لا تنسو التصويت ❤️❤️
تعالَ وقع صوت عكاز مُؤيد العالي على البلاط المصقول كأنه يصرخ بدلا عنه مخترقًا الصمت المهيب في مجلس الرجال الذي كان الحاج يعقوب جالسًا بداخله..
جلس مُؤيد مقابل والده بتوتر واضح في ملامحه وهو يغمغم بعبارات السلام ليرد والده السلام عليه ثم يقول بصوته الوقور الحازم
((كيف حال قدمك؟ اهتم بنفسك يا مُؤيد وكن أكثر حيطة، لقد وقع حادثين على نفس القدم))
نكس مؤيد رأسه وعم الصمت المشحون في أرجاء المكان للحظات طويلة أخرى قبل أن يكسره مُؤيد مجددا قائلًا بلا أي مقدمات
((أبي لقد أعدت زوجتي إلى ذمتي، أخاها سيوصلها لشقتي في المدينة ليلًا.. وكنت في الأيام السابقة أخطط أن أبيع شقتي الحالية وابحث عن شقة أكبر لأشتريها))
شيَّد يعقوب على كلامه وابتهل بالخبر
((ممتاز يا مُؤيد، كان عليك من البداية اتخاذ هذه الخطوة فأي حياة هذه التي تجعلك تعيش في المدينة وتترك زوجتك وولديك هنا ولا تزورهم إلا مرة كل أسبوعين.. الآن أنا راضٍ عنك))
أومأ مُؤيد له بصمت ثم قال بوضوح أكبر بما أن والده لم يفهم غايته من هذا الكلام
((ولكن أبي أحتاج دعمًا ماليًا منك فالشقة التي سأشتريها كبيرة ولا يتوفر معي ثمنها كاملا))
ردَّ عليه والده بصوته المهيب المغلف بالحزم
((اشتريها بالأقساط كما فعل مُصعب، هل تعرف أنه انتهى من دقع أقساطها مؤخرا فقط رغم أنها شقة صغيرة؟))
اعترض مُؤيد باقتضاب
((ولكن يا أبي إذا اشتريت الشقة بالأقساط سيكون سعرها أعلى بكثير مما لو دفعت ثمنها دفعة واحدة))
قطب يعقوب حاجبيه ليقول بصرامة
((ليست مشكلتي، لو أنك لم تنفق أموالك في السنين السابقة في دفع ثمن هدايا ونزهات نسائك ومتعتك الشخصية لكانت مدخراتك كافية الآن لشراء الشقة! هل تظنني غافل عن مقدار المال الذي تحصل عليه شهريا من عملك!))
تضايقت ملامح مُؤيد وغمغم
((أبي هل تعاقبني على تلك الرسائل!؟))
صحح له يعقوب مغتالًا أي أمل لمؤيد بإعطائه المال
((أنا لا أعاقبك ولكن اكتشفت فداحة خطئي السابق بعدم العدل في الهدايا والعطايا بين أولادي الخمسة، فعلى مدار السنوات السابقة كنت أهبك أنتَ ومُعاذ أكثر بكثير من باقي إخوتك، صحيح أن مُعاذ لم يسبق وأن طلب مني شراء أي شيء بل قمت من تلقاء نفسي بمنحه سيارة، شقة وأمور أخرى ولكن سيختلف كل شيء الآن، سأهب أي شيء بالعدل بينكم))
لم يبدِ مُؤيد أي رضى من كلام والده فألقى سلامه متلبدا وغادر المجلس تزامنا مع دخول زاهية والتي ما إن جلست بجانب زوجها حتى صدمها بما قال
((ابنك يقول بأنه أعاد زوجته لذا أريد منك الآن أن تقومي بزيارة مفاجئة لشقته في المدينة وتستطلعي أحوالهم هناك))
=============================
عند الغروب..
دخلت ياسمين لجناحها لتشاهد مَازن فوق السلم يقوم بإلصاق نجوم بلاستيكية على أعلى الجدار وهدى تلصقها أسفله، فهتفت به باستهجان
((ما هذا الذي تلصقونه على الجدار؟))
أجابها ببساطة وهو مستمر بوضع الغراء على النجوم قبل طبعها على الجدار
((أقوم بإلصاق نجوم بلاستيكية كبيرة، لقد جلبت أكثر من مئتي قطعة!))
انكمشت ملامح ياسمين بعبوس ثم قالت كأنها تبصق الكلمات
((نجوم بلاستيكية بلون.. بلون فسفوري قبيح كهذا! وفي غرفة نومنا؟ شكلها مبتذل، أزيلاها الآن))
طالعها وقال مشاكسا إياها
((لا تتسرعي.. سوف تندهشين بالنتيجة))
هبط مَازن درجات السلم ووضع باقي النجوم جانبا ثم أطفأ إضاءة الغرفة مما جعل ياسمين تنتفض مكانها هاتفة وهي تغمض عينيها
((لماذا أطفأت النور يا مَازن!))
لكن حثها مَازن بيديه بلطف أن تفتح عينيها لتفعل ذلك تدريجيها ثم أشار لها نحو الجدار المتلألئ بالنجوم هادرا
((انظري.. أليس المنظر جميلا.. ألا يستحق الإعجاب!))
نبض قلب ياسمين عدة مرات متتالية مأخوذة بمنظر الجدار حقا، بدا في غاية الجمال، كأن نجوما تتلألأ عليه..
قالت هدى منبهرة بالبريق الذي يخطف الأنظار
((شكلها جميل ورائع يا أبي، كأن لونها فضي لا فسفوري))
احنى مَازن حاجبيه وقال
((هكذا إذا أطفأ أحد النور أو قمتُ بغير قصد بكسر الأباجورات فلن يعم الظلام هذا المكان تماما))
كانت ياسمين لا تزال ماسورة بمنظر النجوم الساحر..
ازدردت ريقها وأبعدت يده عنها ثم أضاءت الإنارة لتخفي عمدا تأثير إعجابها باللفتة الرائعة التي حركت قلبها.. تنحنحت تجلي صوتها قبل أن تقول بهدوء مفتعل
((إنها جميلة، الآن تجهز لو سمحت لنزور أقاربي الذين لم نزرهم في خروجنا السابق))
تنهد مَازن بقلة حماس ثم قال
((رغم أني لا أحب أبدًا زيارة الأقارب وبالكاد أصل رحمي، ولكن تكرمي يا ابنة قلبي، تجهزي وحالما تنتهين سأكون قد انتهيت من ارتداء ملابسي))
دلفت ياسمين للغرفة الأخرى تغير ملابسها وما إن خرجت حتى بحثت في الأرجاء عن مَازن قبل أن تجده مستلقي تحت الغطاء وفوق الكنبة.. استبد بها الإحباط فاقتربت منه هاتفة بعصبية
((مَازن هل أنتَ نائم! هيا استيقظ سنتأخر!))
كانت تهز كتفه بقوة عندما فتح عينيه فجأة وانتفض أمامها هاتفًا كالعفريت
((أنـــــا مستيقظ بالفعل!))
صرخت بصدمة كردة فعل وتراجعت خطواتها للخلف بفزع حتى اختل توازنها وكادت أن تسقط من هول إفزاعه.. فقهقه مَازن عليها بضحكات رجولية عالية..
رفرفت ياسمين بعينيها تستوعب مقلبه قبل أن تستجمع قواها وتعتدل واقفة مندفعة نحوه تضرب صدره بحنق بالغ وعينين دامعتين
((متى ستكف عن هذه المقالب! هل تريد موتي بفعل إحداها يوما ما!))
اختطف مَازن أقرب وسادة طالتها يده، يضعها أمامها، يحمي نفسه من ضرباتها، هاتفا من بين ضحكاته الصادحة
((كنت أمزح معك.. توقفي.. أمزح معك..))
لكنها كانت مستمرة بضرب صدره بضربات واهية مرتجفة من فرط صدمتها، وأنفاسها المتسارعة مخطوفة..
أبعد الوسادة عنه وأمسك يديها يأخذ نفسا عميقا من ضحكاته التي أنهكته مبررا
((يكفي يا ياسو.. لقد تأخرتِ ففكرت أن أتمدد على الأريكة مدعيا النوم))
حاولت ياسمين أخذ نفسا عميقا هي الأخرى ثم سحبت يديها من قبضتيه لتقول بصوتٍ متهدج
((متى ستكف عن هذه المقالب؟ قلبي أضعف من أن يتحملها))
صدح صوت يعقوب فجأة وهو يطرق الباب هاتفا بخشونة
((مَازن هل أنتَ هنا؟))
انحسرت ملامح مَازن عما كانت عليه ثم قال بسرعة
((تفضل يا أبي الباب مفتوح))
دلف يعقوب للداخل يهتف به بامتعاض واتهام واضح
((ولأن الباب مفتوح وصل صوت صراخ زوجتك للخارج، ماذا فعلت بها!))
