الفصل 79 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التاسع وسبعون 79 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
10
كلمة
5,550
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الرابع والثلاثون

كانت قاعة الحفل الخيري ممتلئة بموسيقى كلاسيكية تناسب ذوق السيدات الأرستقراطيات صاحبات الطبقة الراقية من نخبة المجتمع..

بدأ قصي يجوب حانقا غرفة ملحقة بقاعة الاحتفال مشية وإيابا، يرخي بيده رابطة عنقه

((لقد أفسدت يا أمي كل شيء، كأنه ينقصني شيء آخر لإفساد علاقتي بعائلة سهر))

أخذت روزانا نفسا عميقا تهدئ به أعماقها الشعثة وقالت

((وهل تريد منها أن تصفع ابني وأحافظ على صمتي؟))

هزَّ قصي رأسه بابتسامة سمجة ثم تشدق بمرارة

((وما شأنك لو صفعتني أو لا.. كله على قلبي مثل العسل، إذا كان لديك حمية على حالي فطالبي بحقي وحق أخي من عمي آكل مال اليتامى))

تغضَّن جبين روزانا بضيق ووقفت مكانها قائلة وهي تمسك حقيبتها الجلدية

((سأذهب الآن لحفلتي الرائعة التي كدت أن تفسدها أنت وحماتك، أتمنى ألا يكون قد فاتني الكثير من مناقشات وأراء النسوة عن تنظيمها المتقن))

تهالك قصي جالسا وغمغم لها بلا أمل

((ارحمي نفسك يا أمي من تلك الأحاديث التافهة، والخوض في ثرثرة فارغة عن نساء تدعين صداقاتهنَّ وأنتن تنافقن بعضكن))

كتف ذراعيه وبدأ يفكر ماذا عليه أن يفعل في حين جاء سؤال والدته الممتعضة

((وما الذي تريده من امرأة مثلي في هذا العمر في أوقات فراغها إلا حضور الاجتماعات والحفلات مع صديقاتي!))

تساؤل أمه أخرجه من صراعاته فرد عليها بكآبة وهو يمسح جبينه من حبيبات عرق تجمعت في غفلة منه

((هناك نوادي بحرية، مراكز لامتطاء الخيل، متاحف ومعارض ومراكز تجارية، مطاعم جديدة تُفتح كل يوم.. ((وأمور أخرى أفضل من إقامة الحفلات الخيرية البعيدة كل البعد عن إفادة الفقراء! وإذا لم تعرفي كيف تتمتعين بهذا المال في حوزتك أعطيه لي وأنا سأحرص على ألا أنفق أي قرش منه إلا على سعادتي))

كان قصي يتحدث بيأس شيء إذ كان لا يفهم لم أمه والنساء من مثيلاتها يهدرن عمرهن ووقتهن على التفاهات والنميمة! لماذا لا يفكرن فقط مثله حيث لا يهمه إلا كيف يحرز أكبر قدر من المتعة كل يوم!

=============================

في الفندق..

كان وليد متمددا.. شاردًا عن السيجارة المشتعلة بين إصبعيه والدخان المتصاعد منها.. عيناه تحدقان في الفراغ وحاجباه معقودان بينما أفكاره تتصارع بعقله عن كيفية وصول الرجل الذي يتتبعه لقتله لكل أرقام هاتفه وأماكن مكوثه..

استمر على وضعيته هذه لمدة طويلة ولم يشعر بنفسه حتى عندما بلغت لسعات احتراق السيجارة أصابعه..

فقط صدوح صوت الهاتف هو ما أعاد له وعيه.. ألقى السيجارة أرضًا غير آبه ليده الملسوعة.. ثم رد على هاتفه يعرف مسبقا هوية المتصل دون حتى أن ينظر على شاشته.. فجاءه الصوت الممتعض

((وليد، لماذا كان هاتفك مغلقا في الأيام السابقة؟))

رد وليد بصوتٍ أجوف فاتر على صديقه المحامي وزميله في المكتب الذي يعمل به منذ سنين

((هل اتصلت لتسأل عن اسم الفندق الذي انتقلت إليه وموقعه!؟))

تلعثم المحامي قليلا وارتبكت نبرته ليقول

((ماذا!؟ ماذا.. تقصد؟ أنا لا أفهمك يا صديقي))

انفعلت نبرة وليد وهو يخرج عن فتوره هاتفًا

((منذ أن انتقلت إلى هذا الفندق، واشتريت رقما جديدا دون أن أطلع عليه أحد وقد اختفت كليا رسائل التهديد التي كانت تأتيني..))

