لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثاني والثلاثون
داخل الخيمة التي نصبت في الشارع المقابل لمنزل والد ياسمين لاحتضان المعزِّين الذين جاؤوا لتقديم واجب العزاء وقف الحاج يعقوب وتلقائيا معه أولاده الذين قدِموا معه يستعدون للمغادرة أيضا مع آخر المعزين بالمكان وقد أسدل الليل ستاره.. لكنه مال نحو مَازن يهمس له
((لا داعي للمغادرة معنا يا مَازن، سيترك مَالك لك سيارته، انتظر حتى ينتهي العزاء عند النساء واصطحب معك زوجتك فالليلة هي الأخيرة للعزاء وربما لا تحب أن تنفرد مع أخيها في بيت واحد فدعها تغادر معك))
تحرك الحاج يعقوب وباقي أولاده تاركين خلفهم مَازن الذي كان ممتنا لما فعله والده.. فقد حاول قدر استطاعته أن يقوم بواجب التعزية على أكمل وجه وتأمين احتياجات بيت العزاء إكرامًا لزوجته ياسمين ومن باب الواجب الأخلاقي خاصة وأنه ليس لدى عائلتها الكثير من المعارف..
بمجرد أن غادر آخر فرد من المُعزين خيمة العزاء حتى توجه مَازن إلى البناية التي يتواجد فيها بيت ياسمين قبل أن يصله صوت خافت من خلفه هادرا
((مَازن إلى أين تذهب؟))
التفت مَازن إلى مجيد شقيق ياسمين الأصغر بينما يجيبه
((اتصلت بياسمين وطلبت منها أن تتجهز حتى نغادر))
ازدرد مجيد ريقه ثم قال بتوتر يغزو وجهه
((إذن ياسمين لن تنام في بيتنا الليلة؟))
ابتسم له مَازن بملامح ودودة رغم شحوبها ثم قال
((لقد باتت طوال الأيام الثلاثة السابقة في بيتكم وآن أوان عودتها كما وعدت ابنتي هدى فهي لم تراها منذ بداية العزاء))
ردّ مجيد له الابتسامة وأومأ برأسه متفهما.. بينما يسير بجانب مَازن إلى شقتهم..
كانت هذه هي أول مرة يتعامل بل يرى مَازن بعد زواجه من أخته لكن خلال الأيام الثلاثة السابقة تعامل معه بأريحية وكأنه يعرفه منذ سنوات إلى الحد الذي اعتبر فيه مَازن أخاه الأكبر الذي لم يمتلكه يومًا..
كان ممتنا لعائلة مَازن رغم أنهم لا يعرفونه فقد كانوا في مقدمة الحضور الذين تواجدوا في كافة إجراءًت الجنازة من دفن وصلاة على جثمان والده في المقبرة وقبول التعازي.. إذ أنه بالكاد تحمّل تبعة نفقات احتياجات المعزِّين الذين تجاوزت أعدادهم المئات، جاؤوا من كل حدبٍ وصوب للقيام بواجب العزاء..
عند وصولهما للشقة تقدمه مجيد وفتح الباب فاسحًا له الطريق للدخول.. ثم قال بود
((يمكنك الدخول، لقد غادرت كل النسوة باستثناء عمتي ستغادر الآن فطائرتها ستقلع بعد ساعات))
دلف مَازن للشقة وبينما كان يتأملها جفل قليلا على صوت عمة ياسمين تتقدم منه وتقول من دون مقدمات بوجهها المحتقن
((لقد كنت لا تسمح لياسمين بزيارة أهلها أو أقاربها منذ زواجك منها، ولكن الآن بعد أن فجعت بوفاة والدها لا يجب عليك أن تستمر بتعنتك هذا، اسمح لها بزيارة أخيها فهو آخر ما تبقى لها من عائلتها.. أفهمت يا بني؟))
شعر مجيد بالحرج أمام مازن، فوالدته قبل وفاتها كانت دائما تبرر للأقارب والجيران عدم زيارة ياسمين لهم هو تعنت زوجها القرويّ وتسلطه..
لكن لأن مَازن يعلم حقيقة موقف عائلتها تجاه زواجهما وقطيعتهم لابنتهم، اكتفى بوعده الخافت للعمة أن يتغير هذا الحال قبل أن يودعها ويتمنى لها السلامة في سفرها..
في الوقت الذي كان مَازن جالسا على أريكة بانتظار ياسمين أن تجهز نفسها شعر بمجيد ينظم إليه بجانبه بادٍ عليه التردد وهو يشبك أصابع يديه مرتبكًا
((مَازن ما رأيك أن تبيت هذه الليلة هنا أنتَ وياسمين!؟ فكما ترى البيت سيكون فارغا إلا مني، لا تشغل بالك بأمر هدى فيمكنني إحضارها من بيتكم إلى هنا لو أعطيتني العنوان))
تطلع إليه مَازن باندهاش للحظات يستوعب ما قاله، وقد آلم قلبه عندما استشعر من كلامه خوفه من فكرة البقاء وحيدا في شقته لأول مرة.. فمظهره يدعو للشفقة كطفل شريد يأمل من أحد أن يأخذ لمأوى أمن.. فهذا الفتي اليافع لا يشابه والده لا في هيئته الخارجية القاسية ولا في شخصيته الصارمة التي عرفها قبلا عنه..
فسارع يستحسن فكرته كي يطمئنه قائلا
((حسنا.. الأمر يستحق، سيارتي معي يمكنني العودة وأخذ هدى لنبيت جميعا هنا))
تهللت أسارير مجيد ملامحه رغم محاولته المحافظة على إخفاء رعشة جسده للرد غير المتوقع.. لكن صدح صوت ياسمين عاليا بتسلط وهي تتقدم منهما
((بل سنعود للبيت الآن))
تهدلت كتفا مجيد وغامت عيناه بخيبة أمل وهو يتطلع الى أخته كأنه يتوسل لها العدول عن قولها لكن رأى نظرة الجفاء والجمود تصوبها نحوه دون هوادة..