انزوى حاجبيه مَازن وقال باقتضاب
((لم أفعل شيئًا، كنت أدعي النوم لأفزعها بقصد المزاح، إنها معتادة على مقالبي))
طالع يعقوب وجه ياسمين منخطف اللون وقال بازدراء
((لا أحد يعتاد على مقالبك السخيفة فتوقف عنها!))
ثم أشار بإشفاق على ياسمين مستطردا
((انظر لوجهها الشاحب! كم مرة عليّ أن أخبرك أن ما تفعله لا صلة له بالمزاح بل ترويع للآخرين وفيه ضرر وأذية))
رفع مَازن يده يمسد مؤخرة عنقه وقال بوجه محتقن
((أبي لا تبالغ!))
وبخه يعقوب بعينيه.. ثم أخذ نفسا يستعيد رباطة جأشه وناظر ياسمين قائلًا
((تعالي يا ابنتي، واجلسي معنا ودعك من عديم النضج هذا))
قالت ياسمين بشيء من الارتباك
((شكرا عمي.. لكن سيرافقني مَازن لزيارة أقاربي اليوم))
صمت يعقوب قليلا وهو يهز رأسه برضا ثم قال
((حسنا زيارة أقاربك فكرة جيدة.. احظيا بوقت ممتع))
ما إن خرج يعقوب من الغرفة حتى طالعت ياسمين زوجها بوجه مذنب قائلة بتلعثم واندفاع
((أسفه! لكن لم اقصد أن أرفع صوت أو أن يسمع صراخي أحد))
استنكر مَازن بفم ملتوي
((هيا اذهبي واغسلي وجهك وأنا سأذهب لأقنع مَالك أن يعيرني سيارته بعد أن أعدناها له غارقة بالوحل آخر مرة))
تهدل كتفي ياسمين ببؤس وهي تبتعد إذ أحست بسخط مَازن عليها.. أما هو فلم يستطع أن يشيح إحساس أنها قد خافت غضبه واعتذرت عما تسببت به له بلا قصد منها! أحقا ياسمين اعتذرت له؟!
حدسه ينبئه بتغيرها! هل يمكن أن يكملا حياتهما بأمل جديد ينعش روحها الهامدة دون منغصات الماضي الوعرة؟
وقبل أن يبارح الغرفة جاءته هدى مهرولة بخطوات شقية تقول بلهفة
((أبي لقد انتهيت من ارتداء ملابسي، سرح شعري واصنع لي ضفيرة))
ابتسم مَازن بحنو لابنته، دعاها تجلس على حجره ليبدأ بتمشيط شعرها المجعد لتسأله بعد لحظات بفضول
((هل سنزور خالي الذي ظل يبكي في زيارتنا له في الأمس!))
قبل أن يرد مَازن عليها جاءه صوت ياسمين الغاضبة بغتة
((أذهبت إليه رفقة هدى يا مَازن دون أن تعلمني؟))
عبست بشدة وصوبت له نظرات اللوم مما جعله يبرر
((أخيكِ أوجع قلبي عندما طلب صورة لهدى ليراها، فأخبرته ما الحاجة لصورتها إذا كنت سأحضرها له بشحمها ولحمها.. ما رأيك أن نذهب لزيارته اليوم؟))
هتفت به ياسمين بامتعاض
((قلت لن نذهب! علاقتي بأخي انقطعت، لا تأخذ هدى عنده لو سمحت! لم يطلب رؤيتها ولو مرة واحدة أثناء سنوات عمرها السبعة ولا أظن أن هناك شيء يستدعيه فعل ذلك الآن))
=============================
بمجرد أن أوقف شقيق رتيل سيارته أمام منزل مُؤيد حتى ترجلت منها وهاجت مشاعر اللهفة والاشتياق الخانقة نحو ولديها بعد أن أخبرها مُؤيد أنه تركهما في الداخل.. كانت تهرول لا تطيق الانتظار أكثر قبل لقاء ولديها بعد أن سكن الحزن روحها المكلومة طيلة فترة ابتعادهما عنها..
بمجرد أن فُتحت باب الشقة حتى جرى كل من فهد وباسم نحو أمهما لا يصدقان أنها أمامهما أخيرا..
انخفضت على مستواهما وفتحت كلتا ذراعيها تستقبلهما بأحضان حارة.. وسرعان ما اهتزت مشاعر الثلاثة نوبة من البكاء والنشيج.. بينما يمطرون بعضهم بعبارات الاشتياق بأصوات متهدجة..
وضع شقيق رتيل حقائبها عند الباب وراقب شقيقته تعانق ولديها وتحضنهما بكل قوة وألم وشوق وعنفوان في مشهد دامع حرك قلبه القاسي.. للحظات فقط.. قبل أن يغلق الباب عليهم مغادرا بسيارته.. وكأن الأمر لا يعنيه..
قال فهد لأمه بمرارة
((أمي أرجوكِ توقفي عن البكاء))
((لقد اجتمعنا أخيرا.. يا أمي ولن نفترق مرة أخرى))
رددت رتيل دون أن تكف عن عناقهما ونثر القبلات على وجهيهما
((الحمد لله.. الحمد لله))
كانت تدرك في قرارة نفسها أنها كادت تفقدهما، بل لقد انتابتها لحظات اليأس في أيام فراقهم العصيبة والمؤلمة بأن يرجع لم شملها بهما..
بقوا على هذا الحال داخل غرفتهم التي جهزها لهم مُؤيد طيلة الليل.. يتحدثون ويشتكون لبعضهم..
((لقد أمضينا أياما لوحدنا دون أن يهتم بأمرنا أحد))
أصابت رتيل غصة مما يقوله ابنها، تعلم كيف كانت جدتهما تضيق الخناق عليهما حتى تضغط على مُؤيد ويتزوج! فقالت وغصة تستحكم حلقها
((لقد نقص وزنكما كثيرًا))
رد باسم بنبرة غضب مشحونة
((نعم لأننا لم نكن نجد طعاما آخر إذا ما أعد العاملين في المطبخ طعاما لا نحبه، إلا أحيانا تتسلل الخالة سمية ليلا لتجهز لنا الطعام.. لقد تعذبنا بدونك))
أطلقت رتيل نفسا مرتجفا حارا ثم قالت
((والله أنا أيضا يا حبيباي، كنت أتعذب في فراقكم، وأتحسر وأتألم إذا زارتني زوجتا أخويّ مع أولادهم في منزل عائلتي))
قال فهد لأمه بفخر متوهج من عينيه
((تلك المرأة التي تُدعى صبر قمنا بالصراخ عليها آخر مرة زارتنا فرحلت، تخيلي أن جدتي كانت تريد منها أن تصبح زوجة لأبي))
ابتسمت رتيل بشقاوة رغم ذبول وجهها ثم قالت تشدقت
((أساسا نجح الأمر واجتمعنا سويا تحت سقف بيت واحد لأنكما قمتما برفضها وطردها من البيت))
سارع باسم يقول بنبرة قوية باترة
((ولا أي امرأة قد تأخذ مكانك يا أمي))
ابتسمت رتيل لحب أولادها الجارف لها ثم ذابت عيناها حنانًا فطريًا وهي تلثم وجنة كل واحد منهما قبل أن يكملوا الوقت في تجاذب أطراف الحديث حتى وقت صلاة الفجر التي صلوها سويا..
.
.
قبل الظهيرة..
استيقظت رتيل وبدأت تتفقد الشقة وهي تتجول في أرجائها.. وبالها مشغول بالتفكير بكيفية مقابلة مُؤيد بعد عودته..
حقا كيف سيكون الأمر وما بينهما كفيل بقتل بعضهما!
قضت اليوم بطوله تقوم بالتنظيف وتعطير البيت وتبخيره.. وعند العشاء أعدت وجبات خفيفة لطفليها ومجددا شرد تفكيرها بمُؤيد..
إنه يعرف أنها هنا ولم يكلف نفسه حتى مهاتفتها..
