الفصل 78 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثامن وسبعون 78 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
12
كلمة
8,525
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

وقت الظهيرة..

دلفت ياسمين لجناحها لتجد مَازن مستغرق في قيلولته كعادته في هذا الوقت بينما يريح رأسه فوق حجر ابنته التي كنت تغمر أصابعها الغضة في شعره.. فدنت منها متسائلة

((ألا زال ينام فوق حجرك من ساعتين؟ ستتشنج قدماك))

ردت عليها هدى بهمس حذر

((اخفضي صوتك يا أمي.. قد يستيقظ))

وبالفعل رفرف مَازن بعينيه متيقظا ليقول بصوتٍ ناعس وهو يدعك عيناه من أثرمن النوم

((ماذا يحدث؟))

قوست هدى شفتاها للأسفل بعبوس، إذ أنها تحملت البقاء مكانها طول الوقت حتى لا تقلق نومه الخفيف ولكن أمها أفسدت كل شيء..

أما ياسمين فتساءلت وهي تبعد رأسه عن ساقي هدى وتبدأ تمسيدهما ((هل تؤلمانك يا هدهد؟))

تبرمت هدى بخفوت

((ليس كثيرا))

ما إن استوعب مَازن ما يحدث حتى رقَّ قلبه ولمعت عيناه بتأثر ليقول وهو يفتح ذراعيه ليعانقها وينثر قبلاته فوق وجهها

((هدهد ابنة أبيها))

حرر مَازن ابنته من عناقه يحاول السيطرة على مشاعره الأبوية.. ثم قال

((ما رأيك أن نخرج الآن ونتنزه؟))

قبل أن يكمل تعلقت هدى برقبته هاتفة بمرح أما ياسمين فجلست تخفي علامات الدهشة من علاقة مَازن وابنتها التي تغيرت مشاعرها اتجاهه..

بعد الانتهاء من إلباس هدى ثياب الخروج ليأخذها مَازن بنزهة دلفوا للصالة والتقوا مع سمية ومَالك اللذان كانا يستعدان للخروج أيضًا برفقة يزيد.. قال يزيد بحماس عندما رأى مَازن

((أبي أخبرني أنتَ وعمي المزيد من المواقف الطريفة التي تعرضتما لها بسبب عدم تمييز الناس بين تشابهكما))

عقب مَالك لابنه قائلا بهدوء

((هناك الكثير من هذه المواقف التي مررنا بها، لكن معظمها في طفولتنا لذا لا أذكر إلا تلك التي تركت أثرا لا ينسى كضرب أستاذ الرياضيات لي.. الآن بحمد الله نضجت ملامحنا وقلّ الشبه بيننا كثيرًا))

هنا استحالت ملامح مَازن لأخرى شقية قائلا بنبرة ذات معنى

((من قال بأن الشبه بيننا قل! ألم أخبرك ماذا حدث في تلك المرة عندما أخبرتني أن أحضر لمدرستك بسيارتك حتى أوصلك للبيت؟))

تجلت أمارات عدم الفهم على مَالك لكنه حثه على الإكمال فأردف مَازن بنفس ملامح العابثة

((وصلت قبل انتهاء دوامك بثلث ساعة فبقيت داخل السيارة أمام المدرسة بانتظار خروجك لكن تفاجأتُ بعدها بأحد الأشخاص يطرق بيده بعصبية على زجاج السيارة وهو يهددني بسحب المنصب الإداري مني لأعود مجرد أستاذ فقط دون الاكتراث بابن من أكون لتسربي من العمل مبكرا قبل انتهاء الدوام الرسمي..))

هوى قلب مَالك بارتجاج عنيف وهو يردد عليه بحذر

((وماذا حدث بعد ذلك؟))

هزّ مَازن كتفيه يقول ببساطة مستفزة الأعصاب

((فهمتُ أن من يحدثني هو مدير مدرستك معتقدا بأنني أنتَ، فطلبت منه أن يهدأ وشرحت له اللُبس.. ولكن لم يصدقني واتهمني بالاستهزاء والاستخفاف به وبأنه..))

لكزه مَالك بقوة هادرا بقهر ((نعم؟ وبعد ذلك؟))

تأوه مَازن لكنه أجابه

((أخرجتُ له هويتي لأثبت له بأني مَازن الكانز ولست مَالك وفقط حينها صدقني على مضض))

ضرب مَالك الأرض بقدمه هاتفا بعلو صوته وحنقه

((تبا.. لن يهنأ لك بالا أبدًا قبل أن تطردني من وظيفتي وتراني عاطلا عن العمل مثلك..))

ضحك مَازن ممازحًا.. مَالك هو الوحيد من إخوته الجميع الذي لم يكن له ضغينة يومًا.. فمنذ فتح عينيه على الدنيا وجده كتوأم له بقربه في كل خطوة وكل لحظة من حياتهما.. قضيا سويا أجمل أيام عمرهما معا على الحلوة والمرة.. وكم هو ممتن لوجود نسخة منه.. فيجعل منهما روحًا واحدة في جسدين.. أما سمية استغلت ضحكهم الصاخب للتقدم من ياسمين وتسألها بلطف واهتمام

((كيف حالك الآن يا ياسمين؟ هل أنتِ الآن أفضل؟))

بادلتها ياسمين ابتسامة رقيقة تجيبها

((لا تقلقي لقد تجاوزت وفاة والدي فلا شيء يفيده الآن إلا الدعاء))

في هذه اللحظة وقف مَازن بقربها هادرا

((بالتأكيد عليها أن تخلع ثوب الحزن، وإلا سأفكر حقا بالزواج.. فأنا لا أحب النَّكد والغمّ))

ثم عانق خصرها بذراعه وقال مضيقا عينيه نحو توأمه

((ما رأيك مَالك أن نفعلها نحن الاثنين سويا ونتزوج بنفس اليوم!))

حانت من مَالك نظرة لسمية بجانبه وشعر بتوترها يجتاحها مما سمعته رغم إدراكها بمزاح توأمه الثقيل الذي لا يخلو كلامه وطبعه من حب المشاكسات.. واستفزاز مشاعر زوجته..

فتجَّهمت ملامحه وضرب كتف مَازن بيده يزجره

((توقف يا مَازن عن كلامك السمج هذا!))

مسد مَازن ذراعه الملكومة بيده الأخرى متأوها بألم قبل أن يستنكر ردة فعله المبالغ بها

((يا إلهي! لقد لكمتني بكل قوتك))

ارتبكت سمية قبل أن تلامس كتف زوجها وتعاتبه برقة

((على مهلك يا مَالك، المزاح لا يكون بهذا العنف))

زرع مَالك ابتسامة عريضة تصل إلى أذنيه وقال وهو يمسك يدها يستدير للخارج

((هذه هي فقط طريقتنا بالمزاح، هيا بنا لنسرع قبل أن نتأخر))

غادر مَالك المكان تحت أنظار مَازن المستهجنة.. حرك كتفه ببطء وعقب

((الأحمق كسر لي ذراعي))

شبت ياسمين على قدميها كي تصل لمستوى وجه مازن ثم قبضت على ياقتي قميصه بضراوة كاللبؤة

((لقد أحسن فعلا، توقف عن جلب سيرة الزواج لا مزاحا ولا غيره.. أفهمت؟))

اتسعت عيناه بارتياب ليمسك بيديها القابضتان على قميصه ثم يتساءل بصوتٍ مبهم متلاعب

((لماذا يزعجك هذا المزاح! لأنك تريدين مني ألا امزح عن الزواج دون أن افعله حقا!))