في أثناء ذلك مال مَازن من زوجته يخفف من حدة الأجواء هامسا في أذنها
((يبدو أن أخاك يستوحش فكرة النوم وحيدا في المنزل بعد وفاة والدك، دعينا نبيت هنا لعدة أيام.. حتى يعتاد الأمر))
هتفت ياسمين ونظرها لا زال مصوبا على أخيها
((ليس مراهقا صغيرا حتى نخاف عليه، إنه في العشرين من عمره، سيتدبر أمره))
بعد محاولات يائسة من مَازن يستعطفها لإرجاع علاقة الأخوة بينهما بالتودد اللطيف.. ظَّلت على موقفها الجاف لتهتف فيه بصلافة
((قلت.. لا.. لن أفعل يا مَازن))
مضت تسير نحو باب الشقة قبل أن يوقفها صوت مجيد مكانها هادرا
((ياسمين.. أختي))
استدارت ياسمين على عقبيها تكتف ذراعيها أمام صدرها هادرة بتهكم يشوبه برود قاتم
((نعم.. يا حبيب أختك))
استقام مجيد من مكانه هادرا بصوتٍ خفيض متردد يحمل توسلا بين طياته
((أنا لم يسبق وأن رأيت هدى، هل يمكن أن أطلب من مَازن أن يجلبها ونبيت جميعا هنا أرجوكِ))
لم يتغير شيء في ملامح ياسمين الجامدة وهي ترد بجفاء
((لم يسبق وأن طلبت رؤية هدى طوال سنوات عمرها السبعة كما لم يسبق وأن طلبت رؤية أمها، فماذا تغير بعد وفاة والدي؟))
ثم مضت قدما نحو خارج المنزل ولحقها مَازن بعد أن ربت على كتف مجيد ومع بضع كلمات يحثه فيها على أن يتشجع مؤكدا أنه سيواصل الحديث معها في هذا الموضوع.. ليزرع ابتسامة باهتة على وجهه البائس..
سبقها مَازن في الخروج من البناية بخطوات سريعة ظنا بأنها تسير بجانبه لأنها تخاف الظلام إلا أنها كانت شاردة ولم تنتبه الى بركة صغيرة تشكلت بفعل المطر الذي كان لا يزال يهطل بخفوت..
تعثرت قدمها داخلها وسقطت رغم محاولتها الاتزان دون جدوى.. انتبه مَازن لصوت الارتطام فتراجع نحوها يقف أمامها بقلق بالغ
((يا إلهي! هل أنتِ بخير؟))
حاولت ياسمين أن تعتدل بثقل معطفها المشبع بالماء لتقف بصعوبة قبل أن تكتم تأوها وهي تغمغم
((آه.. يا إلهي! قدمي عادت تؤلمني))
أصدر مَازن صوتا محبطا فأطبقت ياسمين شفتيها تطالع وجهه بعينين لامعتين.. حلّ مَازن أزرار معطفه الطويل ثم ناولها إياه وساعدها في ارتدائه وهي تناظره كطفله معاقبة بينما يهتف فيها بحنق
((عليك بارتدائه فإذا جلست على مقعد سيارة مَالك بهذا القميص المتسخ، لن يعيرني إياها مجددا أبد الدهر))
لبّت ياسمين أمره بهدوء وخطت خطوة مترددة بقدميها فانكمشت ملامحها بسبب الألم الحاد الذي اجتاحها فجأة وتمتمت
((بدأت تؤلمني قدمي..))
شهقت بغتته عندما مال مَازن بجسده يمرر ذراعه أسفل ركبتيها ثم اعتدل واقفا.. ليحملها مكملا الطريق نحو السيارة وقد دبت الربكة في كامل جسدها..
راقبها وهي تحاول الصمود بين ذراعيه، رغم ذلك آلمه عبوس وجهها بسبب شعورها بالألم فقال بلطف
((لطيف أن تكوني هادئة كطفله صغيرة بل كابنتي التي تنظر عقابي))
ثم أكمل بعبث ((ما رأيك في إنجاب طفل آخر؟))
كادت أن تتفوه باعتراض إلا أنها تمتمت بكلمات خفيضة وهي تشيح بوجهها عنه عندما رمقها محذرا بعينين جادتين..
تمسكت برقبته جيدا في أثناء سيره مما ساهم في تسلل شعور لذيذ لم يرغب بمقاومته.. قبل أن تنحسر هذه الابتسامة ويتنهد بعمق ويهمس
((ياسو حبيبتي..))
همهمت له ياسمين ليكمل فقال
((لماذا كنت قاسية معه! بالتأكيد هو لم يكن يستطيع في السابق أن يتواصل معك خوفا من والدك، فهو وأمك مخيفان، رأيتهما مرات معدودة في حياتي لكن بقيت لأسابيع أحلم بكوابيس عنهما وعن صدق تهديدهما لي.. ثم مجيد كان مراهقا عندما حدث ما حدث..))
قاطعته باحتدام هادرة
((وأنا كنت مراهقة عندما حدث لي ما حدث، ثم كان بإمكانه أن يتواصل معي أو يزورني ولو خفية دون أن يعلم أبي لكنه لم يفعل! عندما دخلت على حسابات أقاربي كانت آخر منشوراتهم عن تكثيف الدعاء لوالدي بالشفاء من مرضه الذي اشتد عليه، أي أن أخي أخبر الجميع بمرض والدي إلا أنا.. لم يخبرني ولو من باب الإنسانية، الأفضل أن نقطع صلتنا ببعض وننسى أننا كنا أخوة، أساسا لم أراه منذ ثمانية سنوات وكنت سأنسى شكله فقد كبر وتغير))
تحشرج صوت ياسمين لتسترسل وهو لا يزال يسير بها
((زيارة أقاربنا وجيراننا ومعاتبتهن لي على عدم سؤالي عنهم جعلتني أشعر بالحرج الشديد، لذا أريد أن أواظب على زيارة أقاربنا بين الحين والآخر معك))
بعدما أنهت ياسمين كلامها ألقت برأسها على كتفه مسترخية تلفح عنقه بأنفاسها الحارّة المتسارعة تزيد من تسارع نبضات قلبه بوتيرة فائقة مما جعل مَازن يزدرد ريقه بشعور.. لذيذ! فتمتم بصوتٍ أجش ثقيل
((هذا جيد))
عمّ الصمت بينهما لدقائق ومَازن لا يزال يحملها ليسمعها فجأة تقول وتكسر الصمت بصوتٍ غريب عنها
((ما أصعب أن يقتلوني وأنا على قيد الحياة من تربطني بهم رابطة الدم.. حتى أخي هذا أنا من علمته كيف يتهجَّأ الحروف وأنا من كنت أذاكر له وأوصله لمدرسته.. لكن في النهاية كان هو من اتفق معهم عليّ))
زفر مَازن أنفاسا محتدة كانت تجيش في صدره وقد شعر بألم يتضاعف من أجلها.. ما مرّ به مقارنة بها لا شيء.. إذ أن إخوته الأربعة لطالما كانوا يساندونه متى ما احتاجهم.. رغم قسوة مُعاذ معه أحيانا.. ولؤم مُؤيد معه في أحيانٍ أخرى إلا أنه يعرف أنهما لن يتخليا عنه وقت الحاجة والضيق..