يا لها من حياة ستحياها معه مجددا تحت سقف واحد، وأي ظروف ستتحملها من أجل البقاء مع ولديهما.. رغم فداحة ما ارتكبت في حق نفسها وحقه، أيضا وزره أكبر لم تكن وحدها المخطئة.. لا بد أنه لم يخبر أمه المتسلطة أنه عاد لها خوفا من أن تفتعل له مشاكل فهي لن تتقبلها أبدًا رغم كل السنين التي أمضتها في خدمتها!
فجأة سمعت صوتًا خارج المطبخ انتشلها من زحمة الأفكار السلبية والبائسة ثم هُيئ لها أنه طرق خطواته عندما اقترن بصوت ضربات العُكاز، لينقبض قلبها فجأة!
سارعت تطلب من باسم وفهد أن يخرجا لاستقبال والدهما ففعلا على مضض..
انشغلت بتجهيز طبق العشاء لمُؤيد وهي تحاول أن تبدو على طبيعتها قدر المستطاع في وجوده..
لم يعرها مُؤيد أي اهتمام أثناء دخوله للبيت بل جلس مع الولدين على الطاولة بهدوء يتصرف كأن لا شيء بينهما تغير في الأشهر الماضية عليهم.. لكن كانت تحين منه نظرات بين الوقت والآخر لفهد وباسم يتبين له علامات السعادة وأمارات الفرح الواضحة على وجهيّهما وقد تلاشت غمائم البؤس والتيه.. يبدو أن لقائهما بها أنعش وأحيا نفسياتهما..
وهكذا استمر متجافيا في الكلام، متحاشيا للنظر، نائيا بفكره عنها..
عقب انتهاء وجبة العشاء دخل إلى غرفته بينما قامت رتيل بمساعدة فهد وباسم بتحضير فراشهما وقص حكاية عليها كما السابق حتى خلدا للنوم..
دلفت لداخل غرفة مُؤيد وما إن حطت قدمها حتى وصلها صوت مُؤيد البارد
((رتيل، لا أريد منك أن تشاركيني نفس الفراش))
تسمرت مصعوقة مكانها ونظرت إليه بدهشة محدقة فيه يتوسد السرير يعطيها ظهرها دون أن يلتفت لها لتقول بصوتٍ مختنق
((عفوا! أين تريد مني النوم إذن! على أرض الغرفة أو في المطبخ مثل سندريلا؟))
بدأت أنفاسها تتهدج قليلا.. بينما تسمع مُؤيد يجيب بخفوت مبهم
((تركتُ الغرفة الأكبر لكم لتناموا فيها، هذه الغرفة لي وحدي.. أنا لم أرجعك لذمتي إلا من أجل الولدين، فلا تأملي أن تعود علاقتنا كالسابق))
شلَّ لسانها عن الحديث لحظات وارتجفت شفتاها غضبا.. حتى نطقت أخيرا بازدراء متشنج
((لا تتحدث كأني سأموت لتعود العلاقة بيننا مثل الماضي! أنا لم أعد لك أيضًا إلا من أجل الولدين، أساسا لم أغفر لك كلامك القذر مع دموع أيها الخائن! نعم أنتَ خائن فالخيانة ليست خيانة جسد!))
وبارحت الغرفة على الفور تصفق الباب خلفها بغضب متقد..
أغلق مُؤيد عينيه المشتعلتين بألم للحظات وهو يتنفس باحتدام.. لن يسامح نفسه أبدًا على الإهانة التي ألحقتها به والتي كان هو السبب فيها..
=============================
ركن مَالك سيارته أمام القصر ثم ترَّجل منها هو وابنه يزيد الذي كان يلعق المثلجات التي شراها له أبيه في طريق العودة للبيت، مغمورين السعادة بعد يوم مليء بالحماس والمغامرة في جولات لعب كرة القدم برفقة بعض الأصدقاء وأبنائهم..
توجها يستريحا في الحديقة الخلفية للقصر فافترش يزيد بجسده الصغير الأرض العشبية بعد تناول المثلجات، واضعا راسه تحت ذراعيه وهو يتنهد بقوة.. بحياة..
تبعه مَالك ليتمدد بجانبه بعد أن أفلت الكرة التي كان يمسكها لتدحرج قليلا بعيدا.. أطلق تنهيدة عميقة ثم التفت برأسه نحو ابنه متمتعا بملامحه الصغيرة المتهللة بالحبور.. لقد حرص على تعويض ابنه بوقت أبوي كاف له من تنزه وخروجات وفعل كل ما يستمتع به رفقته.. بعد انتهائه من أعمال التصحيح لأوراق الامتحانات وكل ما يتعلق بها من صب النقاط وغيرها..
بدأ يزيد يتثاءب فسأله مَالك
((هل تشعر بالنعاس؟ فأنتَ مستيقظ منذ الفجر..))
حرك يزيد قدمه على العشب باستمتاع
((لا، اعتدت على النهوض فجرا والنوم مبكرا، حتى أن جدي أشاد عليّ محافظتي على صلاة الفجر في المسجد وقد كان يكافئني بالنـ...قود..))
بتر يزيد كلامه واضعا راحة يده على فمه متمما بصوتٍ مكتوم
((أوه، لا ...لقد شددَ عليَ ألا أخبر أحدَا))
التفت مَالك إليه يبتسم بشجن.. إذ أنه اعتاد أن يصارح أبيه بكل شيء يفعله حتى صار عفويا معه بفطرة طفولية.. ثم غمز له بإحدى عينيه هادرا
((أنا الأخر سأكافئك لانتظامك على صلاة الفجر في المسجد بشيء أروع..))
لمعت عينا يزيد بحماس وقال بإثارة
((حسنا، سنرى..))
شعور انتشاء سرى داخل كيان مالك ليسأله بعد ذلك
((ألا زلت حزينا لأن أولاد عمك لم يعودوا يعيشون هنا؟))
قال يزيد بنبرته الرقيقة لكن بثقة طفل عاقل مطلع
((نعم أنا حزين فهما أعز أصدقائي، لكن لا بأس يمكننا زيارتهم من وقت لأخر، المهم أنك بجانبي، فأنتَ يا أبي صديقي الأول))
لوهلة بهُت مَالك من إجابة ابنه.. حقًا فاجأه بما قال.. فجأة انكمش قلبه بألم.. رباه.. كم كان أحمقا في الماضي لإخفاء حقيقة أبوته لطفله البريء الذي لا يتوانى عن إبداء التعبير لحبه العظيم له دون اعتبار أبوته وحقوق ابنه عليه..
شعور بذنب لا يطاق اختنق به واهتاج بصدره كوخيزات تدميه.. فجددّ العهد على نفسه بأنه سيبذل جهدًا أكثر حتى يعوضه..
ظل يزيد مستكينا ناظرا لوالده قبل أن يقول عندما طال صمت والده
((أبي أنت بخير!؟))
تحركت حنجرة مَالك يستعيد اهتمامه بالحوار
((طبعا يزيد.. ها أخبرني الآن هل أنتَ متحمس لقدوم أخيك الصغير؟))
أومأ له يزيد ثم قال باهتمام عارم
((نعم أنا كذلك، أحب أن يكون لدي أخ مثل فهد.. وأريده أن يشبهني مثلما يشبهك عمي مَازن))
قوّس مَالك حاجبيه هادرا
((مَازن حقا يشبهني خاصة عندما كنا صغار، حتى أني كنت أشعر بالاستفزاز عندما يحاول البعض تحديد الفروق بيننا وكأننا لعبة.. سأجبره غدا أن يترك البلايستيشن ويذهب للعب الكرة معنا))
تبرم يزيد له بطفولية
((نعم حثه أن يأتي وينضم لفريقك لعلك تفوز، فقد خسر فريقك المباراة اليوم، مثل الأمس وقبله والذي قبله.. أريد من فريقك أن يفوز حتى أتفاخر بك أمام أولاد أصدقائك في الفريق الخصم..))
لا يعرف مَالك لماذا فجأة علت ضحكاته بانطلاق طبيعي تماما.. فيضحك يزيد على ضحك أبيه..
عاد مَالك يميل للخلف لينام على العشب ناظرا للسماء نظرة رائقة بلا اهتمام بشيء ويقول
((نخسر دائما لان الحكم الذي يختاروه ينحاز للفريق الخصم، لو كانت المباريات نزيهة لكان النصر من نصيبنا..))