حافظ المحامي على صمته قبل أن يقول أخيرا

((ما الذي تريد أن تصل إليه؟))

أطبق وليد فكيه بقوة من مراوغة من كان يظنه صديقه ثم قال

((في المرة قبل السابقة التي غيرت فيها رقم هاتفي، لم أزوده لأحد غيرك مدعيًا أمامك أنه بحوزة أشخاص غيرك، وتسريبُ رقمي ومكاني لذلك الرجل الذي يتتبعني يعني فقط أنه حصل عليه عن طريقك أنتَ..))

لم يجد ردا من المحامي فاسترسل بصوتٍ يرتجف غضبا

((أنتَ الخائن الذي غدر بي، لماذا كنت تصر عليّ أن أعود للبلاد؟ ما مصلحتك بقتلي من قبل ذاك الرجل؟))

ظل المحامي صامتا مطوّلًا قبل أن يقول بصوتٍ شيطاني غريب عنه دون أن يهاب شيئا

((ها قد عرفت الحقيقة إذن.. أنا قريب لتلك العائلة التي تسببت بزج ابنتهم بلا ذنب إلى السجن لتلاقي حتفها هناك.. ليكن بعلمك أن شقيق الراحلة الهارب من العدالة لا شيء يملكه ليخسره، لذا أنتَ هدفه الثاني بعد أن قتل المتسبب الأول بموت شقيقته))

اتسعت عينا وليد ذهولًا ليتمتم بعنجهية لا تناسب اضطرابه وانفلات أعصابه

((أنا لن أعود لوطني أبدًا، بل لن أخرج من هذه البلاد))

قال المحامي بصوتٍ ثابت لا يتزحزح بنبرة يفوح منها التهديد

((ومن قال لك أن تعود الآن للبلاد؟ قريبي حاليا في نفس البلد الذي لجئت له بل في نفس المدينة.. اختبائك في الفندق الذي تقبع فيه لن ينجيك من نار انتقامه))

ثم أغلق الهاتف تاركا وليد يشعر كأنَّ فخًاُ وقع به!

عليه أن يغير خططه.. وربما عليه مسابقة الزمن ومغادرة هذا المكان قبل أن يصل إليه أحد ثم العودة لبلاده!

=============================

أخذت رتيل حماما طويلا دللت نفسها فيه كل الدلال.. سرحت شعرها بعناية.. وضعت تبرج نهاري.. قامت بطلاء أظافر يديها بلون زاهي.. ثم أعدت لنفسها عصيرا مثلجا منعشا.. وأخيرا التمعت عيناها بشقاوة وهي تتوغل الصالة بثقة لتجد مُؤيد في الصالة يجلس أمام التلفاز كئيبا، لكن ادّعت بأنها لم تنتبه له..

حانت من مُؤيد نظرة مهتمة لها وسرعان ما اتسعت مقلتيه باضطراب! أخذ الأمر منه دقائق مشدوه النظر لها قبل أن ينهض ببطء بعون عكازه وبملامح واجمة إلى أن وصل أمامها قائلا ببرود مزيف

((هل غيرتِ لون شعرك؟))

نفضت رتيل شعرها الأسود بخصلاته المصبوغة بلون عسلي فاتح خلف كتفيها ثم قالت بتباهٍ

((نعم، غيرته أخيرا..))

ثم أشارت له بسبابتها كمن تذكره

((قبل أن تعترض.. نحن منفصلان، ولم يعد لك أن تعترض بأي شيء يخصني، سأفعل ما يحلو لي دون الرجوع إليك))

حدَّق مُؤيد بها بعيون نارية للحظات لكنها لم تبالِ.. لكن حينما رفع يده وأمسك خصلة من شعرها حتى اختضت وأغمضت عينيها بخوف لا إرادي..

بعد مرور ثواني فتحت عيناها لتصدم حين وجدته يرفع شعرها إلى أنفه ويستنشقه، فكادت أن تتهاوى من المشاعر التي داهمتها لحظتها وكأن الأرض تميد بها..

كانت لا تزال تكرهه.. لكن فعلته هذه غير المألوفة حركت بداخلها أمرا ظنت قد خبا.. ولم يقاطع عليهم هذا المشهد إلا صوت طرقات الباب فجفلا الاثنين وابتعدا عن بعضهما كمن تم إمساكهما متلبسين بقضية آداب..

غادرت رتيل للمطبخ واضعة يدها على صدرها تستجمع أنفاسها من جديد، في حين فتح مُؤيد الباب متشاغلا عن ثورة جسده التي اتقدت فور رؤيتها بهذا الشكل رغم غيظه من هذا اللون الذي أضفى لمظهرها لمسة متحررة يمقتها فيها..