بمجرد أن وصل إلى السيارة ساندها بالوقوف حارصا ألا تضغط على قدمها المتألمة وفتح باب المقعد الأمامي ثم ساعدها بالجلوس، بعدها استقر هو خلف المقود غير آبه لملابسهما الملوثة بالوحل..
هم بتشغيل السيارة قبل أن يهتف بإحباط عاليا
((مَالك العبقري كيف أعطاني السيارة بهذا الحال!))
نظرت ياسمين باستغراب له ليردف
((ابتهلي يا ياسو أن يكفينا الوقود طوال طريقنا للقرية))
أشارت له بعفوية
((اذهب فقط لمحطة الوقود لتعبئها))
((لكن حاليا لا أملك مالا.. أنتِ تعرفين أن والدي امتنع عن إعطائي المصروف وكل ما معي قارب على الانتهاء))
أمسكت ياسمين حقيبتها وأخرجت من المحفظة حفنة من النقود وقالت
((خذ النقود واذهب لتعبئة الخزان بالوقود.. هيا لقد تأخرنا))
تغضن جبينه بالضيق ممتنعا
((يستحيل أن آخذ نقودا من زوجتي))
هتفت به مستنكرة وهي تناوله النقود عنوة
((ولكن تقبل أن تقود سيارة شبه فارغة من الوقود يمكن أن تتوقف بنا في منتصف الطريق!))
استجاب لها على مضض بينما تتابع قائلة وهي تدس مالا في جيب قميصه بقوة لا تقبل أي اعتراض منه
((خذ هذا المال الإضافي لحالة طوارئ تمر بها.. مالي هو مَالك، فوالدك من يعطيني مصروفي))
عندما وصلا ترجلت ياسمين من السيارة وهي تعرج إلا أن مَازن حملها مرة أخرى يصعد بها درجات السلم رغم اعتراضها الواهن..
بمجرد أن فتح باب جناحهما حتى شهقت بخوف وتراجعت خطوتين للخلف ترفض الدخول والظلام الدامس يعم المكان مما جعل مَازن يسارع لإدراكها وفتح الإنارة ثم أمسك يدها ودفعها للدخول
((لا داع للخوف.. أنا معك..))
بدأت تنزع ملابسها المتسخة مما جعل مَازن يقول بشقاوة يقصد بها التخفيف عنها
((إذن هل أساعدك في الاستحمام؟))
تضرجت وجنتيها بالحمرة وقالت وهي تتحاشى النظر له
((فقط قدمي هي ما تؤلمني ولست مشلولة))
دخلت للحمام لتغتسل، أثناء ذلك تفقد مَازن ابنته هدى فوجدها مستغرقة بالنوم، ليعود بعدها يأخذ حماما ينزع عنه إرهاق اليوم..
ما إن خرج مَازن وهو يرتدي مئزره حتى تفاجأ بجسد ياسمين مكوم على السرير وقد دفنت وجهها في الوسادة تصدر شهقات مكتومة..
لا بد أنها تبكي على أبيها رغم ادعائها بتجاوز موته بعد مرور أيام على وفاته..
تنهد مخرجًا بعضا من حرارة صدره قبل أن يرتدي ملابسه ثم يقترب بخطوات صامتة لم تشعر بها المكومة في دوامة حزنها..
مد راحة يده نحو كتفها الرقيق يتلمسها فانتفضت ورفعت وجهها المتورم نحوه.. اضطرب قلبه في صدره متألما على هيئتها، انتفاخ عينيها الحمراء وذبول وجهها وذاك التشتت والضياع الساكن في عينها..
رفعها بتريث ووضعها فوق حجره.. وهي لم تتمنع حضنه كأنها كانت تنتظره منه.. أسندت رأسها لتريحه فوق صدره الصلب وهي تنتحب بصوت خفيض متألم..
شُل لسانه للحظات عاجزا عن الإتيان بأي كلمة مواساة..
لكن صدمه تشبثها به هكذا وقد قررت أخيرا أن تشاركه أحزانها!
اكتفى أن حاوطها برقة بين ذراعيه وأخذ يمسح على شعرها المُبتل وهو يهدهدها بهمس خفيف قرب أذنها
((هشش يا ياسو.. اهدئي.. كل شيء سيكون بخير.. أعدك))
أخذت تتشبث بملابسه بكفيها بقوة وهي تنوح بالألم والبكاء
((لقد مات أبي.. لقد مات ولم يراني أو يتحدث معي منذ زواجي! رغم أني لم أخطأ بشيء يستدعي سخطه عليّ وعدم رضاه طوال تلك السنوات! أي ظلم مجحف هذا!))
ضمها أكثر تجاه صدره وأخذ يرد بهمس
((لقد توفاه الله وانتهى الأمر فلا داعي للتحّسر، ادعي لوالدك بالرحمة وتصدقي باسمه، واجبك أن تبري به وبأمك بعد موتهما مهما فعلا))
ظل يربت على ظهرها بيد حانية بمؤازرة حتى أنهكها النحيب والحزن.. فتراخت عيناها وسكنت بين أحضانه إلا من شهقات صغيرة مازالت تتدافع من فمها في غمرة سكونها..
وعندما ثقل جسدها بأكمله عليه وتراخى مؤكدًا نومها التام رفعها بتروي من ذراعيه ومددها فوق جانبها من فراشهما ببطء ثم دثرها جيدًا..
أغلق الإنارة وأضاء الأباجورة كما العادة ثم تمدد بجانبها وهو يشعر بدغدغة تسري في وجدانه، مشاعر غريبة ولكن محببة، راقية تطفو به تجاه ياسمين..
أمضى دقائق يمرر ظاهر كفة برقة شديدة على وجهها الرقيق يرسم نعومته قبل أن يغفو هو أيضا ويخلد للنوم بفعل الإرهاق..
.
.
صباحا..
فتحت ياسمين جفنيها بتثاقل تأخذ نفسًا عميقًا سرعان ما بترته حينما شعرت بجسد دافئ يحتضنها بحنان وأنفاسه الساخنة تلفح عنقها وخدها المقابل له!
اختض جسدها بعُنف وهي تهمس بإعياء
((ماذا حدث؟))
شدَّد مَازن على احتضانها وهو يمرر يده على ظهرها قائلًا
((هذا أنا يا ياسو، ما الذي جعلك تستيقظين الآن!))
دبت القشعريرة في أطرافها وهي تعض على شفتها ما إن تذكرت بكاءها ليلة الأمس فوق صدره فحاولت أن تنسلَّ بقوة من أحضانه تقول بتوتر
((سأذهب.. كي.. أجهز هدى لمدرستها))
بعد مدة جلسوا على مائدة الفطور حيث العائلة مجتمعة قبل أن ينضم مَازن لهم..