خيمّ الصمت بينهما قبل أن يعتدل يزيد جالسًا ويقول بغتة بارتباك كساه
((أبي.. من.. من ستحب أكثر؟ أنا أم أخي الذي سيأتي؟))
ناظر مَالك عيني ابنه البريئة والفضول الحقيقي النابع منهما لمعرفة إجابته فاستوى جالسا ورسم له بحنو بسمة صغيرة وقال
((بالتأكيد أنتَ.. لن أحب أحد مثلك، فأنت ستكون الأخ الحامي والمدافع والمساند لشقيقه! مثل أخي مُعاذ تجاهنا))
اعترى الذهول يزيد ورفرف بعينيه، توقع بأحسن الأحوال أن يكون كلاهما بنفس المقدار، عاد يتساءل
((هل تحب عمي مُعاذ أكثر أم عمي مَازن؟))
شرد مَالك بعينيه قليلا ثم أجاب
((أحب كل إخوتي بنفس المقدار، لكن بالتأكيد مَازن له مكانة خاصة عندي فهو توأمي.. دائما ما كنت أعتبر نفسي القائد والمتحدث لكلينا لأن وُلدتُ قبله بدقائق قليلة، قضينا معظم حياتنا معا منذ الابتدائية، حتى دخلنا نفس الجامعة ودرسنا في كلية الآداب.. وبناء عليه أعتبره ابنًا من مسؤوليتي وكأني والده..))
كان الشجن يشوب نبرته عند حديثه عن مَازن دون أن يشعر قبل أن ينتفض فجأة مكانه عند وصول صوت واجم مقاطع لحديثه
((بل كنت تعاملني معاملة زوج الأم يا أستاذ "عريس جديد"))
استدار مَالك مسروق الأنفاس للخلف يتساءل
((مَازن! منذ متى وأنت هنا!؟))
وضع مَازن يديه بجيبي بنطاله الجينز وقال ببراءة
((منذ اللحظة التي كنت تبرر فيها سبب خسارة فريقك بكرة القدم هو انحياز الحكم لفريق خصمكم..))
ثم أردف متهكما ليزيد
((في كل مرة ألعب مع أباك كرة القدم في البلايستيشن، يبرر سبب خسارته هو تحيز الحكم داخل اللعبة للفريق الذي اللعب به.. دائما..))
طالع يزيد أباه بملامح عابثة ليدمدم
((معقول يا أبي!))
توعده مالك في سره فما لبث أن غمز توأمه بخبث يعاجله
((ولكن إحقاقا للحق فوالدك كان محقا بشأن تحمله مسؤوليتي، فنحن كتؤام متطابق كنا نعرف كيف نستغل الشبه لمصلحتنا.. دائما ما كنت اصنع المقالب لكل من حولي وأفلت من العقاب لأن هو من يتحمل أخطائي))
عكف مالك فمه بابتسامة بينما يغمغم
((نعم دائما ما أتحمل المسؤولية عنك، لكن ليس برضاي الكامل..))
أشار مَالك بيده لخدش قديم له أُثر باقي بالكاد يظهر على رقبته فرفع مَازن حاجباه مدركًا ما يقصده ثم جلس أرضا قائلا
((هل تلمح إلى حادثة ساحة المدرسة؟ وأستاذ رياضيات الذي كنتَ متفوقا عنده عكسي أنا تمامًا، فكان يعاقبني بشكل دائم ويقارنني بك مستفزا إيَاه حتى صرت أكرهه هو ومادته..))
ضيق مَالك حدقتيه وهو يهز رأسه فتابع مَازن بشقاوة متأصلة فيه
((لا زلت أذكر.. في ذلك اليوم كنت جالسًا مع أصدقائي في الساحة الرئيسية وأقوم بتقليد المدرس في طريقة شرحه ومشيته وداخل الصف والجميع يضحك بسبب دقة تقليدي له قبل أن يشي أحدهم للأستاذ فيعصف به غضب شديد ويهرول بعصاه للساحة، فتعترض أنتَ طريقه بغية الاستفسار منه عن مادة الامتحان، ولكنه ينهال عليك بالضرب بالعصا معتقدا بأنك أنا..))
انفرجت ملامح مَالك عن ضحكة مريرة ليكمل عنه
((وقتها صرخ جميع الطلاب من بينهم أنت بأنه يضرب مَالك لا مَازن، ولكن فات الأوان وكنتُ قد وقعتُ أرضًا..))
أكمل مَازن من بين ضحكاته المجلجلة
((فشحب وجه الأستاذ خوفًا من أن يصل الأمر لأبي، فابنه الوحيد الذي يتهاون في ضرب الأساتذة له وعقابهم هو أنا المشاكس جلاَب المشاكل! أما ضربه لك فلن يمرره على خير خاصة لو كنت مظلوما..))
كان المرح بصوتٍ مَازن يخفت تدريجيا حتى أضحى مختلفا في نهاية حديثه.. واكتسحه ألم لا يطاق.. قلبه يضيق باختناق.. حاول التنفس حتى الهواء غص في حنجرته.. نظره كذا عقله يشردان بأمر آخر بعيدا..
والده ومنذ طفولته يعامله كلما افتعل مشكلة معاملة الولد العاق العابث الذي لا أمل في إصلاحه، حتى أنه بدأ يصدق ويتصرف بناء على هذه الفكرة التي يأخذها عنه..
استغربت ملامح مَالك شرود توأمه لكنه فهم ما يفكر به.. إنه يعتقد بأنه لو أخبر أباه بمحاولات منال مراودة ابنتها لمَازن فلن يصدقه..
قبض على ذراع مَازن يجتذب اهتمامه وسحبه بعيدا عن سمع يزيد ليخبره بصوتٍ خافت ولكن حازم
((مَازن أخبرني هل هناك أي مستجدات على ما حدث معك مؤخرا؟ فمنال لم تبعد ابنتها من هنا.. مَازن أتوسل لك أن تخبرني ماذا فعلتْ هي بالضبط أمامك حتى أحكم إذا ما كان على أبي أن يعلم بالأمر أم لا..))
اكتنفت الجديّة ملامح مَازن وردَّ بحنق
((ولكن أنا لا أريد من أبي أن يعرف، بل لا أظن حتى بأن أحد من إخوتنا قد يصدق ما حاولت منال فعله بي إلا أنتَ.. أنتَ الوحيد من صدقت بأنه لم يكن لي علاقة في تدبير حادثة خطف ياسمين عندما كذبني مُعاذ وأبي، كما سبق وصدقتني في كل ورطة أقع بها ظلما..))
اتسمت ملامح مَالك بمزيد من الحزم الضاري وهو يقول
((وسأناضل هذه المرة أيضًا لإظهار براءتك أمامهم، لأني أثق بصدق كلامك، ولكن يجب أن اعرف كيف حاولت منال عرض ابنتها لك وما غرضها من ذلك.. هل من أجل المال؟ أم لتتزوج ابنتها!؟))
زفر مَازن عدة أنفاس كانت تجيش بصدره وتكتم عليه ثم قال بضيق
((مَالك أريد أن أمهل منال فرصة أخيره لتبعد ابنتها من هذا المكان، لكن إذا لم تفعل فسأخبرك كل شيء فعلته بالتفصيل..))
هزَّ مَالك رأسه بعد دقيقة راضخا لرغبة توأمه
((حسنا سأنتظرك.. وكلي ثقة بأنك لو أخبرت أبي فلن يكذبك دون التحري في الموضوع، فأبي ليس رجلا ساذجا وغافلا تماما عن حقيقة منال..))
شعر مَازن بشيء من الاقتناع بكلام توأمه.. فقد تفتري منال عليه.. لذا عليه أن يتغدى عليها قبل أن تتعشى عليه.. ولكن ليس الآن.. بل بعد أن يفشل في إبعادها عن القصر..
=============================
في قصر القاني..
تركت روزانا الجهاز اللوحي الذي كانت تتصفح عليه آخر صيحات الموضة قبل مجيء ابنها المفاجئ..