تلاشت ملامح غضبها ثم حاولت بكلِ قوةٍ امتلكتها السيطرة على حدة الانفعالات المتناقضة بداخلها وقالت بتحشرج

((فقط يكفي كلاما عن الزواج..))

ذاب الغضب المشع من خضراويه ليكتنفهما شعور من العبث.. رفع حاجبيه لها متسائلا

((لماذا! تغارين؟))

سؤاله المباغت شتتها.. ورغم أن الإجابة كانت واضحة بالحمرة التي كست وجهها ولسانها الذي انعقد فلم تجد إلا أن تقول هامسة هي تضربه على صدره بيدها بخفة

((لا تطل الوقت في الخارج مع هدى))

استدارت ياسمين منصرفة في حين بقي مَازن مكانه لم يتحرك غارقا في مشاعره المنجذبة نحو حنقها.. وغضبها.. تغار! إنها حقا تغار عليه..

بدا مستمتعا بل يشعر باللذة بما يستفز عاطفتها ويحطم حواجزها عنه ويهدم دفاعاتها..

افترقت شفاهه عن ابتسامة رجولية متلاعبة وهمهم بهذيان ناتج من أعماقه لانتصاره عليّ جليدها في النهاية

((سأجعلك تأتين الي طواعية وتذوقي من نفس الكأس الذي أذقته لي! انتظري فقط يا ياسو!))

فهو بحاجة ملحة للمرأة التي تكون زوجته أن تكون حبيبته أيضًا..

انتشلته هدى من شروده وهي تشد قميصه من الأسفل وتقول بإحباط طفولي

((أبي.. بدت أمي غاضبة، لم تغضبها؟))

أخفض مَازن نفسه لها وأمسك أنفها بلطافة

((كنت فقذ أتدلل عليها.. لذا استفززتها لتغضب، حتى أصالحها))

هزت هدى كتفيها بغير اقتناع ثم قالت

((لقد أخذ عمي مَالك السيارة، كيف سنذهب الآن؟ السائق ليس هنا))

قال مَازن وهو يحمل طفلته بين ذراعيه لترتفع ضحكاتها بطفولية رائقة

((مشيا على أقدامي..))

تشبثت هدى بعنقه وغمغمت بدلال طفولي

((إذن لا أريد منك أن تنزلني أبدًا))

ناكفها مَازن متجها للخارج

((حسنا لكن إن تعبت سأنزلك لتسيري جانبي))

أومأت هدى له بطاعة وبهجة قبل أن تقبل وجنته..

=============================

في سجن النساء..

مع إشراقة شمس يوم جديد فتحت شيرين جفنيها..

الأمس كان آخر يوم لها في الانفرادي وها قد عادت للعنبر الذي كانت فيه عندما دخلت هذا السجن أول مرة بأمر ممن هم أعلى من معاذ في السجن.. ستقضي باقي أيامها هنا حتى يكتب الله لها الخروج.. ولم يبقَ على ذلك الكثير.. طه استيقظ من غيبوبته وباح بكل ما حدث وتم القبض فعلا على فائق.. وإجراءات بسيطة وأيام قلائل بقيت قبل خروجها من هنا..

تطلعت شيرين على النافذة الصغيرة الحديدية وشعرت بنسمات الصباح تداعب الأشجار فتهمس بحفيفها في أذنها بشكل يبعث على التفاؤل والأمل.. كما يبعث هذا الجو فيها على النشوة والانشراح..

جلست بعد غسل وجهها، خلف الباب الفولاذي تسترق النظر من الفتحة المخصصة لدخول المؤن لهن..

حضرت الضابطة المناوبة بمهمة التفتيش الصباحي على السجن والتي ما أنهت عملها حتى سألتها دونا عن باقي النزيلات إذا ما كان كل شيء على يرام.. فابتسمت لها رغم ذبول وجهها وقالت

((نعم كل شيء على ما يرام، لكن هل يمكن أن أجري مكالمة ضرورية؟))

قالت الضابطة لها بامتعاض

((حسنا سأضعك على الدور))

بدأت شيرين تطالع أحد كتبها لكن مع مرور ساعات اليوم سيطر الحر من جديد على الجدران الأسمنتية، فأغلقت الكتاب وتطلعت بالسجينات قبل أن تقول بنبرة ودودة للوجه الجديد وغير المألوف عليها

((إذن هل أنتِ نزيلة جديدة هنا أيتها الجميلة؟ لم أسمعك تنطقين بحرف منذ أن جئت في الأمس))

جفلت النزيلة الصغيرة في السن مكانها ثم قالت بصوتٍ مرتجف خافت بالكاد يُسمع

((أنا هنا منذ ثلاثة أيام لكن أشعر أنها منذ ثلاث سنوات))

أحست شيرين بذعرها وخوفها من المكان فارتأت أن تنخرط معها بالكلام لعلها تساعدها في الشعور بالألفة

((أعرف أن الوقت داخل السجن يسير ببطء قاتل، لكن مع ذلك عليك استغلاله سواء بمواصلة الدراسة، أو بمحاولة النقاش مع السجينات الأخريات، أو القراءة، أو حتى بمجرد التفكير في المستقبل وما تسعين إليه فور انتهاء فترة الاحتجاز..))

قاطع كلام شيرين صوت الضابطة تهتف عاليا

((أيتها النزيلة شيرين حان وقت إجراء مكالمتك الهاتفية))

لف الذهول شيرين في البداية إذ قالت الضابطة أن الأمر سيأخذ منها عدة أيام.. لكن لا بد أن مُعاذ أوصى بطرقه الخاصة بجعلها تتحدث متى ما أرادت.. وهنا تضخمت مشاعر الامتنان داخلها وازدادت خفقات قلبها..

=============================

في حديقة القصر.. حيث رائحة النسيم الطبيعي تنعش الرئة.. جلست الحاجة زاهية على الكرسي في الحديقة تحت ظلال الشجر التي تسمح لبعض الأشعة بمداعبة وجهها.. بينما تسبح الله بسبحتها التي أهداها لها زوجها عندما كانا في الحج..

قطع السكون عليها صوت خطوات يزيد نحوها بحماس

((جدتي جلبتُ لك مشروبك الدافئ المفضل))

ابتسمت زاهية وكانت ممتنة لوجود يزيد معها فغياب حفيديها باسم وفهد يؤلمانها خاصة وأن أيامهم الأخيرة معها لم تكن أفضلها.. ويحرق قلبها أن يبغضها أحد من أحفادها.. تساءلت بحنو

((من الذي أعده يا قرة عيني؟))

التفت يزيد يناظر سمية التي تسير بمهل تجاههم مشيرا إليها فانحسر شيء من ابتسامتها..