وبعد لحظات دخل مُؤيد المطبخ يهمس لها من بين أسنانه

((هناك امرأة تقول بأنها ابنة خالتك وأنك دعوتها هنا، اخرجي لها، إنها تنتظرك في غرفة الضيوف))

شهقت رتيل كمن تذكرت توا لتقول مغيظة إياه

((أوه.. لقد نسيت أن أخبرك أني دعوت ابنة خالتي هنا))

لتتجاهله وتنادى على باسم وفهد

((هيا يا أحبائي اذهبا لتسلما على ابنة خالتي وابقيا معها حتى آتى.. لكن حافظا على الهدوء))

خرج الصغيرين من غرفتهما مسرعين بكل فرحة لابنة خالة رتيل التي ابتسمت ضاحكة لهما..

التفت رتيل لزوجها تحدثه بلا مبالاة بإشارة من يدها

((وأنت ادخل لغرفتك، ولا تخرج منها أبدًا ريثما تنتهي زيارتها))

همس مُؤيد مؤنبًا إياها بنظرة مشحونة

((لا تكرري دعوتك لأحد مرة أخرى، فالشقة هنا صغيرة ولست مجبرا أن أظل محبوسا داخل غرفتي كلما جاءك أحد! ثم إن قريبتك هذه قليلة الذوق، فقد حدجتني بعينيها بغل ولم تلقِ السلام عليّ حتى))

ابتسمت رتيل له بتشفي وقالت

((إنها تكرهك يا مُؤيد جدًّا، وابنة خالتي هذه لا تعرف كيف تتملق أو تنافق))

اجتاح الذهول مُؤيد يهمس باستنكار

((تكرهني!؟ إنها حتى لا تعرفني))

قالت رتيل له بغضب مكتوم

((بل تعرفك، وهي حاقدة منذ أن لم تسمح لي عند زواجها أن أذهب لتهنئتها، بذريعة أنك لا تحبذ ذهابي لأعراس أناس أغراب عنا، مع أني بكيت لك كثيرًا أن أحضره لكنك لم تهتم بصورتي أمام أقاربي))

كانت كلها تهتز ونظرات عينيها لا تتغير فتوترت ملامح مُؤيد وقال باقتضاب

((زوجها فعلا يعد غريبًا عنَّك، ولم يكن هناك داع لذهابك لزفافها!))

وكأنه ضغط دون أن يدري على موطن الجرح، فبات يزف قيحًا لا دمًا فغمغمت بحرقة وقد تهدج صوتها بفعل الغصة التي تخنق حبالها الصوتية

((غريب عنا؟ إذا ماذا عن والدها الذي منعتني أيضًا من عزائها عند وفاته؟ هل تعرف أنها قاطعتني لخمس سنوات لذلك وعايرتني بقلة الأصل إذ أنها كانت أول من ساندني عند وفاة والدي وبقيت تنام في بيتنا لشهر حتى تطمئن على حالتي!))

اختلجت ملامحه كأنها صفعته بكلامها ولم يعرف ماذا يرد على قوة كلماتها وفصاحة تعبيراتها رغم ميلها للوقاحة.. لتتقدم هي نحوه وطاقة الظلام تشع منها وتقول أخيرا بنبرة صوت موجعة والدموع تخز مقلتيها

((على كلٍ الحمدالله أنها اقتنعت أني أحبها ولا ذنب لي بزوجي المتعسف الجاحد))

مسحت رتيل دمعات هاربة قبل أن تخرج من المطبخ تضرب بكفيها على خديها تحفيزا لنفسها للترحيب بابنة خالتها..

آست ملامح مُؤيد أكثر ودلف لغرفة نومه صافقا الباب خلفه بعنف..

كأنه أول مرة يراجع سوء تزمته وتعسفه مع زوجته! إذ كان حقا لا يهتم أبدًا بصورتها أمام عائلتها أو أقاربها..

في لحظات تفكيره اخترقته صورة لمظهر رتيل الجديد الذي ظهرت به أمامه قبل قليل.. وعند حقيقة أنها أعدت نفسها بهذه الهيئة الجذابة لاستقبال ابنة خالتها وجد نفسه يهز ساقه السليمة بعنف من فرط توتره الآن! يكتسحه شيء من الغيرة لأن ابنة خالتها تستطيع أن ترى ما كان يحرم نفسه بإرادته من التمتع به..

امتدت يده ببطء نحو أحد الجرارات ليفتحه ويخرج صور رتيل المجعدة تلك التي حصل عليها من دموع..