كان يتحدث بوجه متعب كل ما يعانيه بحياته الحالية كمتشرد فبدأت روزانا تبكي وتعقب بصوتٍ باكي متحسر
((حبيبي قصي.. لا أصدق كيف وصل بك الحال لتعيش كالمتشردين وتسمح ليوسف جرو عمك المخلص أن يتصدق عليك))
رفع قُصي وجهه الشاحب وهالات داكنة تحيط بعينيه حتى أنه بدا أمامها رجلا آخر وجه نحيف ملتحي.. يعيش أياما تزخر بالألم.. ثم أكمل قوله بإعياء
((وضعي سيئ يا أمي، لحسن الحظ أني استطعت أخذ راتبي الأسبوعي مبكرا بيومين حتى أدفع الأجرة لصاحب الخرابة التي أعيش فيها ولا يرميني بالشارع))
وضعت روزانا يدها على خدها لتقول بصوتٍ متذبذب
((آه يا وليدي الحبيب.. لقد أقسم عليّ عمك ألا أعطيك فلسا واحدا وإلا سيتوقف عن تمويل جمعياتي الخيرية للأبد، مضطرة أن أخضع لأوامره، إذ عرف كيف يمسكني من اليد التي توجعني))
تصلبت ملامحه وكأنها لكمته في معدته.. وعلى ذكر معدته وضع قصي يده فوق عضلات معدته من فرط ألمه الملازم له وهو يقول
((إذن أمي هل يمكن أن تجد لي مكانا في إحدى جمعياتك الخيرية لتتباني وتوفر لي سكنًا وعملًا لائقًا؟ ريثما على الأقل يتراجع عمي عن عقابه ويعود لإعطائي مصروفا!))
تمعنت روزانا بقصي للحظات ثم انفجرت باكية.. لم تكن البكاء حتى لا تفسد زينة وجهها ولكن الدموع تطرق بوابة مآقيها دون أن تعي لتقول
((ابني صار كالمشردين يبحث عن جمعية تتبناه وتنفق عليه، ليتني مت قبل أن أشهد ما يتعرض له بكري))
ضرب قصي الأرض بإحدى قدميه وهو يقول بعصبية
((أمي توقفي عن النحيب واطلبي من إحدى جمعياتك أن تتكفل بي فأنا لا أملك أي فلس لإيجار الأسبوع هذا وسيطردني المَالك بلا رحمة أو تردد))
رفعت روزانا منديلها القماشي تمسح دمعاتها المتساقطة بحذر حتى لا تفسد كحلها بينما تقول بأسف عارم
((أنا أعتذر منك يا بني، ولكنك لا تحقق شروط الجمعية التي تتيح لك الانتفاع من خدماتها))
قال قصي باستفسار مضطرب
((ماذا! ولكن إذا لم أجد دعما سأصبح مشردا بالمعنى الحرفي للكلمة، بل وأيضا معدتي تعاني آلاما حادة وكله بسبب الأكل في المطعم الذي اعمل فيه..))
شبكت روزانا أصابعها ببعضهم تأخذ واجهة سيدة الأعمال الحازمة التي تفصل عملها عن عائلتها وقالت وكأن كلامها جازما غير قابل للتفاوض والنقد
((جمعياتي يا قُصي كلها مختصة لمساعدة النساء فقط، قد نساعد الرجال تحت ظروف استثنائية كأن تكون زوجته حامل أو أن تكون من ذوي الاحتياجات الخاصة وكلاهما غير متوفران بك، أنت لست متزوجا من الأساس))
حجر ثقيل شعر به يطبق على صدره يعيق تنفسه.. التقط بعض الهواء بصعوبة ثم رفع رأسه يصرخ باحتقار آذاها
((ولكني ابنك.. ابنك... ابنــــك.. هل هناك سبب أكبر من هذا لأخذ استثناء من جمعياتك يا أمي بما أنك لا تردين على اتصالاتي الملحة بك!))
انكسرت بؤبؤتيها بحزن عصف بوجدانها لكنها قالت بحزم صوتها المرتجف
((أنا آسفة مجددا، لكن لا استثناءات أخرى حتى لو كنت ابني.. كما أن مساعدتك تعني استخدام طرق ملتوية وغير شريفة لنقضي وعدي لعمك الذي جعلني أقسم أني لن أساعدك حتى لو معنويا))
تجهمت ملامح قصي وتقبض كفه بعجز وهو يرد عليها بنظرات تفيض بلوم صريح
((لقد أوصى عمي كل أصدقائي بعدم مساعدتي ولو بتدبير مكان للنوم، ماذا أفعل بنفسي وقد تخليت أنتِ وإخوتي وأصدقائي عني؟ أنا لا أملك شيئا إلا سيارتي والتي أؤجل فكرة بيعها لوقت الحاجة البالغة.. عليك أن تخبري عمي أن يسامحني ويعيد لي كل ما سلبه مني من مال وكل ما هو حق لي لأني بحاجة أن أخبر خطيبتي بحقيقتي قبل أن أخسرها للأبد.. الوقت يداهمني))
فتحت روزانا شفتاها وكانت تهم بقول شيء لكنها انتفضت واقفة مكانها تشهق عاليا ما إن شعرت باقتراب دخول أحدهم الغرفة الكبيرة التي تجلس فيها..
قبضت على قميص قصي تحثه على المغادرة بلهفة قلقة
((غادر يا قصي حالا، أرجوكَ غادر ولا تدعه يراك، مستقبل جمعياتي الخيرية والنساء اللواتي أساعدهن برقبتك))
شعر قصي بمعدته تتصلب وتنكمش ليقول بصعوبة وكأنه بلع كرة نارية ملتهبة لتغص الحروف في حلقه مستغيثا ومخاطبا لمشاعر الأم في داخلها
((أمي فقط اطلبي منه أن يعيد مصروفي ووظيفتي بالشركة حتى أتمكن من إخبار خطيبتي بكل شيء متعلق بي ولا أخسرها))
فتح فارس القاني باب الغرفة ودلف للدخل بهالة الهيبة التي تحيطه ومن خلفه حارسه الشخصي ثم قال بهدوء طاغي
((دعيه يا روزانا هنا))
أبعد قُصي يده عن معدته واستقام واقفا مكانه يضع عينيه في عيني عمه شاعرا أنه بركان يغلي والغضب يشتعل من عينيه هادرا
((عمي أنتَ أمام حلين.. الأسهل لك هو أن تعيدني لأعيش تحت جناحك مع وظيفة محترمة وراتب عالي.. أما الآخر هو أن تراني أخرج للإعلام وأفضح نهبك وسرقتك لورثة أبناء إخوتك حتى لو انتهى الأمر بي في السجن لعدم امتلاكي دليل! المهم أن أدمر سمعتك وسمعة كل شركات القاني!))
جلس فارس على أريكة مقابلة له بكبرياء وشموخ ثم قال باسترخاء
((لنترك جانبا كلامك السخيف هذا ولأخبرك ما كنت أتحدث به مع أمك مؤخرا..))
ضيق قصي عينيه وكله آذان صاغية لعمه الذي أكمل بحنكة وعقلية رجل الأعمال الذي يسعى لصفقة رابحة
((أنا لدي ملفات خاصة بك أنت وأخيك سامر أضع فيها وصل وسند كل قرش دفعته عليكم.. من مصاريف مدارس دولية وجامعات عالمية ونوادي رياضية وسفريات ومصاريف شخصية وسيارات حديثة.. حتى ثمن المجوهرات والهدايا الباهظة التي كنت تطلب مني ثمنها من أجل والدة خطيبتك الشجعة لا أزال أملك فواتيرها))
تجلت أمارات الذهول وعدم التصديق على وجه قصي الذي مال اتجاه عمه وتمتم
((ما هذا الذي تقوله؟ هل جنّنت؟))
ازدردت روزانا ريقها تحاول استعادة رباطة جأشها ثم قالت لابنها بثبات
((ما يقوله صحيح ومنطقي، فعمك منذ ما يزيد عن عشرين عاما وهو المسؤول عن الإنفاق عنك وعن أخيك، بعيدا عن أننا لا نملك أوراقا قانونية تثبت حقكم بأسهم شركة القاني، لكن احسب كل قرش أنفقه عمك عليكما وسيكون المجموع أكثر بكثير من ثمن الأسهم التي كانت لوالدك يوما..))
