لا تنسو التصويت ❤️❤️
ليلا..
نهضت هدى من رقادها وتسللت خارج سريرها لتقف أمام جناح والديها.. طرقت الباب عدة مرات وعندما لم تجد أي استجابة حركت مقبض الباب لتتفاجأ بأنه مفتوح..
أقلق فتح الباب مضجع مَازن ليفتح عينيه ببطء وما إن تبين له أن الطارق هو ابنته بعينيها البريئتين اللتين ترمشان بلا توقف، حتى قال بصوتٍ أجش وهو يطالع الساعة الجدارية
((هدهد ماذا تفعلين هنا؟ كم الساعة الآن؟ إنها.. الثانية بعد منتصف الليل!))
قوست هدى شفتيها بطفولية ثم قالت بصوتها الباكي
((أبي هل غضبت مني لأني قلت لأمي عن زيارتك لخالي؟ لقد قلتها بغير قصد))
تدلي فك مَازن حتى كاد أن يقع أرضا وهو يحدق بهيئة طفلته الناعسة وشعرها المجعد الفوضوي! فغمغم بذهول
((هل استيقظت الآن لأنك تذكرتي أنك من أسابيع وشيت بغير قصد لأمك عن أمر زيارتي لخالك؟))
أجابته بخفوت مذنب
((ولأني أيضًا كسرت البلايستيشن خاصتك))
فتحت ياسمين التي تريح وجهها فوق صدر مَازن إحدى عينيها وقالت بصوتٍ ناعس وهي تتمطى
((لا يا هدى ليس هناك أحد غاضب عليك، عودي للنوم))
لكنها ولأنها لم تجد أي رد من والدها أغمضت عينيها ممهدة للانفجار ببكاء.. مما جعل ياسمين تعتدل شبه جالسة وتقول ببؤس
((وما الحاجة الآن لهذا البكاء الذي لا سبب له!))
هرولت هدى راكضة لتتسلق السرير ومن ثم تسقط فوق صدر أبيها محيطة إياه بذراعيها هاتفة
((أبي هل يمكن أن تعانقني حتى أتأكد من أنك لست غاضبا مني))
تطلع مَازن فيها بدهشة وذاب قلبه على رقتها وهشاشة قلبها ثم ناظر زوجته قبل أن يضم هدى بذراعيه ثم يريح ذقنه فوق رأسها هامسًا بصوتٍ أجش
((طبعا لست غاضبا عليك يا ابنة أبيك))
أراح مَازن جسده على السرير وجعل هدى تتوسد جانبه يضمها بذراعه اليمنى.. تجهمت ملامح ياسمين بغيرة غير معلنة من ابنتها التي سرقت زوجها منها، مِمَّا جعلها ترمق مَازن شزرا..
رفع مَازن حاجبيه من نظراتها التي تتأجج بنيران الغضب مِمَّا جعله يقربها منه ويعانقها هي الأخرى بذراعه اليسرى.. فترققت ملامحها.. بشيء من الرضا..
مسحت هدى آثار دموعها وأسدلت جفنيها فبدأ يدندن لها مَازن بنبرة هادئة ناعسة، يغمرها بحنان فياض، يجعلها تطمئن بعد قلق طفولي لتسأله فجأة دون مقدمات
((كم تحبني إذن؟))
أبعد مَازن ذراعه التي كانت ياسمين تريح رأسها عليه غير مدرك للحنق الذي عاد يرتسم على وجهها على عدم عدله.. على الأقل.. ثم بدأ يلاعب شعر هدى هامسا بعاطفة أبوية
((بقدر حجم هذا الكون))
ابتسمت هدى ببسمة أنارت وجهها بعينيه ثم ردت بشجن
((إذن تحدث معي حتى أعود للنوم))
ضحك مَازن بخفوت على طفوليتها قبل أن يجد ياسمين تذمر
((مَازن دعها تذهب للنوم، هناك مدرسة بانتظارها في الغد، وعليها النهوض مبكرا!))