تطلع الحاج يعقوب باستغراب من استيقاظه بهذا الوقت هاتفا بفضول
((إلى أين ذاهب وأنت ترتدي ملابسك يا مَازن في هذا الصباح الباكر؟ هل بدأت عملا لا سمح الله؟))
أجاب مَازن وهو يزيح الكرسي ليجلس عليه
((سأذهب لأشتري هدية لصديقي الذي سأزوره مع باقي رفاقي فقد رزقه الله بمولود جديد))
عقد يعقوب حاجبيه بحنق وتساءل يناظر زوجته
((ومن أين لك بالمال ثمنا لشراء الهدية!؟ ألم ينفذ المال الذي أعطاه مُعاذ لك في البطاقة بعد؟))
سارعت زاهية تنفي التهمة عنها مما جعل مَازن يعقب بانزعاج
((أبي لا تنظر لأمي بهذا الشكل، أنا لم أطلب منها بعد أن استحلفتها بالله ألا تعطيني، ياسمين هي من فعلت))
وجه يعقوب أنظاره لياسمين بسخط وقال
((أرى أن عليّ التوقف عن إعطاء ياسمين هي الأخرى مصروفا بما أن زوجها عاد من السفر وصار ملزما بها))
نكست ياسمين رأسها حرجا لكن تابع يعقوب كلامه بخشونة
((ياسمين نحن نؤويك ونطعمك بالمجان أنتِ وابنتك، أما باقي نفقاتك فاعتمدي بها على زوجك))
اعترض مَازن بضيق
((أبي لا تتصرف بهذا الشكل، أنتَ تعرف أنى بحاجة لدعم مالي منك حتى أجد عملا))
هتف به يعقوب بامتعاض
((لن تجد عملا أبدًا طالما تجد من ينفق عليك، وهذا ما لن أقبله بعد أن دفعت دم قلبي واستثمرته فيك أنتَ وحدك دون إخوتك في الغربة من نفقات جامعية ومعيشية))
ثم عاد يعقوب يناظر ياسمين ويهتف بها بجدية
((ألا تحبين المشغولات اليدوية وصنعها وتعليمها! إذن اجعلي من هذه الهواية مهنة لك لتعيلي بها ابنتك وزوجك ما دمت لا تحثينه على إيجاد عمل))
غمغم مَازن حانقا
((أبي هل تعرف ماذا!؟ أنا أتمنى أن أعود للخارج حيثما كنت، مقابل أن تعود للإنفاق عليّ فالوضع بات لا يُحتمل هنا))
ردَّ عليه يعقوب بحزم لا يحمل المرح
((لا تحلم أن أعيدك للخارج، وإذا ما صدر عنك أي تصرف غير مقبول ببساطة سألقيك في العراء!))
فجأة همست هدى لأمها بصوتٍ خائف مسموع
((أمي هل سيغادر أبي!؟ أنا لا أريده أن يبتعد عنا أبدًا))
تغرغرت الدموع بعيني هدى وتركت الملعقة من يدها ثم اندفعت تحضن والدها هاتفة
((أبي.. لا تسافر.. لا أريدك أن تبتعد عنا))
كان تعانق مَازن بشدة مِمَّا جعله يربت فوق ظهرها ويقول مطمئنا
((لا تقلقي يا ابنة أبيكِ، أنا لن أغادر لأي مكان بدونك، كيف أعيش بمكان لا تتواجد فيه هدى!))
=============================
صريرٌ مقيت اقتحم عقل وليد وأزعج سباته فانتفض واقفا من مكانه قبل أن يتناهى إلى سمعه طرقات فوق الباب مع صوت موظف الفندق يعلمه أن طعام الغداء جاهز..
تحلى بثبات مزيف ثم نظر من العين السحرية يتأكد من هوية الطارق قبل أن يفتح الباب بمقدار يسمح لمرور صينية الطعام فقط ثم يعاود إغلاق كل أقفال الباب المصنوعة من معدنٍ قوي صعب بل مستحيل الكسر..
منذ أن وصل هذه البلاد ورسائل التهديد تتوافد على هاتفه ولا تتوقف، رغم أنه لم يخبر أحدا عن اسم البلد التي سافر إليها ولا رقم هاتفه الجديد إلا لأعز أصدقائه..
تنهد ببؤس.. فقد أضحى لا يفعل شيئا هنا إلا الاختباء كالجبناء في هذا الفندق الباهظ المعروف بحرفية أجهزة أمنه.. فلا يذهب لعمل ولا تسوق ولا لزيارة أحد حتى!
يفكر بشكل جدي بإخبار الشرطة أو مخابرات هذه البلاد بما يتعرض له من تهديدات إذ أنه لا يستطيع العيش للأبد في فندق يستنزف منه في كل ليلة يقضيها فيه ثروة صغيرة ستلتهم كل مدخراته التي لم يظن أنها قد تنتهي يوما!
أبعد الطعام عنه ولم يجد في نفسه أي رغبة لأكل شيء يقوي جسده العليل ثم ارتمى على سريره..
عيناه حمراوان من فرط السهر والتدخين الذي عاد له.. جسده الذي هزل ينتفض بتوتر أضحى ملازما له..
ملامحه جامدة غريبة لا تشعر من يراه برأفة قلب ولا استسلام لكنها.. موجوعة..
أخرج سيجارته كي يشعلها وبدأ يمج منها قبل أن ينتشل هاتفه من جيبه.. طلب رقما وما إن جاءه رد صديقه حتى قال بصوتٍ أخشوشن بفعل إفراط التدخين
((قد أغير مجددا رقم هاتفي قريبا إلى آخر، وسأكتفي بإعلامك به أنتَ وشخصين آخرين، لعل ذاك الوغد الذي يلاحقني لا يجد لرقمي سبيلا))
قال صديقه باستياء
((أنا أرى أنك تبالغ يا وليد جدًّا بما تجبر نفسك على عيشه! ماذا لو لم تتوقف تلك الرسائل بالوصول إليك؟ هل ستفني عمرك في تلك البلاد بهذا الشكل؟ أنا أنصحك أن تعود للبلاد وتبلغ الشرطة بما تتعرض له وهي ستتولى مهمة حمايتك))
لم يتجاوب وليد مع اقتراح صديقه ليقول بنبرة مهمومة وملامح مُغتمة
((لا، لا يا صديقي أنا لا أثق بشرطة أو رجال أمن بلادي، ولا أثق أنهم سينجحون بحمايتي بعد أن فشلوا بحماية ابن ذاك الرجل المهم!))