طالع قصي أمه بشفاه منفرجة ونظرات مشدوهة! هل تمازحه أم أصابها الخبل! هتف بها وهو يفك اللجام عن أي ذرة صبر فيه
((ولكن يا أمي هذه ليست مقارنة منصفة، فلو كنت حصلت على ورثتي بأسهم أبي لكانت بمثابة أموال جارية متجدده شهريا وتضاعف باستمرار ولا تنتهي مهما أنفقت منها، ثم أنا كنت أنفق بإسراف أموال عمي لأني كنت أحسب أن هذه الأموال له لا لي، ألم يكن يتفاخر أمام باقي رجال الأعمال أنه هو من يتكفل من أمواله الخاصة بمصروف أولاد إخوته اليتامى؟))
هزَّ فارس رأسه وقال بمراوغته الخبيثة
((نعم كنت أقول ذلك كما كنت أقول بأن والدك المرحوم باعني كل أسهمه بالشركة قبل وفاته))
زاد ذهول قصي من جشع هذا الرجل الذي هو من نفس عائلته! فتصفح وجهه بعينيه القادحتين بشرر خطير.. ثم تنحنح جامعًا ما تفتت في نفسه من صدمة ما سمع
((إذن في النهاية أنا سأصبح في منتصف الثلاثين من عمري ولا املك عملا ولا شقة ولا سيولة بالبنك.. هي فقط سيارة واحدة سجلتها بإسمي))
قاطعة فارس بصوته المهيب القاتم
((ليست مشكلتي بأنك إنسان غير ناضج لا يفكر إلا في حدود متعة ورفاهية يومه ولم يسبق وأن حاول في السنين الماضية والمال بين يديه أن ينشأ مشروعا ولو كان بسيطا ليدر عليه دخلا يأمن مستقبله))
أطبق قُصي على أسنانه بغضب مستعر وقال
((إذن نحن أولاد أخيك تخصم كل قرش أنفقته علينا من أموال ورثتنا، في حين أنك لا تطالب شيئا من أموالك الطائلة التي استثمرتها في يوسف وإخوته الغرباء عن عائلتك!))
احتدَّ لون عيني فارس الفاتح إلا أنه كساه قناع بارد غامض غير مقروء وقال
((قُصي لا تفكر بالعودة إلى هنا وطلب شيء مني! فأنا لن أستقبل مجددا ناكر جميل مثلك يظل يتهمني بسرقة ورثته من أبيه، فمثلك لا يستحق إحساني وجميلي!))
اهتزت حدقتي قصي ليقول بقهر الرجال
((هل تود مني أن أتوسل منك وأجثو أمام قدميك ذليلا لأعود للعيش هنا واستئناف مصروفي؟ لا لن أفعل يا عمي، على جثتي))
ثم نظر لأمه هاتفا بحُرقة ومرارة يرجو فيها دعمه ولو لمرة واحدة
((أمي تصرفي مع هرائه هذا! الآن))
أشاحت روزانا ببصرها عن ابنها وهي تدمدم بتوتر
((وماذا بيدي لأفعله؟))
استنكر قُصي وهو يفتح كلتا يديه بضغط عصبي رهيب
((الكل يعرف أن عمي يكرهك كما لم يكره امرأة بحياته ولم يكن ليبقى معك كل تلك السنين إلا لو كنت تملكين ضده ما يدينه، وقد حان الوقت لإظهار أوراقك المخفية والوقوف معًا ضده))
توجع قلبها بحرقة شاعرة أنها بين نارين.. ابنها وزوجها.. لكن محاربة زوجها وفقدانها كل ما تنعم به كانت نارا أكثر حرقة.. فتجلت أمارات رفض مطلب قُصي على وجهها ولاحت له كل الإشارات التي تظهر خيارها، فتخبطت الأفكار في دهاليز عقله المشربك مما جعله يغمغم أخيرا بصوتٍ سحبت منه الحياة
((هكذا إذن.. انسِ يا أمي أن لك ابن اسمه قصي..))
تأوه قصي في نهاية حديثه ورفع يده تلقائيا إلى معدته يتألم مما جعلها تسأله بأمومية
((ماذا هناك!؟ هل حقا أمر معدتك بهذه الخطورة؟))
قال قصي بإعياء وبؤس
((نعم يبدو خطيرا))
وقبل أن يسمع كلمات تعاطف أو بكاء من أمه لن تهوِّن عليه من محنته خرج يائسا من الغرفة ثم من القصر قبل أن يقرر أن يستظل تحت إحدى الأشجار.. ينتظر حتى يخفت جحيم ألم معدته قبل المغادرة..
لقد خسر كل شيء.. لا مال، لا عائلة، لا جاه! وبالتالي سينفصل عن سهر دون حتى أن يخبرها حقيقته!
فماذا سيخبرها وهو مفلس تماما ومشرد بالمعنى الحرفي!
ظل على هذا الحال لساعة قبل أن يجفل على صوت هادئ يقترب منه بخطوات ثابتة
((قُصي استقل سيارتي سآخذك إلى إحدى المشافي لنجري التحليلات اللازمة))
فتح قُصي عينيه ليجد يوسف يطل عليه من واقفا..
وسرعان ما استمع له وركبا السيارة وفي أثناء ذلك سأل يوسف
((كيف تسير قضية شيرين؟ ألا زلت تتابع أمورها مع المحامي؟))
أجابه بهدوء
((لا تقلق كل شيء يسير على نحو جيد بل ممتاز))
شرد قُصي بنظره في زجاج نافذة السيارة ثم عقب
((المسكينة الوقت عندها رتيب فالأيام هناك سواء، فهي ممنوعة من أي وسيلة اتصال بالعالم الخارجي، وزيارتنا المحدودة لها تعتبرها مكسبا عظيما وتمتن لها))
شهق يوسف بخفوت كمن تذكر شيئا ثم بشره
((بالمناسبة ذهبت إلى نقابة المهندسين وأعطيتهم أوراقا تثبت أن اسمك مسجل على المشروع الهندسي.. وخلال أسبوعين تم الاتصال بي من مكتب العمل وتم الاتصال بالشركة لدفع الرواتب المتأخرة لك خلال فترة أربع أيام أو تهديدهم ليتم تحويل مشكلتك للمدعي العام))
تحفزت ابتسامة أمل على وجه قصي وقال
((هذا يعني أني سوف أتلقى راتبا شهريا منهم حتى بدون أن أعمل، لمجرد استخدامهم شهادتي دون أذني!))
أبعد يوسف نظره عن الطريق للحظات ليقول
((في الحقيقة لقد تخلوا عن شهادتك، فقدمت ضدهم شكوى أخرى بطردك تعسفيا وتم تسوية الأمر بإنهاء عملك فيها مع دفع كل مستحقاتك.. سأرسل مَالك المُستحق على رقم حسابك البنكي))
ارتخى قصي في مقعده وهو يقول بفرط حماس
((هل المبلغ الذي حصلت عليه كبير؟))
=============================
مساء..
توجهت رتيل بخطوات رتيبة نحو الباب الذي يتم طرقه بقوة وفتحته دون أن تسأل معتقدة أنه مُؤيد الذي قال لفهد أنه سيخرج ويجلس في الحديقة الصغيرة المقابلة للشقة بعد أن ملّ جلوس البيت المفروض عليه بسبب إصابة ساقه..
لكن ما أن رأت الطارق حتى تملكتها الصدمة وارتدت خطوات للخلف..
رمتها الحاجة زاهية بنظرات ازدراء مُحتقرة قبل أن تتوغل إلى الصالة حيث يجلس حفيداها أمام التلفاز..
فقالت لرتيل بنبرة جفاء وهي تتوجه للغرفة الأخرى
((تعالي لوحدك ونبهي على الصغيرين أن يبقيا بعيدا عنا))
دبت قشعريرة بجسدها فازدردت ريقها ثم اغتصبت ابتسامة أمام ابنه حتى لا يصله ارتباكها قائلة
((فهد خذ النقود من محفظتي ستجدها بغرفة النوم واذهب للبقالة المقابلة للمنزل لتشتري الحلوى، باسم رافق أخاك ولا تتحدثا مع الغرباء))
ثم توجهت بخوف يحتلها إلى حيث حماتها جالسة ووقفت أمامها منكسة الرأس..
قالت زاهية الجالسة على الأريكة باسترخاء ظاهري وهي تتطلع لرتيل التي بدت أمامها كالأرنب المذعور
((إذن نجحتِ بجعله يعيدك بعد انكشاف مصائبك المستورة))
بدأت رتيل تذرف الدموع وهي تقول منكمشة على نفسها
((اقسم لك يا عمتي أني كنت أذهب عند غنوة للمبيت في بيتها والخروج لبعض الأماكن العادية كالمتاحف والسينما فقط))
كان عدم التصديق جليا في عيني زاهية وهي تسخر برعونة
((صادقة، حاشاك الكذب، وهل تذهب امرأة من خلف عائلتها وزوجها لتبيت عند صديقتها المنحلة إلا من أجل هذه الأمور!))
ظلت رتيل تحاول إفهامها.. فأقسمت، وتوسلت، وبررت، وأكدت بأنها لم تكن تفعل أكثر من هذا.. دون جدوى..