انضمت سمية للجلوس معها لتقول ببشاشة وجه وصوت حلو

((أصر عليّ يزيد أن أحضره الآن حتى يجلبه هو لكِ بما أن منال لم تفعل كالعادة))

تمتمت لها زاهية بعبارات الشكر ثم حثت يزيد على الجلوس بجانبها بلهفتها وعاطفتها كجدة..

التمعت عينا سمية بينما ترى حماتها تداعب شعر حفيدها لتقول بصوتٍ أجش

((يزيد لم يعد يتحمل الابتعاد عنك ولو لدقائق، حتى إنه يصر على مذاكرة دروسه هنا في الحديقة بجانبك، أنه حزين منذ انتقال أولاد عمه إلى بيتهم في المدينة))

وضعت سمية يدها فوق بطنها البارزة قليلا بينما مسحت حماتها تعابير الشجن عن وجهها لتتساءل

((كيف هي علاقتك مع مَالك؟ لا أريد منك أن تهملي ابنك أو الذي بأحشائك من أجله))

طمأنتها سمية بشيء من التوتر

((لا تقلقي، أحاول قدر استطاعتي أن أتقي الله بالاثنين كما يفعل هو معي))

وفكرت سمية أنَّ اقترانها بمَالك أشعرها مع الوقت بالنضج النفسي والعقلي والعاطفي.. وقد أدركت أخيرا أن السن ليس فارقًا حقيقيًا، بل يكمن الفارق الحقيقي في العقل والتجربة والقدرة على التعامل مع المواقف وحب الحياة..

عقبت زاهية بصوتٍ وقور

((مَالك مختلف عن جميع إخوته.. ثقته في نفسه كبيرة، لذا ليس سهلا أن يهتز كيانه بشيء، إنه صادق لا يعرف اللَّف ولا الدوران، ولا يحب إضاعة وقته))

أخذت أنامل زاهية تداعب مجددا خصلات يزيد المموجة بينما ترمقه بنظرات حنونة تضج بالمحبة.. قبل أن يقاطعها يزيد بلهفة

((جدتي لقد نسيت إحضار نتيجة امتحاني اليوم، سأذهب لجلبها لك لتريها))

ابتسمت زاهية بحنو على يزيد وهو يهرول باتجاه القصر بكل حيوية ونشاط.. أما سمية أسبلت أهدابها وابتسمت بألم وهي تبوح لها فجأة

((يؤسفني أني أسأت الظن بك.. توقعت بعد الزواج أنك ستتدخلين في خصوصياتي أو أي أمر أهوى القيام به كالزراعة وتحويل حياتي هن لجحيم))

توترت زاهية فهي ليست بريئة تماما من سوء ظن سمية بل حاولت بمرات قليلة التدخل بينهما والتحكم بها قليلا لكن لم تجد منها إلا العقلانية والصبر، فغمغمت بامتعاض

((بالطبع لن أفعل شيئًا ينغص حياتكما، نعم كرهت زواج ابني منك إلا أنه أختارك وليس بوسعي إلا أن أبارك له وأرضى بقراره..))

ازدادت ابتسامة سمية اتساعا وقالت بدفء

((أنا ممتنة لأجلك، ولك مني مهما يحدث كل التقدير والاحترام لأنك أنجبتِ لي زوجًا صالحًا أحبني من كل قلبي وجعلني مدللته.. لقد تعبتِ كثيرًا في تربيته حتى أصبح هذا الرجل الذي هو سندي وأماني))

كانت سمية تفرط في مجاملة حماتها وتبالغ.. بدافع حب مَالك المتدفق وعائلتها الصغيرة معه لتحاول قدر الإمكان تفادي أي شيء، قد تؤدي إلى بذرة خلاف.. ومحاولة قدر الإمكان كسبها محبتها والتركيز على إيجابياتها والغض عن سلبياتها.. وتذكير نفسها أن الحاجة زاهية رغم كل شيء، هي أهون بكثير من حموات، مستبدات، متعاليات، وفضوليات.. ممن سمعت ورأت قبلًا.. بل وجربت حتى..

أليست والدة مَالك أرحم كثيرا من حماتها السابقة والدة كامل!

فرغم أنها حاولت في زواجها الأول وبشتى الطرق إرضاء كامل وعائلته إلا أنها لم تجد منهم إلا الجحود والنكران والبغض.. خاصة من أمه التي جعلتها تعاني المرّ فكانت تتفنن في إهانتها.. ولا تدعها تنام إلا ودموعها تغرق وجهها.. والويل لها وكل الويل لو فكرت أن تبدي ولو اعتراضا أو تمتنع عن الخروج للمساعدة في الحقل بذريعة التعب أو المرض.. فتجد كامل سرعان ما يشكوها لوالدته فلا تدخر أي جهد في ضربها وتعنيفها جسديا لتجبرها على العمل.. وهي كانت تتحمل وتتحمل معتقدة أنها لو فعلت فوق اللازم ستنال التقدير لكن ما جنته كان الاستغلال والإهانة.. وبدون هوادة أو شفقة..

نهتها زاهية وهي تتململ بمكانها بغير راحة من هذه المحادثة

((توقفي عن تملقك هذا لي فهو منفر، لا أحب الإطراء بلا داعي))

ردت عليها بحزن خالص

((أنا أتفهم استياءك مني الذي لن يزول بسهولة أو قد لا يزول، ففي الماضي لم ترَ عائلتي منك ومن الحاج إلا كل خير ومع ذلك رددنا لكم المعروف بزواجي من مَالك بالسر من خلف ظهركم وحرمانكم من معرفة حقيقة وجود حفيد لكم لسبع سنوات))

قطبت زاهية حاجبيها وزادت تجاعيدها دون أن تخفي حسن وجهها وبهاءه وقالت بنزق مصطنع

((ما الحاجة لذكر هذا الموضوع الآن؟))

قالت سمية بعينيها اللامعتين رضًا

((شعرت بحاجة للاعتذار لك.. فليحفظك الله لزوجك وأولادك ويعطيك الصحة والعافية))

تنحنحت زاهية وتطلعت من حولها تحاول التخلص من هذا الارتباك الذي اجتاحها.. إذ لم تكن مرتاحة أبدًا بالتحدث مع سمية بود وألفة.. توقفت عن تحريك خرزات السبحة ذات اللون الفيروزي ولفتها حول يدها ثم قالت بصوتٍ صارم جاف أقرب للفظاظة

((لم أعد مرتاحة هنا، أخبري يزيد عندما يجيء أن يتبعني للحديقة الخلفية))

لكن سمية أوقفتها قائلة باستغراب

((أرى هناك زائرا لدينا؟ امرأة وشابة يافعة معها؟))

استدارت زاهية للخلف تقول وهي تضيق عينيها

((إنها.. رشا.. إنها.. رشا وأمها))

=============================

دلف مُصعب إلى مجلس والده ليفاجئ بوجود رشا ووالدتها.. فغر شفتيه بدهشة اعترته لوهلة قبل أن يلقي التحية عليهم ويتقدم لينضم للجلوس معهم..