بدا صديقه مُلحا بِحثه على العودة وهو يردد عليه مستغلا نقطة ضعفه بهوسه المتملك لشيرين
((وماذا بشأن شيرين؟ ألا يمكن أن تعود ولو من أجلها حتى لا تخسرها؟ قد تخرج قريبا من السجن ثم تضيع منك للأبد))
بدا وليد ساكنا ظاهريا لمن يستمع إليه.. لكن عند ذكر شيرين بدأ داخله يحترق بنيران غاشمة.. وتمنى لو أن الحريق الذي يشتعل داخله يأكله..
مَجّ من سيجارته وهو يحدق بالفراغ عبر الدخان، والألم يجعل يده التي تمسك بالسيجارة ترتعش.. ليرد بوجع عميق لأبعد وأظلم أعماقه
((لا تقلق، أنا أحاول بقدر ما أستطيع أن أتابع المستجدات بقضيتها، لن تخرج من السجن قبل مدة..))
شابت نبرة صديقه عنجهية وهو يهتف به
((وهل تظن أن بقاءها في السجن لوقت أطول سيكون من مصلحتك؟ لقد خسرت في السجن طفلك، وإذا بقيتْ هناك أكثر قد تخسر حياتها، يمكن أن تُقتل أو تعذب من قبل البلطجية من النزيلات النساء.. حينها، ما قيمة حياتك بدونها؟))
على إثر ما قاله صديقه ويمكن أن يحدث لشيرين طافت تلك الخواطر التي يحاول جاهدا ألا يفكر بها حتى لا يفقد صوابه ويعود فورا للبلاد.. بدأ ضميره يصحو فيجذبه للقاع ولا يجد حافة النجاة ليتعلق بها..
أغمض وليد عينيه على وخز جسده لعله ينفض شيئا من الألم الذي يكتسحه ثم زعق بصوتٍ مطعم بالعذاب
((اصمت فقط! هل تظنني سعيد بإبقائها هناك في السجن؟ أبــــــدًا! ولكن ما باليد حيلة!))
أطلق صديقه تنهيدة عميقة ثم قال بعفوية مصطنعة قاصدا إيلامه لعله يعود للبلاد
((حسنًا، كما تريد، ولكن يبدو أن المسكينة تقضي أسوأ أيامها في السجن بعد أن زجت فيه هناك ظلمًا، وأنتَ ترفض مساعدتها أو دعمها ولو معنويا، كأنه لا يكفي ما فعلته بها قبل ذلك جاعلا منها بقايا أنثى))
بدأ شعور وليد بالذنب نحوها يتفاقم أكثر وأكثر فيوخز ضميره بقسوة كأشواك دامية.. يفكر بمعاناة شيرين في سجن النساء فيتشنج كل ما فيه عذابًا ووجعًا وندمًا على كل ما آلت له الأمور بسبب تجبره وأنانية المجحفة.. سيصعب عليه لاحقا مراضاتها ومحو كل ما فعله بها!
ازدرد ريقه وهو يشعر أنه في هذه اللحظة في حالة انهيار.. ممزق القلب يعاني نزاعًا مؤلمًا بين الحياة والموت.. ضائع بين دوامة سقوطه وثبات كبريائه المزيف..
إذا كان هو قد جعلها بقايا أنثى، فهي غادرته حطام رجل..
=============================
شقة مُعاذ..
وقف مُعاذ أمام غرفة دارين يتطلع لها بعدما انتهى من إلصاق ورق الحائط الملون بزهور صغيرة مرقطة على جدرانها ثم قال بزهو
((ها.. ما رأيك! هل أعجبك ديكور الحائط؟))
أجابته دارين الواقفة في الركن الذي يتدلى فيه عريشة ورود ممتدة حتى تكاد تلامسها
((أعجبتني جدًّا يا أبي، أنا لا زلت لا أصدق حتى الآن أني انتقلت للعيش معك))
توجهت دارين نحو فراشها الموضوع في الزاوية تكدسه بالوسائد المطرزة واللحف من صنع جدتها أم والدتها ثم جلست على المفرش القطني.. سمعت والدها يقول بنبرة تحمل اعتذارا من بين طياتها
((صدقيني كنت أريد جلبك للعيش هنا معي منذ زمن ولكن صغر سنك ما كان يمنعني، لكن الآن وقد كبرتي قليلا فحتى لو بقيتُ طوال الليل في الخارج أستطيع أن أطمأن من أنك أحكمتِ إغلاق نوافذ وأبواب الشقة))
ابتسمت له متفهمة ثم لفها المرح وهي تشاكسه
((إذن.. متى ستخرج حبيبتك السجينة من السجن وتتزوجها وتبدأ العيش هنا حتى لا تقلق أبدًا عليّ أثناء خروجك؟))
انزعجت ملامح مُعاذ محذرا
((إذا قلتي يا دارين عن شيرين "حبيبة سجينة" مرة أخرى سأقوم بإتلاف كل دُماك المحشوة، ناديها خالة شيرين فقط، هل فهمتي؟))
هزت دارين رأسها بلهفة له تعده ألا ينفلت لسانها ولو عن طريق الخطأ بأي شيء متعلق بشيرين..
ناظر مُعاذ السجاد أرضا ثم قال مُنبها
((هذا السجاد أيضًا صنعته جدتك بيدها فاهتمي به))
قطبت حاجبيها متذكرة شيئا ثم قالت بصراحة
((أخبرتني جدتي بأنك إذا تزوجت، ستواظب على زيارتي من وقت لآخر لتتأكد من أن زوجتك لن تسيء معاملتي))
فكر معاذ قليلا بحماته التي لم تحبه يوما.. ثم عقب بمرح شاحب
((سأخبرها عندما تأتي أن تتأكد من أنك أنتِ لا تسيئين معاملة زوجتي))
جلس مُعاذ على كرسي الخيزران الذي يقبع أمام نافذة الغرفة المطلة على الساحة الخلفية للشقة.. شاردا بأفكاره لدقائق قبل أن تنتشله دارين منها هادرة بجدية طفولية وهي تهز كتفها
((أبي ألست مسؤولا مهما في السجن؟ لماذا لا تخرجها منه دون أن يعلم أحد فقد يتأخر موعد خروجها!))
=============================
صعد مَالك درجات السلم بقفزات سريعة لهفة بعد أن أخبرته زوجته الحبيبة برسالة هاتفية أنَّ الليلة أعدت له مفاجأة سيحبها!
فتح الباب بحماس وسرعان ما تجهمت ملامحه وسرت خيبة الأمل فيه تدريجيا وهو يرى سمية تستقبله وهي ترتدي منامة نوم عادية بل وحتى أن يزيد جالس على الفراش..
