أكاد أقسم أني شعرت في أول لقاء حصل بيننا أنك تعرف كل شيء عني وعن عائلتي..))

بالكاد كان يقاوم التيار ضد جاذبية الماضي وهو يجيب بعذوبة تلك الذكريات

((نعم كنت أعرف عنك كل شيء، أيضا لاحظت أن والدتك تتردد كثيرًا على محل المجوهرات القابع بقرب النادي، ذهبت هناك وأخبروني أنها تزورهم من أجل أن تشبع نظرها برؤية ساعة ألماسية لا تستطيع تحمل ثمنها ثم تخرج خائبة.. كانت أول خطوة للوصول إليك هو كسب أمك واشتريت تلك الساعة لأقدمها لها عند خطبتنا))

التقط ذبذبات جسدها المتحفز وهي تهتف بغضب مستشرس

((كانت تلك الساعة هي خطتك لتبهر أمي بك وتصدق زيف ادعائك! إذن كيف تدبرت ثمن ساعة ألماسية مثلها لتهديها لأمي؟ هل سرقتها من العائلة التي كنت تعمل سائقا عندهم؟ لأني لا أستطع أن أقتنع بتخمين شيرين أنها كانت هدايا منهم))

انزعجت ملامحه راميا نحوها بنظرة لو كانت تقتل لأردتها قتيلة ثم قال باقتضاب

((لا تقلقي لم أسرق مبلغ الساعة من أحد))

حررت ذراعيها ثم سألته باتهام

((إذن هل اقترضت ثمنها من أحد البنوك؟ لولا معرفتي أنك سبق وكنت سائقا عند رئيس مجلس إدارة شركة القاني وأنه كان يجود عليك من فتاته هو وأولاده من سيارات وتذكار سفر لقلت بأنك تعمل في أعمال غير قانونية لتحظى بهذا النوع من الحياة التي تظل تتفاخر بها أمامي بغية خداعي بروتك المزيفة..))

ظل قصي على تكدر ملامحه لتسأله مجددا

((وموقف السيارة.. عندما تعطلت سيارة سائقنا وعرضت المساعدة لتصليحها.. هل كان مفتعلا؟))

بسخرية قاتمة أجابها

((نعم كان مفتعلا.. لقد حاولت بطرقي الخاصة الوصول للسائق الذي كان يعمل لديكم آنذاك ودفعت له حتى يدعي عند مغادرتكم النادي أن هناك عطل بالسيارة.. ثم أظهر أنا بمظهر البطل الخارق وأعبث في عجلاتها وأسلاكها قليلا لتبدأ العمل فجأة تحت أنظاره المذهولة.. وبعد أن تشكروني على معروفي أطلب منكم موعدا لأتقدم لك))

توحشت ملامحها بالبغض والسخط فرد عليها بازدراء

((عدم غناي ليس شيئا يستدعي احتقارك لي))

مالت له لتتهمه بعصبية

((أخبر نفسك بهذا الكلام.. لو كنت صادقا بكلامك لما أخفيت حقيقتك ولم تكذب عليّ وتظاهرت أنك رجل فاحش الثراء.. لقد سبق وأخبرتك أني عندما سأتزوج آخر ما سأنظر إليه هو وضع زوجي المالي أو وظيفته أو خلفيته الاجتماعية.. فلماذا كذبت عليّ ولم تعترف بحقيقة خداعك؟))

انتفض قصي واقفا يقول بمنطقه

((لأني لم أصدقك.. والدليل ها قد عرفتي كل شيء.. فهل ستتقبلينني بهذا الوضع؟ ها أخبريني؟ هل ستقبلين أن تتزوجي مني؟))

ردت عليه على الفور بغل

((لا لن أفعل))

مال ثغره بابتسامة متهكمة! لقد كان محقا بإخفاء حقيقته عنها.. فحتى لو عرفت أنه ابن القاني لما كانت ستوافق أمه على زواجها منه بعد أن تعرف أنه لا يستطيع حتى العمل في شركة عائلته!

قطع تفكيره هذا تأوه صدر منه من ألم معدته مما جعله يخلع قميصه الصيفي تزامنا مع خروج فريال من مكتبها والتي قالت له وهي تطالع بروز عضلات جسده الصلب برغبة

((أنا مستعجلة لذا تأكد من إغلاق المطعم قبل أن تغادرا))

نظر قصي ببلاهة لها بينما تبتعد.. فنظرات هذه الفريال لا تعجبه.. ويبدو أنه من السذاجة أن يظن أنها تراه كابن فقط..

تنهد بضيق شديد.. وذهب للغرفة يستجيل نور للخروج حتى يغلق المطعم إلا أنه بمجرد أن فتح الباب حتى قصف صوته

((ما هذا؟ هل هذه ملابس سهر أيها.. أيها.. اللعين؟))

اختبأ نور خلف الخزانة يقول وقد أضرم صراخ قصي نيران الخوف في قلبه ((سأخلعها حالا))

هتف به قصي باشمئزاز ونفور متأجج

((لم أكن مرتاحا لك أيها الحقير، لم أكن مرتاحا لك..))

هرولت سهر نحوه وتطلعت لنور بصدمة سكنتها ثم قالت

((لماذا ترتدي يا نور ملابسي؟ وكعب حذائي أيضًا..))

دفع قصي سهر للخارج حتى لا ترى نور وهو يخلع ملابسه ثم استدار لها مزمجرا

((ماذا تعمل ملابسك هنا أنتِ يا هانم؟))

لوحت بيديها له مبررة بدفاع

((اشتريتها قبل أيام وخبأتها في خزانتي بالمطعم من أجل حفل سأحضره مع والدتي التي ستعود قريبا، لا أدري كيف عرف بها))

صدح صوت نور من الغرفة يعتذر بندم يغلف كلماته

((وجدتهم عن طريق الصدفة وأردت فقط تجريبهم لكن لن أكررها مجددا))

شعر قصي بجسده يتصلب ويزداد فوران.. قبل أن يغمض عينيه بتقزز ويؤنب سهر

((ألم أخبرك أني لست مرتاحا لهذا المراهق المنحرف!))

ثم أمسك قبضة الباب وهو يقول

((لقد تأخر هذا الأحمق المخنث في الداخل، سأدخل عليه وأكسر عظمه.. آآآآآآآه))

ما إن فتح قصي الباب حتى أغلقه على الفور صافقا إياه بصوتٍ قوي مدوي.. انقبض قلبه وانسحبت الألوان من وجهه وهو يقول شاعرا بثقل في لسانه الذي عجز على ترجمة كلماته بسلاسة

((يا إلهي.. يا إلهي.. ما هذا الذي رأيته! هل يمكن أن يكون هو.. أو هي..))

=============================

انتهى الفصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...