ردوا السلام عليه ثم قال والده ببشاشة تلقائية

((إذن هل أخبرتك ابنة عمك عن الرجل الذي تقدم لها؟))

هزَّ مُصعب رأسه نافيًا وتساءل

((لا لم تخبرني، ما قصته؟))

صوب مُصعب نظره على ابنة عمه التي قالت ببسمة صغيرة

((شاب مسلم تعرفتُ عليه هناك وطلبني من أمي، لكن أخبرته أن عليّه أن يطلبني من عمي يعقوب ونعقد قراننا هنا، عائلته تعيش هنا ولا يحملون جنسية أخرى مثله))

ابتسم مُصعب بتهذيب لرشا وأمها وعاد يتساءل

((ممتاز وما رأي أبي؟))

قال يعقوب بصوته المفعم بالرضا

((عائلة الشاب تعود أصولها لمدينة أخرى بعيدة عنا لكن سأسأل عنه جيدا عندما يأتي هو وعائلته لطلبك منا))

تمتم مُصعب بكلمات مباركة لها ودعاء أن يتم الأمر على خير.. وبقي جالسا معهم لوقت قليل من باب اللباقة يتجاذبون أطراف الحديث في مواضيع عامة تخص حياة رشا ووالدتها في السنوات الماضية.. قبل أن يضج هاتفه برنين اتصال، وكوسيلة مهذبة للانسحاب من هذه الجلسة غير المريحة.. انتشله من جيبه ليقول

((هناك اتصال عليّ الرد عليه، عليَّ المغادرة.. أستودعكم الله))

وقف مُصعب أمام باب المجلس بعد إنهائه الاتصال وقد طلبت منه نورين أن يقلها من الصالون المتواجدة فيه..

كاد مُصعب يهم بالمغادرة من أمام باب المجلس حتى تفاجئ برشا تتقدم نحوه مما جعله يتساءل بتحفظ

((رشا! ماذا هناك؟))

توقفت رشا مقابله وابتسمت بينما تقول بوجه متورد

((كما ترى أنا سعيدة لأني سأتزوج، لكنى أكثر سعادة لأني لا أرى أي حقد أو عتاب في عينيك تجاهي))

رفع مُصعب إحدى حاجبيه يقول بفتور

((ولماذا عليّ أن أحقد عليك أو أعاتبك؟))

انكمشت ملامحها بضيق من سخريته فأكمل معاتبا

((لأنك خدعتني رغم أنه كان بإمكانك أن تخبريني..))

دهشت ملامح رشا بصدمة تقاطعه

((ماذا؟ خدعتك..))

بتر مُصعب كلامها

((نعم خدعتني لأنه كان بإمكانك قول الحقيقة التي نعلمها نحن الإثنين، فمن البداية كنتي تتخطين للهرب والعيش مع والدتك في الخارج.. والطعم طبعا.. زواجك بي؟!))

ارتدت رأس رشا للجانب قليلًا كمن تلقت صفعة منه بينما يكمل بهدوء يحمل ثورة عارمة وهو يخبرها عن حقيقة شعوره آنذاك

((أمضيت أياما أريد الانتقام لنفسي وكرامتي منك، لكن أبيت ذلك محبة في يحي رحمة الله عليه))

أخذ نفسا عميقا يحاول ضبط نفسه بينما ترد رشا عليه

((لا يمكنك أن تعتبر أن خطأي بحقك فادح، أنا لم أسافر إلا بعد انتهاء آخر يوم عدة لي..))

لم تنحسر ملامح مُصعب الجامدة شيئا وهو يرد

((ولكن لم يكن يعرف أحد بهذا..))

قطبت رشا حاجبيها لتقول بصوتٍ متحشرج

((لا تلمني يا مُصعب بل ضع اللوم على المجتمع، هو من أجبرني على فعل ذلك))

عقب بعد لحظات تأمل ببرود صقيعي

((حسنا معك حق المجتمع هو من فعل ذلك.. وأنتِ معذورة ولا خطأ عليك.. ماذا بعد؟))

طفح الذنب فوق ملامح رشا مما جعل مُصعب يضيق عينيه ويستطرد

((مشكلتك يا رشا هي أنك غبية.. مطالبك سهلة وبسيطة في عدم الزواج من شخص لا تريدينه، وكان بإمكانك الحصول عليها دون القيام بمسرحية زواجنا ودون أن تضطري للسفر خارجا بطريقة تفقدك الحق في الإنصاف.. كان بإمكانك ببساطة أن تشتكي لأبى كل ما تمرين به، وهو سينصرك حتى لو عنى ذلك أن يقف ضد أخيه))

رفعت وجهها تقول باضطراب وفؤادها يضج بأنين الذكريات المزعجة

((في كل مرة أشكو له أفعال أبي ويحادثه، يدعي أبي أمامه الاقتناع والأسف وعندما يعود للمنزل ينزل عليّ أقصى العقوبات حتى لا أعاود شكوته لأحد!))

قاطعها مُصعب بصلابة

((حتى ولو! كان عليك مرة أخرى أن تقومي بإخبار أبي مرة واثنتين وعشرة، وطلب ضمانات منه ألا يتكرر الأمر))

ابتلعت رشا غصة مسننة وغمغمت

((كل هذا أضحى من الماضي، وغايتي كانت فعلا السفر للخارج والعيش مع والدتي وها قد تحققت))

احتضنت رشا شفتيها تكتم انفعالاتها ومرت دقيقة قبل أن تكمل بصوتٍ متذبذب

((أنا آسفة لأني ورطتك معي، ولك حق عدم مسامحتي، رغم أني أعرف أنك سامحتني بالفعل، مما يضغط أكثر على ضميري ويجعلني أشعر بشيء لا يمكن وصفه من الفظاعة، ظننت دائما أن ضحايا الحب نساء وأني سوف أكون إحداهن لكن انتهي الأمر بكوني جانية يعذبها الذنب رغم أني لم أقصد إيذاءك يوما، كنت فقط فتاة مهزوزة الشخصية ووالدي لم يكن قدوة حسنة لي، بل كان فيه كأب كل شيء أكرهه..))

ظل مُصعب للحظات يناظرها بلا تعبير ظاهر قبل أن يقول

((على كل حال مبارك زواجك، زواج الدهر إن شاء الله))

بارح مبتعدا عنها فتطلعت رشا على إثره وسرعان ما مر شبح ابتسامة على وجهها.. لا عجب أنه كان ابن العم المفضل لشقيقها.. فمُصعب هو الشخص الوحيد الذي قابلته في حياتها لا تراه يحب أن يؤذي أحدا أو يفكر في الانتقام.. لا يتغير مهما تعرض لإساءات من الناس حوله.. طبعه متسامح وسعته في المغفرة كبيرة.. وخلقه ثابت لا يتغير.. حتى عندما ينفذ صبره من شيء أو أحد الأشخاص يكتفي أن يبتعد بكل رقي وهدوء..