ثم بدأ يمعن التحديق بها مطولا لتنبسط ملامحه ويلمع ذلك البريق الحزين في عينيه..

إن رتيل جميلة وبإمكانها أن تكون أكثر جمالا بطريقتها الخاصة..

الإنسان في العادة لا يخشى من خسارة أشخاص لا يتمتعون بالجاذبية لأن لا أحد سيتكبد عناء الانجذاب أو الاهتمام بأشخاص باهتين.. لكن زوجته الجذابة امرأة مختلفة.. قدَّها، ملامحها، شخصيتها، وكل ما فيه جذاب بشكل استثنائي..

مهما حاول أن يردعها عن الاهتمام بنفسها بحجة أنها قد صارت امرأة متزوجة وهو راضٍ بمظهرها الطبيعي.. تأبي إلا أن تهتم بأنوثتها وصحتها أكثر من أي شيء آخر.. وتعتني بأدق تفاصيل جسدها ومظهرها..

.

.

في غرفة الضيوف..

دخلت رتيل الغرفة ليستأذن ولديها بالذهاب.. جلست مع ابنة خالتها وأعطتها ظرفا فيه مالًا لتتصدق به على المحتاجين.. إذ إنها صارت مداومة على الطاعات والنوافل والتقرب لله بعد الحادثة التي راجعت نفسها فيها.. وتحاول أن تثابر على الصدقة بقدر ما تملك.. لعلَّ الله يغفر لها ذنبها ثم يكتب لها الخير في طريقها الذي ستمضيه، إن كُتب لها أن تبقى متزوجة من مُؤيد أو لا..

=============================

كان مَازن مستغرقا في قيلولته متعبا.. خائر القوى بعد عمله في توصيل الطلبات على الدراجة النارية لتسع ساعات.. حتى قرر بعد تفكير مضني أنه لن يعمل مجددا أكثر من ساعتين أو ثلاث في اليوم!

تململ بالفراش ورفرف بعينيه مستيقظا من سباته على صوت فتح الباب.. فرك عينيه وناظر ياسمين تدخل الجناح وهي ترتدي ملابس خاصة بالخروج ليسألها نصف متيقظ ((أين كنتِ؟))

نزعت ياسمين حجابها وأجابته بهدوء

((حضرت بعض النسوة لزيارة أمك وطلبت مني أن أرتدي هذه الثياب لأجلس معهن..))

ثم ضيقت ياسمين حدقتيها كمن تذكرت شيئا وتساءلت

((بالمناسبة، ما الذي حدث للبلايستيشن خاصتك؟))

انسابت الكلمات من فم مازن مطعمة بالخسارة

((لقد كسرته ابنتك الذكية))

شعرت ياسمين بالحزن على حاله قبل أن تطلق نفسا عميقا ثم تقترب منه تعطيه ظهرها هادرة

((هلا فتحت لي الثوب من الخلف يا مَازن؟))

طالعها بانشداه تقف أمامه تعطيه ظهرها بهدوء كأنها معتادة على أمر كهذا منه أن يفعله لها.. حتى أنه ظل للحظات طويلة مستهجنا قبل أن تلح عليه في الإسراع بفتحه، فجفل وعلى الفور رفع يديه يفتح سحَّاب الثوب من الخلف لتظهر له بشرتها الخمرية بسخاء..

تحركت ياسمين نحو الخزانة لتتناول ملابس بيتية أكثر راحة، أما عينا مَازن لم تحيدا عنها بينما أصابعه تتحرك بتوتر على حاجز السرير الخشبي تكاد تحفر سبلا فيه..

أغمض عينيه يسرح بخيالاته ويتذكر نعيمها عندما تكون بين ذراعيه..

أسبوعان وهو بعيدٌ عنها إثر خصامه السخيف لها ذاك ثم وفاة والدها ومنذ وقتها لم يقربها..

تحرك ماشيا نحوها بهدوء ينوي لها أمرًا ليتوقف وراءها دون شعور منها..

أغلقت باب الخزانة قبل أن تشعر بشيء خلفها فاستدارت تشهق

((مَازن.. ماذا تفعل هنـ..))

قبل أن تسكتها قبلته على حين غرة وهو يدفعها بعنف ليلتصق ظهرها في الخزانة خلفها.. يهيمن عليها بجسده ومحتويا بكفيه وجهها..

تابع النهل من نبع شفتيها بكلِ شوق وخشونة مستمتعا بهمهمات منها.. فتشبثت به بضعف كي لا تخونها ساقيها وتتهاويان بعد أن أسقطت يداها ملابسها على الأرض.. بينما قلبها يخفق بعنف متجاوزًا دقات قلبه بأشواط..