يبدو أن المفاجأة من نوع آخر مختلف عما كان يتخيله.. ويرغب به بحق! فأرغم نفسه أن يبتسم بتشنج وتساءل
((إذن ما هي الهدية التي حمستني من أجلها أن أعود من مباراة الكرة مع أصدقائي؟))
عقدت سمية حاجبيها تعاتبه برقة
((لم أحثك على الاستعجال في العودة، قلت لك أن هناك مفاجئة ستجدها عندما تصل البيت))
رفع حاجبيه وحثها على الإكمال دون أن تنحسر ابتسامته المرغمة ((والتي هي؟))
أشرق وجهها ببشاشة وهي تشير بيدها على ملفاته فوق الطاولة
((المفاجأة أني منذ مغادرتك صباحا حتى قبل ساعة وأنا أعمل على نقل علامات طلابك وأنهيتها جميعها وتأكدت من كل سجل مرتين على الأقل))
غزت أمارات خيبة الأمل تماما وجه مَالك!
لكن أرغم نفسه أكثر على إبقاء ابتسامته المصطنعة مرسومة على وجهه.. فلم يرد أن يعلمها أي شيء عن إحباطه منها ومن مفاجأتها بعد كل هذا المجهود المضني الكبير الذي بذلته من أجله في عمل مدرسته..
خاصة بأنه لو قام بهذه المهمة كان ليأخذ الأمر منه أياما طويلة فهو بطيء في إنجاز الأشياء المملة التي يبغضها..
شعرت سمية بخطب ما فسارع بشكر وهو يقبل وجنتيها
((شكرا لك يا حبيبتي، أتعبت نفسك))
توترت ملامح سمية لكنها قالت بعاطفة
((على العكس، بل أجمل شيء في زواجي بك هو أني بتُ قادرة على مساعدتك فيما تحتاجه دون أي حواجز، في الماضي كنت أرغب بشدة أن أساعدك في مثل هذه الأمور لكن أتراجع عن ذلك لأنه ليس هناك ما يربطنا))
كان ممتنا حقا لها فرفع الكيس الفخم الذي يحمله بيده أمام وجهها ثم قال
((اشتريت هدية لك أثناء عودتي))
وقبل أن يبدد فضولها عن مضمون الهدية اقترب من ابنه يداعب وجنته المتوردة هادرا
((هيا يا حبيبي اذهب لغرفتك فقد حان وقت النوم!))
أومأ يزيد له بتهذيب فقبل مَالك مقدمة رأسه وهو يقول
((طابت ليلتك بني))
ما إن أوصد يزيد الباب خلفه حتى التمعت عينا مَالك بالخبث المحبب وهو يفتح الهدية أمامها..
أخرج غلالة نوم من العلبة حتى استشعر بتوتر هيئتها فسألها بنبرة عفوية
((هل جئت بهذه الهدية لك في وقت غير مناسب؟))
تطلعت له بملامح مشتتة فهي تعرف أن هناك طلبًا خفيًا يكمن وراء هذه الهدية وأمر غير مباشر لسهرة على قدر قيمتها ورفاهيتها..
ازدردت ريقها وشعرت بضغط يجتاحها ويتحول لمخاوف من عدم تمكينها تقديم رغبات يريدها أو إبهاره بأكثر مما يتوقع!
بدأت تداهمها أفكار على أنه يلاحظ أنها لم تعد تلك المرأة العشرينية التي تزوج منها قبل سنوات.. وخفتت لهفته ورغبته بها في مثل هذه الأمور..
فرقع بأصبعيه كي تجتذب انتباهها.. فحاولت الحفاظ على وتيرة نبضاتها وهي تُقْبِل عليه بينما تستمع لهمسه
((هل أعجبتك حبيبتي؟))
ابتسمت له وهي تهز رأسها بإيجاب وبنبرة هادئة
((طبعا.. غاية في الروعة))
ثم أكملت قائلة بتوتر
((أعددت لك حماما دافئا كما تحب، اذهب لتستحم وأثناء ذلك سأجهز العشاء لأحضره لهنا))
بعد مدة وجيزة جفف شعره وشعر بها تقترب منه وتسرح شعره المموج كما هي معتادة.. بينما تسمعه يهمس بشغف وهو ينظر لها بافتتان عاشق
((تبدين جميلة الليلة أكثر من المعتاد))
توردت وجنتاها في حياء وتلعثمت تنطق بأحرف مبعثرة قبل أن تبتعد عنه بارتباك
((شكرا.. لك..))
بئسا...!! لم تكن الإجابة التي ينتظرها منها!
فقد مرّ على زواجهما أشهر عديد وبطنها انتفخ بشكل ملحوظ.. فلماذا لا يزال الخجل يلفها حتى الآن!
لماذا لا تغازله كما يغازلها دون الحاجة أن يطلب هو منها ذلك! لماذا لا تكون جريئة وتسقيه الوله كأنه عشيق وحبيب تبغي مرضاته وتنثر عشقها على أوتاره قبل أن تذوب فيه!
ما يمنعه حتى الآن من الإشارة إلى هذا الأمر وعدم التذمر هو أن مثل هذه الأمور لا تُطلب ووجب عليها هي أن تفهمها من تلقاء نفسها!
انتبه مَالك لها تقترب منه حاملة صينية عشاء تحوي أطباقًا عديدةً لتقول بوجهها البشوش
((لم أتناول العشاء مع عائلتك الليلة حتى أشاركك إياه))
كاد يسيل لعابه على الأطباق الشهية التي صنعتها بيديها، من صدر الدجاج الرومي المحشو بالخضار وشوربة الدجاج بالكريمة والفطر..
راقبته مبتسمة وهو يُجهز على العشاء بنهم محبب لقلبها بعد يوم متعب في لعب كرة القدم.. وكانت تلقمه من أصابعها بين الفينة والأخرى تضيف فوق شهية الطعام لذة الرومانسية.. قال هادرا وتركيزه منصب على الطعام
((صديقي المقرب الذي يعمل معي في نفس المدرسة، تعرفينه! سيتزوج قريبا من امرأة تسكن في العاصمة لذا سيقيم حفل زفافه في إحدى الفنادق هناك قريبا، ففكرت أن نذهب سويا حتى نبتاع ملابس لنا تليق بالمناسبة))
نظرت له بانتباه ثم قالت بشيء من التردد
((لا داعي لتكلف نفسك ثمن ثوب جديد، عندي العديد من الأثواب المناسبة لحفلات الزفاف))
أصَّر عليها بعد أن ارتشف من كأس العصير
((الأمر مختلف يا سمية، الأعراس في المدينة ليست كما في القرية، لذا يجب أن يكون الذوق أوفر نوعا ما، تفهمين قصدي؟))
اعتراها ارتباك وردت بخفوت
((لست مرتاحة للذهاب هناك، هل ذهابي معك ضروري؟))
رفع وجهه لها عاقد الحاجبين وقال بتأكيد
((نعم ضروري جدًّا، وقد نذهب بين الحين والآخر في أمسيات مع أصدقائي وزوجاتهم، ستجلسين مع النساء على طاولة وسأجلس أنا مع أصدقائي.. بالتأكيد والديّ لا يعرفان أي شيء عن هذه الأمور ولا يحبذونها لذا حاولي ألا تخبريهم أي شيء عن وقتنا في الخارج))
رفعت حاجبيها بدهشة وكل ما في مَالك من أمور لم تلمسها من قبل تجذبها لاكتشاف أسراره وسجاياه التي لم يسبق وأن أظهرها لها.. فقالت بتلاعب
((سفريات.. فنادق فارهة، أمسيات! أنتَ منفتح كثيرًا، لم اعتقد أن لك أسرار تخفيها عن والديك))
انشق طرف ثغره عن ابتسامة جانبية يناكفها وهو يغمز لها بإحدى عينيه
((مع الأيام يا عزيزتي ستكتشفين المزيد من الأسرار التي اخفيها عن أعز أصدقائي))
ضحكت بخفوت له وحثت نفسها ألا تتوتر..