لا يعني أنه رجل ضعيف يقبل على نفسه الإهانة.. لكن كل ما في الأمر أنه يعرف ما يستحق منه طاقته.. وما يستحق منه التجاوز دون لوم وعتاب..

ربما لو شعرت بالحب تجاهه في فترة زواجهما لما كانت لتتركه ينسل من أصابعها.. لكن طبعهما المتنافر وعدم راحة كلاهما في هذا الزواج كان ما جعلها ترى أن لا امل أو جدوى منه..

=============================

أقلّ مُصعب نورين من الصالون وقاد سيارته بينما هي جالسة بجانبه، شعرت بصمته المريب وكانت تناظره بين الفترة والأخرى.. وهو شعر هو بفضولها مما جعله يقول بصوتٍ حاول أن يخرج ثابتا

((رشا ستتزوج قريبا، سيأتي من يريد خطبتها هو وعائلته ليتقدم لها من أبي، ثم سيقام حفل زفاف صغير في ديوان عشيرتنا قبل أن تعود للخارج، فالعريس يعيش في نفس دولة أمها))

لم تبدِ نورين أي تعليق أو اهتمام في البداية لكنها قالت

((مبارك لها، من أخبرك بهذا؟))

ازدرد مُصعب ريقه وهو يجيب بخفوت

((كانت في زيارة هي وأمها لعائلتي، والتقيت بهما عندما كنت عندهم قبل قليل))

أوقف السيارة أمام شقته ثم ترجل منها..

وقفت نورين بجانبه أمام باب الشقة شاعرة بتوتره حتى أنه حاول عدة مرات إدخال المفتاح بمكانه إلا أنه في كل مرة يفشل فيقلب المفتاح ويعيد الكرة..

كان توتره واضحا من رجفة أصابعه وتحفز جسده فنبهته نورين بهدوء بعد دقائق

((أنتَ تضع المفتاح الخاطئ))

قرب المفتاح من عينيه فرفع حاجبيه وأدرك أنه كان فعلا يضع مفتاحا آخر..

دلفا للداخل وحررت نورين شعرها من الحجاب ثم وضعت يدها فوق بطنها البارزة بشكل يشير إلى قرب ولادتها قبل أن تشعر بمُصعب من الخلف يحضنها ويلصقها بصدره شدة.. بحضن دافئ.. هادرا بصوتٍ أجش معتذر

((صدقيني لم أكن أعرف أنها هناك، لذا لا أريد أن يراودك أي ظنون سيئة تخدش كل ما بنيناه))

فغرت نورين شفتيها بدهشة مما تسمعه وهي تشعر بالقلق الواضح المشوب بنبرته.. لقد قلق من أن تسيء فهمه أو تظن الظنون به.. لم يهن عليه حتى أن تفكر ولو مجرد تفكير بعكس ما كان الحال عليه وهذا سبب توتره.. غزاها الألم على ما جعلته يمر به بسبب غيرتها من ماضيه.. لقد جرحته وعكّرت لحظات جميلة بينهما عندما اجترت له ذكريات عقيمة وهي تعيد فتح الماضي..

إذ أن القسوة التي كانت تطل من عينيه والاضطراب الذي يكسوه عند ذكرها رشا لم تكن موجهة لها بل لماضٍ يريد أن ينساه من ذاكرته بكل ما فيه من أسى وألم وخيبة..

حينما ظلت على حالها متجمدة حررها مُصعب وأدارها له يسألها

((هل هناك ما تودين قوله؟))

أومأت له بحزن مطل من عينيها فتحرك حلقه وهو يسألها بعبوس

((قولي.. أرجوكِ قوليه الآن فلا أريد أي سوء فهم بيننا))

ازداد الحزن المشع من عينيها وعاتبته

((لم تقل شيئا بخصوص تصفيفة شعري الجديدة))

حركت رأسها تنفض شعرها الخلاب من كتفها إلى خلف ظهرها قبل أن يتفاجأ بها تدعي الحنق ويداها تدغدغانه

((سأعاقبك على ذلك بشدة))

وهنا انفرجت شفتاه عن ابتسامة كبيرة شريرة ليقول

((وهل تسمين هذه دغدغة؟ تعالي لأعلمك))

هتفت صارخة وهي تحاول الهروب منه إلا أنه كان أسرع منها وهو يكبلها ويطلق يداه لدغدغتها لتصدح صوت ضحكاتها عاليا لتقول من بين أنفاسها المتسارعة

((لا أنا حامل، لا.. أرجوك، أي شيء إلا الدغدغة))

ظلت تتعالى صوت ضحكاتهما وبشكلٍ هستيري حتى تعبا الاثنين وتثاقلت أنفاسهما بل كادت أن تنقطع..

ارتميا على أريكة يلهثان.. ثم اعتدل مُصعب مستندًا لمرفقه ينظر إليها مبتسمًا ابتسامة عريضة قبل أن يبعد شعرها عن وجهها.. هيئتها أشبه بروحها.. صافية حنونة وناعمة لدرجة تجعل المرء يرغب في التخلي عن كل شيء والتحديق فيها..

أبعد بأصابعه خصلة أخرى من شعرها خلف أذنها فاقتربت منه تنعم بعبير عطره ثم غمغمت بصوتٍ ضاحك

((أحبك..))

ضمها إليه بقوة هادرًا

((أحبك أكثر يا عفريتة))

=============================

مساء..

جلست الحاجة زاهية في المجلس بجانب زوجها بعد انتهاء زيارة رشا ووالدتها..

قال مَازن بلهجة ينضج بها الإحباط

((أبي بعد بحث مضني وجدت أخيرا عملا براتب مقبول رغم أنه بعيد كل البعد عن تخصصي الجامعي، كل ما أحتاجه منك أن تشتري لي سيارة حتى تقبل الشركة أن تجعلني مندوب توصيل عندها ومع ذلك ترفض! ألا تريد مني أن أعمل!؟))

قال يعقوب بصوتٍ مقتضب

((بالتأكيد أنا أريد منك أن تعمل، ولكن ما الذي يضمن لي إن اشتريت لك السيارة أن تستمر في عملك! قد أشتريها لك من هنا وتستقيل أنتَ من هنا!))