خلا كل شيء حولهما سوى من دوامة المشاعر العنيفة التي كانت تسبح فيها معه كسيل من الجنون الدافئ اللذيذ..

وعندما بدأ يشعر باستجابتها الصريحة بل على مبادلتها إياه ما يفعله وهي تحيط عنقه بيديها.. ابتعد عنها بعنف مباغت ثم قال من بين أنفاسه اللاهثة بتلاعب لئيم

((كان هناك آثار للعصير على شفتيك ومسحتها.. أنا متعب وسأعود للنوم الذي قطعتيه عليّ))

استعادت ياسمين نفسها وهي لا تزال تلهث بقوة.. ليغمز لها بعينه وثغره يفرج عن تلك الابتسامة العبثية قبل أن يستدير بكليته..

توسد السرير ودثر نفسه كأنه لم يقم باكتساح مشاعرها وبعثرتها، تاركًا إياها متسمرة مكانها كالتمثال على حالها متخبطة الوجدان، لا تصدق ما فعله.. بل لا تصدق نفسها وكيف لا شعوريا تمادت معه بالتجاوب..

ظلت واقفة مكانها تحدق في الفراغ وهجومه العاطفي عليها تاركا إياها راغبة به..

لقد تلاعب قبل قليل بها.. بقسوة.. بعبث..

إنه يراوغ بفعل مزدوج التفسير.. وإن أخذت محمله الذي يقصده هو ستصبح خبيثة السريرة ومنحلة التفكير!

استشعر عقله الثائر قربها وهي تتمدد بجانبه تحدق بظهره المواجه لها دون كلام، كأن تيارا يسري بينهما فيزيد من نبض قلبها الذي يأبى أن يهدأ..

انتظام أنفاسه جعلها تظن أنه نائم ليتصاعد إحساسها بتجاهله لها وهي التي اعتادت اهتمامه مهما أبدت من نفور نحوه..

لكن في الحقيقة لم يكن مَازن مستغرقا في النوم بل كان يكتم بهجته ويخفي ابتسامة نصر تهللت بوجهه عليه بشق الأنفس.. كان من القسوة عليه أكثر منها أن يتركها بهذا الشكل وجسده هو نفسه ينتفض رغبة لها ويحثه على خلع رداء عدم اللامبالاة والهجر العابث في الفراش.. لكن من الممتع أن يستفزها ويستمتع بردة فعلها المهتمة رغم حرجها وهو يتذكر كيف استجابت له آخر مرة.. يريدها هي من تأتيه طواعية راغبة وأن تتوقف عن ادعاء أن ما تقوم به هو مجرد واجب زوجي لا محبة نابعة منها تجاهه..

سألته فجأة مباغتة وهي تلامس ذراعه

((هل أنتَ حقا نائم يا مَازن؟))

بدت نبرتها هادئة حزينة ليست كما اعتاد منها فتجلد حاثا نفسه بعدم التجاوب على لمستها الحانية على طول ذراعه وغمغم بحنق مصطنع

((سأنام يا ياسو لو سمحتي لي بذلك فقط))

=============================

كانت سهر جالسة بغرفتها بصمت ونيران قهر تتأجج بصدرها.. قصي في زيارة لبيتهم منذ ساعتين، يتحدث مع والديّها دون أن يطلبها أحد لتشاركهم الجلوس.. لم تستطع التحمل أكثر فهبَّت تمضي قدما نحو غرفة الضيوف لتفتح الباب فجأة بقوة هاتفة بفظاظة

((لقد عرفنا أنك ثري وابن إحدى أكبر العائلات في البلاد، والآن ماذا تريد من فتاة جشعة طامعة بأموالك تخلت عن حبك عندما ظنت أنك موظف بسيط وفقير!))

تجلت ملامح الذهول على وجوه الثلاثة قبل أن يقول فايد والد سهر بنبرة أقرب للأبوية الحازمة كأنه يتعامل مع ابنة صعبة المراس

((اجلسي يا سهر جانبا، ودعينا ننهي حديثنا في البداية))

احتقن وجه سهر بالغضب إلا أنها أطاعته وجلست بعنف على أريكة مقابلة له تتطلع لقصي بتجهم.. إذ أنها عرفت كل ظروفه وما مر به سابقا من أبيها.. فوجد قصي نفسه يناظرها مبتسما بود قائلًا

((أنا جئت هنا أساسا لأخبرك كل شيء، وعهد عليًّ أني لن أنطق حرفا كذبا معك بعد الآن، كل ما مررت به من مآسي وما أضعته من عمري كان بسبب قلة صدقي وصراحتي معك، لكن ما يشفع لي قليلا أن والدك كان يعرف كل شيء))

التقطت تمارا شحنات عدوانية في تزايد من ابنتها فارتبكت وخشيت من أن تقوم سهر بشيء قد يفسد علاقتها بقصي أو تغضبه.. يكفي حالة الانهيار الكامل التي عاشتها في الأيام السابقة عندما ظنت أنها خسرت صهرها الثري.. سارعت تمسك بحذر أعلى ذراع قصي وتقول متملقة بنظرات ممزوجة بالخنوع المُداهن

((قصي عزيزي يا ابن الحسب والنسب، هل يعقل أن تكون من أبناء القاني ولا تخبرنا!))