لم التوتر؟ هو لا يطالبها بالكثير! فقط يريد منها مجاراته لتناسب أفكاره وأسلوب حياته..
هي زوجته.. وبدلا من إشعاره بأنها لا تستطيع مواكبته أو الفعل كل ما يرضي علاقتهما مادامت حلالا، فلماذا لا تعطي لنفسها فرصة لاكتشاف تلك الحياة التي لم يسبق وأن أخبرها عنها من قبل لعلها تناسبها هي الأخرى؟
في النهاية هي لا تريد أكثر من أن تعرف كيف تسعده كما يسعدها..
رفعت إبهامها لجانب ثغره تزيح بقايا أثر طعام علق دون أن يشعر في غمرة نهمه.. وبرقة بالغة، قبل أن تقول له
((حسنا سنذهب سويا لشراء ملابس جديدة من أجل حفل زفاف صديقك))
حذرها بجدية
((أنا لا أحب قضاء أوقات طويلة في التسوق وتوابعه، لذا سننهي جولة التسوق خلال ساعة على أكبر تقدير))
قهقهت بغنج وطمأنته ألا يقلق من هذه الناحية، ثم بدأت ترص الأطباق فوق المنضدة وكانت تهم بالوقوف عندما أمسك كفها يجتذبها لصدره هتفت به متفاجئة
((مَالك انتظر للحظة..))
همس مشتعلًا بعاطفة زادت رغبته بها من أثر روحه التواقة لها
((لاحقا، هناك أمر علي إنجازه الآن))
=============================
سجن النساء..
هزَّ قُصي رأسه بإعجاب متهكم ثم قال لشيرين التي تجلس مقابله خلف الزجاج
((ما شاء الله كل يوم معاقبة بحبس انفرادي ومحرومة من الزيارات، لولا المحامي الذي يعلم يوسف أخبارك، لما عرف شيئا بدوري عنك! هل هذه هي نفس مشرفتي الصارمة السابقة التي تكره أن تلمح أي خطأ؟))
امتعضت ملامح شيرين من مزاحه إلا أنها قالت ببسمة متبخترة تشق وجهها الذابل
((ما يهمني هو أن طه استيقظ، لن يطول بقائي هنا))
قال فرحا لأجل حريتها القريبة
((نعم والشرطة ستقوم بأخذ أقواله مرة أخرى بعد أن تتحسن حالته، لكن مسألة براءتك وخروجك وشيكة))
أخذت شيرين نفسا طويلا عميقا لتزفر أنفاسا أخرى مترسبة في داخلها وتربت على قلبها ثم قالت بامتنان وعرفان
((لو تعلم فقط مقدار الامتنان الذي أكنه لك وسهر خاصة عند زياراتكم لي! زيارتكما دائما تكون بمثابة جرعة حياة في وحشة السجن))
ثم شبكت أصابعها ببعضهم وأردفت باهتمام حقيقي
((ها.. قُصي أخبرني ما هي آخر أخبارك مع سهر؟ إنها متحفظة جدًّا بالحديث عن علاقتكما، حتى أنها لم تذكر لي موضوع عملك معها في نفس المطعم))
كتم قُصي تأوها متألما ووضع يده فوق معدته لعله يهدئ ذلك الألم الملازم له منذ مدة.. ثم قال بصوتٍ محتقن متهكما بقتامة
((إذا كان هناك أمل في الماضي لعلاقتنا أن تتم فقد انجلى هذا الأمل، أنا لست قريبا حتى من إخبارها الحقيقة))
استهجنت شيرين مما يقول فقالت
((متى تنوي أن تخبرها حقيقتك وأنك لم تكن كاذبا بشكل كامل، أعنى لم تكن مدير شركة لكنك كنت تعمل فعلا في شركة عائلتك، وقد لا تكون معظم الأموال والأملاك مسجلة باسمك لكن لك نصيب من الإرث المنهوب من حقك!))
قال قصي بعد أن زفر عدة أنفاس كانت تجيش في صدره
((لكن أولًا عليّ مُكرها أن أصالح عمي وأطلب من أمي أن تقنعه بشراء منزل فاره لي وتسجيله باسمي، ثم أقنعه أن يعيدني لشركة القاني بمنصب مرموق يدر عليّ دخلًا مقبولًا.. وبعدها سأعترف لسهر وأمها بكل شيء، وإلا لا فائدة من البوح بالحقيقة))
اعترضت شيرين قائلة
((بمجرد أن تعرف أمها حقيقتك ستفقد عقلها فهي لم تحلم يوما بامتلاك صهر سليل لعائلة القاني، بغض النظر عن حالتك البائسة))
ابتسم قصي لها بشحوب، إذ أنها تبالغ كثيرًا وتظن أنه هناك فائدة جلية من اسم عائلته.. ثم قال
((لا أظن ذلك، أساسًا، هذا سبب عدم موافقة والد سهر عليّ في البداية وإمهالي مدة طويلة مليئة بالتأجيلات حتى أدبر أموري بوظيفة ثابتة، متأكد أنه نادم على ثقته بي))
قطع عليهما النقاش ذلك الصوت الرجولي الخشن
((كأن الزيارة طالت يا شيرين؟))
تغضّن جبين قُصي بغضب وطالع مُعاذ جامد الملامح ومشدود التعابير معترضا
((لا لم تطل أيها الحارس، لو سمحت اتركنا على راحتنا))
اتسعت عينا شيرين واستدارت برأسها تنظر من فوق كتفها لمُعاذ ثم عادت تنظر لقصي بهمس غاضب
((أصمت، وانظر إلى النجوم التي تعلو بذلته.. إنه ليس حارسا.. هذا الذي أمامك هو سيادة الرائد مُعاذ الكانز احترم نفسك وأنت تحدثه))
ضَّيق قُصي عينيه شاردا للحظات قبل أن يتساءل بتعجب
((مُعاذ الكانز؟ آه.. ماذا يقرب لوليد الكانز الذي كان يهدد قريب والد سهر؟))
انتفضت شيرين واقفة وقالت بنزق
((انتهت الزيارة.. يكفي، إلى اللقاء))
ابتعدت شيرين تاركة قُصي مكانه مصدوما مذهولا من تحولها المفاجئ! لكنه شعر بشيء من السعادة لها.. وله أيضًا.. بعد أن فهم علاقتهما..