لترفع أخيرا زاهية سبابتها تحذرها بسخط
((يكفي لا تقسمي، ويا ويلك أن أعرف أن قدمك خطت خارج عتبة هذا المكان دون علم زوجك))
أخذت رتيل تمسح دموعها بانفعال قلق لتتمتم بطاعة كي تفر من نظرات حماتها وكلماتها الساخطة
((لن أفعل، أقسم لك))
حذرتها زاهية مجددًا بصوتٍ مشتد كالوتر
((ولا تخبري مُؤيد عن زيارتي هذه وما سأقوله لك والا..))
ولم تزد زاهية على هذا لتقاطعها رتيل في استسلام خاضع
((لن أفعل))
في هذه الأثناء فُتح باب المنزل من قبل مُؤيد وبتلقائية توجه لغرفته وهناك تطلع باستغراب لرتيل واقفة في المنتصف بحالة منهارة.. توغل لغرفته ليُفاجئ بوجود أمه تقابلها جالسة فهتف فيها
((أمي؟ متى جئتِ!))
التفتت رتيل إليه شاهقة كأنها وجدت نجاتها فيه.. فانتفضت زاهية واقفة من مكانها تقول
((لقد أرجعتها يا مُؤيد إذن رغما عني!))
ارتعد مُؤيد غضبا من تدخل أمه! فاقترب منها مستعينا بعكازه ليهمس لها من بين أسنانه المصطكة
((أمي رأيت بنفسك أنه لم يأتي مثلها ليسد مكانها في حياة أولادي ولم يطيقا غيرها! كيف تريدين مني أن أطلقها مرة ثانية أو أتزوج بأخرى!))
تطاير الشرر من مقلتا زاهية كالحمم وهي تهتف من بين أنفاسها الملتهبة
((هذا لأن الحقيرة عرفت كيف تحبكها حتى لا تتزوج بأخرى بجعل ولديك الاثنين يكرهانك))
ابتلع مُؤيد ريقه بصعوبة وقد غلبته قلة حيلته بالرد ليتمتم بلوم
((أمي هذا ليس وقته))
كانت زاهية تغلي في داخلها لكنها ردت بغموض لا تقبل تهربه
((بل وقته يا مُؤيد، ستذهب بنفسك الأسبوع القادم عند بيت أم أحمد التي حددت معها موعدا، وستخبرها أنك ترغب بطلب ابنتها صبر لك، ستفاجئ أم أحمد عندما تعرف أنك أعدت زوجتك لذا ستخبرها أن علاقتك مع زوجتك منتهية ولن يكون هناك أي زوجة أخرى لك سوى صبر))
قاطعها مُؤيد مذهولًا
((الأسبوع القادم! أمي كيف تحددين معها موعدا دون إخباري؟ أنا لن أذهب هناك، إصابة قدمي حتى لم تُشفى))
مرت لحظة أو اثنتان قبل أن تقول بزاهية بنبرة هادئة مبطنة بتحذير ضمني وتنذر بعواصف مروعة قد تهب في الأيام القادمة
((إن لم توافق على الزواج يا مُؤيد قد أخبر والدك بكل ما حدث، كما فضحتك الهانم أمامه بالكلام المخزي الذي كتبته للمرأة الأخرى، فمن العدل أن يعرف ما كانت تفعله من وراء ظهورنا))
تفاقم بريق الغضب في عيناها وهي تكمل لرتيل الشاحب وجهها من تهديد حماتها
((أتيت لأخبرك أني سأتغاضى عن إرجاعكِ من أجل الولدين فقط، لكنه سيتزوج قريبا من امرأة عفيفة تخاف الله فيه وتتقيه))
لملمت زاهية عباءتها ثم بارحت المكان بعنجهية ووجه عبوس بعد أن مرغت بكرامتها الأرض..
بقي مُؤيد واقفا مكانه يفور بالغضب من كلام أمه وهو يرخي أجفانه ويداه تتقبضان إلى جوار جسده.. قبل أن يخرج صوت رتيل المرتجف له متسائلا
((هل ستتزوج حقا؟))
أشاح مُؤيد بوجهه عنها فاقتربت رتيل منه تمسك بيده تقول بضعف وانكسار
((هل ستتزوج مجددا يا مُؤيد وتطلقني؟))
نظر مُؤيد إليها وهي ترفع عينيها الداكنتين لطوله المهيمن تنظر له باستجداء ودموعها ترسم خطوطا على خديها..
ظل يحدق في ملامحها المتألمة التي توجعه فتجعله لا يفكر إلا في مد أنامله ماسحًا كل هذا الحزن الساكن في عينيها.. إلا أنه قال ببرود ظاهري
((من جلب سيرة الطلاق؟ لن يحدث بيننا طلاق مجددا، الأمر فقط أنه من المستحيل أن نعود كما كنا بالماضي، هذا ما يجب أن تدركيه))
انعصرت عيناها بأنين متألم لتقول
((كما أخطأتُ بمبيتي عند غنوة من دون علمك، لقد أخطأت أنتَ الآخر بحقي))
رد عليها بصوتٍ جامد لا يحمل أي تعبير
((معك حق نحن الاثنين مخطئين، وخاصة أنا، ولكن مهما أحاول لا أستطيع تجاوز ذنبك أبدًا أو أتقبلك كزوجة لي في حياتي..))
لم تستطع أن تواجهه أكثر وهي ترى عينيه الفاتحتين الذابحتين لأدميتها فنكست رأسها أمامه بانكسار وتهدلت كتفيها وقد خارت روح المجابهة..
تراجعت خطوة للوراء مفلتة يدها منه لتقول بغل نابع من حرقتها
((إذن يحق لي أنا أيضًا ألا أتقبلك بحياتي بعد خطأك ذاك لأني أراه أعظم من ذنبي))
تطاير الشرر من مقلتيه من الكلمات التي وجهتها له فرد بجمود قاصدا أن يؤلمها بالصميم
((حقك ولن اعترض، لذا أفضل شيء أن نعيش معا لكن منفصلين من أجل الولدين فقط، وأتزوج أنا كما تريد أمي، بما أني تعلمت من أخطائي، سأحاول قدر الإمكان أن أكون شخصا أفضل مع زوجتي الجديدة))
ارتجفت شفتا رتيل مما قاله..
طعنة مؤيد اخترقت فؤادها فتراجعت للخلف وملامحها تنكمش من الألم الذي انهمر كالخناجر على صدرها المقبوض..
هل يظن أن الأمر بهذه البساطة؟ يظلمها ثم يأمل أن يتزوج مرة أخرى ويحاول أن يكون شخصا أفضل مع زوجته الجديدة! إن كان الأمر كذلك أليس من الأولى أن يبادر بإصلاح نفسه معها بعد أن تعاشرا عيش وملح سنوات طوال!
غصت العبرات في حلقها فهبت تبارح المكان نحو غرفتها قبل أن تنهار تماما.. توسدت الفراش تغادر واقعها المؤلم لتجد في النوم بعض الراحة لتلك المعاناة ولو لمدة قصيرة لعل الألم يتخدر..
بعد وقت وجيز.. توجه مُؤيد نحو الصالة الصغيرة وهو يتكئ على عكازه.. وقف قليلا عند الغرفة التي تنام فيها رتيل يسمع فهد يناديها
((أمي ها قد عدنا، استيقظي، لقد جلبنا الحلوى))
ردعه باسم هامسا بحذر
((أشش.. إنها نائمة، ضع الحلوى لها في هذا الجرار، إن شاءت تأكلها عند استقاظها))
خرج الولدان من الغرفة لكن جفلا الاثنان على صوت مُؤيد الخشن العالي
((وأين حصتي من الحلوى؟))
خبأ فهد حلواه خلف ظهره حتى لا يراها والده ثم دمدم بخفوت متهربا
((أي حلوى هذه التي تتحدث عنها يا أبي!))
أما باسم قال لوالده بإباء طفولي دون أن يرف له جفن
((لقد أعطيتُ الحلوى الكبيرة لأمي ولم يتبقَ إلا حلواي الصغيرة وبالكاد ستكفيني، فلا تطمع بها))
انفلتت أعصاب مُؤيد فصرخ به وهو يمد يده له
((لا يهمني حلوى من هذه التي ظلت معك، أريد الآن أن تعطيني ولو نصف المقدار الذي أعطيته لأمك قبل قليل))
تشنجت ملامح باسم بالرفض للحظات قبل أن ينتفض راكضا للداخل ويغلق الباب خلفه رافضا منحه حصته..
.
.
صباحا..
فتحت رتيل عينيها ببطء ثم اعتدلت واقفة من مكانها ووقفت تناظر انعكاس صورتها بالمرآة..