لم يكن قصي ينفر من أحد في هذه اللحظة بقدر نفوره من حماته الجشعة الطامعة السطحية التي تعامل الناس تبعا للمظاهر الاجتماعية والمالية.. لكن اضطر مرغما من أجل سهر أن يتدبر لها ابتسامة متكلفة ويقول

((أعتذر لك على قلة صراحتي))

تهللت أسارير تمارا إذ أن قصي ومنذ جلوسه هنا لم يظهر أي بغض لها أو حقد لقلة أصلها في تعاملها معه عندما ظنت بأنه فقير.. فأسرعت تقول بتلك النبرة المذلولة كمن تستعطف رضا سيدها عنها

((لا داعي للاعتذار يا ابن القاني، بل نحن من نعتذر لعدم تعاملنا اللائق بشخصك، إنسَ الماضي وتزوج من ابنتي باربي بأسرع وقت ممكن))

ازدادت ابتسامة قصي عرضا وقال وهو يشير بحاجبيه لساعتها

((بالمناسبة أنا سعيد أنك عدتي لارتداء ساعتي الماسية التي أهديتها لك! فقد كانت بداية تعارفي على باربي))

لامست تمارا ساعتها الماسية التي أرجعتها سهر لها وعاودت تملقه

((بالطبع! وهل تظن أني أحب هذه الساعة بهذا الكم لشيء غير أنها السبب بتعرفنا عليك يا ابن القاني!))

تلاشت ابتسامة قصي ورفع حاجبيه يخبرها بوضوح

((لكن قبل كل شيء عليك أن تعرفي أني كابن للقاني ليس لدي مميزات من عائلتي إلا اسمها فقط))

قطبت تمارا حاجبيها ليوضح قصي لها ببساطة خاصة وأنه فشل في إيجاد عمل بتخصصه في الهندسة لأنه في منتصف الثلاثين ومعدوم الخبرة في هذا المجال

((أعني أن حقي بورثة أبي رحمه الله وبأسهم شركات القاني كله مهدور ولا يبدو أني سأناله يومًا أبدًا، حتى إمكانية عملي في الشركة باتت مستحيلة.. بدأت عملا جديدا كعامل بناء وشيال طوب، إنه عمل صعب ومرهق ولكن يدر عليّ مبلغا كبيرا كما أن طبيعتي الجسدية تؤهلني له))

هتفت تمارا مصعوقة بالذهول والصدمة

((أتقصد أنك الآن تعمل كعامل طوب! أنتَ ابن سيدة المجتمع الراقي روزانا تعمل كعامل طوب!))

انفرجت عنه ابتسامة جانبية وهو يقول

((نعم، ولا أملك من متاع الدنيا إلا فيلا صيفية وسيارة.. أمي قالت بأنها ستخصص لي مصروفا شهريا حتى لا ينقص عليّ شيء من الرفاهية، لكن لا أضمن التزامها، فعند أقل تحريض من عمي قد تتوقف عن الدفع لي وحينها لن يتبقَ إلا نفسي لأعتمد عليها))

كان كف تمارا يتقبض بقهر بينما يتابع قصي بنفس الابتسامة المستمتعة بملامح صدمتها

((وهناك شيء آخر.. لن أستطيع تدبير المال لإقامة حفل زفاف كبير..))

كما برقت عينا تمارا بشعور الغضب برقت عينا سهر أيضًا لكن بشعور الشماتة.. لطالما حرصت أمها في الماضي أن تجبرها على الزواج من رجال لا يصلحون للزواج عامة فقط لأجل مستواهم المادي.. والمتاح حاليا أمامها رجل لن يقيم لها حتى حفل زفاف!