كتَّف مَازن ذراعيه ورددَّ بحنق

((وما الحل الآن!؟))

أجابه يعقوب بصوتٍ فاتر

((الحل أن تعمل عندهم بدراجة بدلا من السيارة، لست جاهلا وأدرك أن مَنَادِيب الشركات من هذا النوع يمكنهم العمل بسياراتهم أو دراجاتهم، المهم أن يصل الطلب سليما وسريعا للعميل))

لوح مَازن بيده بلامبالاة حانقة وتنازل برحابة

((حسنا يا أبي، حسنا، اشتري لي دراجة نارية، موافق))

عقب يعقوب بهدوء

((لم أقل ما قلته بقصد إقناعك بالدراجة بدلا من السيارة، فأنا لن أشترى شيئًا، ستدبر أمرك لوحدك))

وسرعان ما قال مَازن مستنكرا

((ولكن يا أبي كيف سأدبر نفسي! أنا مفلس تماما! ولا أستطيع شراء دراجة هوائية حتى))

كانت زاهية ستعترض هي الأخرى لكن زوجها رفع يده أمامها يمنعها بوقار أن تتحدث بينما يجيب ابنه

((لدى كل من مُؤيد ومُصعب دراجة نارية، لذا الأمر سيعتمد على مهاراتك في الإقناع والتودد في جعلهم يقبلون إعارتك الدراجة والعمل بها لساعات.. أنتم أخوة أين روح المساعدة بينكم!))

اعترضت زاهية لكن قاطعها يعقوب بصوتٍ متدفق بالسخط

((سنرى كم سيبقى في وظيفته هذه، وإذا ما كان سيجني منها شيئا، سأجعله يساهم ويشارك في مسؤولية هذا المكان ولو بالشيء اليسير، فهو ليس ضيفا هنا!))

ثم أردف مغمغمًا لزوجته

((غدا عندما نطعن في السن ويضعف الجسد تحت ثقل مسؤوليات هذا المكان ستعرفين قيمة كلامي، فالمسؤولية تربية يتم غرسها بالولد منذ الصغر حتى يشب رجلا أهلًا للمسؤولية))

احتقن وجه مَازن بالغضب من صرامة والده المتزايدة معه! غمغم بصوتٍ خافت

((لا أدري ما الذي دفعني للعودة هنا! كنت في الخارج أتقاضى مصروفا كبيرا وأعيش كالملوك! تبا لي))

ثم استقام واقفا يردف بثبات

((أعرف مسبقا أن مُؤيد الأناني لن يقبل لذا سأرى مُصعب، وسيتم قبولي لدى تلك الشركة وستفاجئ بذلك))

ألقى مَازن السلام ثم استأذن مغادرا فأراحت زاهية جسدها بضيق على ظهر الأريكة وقالت كاتمة العبرة

((ماذا سيقول الناس عندما يعلمون أن ابن الحاج يعقوب يعمل كمندوب توصيل براتب زهيد ووالده يملك أموالًا لا تأكلها النيران))

شمخ يعقوب برأسه وقال بصرامة

((أي شيء أفضل من أن يقولوا بأن ابن الحاج الذي أرسله للدراسة في الخارج وأنفق عليه مبالغ طائلة عاطل عن العمل ويتنظر من والده مصروفا!))

رفعت زاهية منديلها فوق فمها تكتم شهقة خافتة مما جعل يعقوب يهدر بها بضيق

((لا تحاولي ابتزازي عاطفيًا، كان بإمكان ولدك أن يعمل مدرسا كتوأمه لكنه رفض، لذا فأيّ عمل سيمتهنه أفضل من الجلوس في البيت كالنساء وانتظار من يعيله، ثم كنت أريد جعله يعمل عندي في المزارع وأنتِ من رفضتِ..))

أبعدت زاهية المنديل عنها وهتفت بامتعاض

((بالطبع سأرفض عمله في مزارعك، هو الوحيد من بين إخوته بوجه ابيض ولا يصح أن يعمل تحت الشمس خوفا من أن تكتسب بشرته سُمرة))

غمغم يعقوب بوجه مكفهر

((معك حق، باقي إخوته لا يتمتعون بتلك الهيئة الوسيمة مثله، ولهذا لا تمانعين كدهم في مساعدتي أنا وباقي الفلاحين الكادحين في المزرعة بجانب أعمالهم الأخرى!))

كان يعقوب حقا غاضب من كلام واستهانة زوجته.. فهذه المزارع التي يملكها وأراضيه هي شرفه.. عرضه.. هويته.. عزته.. فخره.. عنفوانه.. أحلامه..

لطالما حرص منذ صغر أبنائه على غرس مفهوم أن الأرض أغلى ما يملكون وتنميت شعورهم بالانتماء لها، وبذل كل ما هو غال ونفيس للدفاع عنها.. فقد عاشوا تحت ظل أشجار هذه المزارع وأكلوا من خيرها وترعرعوا فوق أرضها وبين جنباتها..

حاولت زاهية أن تعترض بعبوس خافت عندما لاحظت سخط زوجها عليها لكن علت نبرته بجهورية وازدراء

((والله لست راضيا عن دلالك هذا لابنك فقد جعلتِ منه شخصا عاجزا رغم أنه لا زال في مقتبل عمره ووافر الصحة.. يقضي يومه في الخارج برفقة أصدقاء لا فائدة منهم، وفي الداخل يجاهد طوال الوقت أمام البلايستيشن يتخلل ذلك وجبات طعام تُقدم له جاهزة وكل ما عليه هو أن يتنازل ويمد يده ليأكل، جزاه الله خيرا على ذلك، ويأخذ على خاطره إن لم تعجبه إحدى وجبات الطعام المعدة... وأحيانا قد يتكرم في الجلوس معنا لكن حاشا أن ينسى إحضار هاتفه ليلعب عليه إحدى ألعاب الفيديو الأقل إثارة.. وإن عرف أن في إحدى مزارع والده ما يستوجب حضوره أو مساعدته يمر مرور الكرام))

.

.

بعدما أنهى مَازن مكالمته مع مُصعب وقد أخذ موافقته باقتراض دراجته النارية من أجل عمله استجاب لطلب ابنته في مشاركتها لعب البلايستيشن..

مرّ عليهما بعض الوقت قبل أن تنتهي جولة اللعب ويضرب مَازن الأرض بقبضته بحنق مزيف معلنا خسارته.. قفزت هدى بمرح تتعلق بعنقه هاتفة

((لقد احترفتُ اللعبة يا أبي، هذه رابع مرة أفوز عليك فيها من أصل خمس جولات))

نظر لوجهها الطفولي ببشرتها القمحية التي تؤكل أكلا كحلوى ساخنة في الشتاء ثم أدعى الغضب هادرًا

((وفي المرة الماضية أيضًا غلبتني في جميع الجولات التي تنافسنا بها، لن ألعب معك مجددا إذا استمررت في الفوز عليّ!))

وضعت راحة يدها الصغيرة على وجنته بخوف هادرة

((لا، لا، سأسمح لك بالفوز أحيانا لكن لا تتوقف عن اللعب معي..))