وأول ما خطر على بالها عندما طالعت هذا الوجه الذابل والملامح المكسورة هو أن تغير من طريقة تفكيرها.. أن تعيش لنفسها ولولديها فقط ولا تضيع ثانية في الحسرة والبكاء.. ولا للاستسلام والمشاعر السلبية..
عليها أن تتخلص من عباءة الضعف والحزن على ما فات لقد تعلمت الدرس..
لطالما وضعت مُؤيد فوق رأسها لهذا لم يراها يوما.. بل اعتبرها أنها أقل من مستواه..
لكن كل هذا سيتغير.. من الآن فصاعدا..
=============================
أتم الطبيب إجراء آخر الفحوصات اللازمة لقصي ليتبين أن سبب ألم معدته الملازم له منذ أشهر هو جرثومة سببها الطعام الذي يدخل معدته والمكان الرديء الذي يعيش فيه.. كما كان يعتقد فعلا..
أعطاه بعض الحبوب المسكنة للألم وأدوية أخرى للعلاج وطلب منه أن يعود لأسلوب حياته ونظام غذائه القديم..
وبطريقته الخاصة أوصل يوسف ما جرى لقُصي إلى والدته التي رقَّ قلبها أخيرا على ما حدث لبكرها وأجرت اتصالًا معه تخبره أنها أقنعت عمه أخيرا أن يسامحه ويعيده ليسكن معهم، بل وقد تقنعه أن يسجل بعضا من الأملاك باسمه حتى يستطيع أن يبوح لخطيبته بكل حقيقته ويتمم زواجه منها!
تهللت أسارير قصي وقد لاح الفرج على حياته أخيرا!
وأول ما فكر بفعله هو أن يهرع للمطعم كي يخبر سهر بكل شيء بعد أن يدعوها هي ونور لأحد المطاعم بالمال الذي حصل عليه من تلك الشركة المحتالة.. وبالفعل ما إن حطت قدمه عليه حتى قدم استقالته لفريال التي تحسرت على فقدانه.. ثم توجه إلى المطبخ حيث سهر بالداخل ليهتف بلهفة
((باربي يا باربي إلى أين تريدين أن أدعوك اليوم أنتِ ونور فمعي الكثير من المال؟ كما أن هناك أمر بالغ الأهمية يجب أن أعلمك به))
ناظرته سهر بعبوس ثم قالت بعدوانية
((أنا إلى الآن لا أدري كيف تتعامل معي بأريحية دون أن تشعر ولو بلحظة خجل أو حتّى ندم على خداعك لي! نحن انتهينا وسنفسخ كل شيء بيننا بمجرد عودة أمي ولن تنال قرشا واحدا من عائلتي! هل تفهم!))
لم تنحسر ابتسامته العريضة وهو يقول
((أنا أعرف أني جرحتك بكذبي يا باربي ولكن صدقيني لدي قليل من الأعذار قد تبرر بعض هذه الأكاذيب، لذا اقبلي دعوتي لأخبرك بها))
قاطعت نور عليهما الحوار وهي تقول وبجانبها موظف حكومي
((قُصي هناك من يريد توقعيك، ينتظرك من مدة))
تجهمت ملامح قُصي وهو يتناول الأوراق من الموظف وسرعان ما قال بعصبية
((طلب طلاق.. تريدين فسخ خطوبة!))
طالع سهر على الفور والتي سارعت نافية وهي تلوح بيدها
((لا تنظر لي بهذا الشكل، أنا لم أرفعها، كنت أنتظر عودة والديّ من الخارج حتى افعل ذلك ولكن لم أرفعها حتى الآن، لا أعرف أصلا كيف رُفعت دون هويتي المدنية))
هنا فقط وجدت تمارا الفرصة سانحة لها لتتوغل لهم مع صوت طرقات كعبها العالي الرفيع.. لتقول بابتسامة واثقة جانبيه تشق وجهها الأرستقراطي
((أنا من رفعتها يا سهر بطرقي الخاصة نيابة عنك))
لفت الدهشة سهر وهي تقول بلا تصديق
((أمي متى عدتِ؟ أين أبي! قال بأنه لن يستطيع العودة قبل أيام من الآن..))
ضيقت تمارا حدقتيها وهي تناظر قُصي الناقم عليها ثم قالت مخاطبة ابنتها
((هذا صحيح لكن جاءتني أخبار أنك تعملين مع هذا الكاذب المخادع في نفس المكان وكان لزاما عليّ أن أعود قبل والدك كي أتصرف))
ثم اكتسبت نبرتها الازدراء وهي تكمل بغضب مكتوم
((وأنت يا منقب الذهب كما ترى هذه دعوة فسخ خطوبة، لصالحك طلقها بسرعة لأنك لو تعنتَّ سأطالبك بتعويض عن الثلاث سنوات التي أضعتها من حياة ابنتي باحتيالك وكذبك))
جعد قصي الأوراق التي يمسكها بغل وواجها بصلابة
((لن أفسخ خطبتنا، سهر لا تزال تريدني فلا يمكنك أن تفرقينا))
انفلتت أعصاب تمارا فاندفعت تقول هاتفة بسخط
((أيها الأحمق هل تظن حقا أنى سأزوجك من ابنتي وأقبل أن تعيش في مستوى مختلف عن الذي كانت تنعم فيه عند والدها!))
اختلجت ملامح سهر وقد أصاب قُصي في كلامه! لا تزال تحبه كما لم تحب أحدًا غيره.. هو وحده من وصل لقلبها ومن جعل لحياتها طعما ولونا.. لكنها لن تسمح لحبها أن يجعلها تنظر لعلاقتها مع قصي الذي خدعها لثلاث سنوات بمنظور العاطفة دون تحكيم عقلها في ذلك، فقالت بنبرة جاهدت أن تخرج كالبرد القارص
((أمي محقة يا قُصي علينا الانفصال حتى لو كنت لا زلت أحبك، لن أسمح لهذا الحب أن يبعدني عن التحكيم العقلاني والواضح لعلاقتنا..))
خفتت أنفاس تمارا العنيفة وعادت لها الابتسامة الواثقة مشيدة
((هذه هي ابنتي الرائعة سهر..))
تمتم قصي بازدراء وهو يهز رأسه
((هذا لأنك لم تكوني مخلصة لي بحبك ومشاعرك، علاقتنا ما هي إلا علاقة تجارية وليست عاطفية..))
زجرته سهر بألم مبرح يطل من عينيها
((لا تتحدث كأنك الضحية هنا، فأنتَ من هدمت كل أحلامي معك، أنتَ لم تحبني لذاتي بل لما قد تجنيه من مصالح بعد الزواج بي تتيح لك الارتقاء بنفسك))
اغترت تمارا بتشمت أمام قصي بابنتها التي خشيت أن تضعف أمام مخادع ومنقب للذهب مثله.. ولم تكبح نظرة استحقار قاتلة رمتها به وهي ترفع إحدى حاجبيها تقول
((هل صُدمت من جواب سهر؟ وهل كنت تظنها إحدى الفتيات اللواتي قد تكون فريسة سهلة الوقوع في شباك رجل يحترف الصيد بمعسول الكلام والتباهي بالثراء؟ ابنتي تسمع بعقلها لا بقلبها))
ثم طالعت ابنتها تسترسل
((لقد تعمد التقرب منك أنتِ دونا عن باقي الفتيات لأنه علم ابنة من تكونين، لقد أمضيتُ وقتا طويلا أفكر بالماضي وبسقطات لسانه واتضح لي أنه ذئب ماكر، لكن جشعي بالثروة التي ظل يتفاخر أنه يملكها هي ما جعلتني مأسورة فيه كصهر ولا أبحث جيدا عن خلفيته))
ثم أمسكت ذراع سهر المتسمرة في مكانها وهي تحثها على الخروج من المطبخ
((حان وقت انتهاء فترة تمردك والعودة للمنزل))
كانت تمارا تجذب سهر التي لا تبارح أبدًا عينيها عن عيني قصي.. مِمَّا جعلها تهتف به بتهكم لاذع قاسي وهي تزيد من شدة جذبها للخارج ((اذهب يا منقب الذهب وحاول أن تنسى سهر في اليخت الخاص بك مع أصدقائك الأثرياء أو خلال التجول في سيارتك الفريدة من نوعها أو الذهاب في زيارة سريعة إلى باريس!))
أخيرا قطعت سهر تواصلها البصري مع قصي بعد أن استجابت لوعيها في أن تدير ظهرها له فما هو إلا مخادع وكاذب كما قالت أمها..
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!