شعر قصي أن شيئا من حقه يسترد من تمارا لكنه ادعى الأسف والعجز وهو يسترسل

((أنا أتفهم إحباطك يا سيدة تمارا، فقد تأخر زواجنا لما يزيد عن الثلاث سنوات بسبب مماطلتي بذريعة تدبير وظيفة مرموقة كما اتفقت مع السيد فايد.. ولكن انتهى بي الحال بلا عمل في شركة القاني، بل وتراجع عمي عن إمدادي بالمال))

تدخل فايد يعقب بهدوء

((عندما عرفت حقيقتك يا قصي منذ البداية سمحت لك أن تعقد قرانك على ابنتي على شرط أن تدبر وظيفة ثابتة لك بدخل جيد وحسب، وأنت من ماطلت في خطوبتكما حتى تحقق شروطًا ترضي حماتك من أجل سهر..))

نكس قصي رأسه شاعرا بالسخط على نفسه بينما يكمل حماه

((لكن الآن وبعد أن رأيت كيف التزمت في عملك البسيط بالشركة لثلاث سنوات، وبعده في المطعم الشعبي.. ثم قبولك الآن بأي عمل متاح لك لتعتمد على نفسك.. أنا متأكد من أنك رجل تتحمل المسؤولية وأستطيع أن آمن على ابنتي معك..))

شعر قصي بالامتنان والرضا لكلام حماه ليقول

((عملي كعامل بناء هو مؤقت، فجسدي مهما كان قويا ورياضيا لن يتحمل العمل به لسنوات.. لكن أنا متأكد من أني سأجد سريعا عملا آخر أفضل))

أومأ فايد له مبتسما فهمست تمارا لزوجها باستهجان

((تريد أن تتزوج وحيدتنا بلا زفاف يا فايد؟ على جثتي))

قال فايد ببرود

((اعتبريه عقابا لها على هروبها من حفل زفاف مراد الأسطوري الذي أقامه لها في الماضي))

انزعج قصي من ذكر سيرة خطيب سهر السابق لكنه عاد ينتشي على رؤية حماته تتنفس بانفعال وقهر وهي تهتف بعذاب

((وماذا سأقول للناس! ابنتي الوحيدة متزوجة من رجل يعمل كعامل بناء ولن يقيم لها حفل زفاف! فقط سيأخذها من بيتنا إلى بيته! وماذا لو تساءلوا عن حاجتنا تأجيل الأمر لثلاث سنوات طالما أن القران معقود!))

كتف قصي ذراعيه لتشتد عضلاته بجسده اللائق بدنيا ثم قال

((يمكنك إذا أردتِ إخفاء حقيقة عملي يا سيدة تمارا من أجل مظهرك الاجتماعي، لكن من جهتي لن أفعل.. لأني بالفعل أخبرت أفراد عائلتي وأصدقائي، جميعهم شجعوني على هذه الخطوة طالما لم أجد وظيفة أفضل بعد بسبب عمي ووساطته))

شعرت تمارا بضياع وشتات وكانت تريد الاقتراح عليه مجددا بالعمل لدى زوجها فايد بأي شيء يليق بك.. لكنه تعرف مسبقا رفضه القاطع، فبدت أنها على حافة انهيار آخر..

منح فايد قصي كل الرضا مُشيدا

((أنتَ تعجبني هكذا يا قصي، استمر فيما تفعله وامضي قدما، فغالبية الناس يريدون الحصول على مال سريع من دون عمل وجهد وكد وتعب))

وافقه قصي هادرا مقتنعا أن العمل لا إهانة فيه مهما كان، الإهانة في العوز والفقر..

وضعت سهر ساقا فوق ساق تهتف عاليا ببرود سافر

((حسنا الآن هل يمكن أن تعيروني بعض الانتباه!))

ثم ضيقت عيناها المصوبة على قصي تسأله

((كيف زورت اسمك لقصي سامح يا ابن القاني ونجحت في خداعي لثلاث سنوات!))

أجابها قصي بتلقائية وهو يهز كتفيه

((لم أزوّر شيئا يا باربي، عائلتي هي "سامح" لكن اسم قبيلتي التي تنحدر منها أصولي هي "القاني".. أبي وعمي وأولادهم جميعهم يكنون بـ "سامح" على دفاتر العائلة والجوازات.. هل في هذا مشكلة؟))

جمود كسا محيا سهر وهي تستوعب ما يقوله.. ثم شمخت بذقنها وتقول بينما تميل برأسها للأمام

((لا، ولكن أنا أريد فسخ هذه الخطوبة والطلاق))

زعقت تمارا بذعر تردع ابنتها رغم الإجهاد في صوتها

((ماذا تقولين يا سهر؟))

استقام هنا فايد من مكانه يقول بهدوء طاغي

((هذا الأمر راجع لكما الاثنين، تناقشا جيدا ثم أخبراني إلى ماذا توصلتما!))