أخيرا سيأتي من يحمل عنه حمل شيرين أخيرا!
لكن شيرين لم تدرِ سبب الارتباك الذي اجتاحها بغتة، وتصاعد شعور الخوف أن يسيء مُعاذ فهم زيارة قُصي لها.. إذ أنها رغم ما يصيب إحساسها تجاهه، تدرك جيدا استحالة اكتمال علاقتها مع مُعاذ..
وقف مُعاذ بجانبها وأشار لها أن تسير معه فاستغربت لوهلة أنه من سيرافقها لزنزانتها فرفعت نحوه قبضتيها أمامه متسائلة
((أليس عليك وضع الأصفاد؟!))
سلط حدقتيه المشتعلتين وكأنهما تنذراها بأمر خطير نحوها بتركيز شديد.. مصدرا صوتا متهكما قبل أن يتساءل بجفاء
((من هو قصي سامح؟))
ازدردت ريقها وأجابته بخفوت
((إنه خطيب صديقتي سهر، وأيضا كان يعمل في نفس شركتي، هو من عيّن لي المحامي المخضرم الذي يتابع قضيتي))
عقب مُعاذ بصراحة وقد خفتت تلك القسوة في عينيه
((إنه فعلًا محامي لا يُستهان به ويعرف كيف يؤدي عمله، كنت أذهب بين الحين والآخر لمتابعة القضية وكان لا يكف عن إذهالي، وكنت متأكدا من أن براءتك ستظهر قريبا بفضل الله ثم بفضله))
سارت شيرين الى جانب مُعاذ عبر الرواق وهي تضم قبضتيها ببعضهما حتى لا تشعر الآخرين بعدم تقييد يديها بالأصفاد، وقد اعتلت ابتسامة من شعور الرضى من كلامه لتفقده قضيتها فنطقت بنبرة ميزتها بحة
((كنت تذهب له بين الحين والآخر؟ معروفك أصبح كبيرا يا مُعاذ منذ أن كنت تزور والدي وتسأله عن أحواله سابقًا لغاية الآن))
تألقت ابتسامة رائقة وتهللت ملامح وجهه الرجولية فغاصت بنظراتها في عيناه الآسرة تاركة نفسها لمشاعرها تأخذها إليه، لكن سرعان ما انتشلها من غيمة التيه المنعشة تلك وهو يبرر باعتذار
((هذا واجبي، بل والأكثر اعتذار عن تقصيري عن مساعدتك عندما لجأت إليَّ بالزواج بي بسبب مشاكلك مع ابن عمي، وعدم التّحري جيدا في أمرك، صدقًا آسف لم أقم بما يلزم مساندتك وقتها))
صمتت شيرين.. إنه يعترف بشكل صريح أن ما يفعله هو فقط شفقة بسبب ما هي فيه، عكس أعراض الغيرة التي استشعرتها عليه عندما كانت مع قُصي أو هكذا خُيل لها..
بهتت ملامحها وراحت في قوقعة شرودها وكأنها تلقت صفعة خيبة لتضاف لخيبات أخرى ما لبثت أن تتجاوزها.. لكن استجمعت رباطة جأشها وهي تردد قائلة
((ليس عليك أن تلوم نفسك، إنه خطئي أنا فقد كان عليّ أن أكون صريحة معك من البداية))
وما إن مرت من مكتبه حتى وقفت تقول والحرج يتجلى على ملامحها
((هل يمكن أن أتحدث مع أحد أخوالي؟ في آخر مكالمة بيننا كان قلقا كثيرًا عليّ وأنا بحاجة أن أطمئنه عليّ من فترة لأخرى))
نظر لها بتجهم زائف ليقول معاتبا برقة بينما يفتح الباب
((بالتأكيد وهل يحتاج الأمر لسؤال!))
تضرجت وجنتاها بحمرة الخجل وشعور بالذنب يراودها لأنها صارت السجينة المحظوظة مُجابة الطلبات.. وكل هذا بفضل مُعاذ..
.
.
بعد أن أنهت شيرين مكالمتها عادت لزنزانتها مع إحدى الضابطات التي كلفها مُعاذ أن تسلمها للحرس المناوب هناك في قسم الانفرادي..
قامت إحدى الحارسات بفك أصفاد شيرين قبل حتى أن تفتح لها باب الزنزانة ثم قالت
((تعال وتشاركي معنا في احتساء الشاي يا شيرين، بما أنك هنا النزيلة الوحيدة في الزنزانات المنفردة))
اتسعت عينا شيرين لمبادرتها لكن سرعان ما عبرت لها عن امتنانها.. وهكذا بقيت لدقائق طويلة تتجاذب أطراف الحديث مع الحارسات الموجودات..
واستغربت أنهن يعرفن كل شيء تقريبا عنها وعن دخولها هنا ظلما.. ربما لأن معظمهن صديقات لأم محمود.. قبل أن تبادر إحدى الحارسات وتقول
((عليك أن تعودي يا شيرين لزنزانتك حالا، فقد لاحظت أن الرائد الكانز يتردد كثيرا على هذا القسم ويتحدث مع أم محمود، ورغم أنها صديقة لنا إلا أننا نشك أنها جاسوسة للمسؤولين هنا في السجن))
تطلعت شيرين لهم بذهول متمتمه
((الرائد الكانز؟ تقصدين مُعاذ الكانز؟))
قالت الحارسة بتأكيد
((نعم الرائد مُعاذ الكانز.. فهو رغم أنه يبدو هادئًا معظم الوقت هنا إلا أنه شخصية صارمة جدًّا..))
ابتسمت شيرين وقالت دون أن تعي بلمعان الزهو في عينيها لأنها تعرف شخص مثله
((نعم أعرف.. ومن يتعامل معه في بادئ الأمر يظنه متكبرا وقاسيا، لكن مع الوقت ستتغير نظرته فما يظهره خلاف ما يبطنه.. لقد ساعدني في بدايات عمله هنا وانصفني في أمر اعتداء السجينات عليُ))
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!