عبست هدى لكن انتصر والدها قائلا لأمها بجدية تكتنفه
((دعي المدرسة جانبا، هناك شيء أهم وهو إبعاد الحزن عن ابنة أبيها))
أصدرت ياسمين صوتا تهكميا.. إنه يداعب صغيرته متجاهلا لوجودها بذلك المزاج المرح المتأصل فيه..
ظلت لدقائق تحدق بملامحه الوسيمة الرائقة بتلك المسحة الصبيانية التي تظلله.. وعادت ملامحها ترق..
لم تتخيله أبدًا كوالد قبل عودته.. كما لم تتخيل أنه سيهجم على حياتها وأفكارها التي تسيطر على عقلها ويمزق عالمها المظلم ليظهر لها عالما براقا.. كهذه النجوم المضيئة التي تملأ الجدران..
تراخت ملامحها أكثر بحزن خالص وهي تقر أنها منذ زواجها به وهي تشعر بغيرة منه وتتمنى لو يعديها بحيويته ولو قليلا.. فقد ارتدت طوال السنين الماضية بسبب ما مرت به في حياتها ثوبًا لا يليق بها.. وتحولت لشخصية لا تناسبها..
هل يمكن أن يكون هو الوحيد سبيلها في الانطلاق في هذه الحياة والوصول للسعادة؟
كان مَازن لا زال يهدهد ابنته وهو يداعب شعرها بخفة.. فأغلقت هدى جفنيها أخيرا تغرق في دفئ كلمات والدها التي تتسرب لقلبها وتنشر الراحة في أعماقها لتنام بهدوء بعد أن استقرت أنفاسها وسكنت روحها..
سألته ياسمين بغتة هامسة
((هل نامت الآن؟))
أجابها بصوتٍ ميزّه بحة لامست قلبها
((نعم لقد غفيت.. تربية البنات مختلفة تماما عن الصبيان))
ناظرته بعدم فهم ليقول مَازن موضحا وعينيه الأبوية مصوبة نحو هدى بينما يمسد فوق شعرها بحنو
((أعني يجب في كل ثانية وأخرى احتضانها وتقبيلها والتعبير لها عن مقدار حبك لها، وتحمل بكاءها الذي لا سبب له))
هزت رأسها مهمهمه له وهي تغرق في خضرة عينيه.. لكن عندما شعرت به يريد أن يضع هدى وسطهم حتى تنام بينهما جفلت.. ولا إراديا اندفعت تستولي على شفتيه بشغف.. دون قيد..
أوقفها مَازن بغتة يقول لاهثا
((هدهد لا تزال هنا))
أخفضت ياسمين عينيها بخجل متقد فيها ثم همست بخفر وتوتر شديد يحيطها ((وماذا فيها!))
اتسعت عيناه لا يصدق صراحتها ومباشرتها حقا! فمرت شبح ابتسامة على ثغره! ليقرر بلا هوادة ألا يرحمها ويطيل في لعبته العابثة معها رغم تزايد الرغبة التي تهب في دمائه الساخنة.. فحمل ابنته وقال وهو يغادر مرقده
((سأرسل هدى إلى غرفتها))
همست له ياسمين برقة ذائبة في اشتعالها وحُمرة الخجل تكسو ملامحها
((حسنا.. سأنتظرك..))
رغم الندم الطفيف الذي اكتنفها على جرأتها غير المعهودة معه إلا أنها كانت حقا تنتظر عودته بفروغ صبر وعندما شعرت بدخوله مغلقا الباب خلفه ثم اقترابه منها حتى بدأ قلبها يضج بنبضاته المتسارعة..
أغمضت عينيها وتعالت وتيرة خفقاتها حالما شعرت بدنوه منها..
قضمت شفتها السفلى حينما لفحت وجهها أنفاسه لتفتح عينيها تدريجيا.. لكن سرعان ما استوطن الإحراج ملامحها المبهمة وتفاقم اضطرابها عندما رأته يتجاوزها ليسحب وسادة من خلفها ويضعها فوق وسادته..