لم تكن تعرف تمارا ما يدور في خُلد زوجها الذي أشار لها بحزم صامت أن تتبعه وتخرج ففعلت وهي تهدل كتفيها..

بمجرد أن أُغلق الباب على الاثنين حتى قالت سهر بصوتٍ مرتجف من الانفعال والغضب

((هل استمتعت يا قصي بجعلي أبدو كطامعة لا أهتم بشيء بالرجل إلا ثروته!))

لم تنحسر ملامح الهدوء عن قصي مجيبا

((أنا ما زلت فقيرا ومفلسا! لم يتغير أي شيء.. لذا آمل فقط أن أحظى بفرصة أخرى معك))

غام صفاء عينيها بالتعب لتسخر بإنهاك

((هكذا ببساطة؟))

نهض قصي من محله وجلس بجانبها ملاصقا لها ثم حضن يديها الناعمتين بكفيه هادرا بصوتٍ مميز

((نعم أنا أؤمن أن علاقتنا أبسط من أي تعقيد، فهي خلقت للراحة، للود والتفاهم واللين، لا أريد من أحدنا أن يظل في موقف دفاع دائم عن نفسه أو خطأه))

تشدقت بمرارة مضيفة ((وبارع جدًّا في الكلام))

ازدرد قصي ريقه قبل أن تعانق عينيه في عينيها قائلا

((سأسجل الفيلا التي بحوزتي باسمك..))

قاطعته بنبرة باترة

((لن تسجل شيء بإسمي، كما تعرف أنا لست بحاجة للمال، أو حتى حفل زفاف))

تقرب منها أكثر حتى وصله عبيرها الطبيعي برقةٍ احتضنت قلبه ثم قال ببحة صفاء مشاعره نحوها

((المهم، أنا سعيد أنك مقتنعة بألا نقيم حفل زفاف، هكذا ما ظل من المبلغ معي يمكن أن أنفقه على شهر عسلنا، أين يجب أن نسافر؟))

أشاحت بعينيها جانبا تتجنب تأثيره وهي تهدر

((أنا اشعر أن على كل منا أن يذهب في طريقه))

كان حازما برقة وعاطفة وهو يقول

((حسنا موافق، ولكن طريقي سيكون نحوك، لأني لطالما حلمت بامرأة مثلك أعيش معها حياة مختلفة عن حياة والديّ.. وأتشارك معها كل هواياتي وسفري..))

كان صادقا فيما يقوله فقد حرص على انتقاء سهر أشد الانتقاء.. رفع يده يداعب خصل شعرها الذهبي مردفا

((عندما حاولت التواصل مع نور عرفت منها أنك سبقتني وبالفعل دبرتي لها عملا يناسب وضعها في مكتبة عامة))

تطلعت له عابسة تقول

((وأنا عرفت أيضًا بدفعك لثمن أدوية أمها لسنة كاملة))

رفع قصي حاجبيه وهز كتفيه يعقب

((الحقيقة اقتطعت جزءً من المبلغ الذي أخذته من أمي لإعادة تأثيث الفيلا لأدفعه ثمن علاج والدتها))

بدت متأثرة مِمَّا فعله فبدأت عيناه تشاغبان بالنظرات لها كصبي شقي فغزا وجهها العبوس.. وعندها لم يستطع تمَالك نفسه فمال نحوها ينال شفتيها المقوستين للأسفل بقبلة شغوفة عاطفية جعلتها تذوب وهي تشعر بجوع رهيب له.. كأنه يسد انتظار طال لأكثر من ثلاث سنوات..

شعر بها بريئة للغاية تكاد لا تستجيب لقبلتها الأولى وفي ذات الوقت ذائبة منهارة أمامه قبل أن تتماسك وتبعده عنها لاهثة

((قصي، هل يمكن أن تعطيني ولو مدة قصيرة لأعيد النظر بعلاقتنا وأحاول استيعاب حقيقة ما انكشف لي؟))

ردّ عليها بخشونة بين أنفاسه المسروقة

((ولكن لماذا! حضرتُ نفسي اليوم أن أخبرك لتجهزي أغراضك وآخذك غدا لبيتي))

قالت بتنهيدة شكوى رقيقة

((ولكن أنا سأحتاج لأيام.. أو أشهر..))

اكفهر وجهه وبدا محبطا لأقصى الحدود.. مسح راحتيه ببنطاله يزفر زفرةً طويلة قبل أن يستجيب لها هادرًا

((حسنا كما تريدين، متى ما شعرتي أنك جاهزة أعلمينى، لكن لن أمتنع خلال هذه المدة عن الاتصالات..))

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...