استحالت ملامح مَازن لأخرى سعيدة وقرص وجنة ابنته قائلًا بحب أبوي فياض

((كم أنا محظوظ لامتلاك ابنة حنونة مثلك، وضبي البلايستيشن الآن لأني مضطر للخروج.. اتفقنا؟))

بدأ مَازن يغير ملابسه عندما ضجّ صوت انكسار شيء، انسحب اللون من وجهه مهرولًا لهدى هاتفًا

((هدى حبيبتي، ماذا أوقعتِ؟ هل حدث شيء لك؟))

تطلعت له هدى التي كانت تقف فوق عدة وسائد موضوعة على كرسي عالي بجانب الخزانة وقالت بصوتٍ مثقل بالذنب

((كنت أحاول أن أعيد البلايستيشن مكانه فوق الخزانة عندما وقع مني، هل انكسر؟))

امتقع وجه مَازن وهو يصوب نظره أرضًا وهاله منظر البلايستيشن المحطم لنصفين! ثم انهارت ملامحه وهو ينخفض ويمسك أجزاؤه المحطمة كمن يمسك أشلاء جسد شخص غالٍ عليه وقال

((انكسر! قولي ضاع، لقد خسرنا هذا البلايستيشن للأبد))

اتسعت عينا هدى تدريجيا قبل أن تنفجر بالبكاء إذ أدركت أنها حطمت شيئا مهما في حياة والدها..

حرك مَازن وجهه تارة لابنته التي تجهش بالبكاء وتارة للبلايستيشن ولم يكن يعرف إذا ما كان عليه أن يتصرف كأب مسؤول ويهدئ من روع ابنته ويخبرها أن سلامتها أغلى من أي شيء أو يبكي معها على ما حطمته!

=============================

بدأ الحفل الخيري المترف الذي أقامته روزانا زوجة فارس القاني المعروفة بشغفها في دعم المشاريع الخيرية وحملات دعم المرضى والفقراء..

كانت روزانا قد حرصت على وقوفها بتفاصيل اختيار فستانها الذي ستظهر به أمام الملأ وما يتعلق بمظهرها فيه بعناية.. من طلاء شفتيها القرمزي مرورًا بثوبها فرنسي التصميم وحذاءها عالي الكعب.. حتى حقيبتها كانت فريدة ومصنوعة من جلد حيوان مهدد بالانقراض..

رغم تجاوزها منتصف سن الخمسين إلا أن كل شيء بها بدا نابضا بالأنوثة.. والرقي.. والفخامة..

وقف قُصي من بعيد يتابع أمه التي تتولى مهمة الترحيب بالضيوف الذين يتنافسون لتملقها ومديح ما تجود به على الأقل حظا من الناس.. بينما عقله شارد فقط في التأهب للبوح بكل شيء لسهر التي عرف من قائمة المدعوون بأنها ستحضر هذا الحفل مع والدتها..

لقد استطاع استعادة شيء واحدا من أملاك أبيه بعد أن كتب عمه فيلا باسمه وسبق ووجد عملا مؤقتا سيدر عليه دخلا ممتازا..

وإذا أجَّل مسألة الاعتراف الآن فلن يجد وقتا آخر أفضل..

أخذ قصي نفسا عميقا عندما شعر بتوتره يتصاعد من هذه المواجهة قبل أن يشعر بأمه تقترب منه وتقول

((قلت بأن خطيبتك حاضرة لهذا الحفل، ألن تعرفني عليها؟ كما أخبرتك لن أعترض أبدًا عليها طالما هي من نفس طبقتنا الاجتماعية الراقية))

نظر قصي لأمه باقتضاب وقال

((لا تقلقي يا أمي هي من نفس طبقتنا الاجتماعية، وأمها عضوة منتسبة في كثير من جمعياتك الخيرية))

ارتشفت روزانا من الكأس الرفيع الذي تمسكه ثم تساءلت بفطنة وهي تشير على فتاة بذقنها

((هل هي تلك الشقراء الواقفة هناك بجانب أمها تمارا؟ المدعوة سهر فايد!))

لفَّ الذهول قصي ثم قال باقتضاب

((نعم يا أمي هي كذلك، لكن كيف عرفتِ؟ ألم أخبرك أن لا تتحري عن هويتها قبل أن أخبركم أنا عنها))

تغضن جبين روزانا بالضيق وتمتمت بوجه متكدر

((أنا لم يسبق وأن بحثت عن هويتها! لكن يمكنك القول بأنها الفتاة الوحيدة في هذا الحفل التي تمنيت ألا تكون هي خطيبتك))

اعترض قصي بضيق

((أمي لا تحبطيني، اليوم سأعرف أمها عليك وأخبرها كل ما كنت أخفيه عنها))

تذمرت روزانا بعصبية

((لا تعجبني أبدًا تلك الفتاة يا قُصي.. أبدًا.. أبدًا..))

استنكر قصي متسائلا ((ولكن لماذا؟))

قالت له عابسة بتبرم

((كل شيء فيها خاطئ.. لا تصلح أبدًا للزواج منك، هل تعرف أن لها سوابق بالهرب من حفل زفافها؟ كل ما فيها غير مناسب لتكون كنة لعائلة القاني))

بررّ قصي لها بعجز ووهن

((لقد كانت أمها تجبرها على الزواج من أشخاص غير مناسبين لها، لكن ألا يشفع لك سنها الصغير آنذاك بالكاد كانت في العشرين!))

((الأمر لا يتعلق بماضيها، لكن شخصيتها لا تعجبني أبدًا..))

((أمي شخصيتها يمكن أن تتغير تبعا لما تحبين، لكن انظري لوجهها! إنها فاتنة))

((أنتَ لا تحب فيها إلا مظهرها الخارجي وهذا ليس كافيا))

عقب قُصي بنبرة بكلمات يعنيها

((بل أحبها لأنها امرأة مستقلة تستطيع الاعتناء بنفسها، وشخصية باهرة من طراز فخم، لديها أسلوب حياة نشط وثري يشبه أسلوب حياتي، إنها تحب السفر، الرياضة، رقص التانغو، وتمارس معي العديد من الهوايات المختلفة، باختصار هي من سأجد معها الشباب الدائم والقرب من ذاتي والرضا عن نفسي والسعادة المطلقة))

زمّت روزانا شفتيها مغتاظة كالبطة من تشييد ابنها بسهر إذ أنها تفهم كلامه المبطن الذي مفاده أن سهر لا تشبهها هي وباقي نساء المجتمع الراقي بشيء..

اكتنف مزيد من الجدية قصي بينما يتابع

((والديها أيضًا رائعين، كنت أرافقهم في بداية خطبتني على الدوام للخارج بأي رحلة سفر للاستجمام أو خلافه.. الآن سأذهب لوالدتها قبل أن تنتبه على وقوفي معك وتفهم الموضوع بشكل خاطئ))

.

.

في الجهة الأخرى من الحفل كانت تمارا تطالع الحضور وتهمس في سرّها بحسرة

((يا خسارة.. هنا العديد من الشبان الوسيمين العزاب، لو كنت غير مرتبطة لما خرجت من هذا الاحتفال دون رجل يود الاقتران بك))

لكن سهر ورغم مظهرها الخارجي خاطف الأنفاس فقد كانت حاضرة هنا جسدا دون روح.. لم يسبق وأن شعرت روحها بهذا الإنطفاء والخواء مثلما تشعر به بعد انفصالها نهائيا عن قصي..