تحركت رموشها بتوتر بينما تضغط بأناملها على الدثار عندما توسد السرير ودثر نفسه جيدا معطيها إياها ظهره..
بقيت مصدومة يحتقن وجهها الحرج وتتآكل نفسها غيضا.. فهو يقترب منها حد الجحيم ويبتعد حد الرغبة..
ألم يكن ينتهز أي فرصة لملامستها بحميمية غير آبها لنفورها نفورها.. ماذا يحدث معه مؤخرا!؟ لماذا يتعمد التلاعب بها بهذا الشكل القاسي؟ هل أصبح أمر الاقتراب منها أمرا باهتا روتينيا لا مذاق فيه؟
دفنت نفسها بعنف تحت الغطاء بغضب مكتوم.. وجالت العديد من الأفكار المتصارعة في عقلها لكن أمرا واحدا أرادت أن تعتزم عليه.. ستفعل ما بوسعها لتكون مرغوبة وستعطي بنفسها فرصة التجاذب الحسي الذي لطالما أراده.. ولكن فليسمح هو بهذا التقارب في الحدوث! فقط فليسمح به!
أما مَازن فارتسمت على وجهه ابتسامه عبثية وهو يتنهد.. هل عليه أن يطيل اللعبة أكثر ويثير جنونها أم ماذا؟
=============================
فتحت سمية شرفة جناحها تأخذ نفسا طويلًا.. وكان الجو باردا قليلا لكن يبعث على النشوة والانشراح.. نسمات الصباح تداعب الأشجار فيمتزج حفيفها بتغريد الطيور..
وضعت غيارات مَالك في الحمام والمنشفة ثم ملأت الحوض بمياه دافئة وتأكدت من وجود الصابون وماكينة الحلاقة التي قد يحتاجها اليوم لحلق ذقنه غير المشذب..
وضعت كوب الحليب الدافئ الذي جهزته له كما جهزت آخر ليزيد كالعادة على المنضدة ثم جلست جواره برفق على حافة السرير.. مدت يدها لتلامس شعره المموج بلون مزيج بين النحاس والذهب الأحمر.. ثم مالت لتقبل أرنبة أنفه وهي تبتسم عفويا..
كم هي محظوظة بحبه وسعيدة ببقائه متشبثا بها..
لاحت بخاطرها بعض الذكريات لهما بعد انتهاء زواجهما الأول.. إذ بقيت تعمل عندهم وتتعرض لاستفزازاته.. من حديثه معها دون تحفظ، وتدخله بكل ما يتعلق بها.. فتتجاهله بعد يقينها أنه يفعل ذلك عن عمد.. لكن بالمقابل صارت تناديه بنفس الطريقة وبدون ألقاب عندما لا يكون أحد من أهل البيت حولهم.. ومن وقتها وقلبها بدأ يميل له رغما عنها..
ببطء مررت أصابعها على ملامح وجهه المرتخية في نومه.. تتمنى أن تسعده دائما ولا تكون قد خيبت ظنه أو آماله عنها..
أما مَالك كان قد شعر بها قبل حتى أن يفتح عينيه.. إذ أحس بالثقل الرائع بجواره فوق السرير.. فاستدار مستلقيًا على ظهره فاتحًا عينيه ببطء يرسم تدريجيا ابتسامة متكاسلة..
ارتفعت يده نحو قسمات وجهها لتمر عليها بحنان ارتعش له جسدها بانتماء، وبلذة تضخم لها صدرها فشاكسها مَالك بصوته الناعس
((ماذا فيها لو أيقظتني ولو مرة على قبلاتك ماطرة؟))
أخرجت له لسانها بمرح قبل أن تبتعد عنه وقد رفع نفسه قليلا يستند بجنبه على مرفقه ضاحكا ببحة..
اتجهت لغرفة يزيد تهزه لينهض من نومه.. فصدرت همهمات رافضة منه للاستيقاظ مِمَّا جعلها تدغدغه وتقول
((استيقظ أيها الشقي، لقد نمت بما فيه الكفاية))
فرك يزيد عينه بيده يقول بتثاؤب
((لماذا لا أغيب عن المدرسة اليوم فقط!))
أمكست خديّه هادرة بكفيها
((لا تذمر من الآن، أريد من أخيك الصغير عندما يأتي إلى الدنيا أن يجدك طفل مجتهد وقدوة حسنة له))
ضحكت سمية بمرح عفوي لا تنتبه لذلك الذي يقف عند عتبة غرفة يزيد يشبع روحه بنظره من عائلته الصغيرة ويطرب أذنه بتلك الضحكات الرائقة..
تساءل يزيد بطفولية وهو يتلمس بيده الغضة بطن أمه التي ازدادت بروزا مع الوقت
((أمي، هل اخترت اسما لأخي الذي بداخلك؟))
تقدم مَالك للداخل فشعرت به دون أن تلتفت وقالت تلقائيا
((أباك هو من سيسميه، ماذا سيكون اسمه يا مَالك؟))
رفع مَالك حاجبيه ثم غمر أنامله بشعر يزيد الفوضوي وهو يقول لها بتلاعب
((أنتَ تعرفين ماذا سأسميه))
فغرت شفتاها قليلا قبل أن تخمن بعد لحظات تفكير
((عبد الله؟ ستسميه عبد الله صحيح؟))
أومأ مَالك لها وابتسمت لتلك الذكريات القديمة حينما كان يقول لها بلحظات عابرة عن حبه لهذا الاسم ورغبته أن يُكنى باسم أبي عبد الله عندما يُصبح أبا.. حتى أنها توقعت أن يقوم بتسمية يزيد بهذا الاسم لو لم يهن عليه حزن أمه لرغبتها بتسمية أحد أحفادها باسم "يزيد"..
انتشلها من شرودها قُبلة مَالك على وجنتيّ يزيد قبل أن يحثه بحزم
((هيا اذهب واستعد لأقللك لمدرستك معي باكرا))
ما إن غادر يزيد حتى قالت بعفوية
((سأعد لكما شطائر بما أنك قد تخرج قبل وقت فطور العائلة))
ولكن قبل أن تبرح المكان وجدته يمسك يدها ويجتذبها له جاعلا إياها تجلس بجانبه هامسا بنبرة حاول ألا تكون غاضبة ومعاتبة
((لماذا أشعر أنك بعيدة عني ولا تحاولين التقرب أكثر! كنت تتذرعين بانشغالك بالاهتمام بأولاد أخي مُؤيد في السابق، وها قد ذهب مُؤيد وأولاده.. أرغب مرة أن تكوني المبادرة ومن تأخذي عني زمام الأمور في التودد أحيانا))
عقدت حاجبيها برقة ولم تفهمه! "بعيدة"! هل يراها حقا بعيدة عنه! دمدمت له بحيرة احتلت نبرتها
((أنا! ولكن لماذا تظن ذلك!))
دفن وجهه بعنقها ثم تسللت كفه إلى تحت ثوبها يتلمسها برفق.. ظانا أن المشكلة منه! ربما لا يروق لها خشونته في الاقتراب منها..
تصلب جسدها وعيناها تقربان الباب خوفا من أن يأتي يزيد في أي لحظة.. همست متوسلة تفهمه
((مَالك، ليس الآن، عليك الذهاب بعد قليل لعملك))
لكنه جذب وجهها إليه مستلما شفتيها بقبلة يمتص فيها قلقها ويحثها على مجاراة رغبته بها قبل أن تنجح في المناص من حضنه والمغادرة قبل أن يصبح من الصعب إيقافه.. وبالفعل وجدت يزيد يقفز أمامها هاتفا
((أمي جدتي مستيقظة وقالت بأنها ستطلب وضع الفطور مبكرا حتى نفطر أنا وأبي قبل ذهابنا))
توجهت هي لجناحها وما هي إلا دقائق حتى شعرت مَالك يضمها من الخلف إلى صدره هامسا بأذنها
((اليوم أريدك أن تجهزي لي ليلة لا تنسى))
كست الحُمرة وجهها وسألته بخفر
((ما الذي تقصده بذلك؟ هل تريد أن أعد لك شيئا معينا!))