لن تتراجع عن قرار فسخ خطوبتهما، ولا تريد تذكر شيء يخصه لكنه لا يغادر بالها..

تتمنى لو لم تعرفه قط لكن سيظل هو أجمل من تعرفت عليه..

انتشلت تمارا ابنتها من شرودها وهي تقول

((هل تعرفين أن مدام روزانا هي زوجة المَالك الأكبر لأسهم شركات القاني؟ ما رأيك لو أتيح لي رؤيتها أن أحدثها عن شيرين وأخبرها أنها موظفة مجتهدة في شركة القاني ويجب ترقيتها؟ آه.. بالمناسبة لماذا لم تزرني شيرين منذ عودتي من السفر لترحب بي! لم يكن هذا العشم))

غزا التوتر ملامح سهر الناعمة إذ أنها لم تكن تريد من أمها أن تعرف من قريب أو بعيد بما حدث لشيرين كما طلبت منها، غيرت دفة الموضوع مدمدمه

((أمي اتركي صديقتي بهمها وستزورك في الوقت المناسب..))

ثم استدارت مبتعدة عنها تفكر بالخروج للشرفة الواسعة بعيدا عن أجواء هذا الحفل الخانقة لكنها تسمرت مكانها وقالت بصدمة تكتسحها للرجل الذي يتقدم منها بأناقة أرستقراطية

((قُصي!؟ ما الذي تفعله هنا!؟))

انتفضت تمارا ما إن وقع نظرها على قُصي الذي كان يرتدي حلة فاخرة متأنقا بما يزيده جاذبية.. فاندفعت نحوه تهمس بغضب مكتوم

((ما الذي تفعله هنا يا هذا!؟ هل جئت لتفضح ابنتي وتضيع أي فرصة لها في الزواج مستقبلا أم لصيد ضحية غنية غير سهر؟ مارس عملك بعيدا عن هنا))

نظر قُصي بابتسامة تضج ودا وثقة نحو سهر يقول وعيناه تناجي عينيها

((بل جئت هنا لأعرفك على أمي يا سيدة تمارا وكل ظروفي التي دفعتني أسفا لإخفاء بعض الحقائق عنكم، بالنهاية أنا وسهر لبعضنا))

اتسعت عينا تمارا لا تصدق كيف يقف قُصي واثقا شامخا دون أن يشعر بخزي إذ أنه لم يمر الكثير على رؤيتها له يعمل في مطعم شعبي كالمتشردين..

اقترب قُصي أكثر من سهر ومدّ كفه يلامس يدها الناعمة بينما يقول بما يلامس شغاف قلبها ويبعثر نبضاته

((أنا لن أجد فتاة تفهمني وأحبها مثلك، لذا سأناضل حتى آخر لحظة للحصول عليك، وما سأقوله الآن سيغير الكثير..))

كانت عيناه تصطادان حركاتها بين رموشه مبعثرا أعماقها بطريقة ملحوظة وصلت لتمارا التي رأت جدية ابنتها ورغبتها في الإصغاء له..

نبأها قلبها بقرب حدوث شيء ما.. فشعرت به ينقبض.. وخوفا من أن يؤثر على سهر ويحثها على التراجع عن قرارها حلقت كفها بالهواء لتهوى على وجهه بقوة تصفعه ليبتر كلماته..

تشتت نظرها من حولها تحمد الله أنه لم ينتبه أحد لها فأي فضحية لن تنال إلا من سمعة ابنتها التي لا تنقصها أمرا كهذا ثم ناظرت قُصي باشمئزاز لتقول

((إيَّاك أن تظن أن سهر رخيصة عندنا حتى نقبل بتزويجها لرجل كاذب ومخادع مثلك))

وضع قُصي إحدى كفيه على وجنته بينما يعتصر قبضته الأخرى بقسوة محاولا السيطرة على شياطينه التي تتقافز أمامه.. لكن تحجرت ملامحه وبهدوء شديد يناقض النيران المتقدة في حدقتيه تمتم لتمارا قائلا

((نعم أنا أعرف أن سهر عاشت معكما معززة مكرمة ولكن..))

قطع قُصي كلامه هذه المرة شاهقًا لرؤية والدته روزانا تتهجم على تمارا هاتفةً بحرقة تعتريها

((أيتها الوضيعة الحقيرة التافهة كيف تجرأتِ على صفع ابني بهذا الشكل المهين أمام هذا الجمع الغفير..))

شهق الجميع بصدمة واستغرق قصي ثوان حتى أدرك ما تقدم أمه عليه وسارع يكبل ذراعيها ويبعدها عن تمارا هامسا برجاء

((أمي توقفي، أرجوكِ أنا بخير ولا داعي لهذا الانفعال))

وقفت روزانا مكانها قبل أن تهتف في ابنها وهي تجز على أسنانها

((عليّ أن أؤدبها لتعرف كيف تتعامل مع أحد أبناء القاني))

بدأ صدر روزانا يرتفع وينخفض بينما تحاول تعديل هندامها الراقي وتختلس النظر لمن حولها متمنية ألا تنتشر أحداث هذه المشاجرة الأخبار بدلا من حدث الحفل الخيري هذا..

انتفض فؤاد سهر بهدير عالي صمّ أذانها محاولة استوعاب ما يحدث.. أما تمارا التي فرت الألوان من وجهها رفعت يدا مرتجفة إلى فمها تقول بغير تصديق

((سيدة روزانا!؟ هل.. هل يعقل أن قصي هذا هو ابنك!؟))

تطلع قصي بارتباك نحو سهر ورأى دموعا محتجزة في عينيها المضطربتين مما اكتشفته الآن فأمسك يد أمه وسحبها بعيدا معلما على عجل

((سنتحدث لاحقا يا سيدة تمارا.. إلى اللقاء الآن))

رحل قصي وأمه فالتفتت تمارا الشاحبة شحوبًا يحاكي الموتى نحو ابنتها، تنظر في عمق مقلتيها المصدومتين المتلألئتين بدموع حبيسة، لتهمس من بين شفتيها ببطء

((لقد أخبرتك قبل قليل من تكون مدام روزانا!))

صمتت تمارا قليلا بفجيعة شاعرة أنها ستفقد عقلها من هول الصدمة ثم استطردت بحسرة ملتاعة

((لا أصدق ما فعلته.. لا أصدق أنى قمت برفع قضية طلاق لفسخ خطوبتك من ابن عائلة القاني، بل لا أصدق أن قصي تعود خلفية عائلته لأكبر من الذي كان يدعيه))

تحرك حلق سهر بصعوبةٍ أكثر وهي تهز رأسها بإشارة مبهمة، شاعرة وكأن صخرة جاثمة فوق صدرها لتسحق ضلوعها بثقلها المؤلم.. وببطء تصويري شديد يترافق مع الموسيقى الناعمة التي تصدح في الخلفية استدارت سهر تتجاوز أمها.. ثم هرولت بعيدا نحو دورة المياه لتغسل وجهها بقوة وكأنها تلطمه بغضب كتمته في داخلها لأيام..

=============================

انتهى الفصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...