حررها فجأة وتنهد ببؤس هادرا
((انسِ فقط، فمثل هكذا أمور لا تشرح))
وغادر المكان تاركا إياها واقفة بحيرة وشتات.. لماذا لا يكون أكثر وضوحا برغباته!
هل يقصد بليلة مميزة شيئا غير أن تتجهز له لينام معها؟
=============================
((دعك من عمل زوجة أخيك يا رتيل وأخبريني كيف أحوالك مع زوجك؟ ألم تحملي بعد؟ يا ابنتي لا يوجد أفضل من الأطفال لتقيدي زوجك بهم حتى لا يحدث طلاق ثاني بينكما))
هزت رتيل رأسها بيأس من كلام أمها التي تتواصل معها على الهاتف ثم أجابتها
((أمي إذا كنت تظنين أن إنجابي المزيد من الأطفال قد يقيد مُؤيد بي أو يسمح لي بشحذ حبه واهتمامه فأنتِ مخطئة، أطفالنا لن يقيدوا أحدا غيري، ومُؤيد يستطيع متى ما يشاء أن يحلق بعيدا عني))
أطلقت أمها تنهيدة محبطة بائسة فأكملت بثبات راسخ
((أمي مُؤيد سيتغير فقط لو تغيرتُ أنا وشعرت بإنسانيتي، والا فأنا من سأتحمل ذنب ضحية ثالثة لو تطلقنا))
هتفت والدتها بجزع
((طلاق! طلاق ثاني! قلبي والله لن يتحمل))
قالت بمحاولة يائسة لتنوير عقل أمها
((أمي الطلاق ليس شيئا سيئا بل هو دلالة على صحوتي ومعرفتي بأهمية نفسي.. فلا يتملكنك هذا الهلع!))
لكن والدتها ظلت على نوبة جزعها من حدوث طلاق ثاني فمررت رتيل أصابعها على جبينها تمسده قبل أن تقول بصوتٍ مجهد
((أمي إلى اللقاء، سنتحدث لاحقا..))
.
.
أغلق مُؤيد التلفاز وأطلق نفسا عميقا بضجر بعد أن ملّ الجلوس لساعات طويلة..
متى ستشفى قدمه ويستأنف حياته وعمله كالسابق بدلا من جلوسه طوال النهار في البيت أمام التلفاز كالنساء!
مد يده نحو عكازه يتكئ عليه في مشيه قبل أن يقف أمام غرفة رتيل هادرا باقتضاب
((مع من كنتي تتحدثين؟))
وضعت رتيل هاتفها جانبا وأجابت بعفوية
((كنت أتحدث مع أمي، أخبرتني أثناء حديثنا أن زوجة أخي ستبدأ العمل كمعلمة في مدرسة قريبة من البيت))
ضيق عينيه وغمغم بشك
((مستحيل! أنا أعرف أخويك جيدا، إنهما أكثر شخصين متزمتين في هذا العالم.. كيف تغير أحدهما وسمح لزوجته بالعمل؟ ولماذا؟ من أجل تحقيق ذاتها مثلا!))
شعّ بؤبؤيها ببؤس لكنها ردت بنبرة قوية
((بل سمح لها بالعمل ببساطة لأنه يعاني ضائقة مالية بعد أن تراجع مستوى عمله في السنوات الأخيرة.. راتبها من المدرسة سيكمل النواقص التي لا يستطيع راتب أخي إيفائها في البيت، وفي المقابل سيساعدها في أعمال المنزل وتدريس الأولاد))
انقبض فك مؤيد ثم رد ببطء
((أخاك هذا هو عرة الرجال بامتياز! كيف يقبل أن يجعل زوجته تذهب للخارج لتكسب له المال!))
زعقت فيه رافضة غطرسته واحتقاره وتلميحاته المسيئة
((عمل زوجة أخي لا ينقص بقدر أخي شيئا، الدنيا تغيرت ولم يعد يكفي راتب الرجل في كثير من الأحيان، وكثير من الأسر تتطلب مسؤولية الزوجين المشتركة لتحقيق الرقي والسعادة لهم))
صرّ مُؤيد على أسنانه لا يعجبه ما يسمعه منها بينما تكمل بابتسامة مستفزة
((على كل حال أظن أن أخي مستقبلا قد يتقبل فكرة طلاقي لو بدأت العمل ودفعت له شيئا من راتبي، فهو خسيس كما تعلم))
ما إن فتح مُؤيد شفتيه حتى هتفت به بنبرة قاطعة
((وقبل أن تعترض فلا تقلق لن أطلب حضانة باسم وفهد، فبكل الأحوال راتبي من العمل لن يكفي ليعيشا معي بنفس رفاهية الحياة التي يعيشانها هنا))
همت تقف مقابلا له ندا لند، عينيه العاصفتين بالغضب انعكاس للون الأسود في عينيها المضطرمتين بنيران الحطب.. ثم همست بتحدي سافر
((لقد تغيرتُ يا مُؤيد وسأرفض قهرك، ولن أقبل منك أن تتحكم بي الآن أو بعد طلاقي منك، لأنني بمنتهى البساطة إنسانة كاملة العقل، حرة الإرادة، وعميقة المشاعر))
كانت تتحدث معه وهي أكثر ثقة في ذاتها وتفتحًا وإشراقًا.. تعلن أمامه قدرتها على الصمود والاستمرار بعد ابتعادها عنه.. فتجلى الاضطراب على وجهه لترفع ذقنها وتقول بعينين تتوهجان زهوًا
((هل صدمك ما قلته؟ وهل ظننت أني سأقبل أن أراك تتزوج من صبر الصغيرة اليافعة، وأقبل بواقعي كامرأة باهتة على الرف، كأني بلا مشاعر! لا يا حبيبي لن يحدث، أنا لست ملزمة أن أفني باقي عمري في تربية أبنائي بينما أراقبك توفر كل الحب والدلال لابنة أبي أحمد كأنها من طينة مختلفة عني!))
كان لا يزال لا يصدق كيف أخذت دفة الحديث بثقة بكلام ألجم لسانه داخل فمه! بل وذكرها للطلاق لمرات عديدة في هذا النقاش وتّره وأربك صميمه.. فحينما يرتبط الأمر برغبتها في العيش من جديد، وتركه لمسؤولية ولديّه ستعود حياته كما كانت قبل مدة معذبة بالقلق والتوتر.. وصغاره سيعودون مشردين أيتام بلا أم تحن وتعطف عليهم.. وقلبه.. وقلبه سيعود خاويا باردا بلا شيء يشعله..
عقد حاجبيه بقوة يبعد تأثير هذه المشاعر التي توهنه وتضعفه ثم قال ساخرا وهو يلوي فمه بغرور
((وهل تظنين أنك ستكونين قادرة على العمل بعد طلاقك مني كزوجة أخيك التي أسعفها الحظ؟ هل تعلمين يا هانم أن مَازن خريج جامعة عريقة أجنبية لم يجد عملا بشهادته بعد في ظل تزايد البطالة! كيف ستقدر امرأة مثلك بدون خبرة عملية على إيجاد عمل مناسب؟))
ردت عليه بإصرار متوهج دون أن تهتز فيها شعرة لمحاولته تثبيط عزيمتها وثقتها
((سأظل أبحث حتى أجد عملا، وحتى حينها فأنا قد ادخرت الكثير من الأموال والمجوهرات التي ستكون عونا لي))
تغضن جبينه للحظات وقال باستغراب
((أي مال إذخرتيه؟ تقصدين المال الذي كنت أعطيه مصروفا لك وتطلبين مني أن أضعه في حسابك البنكي!))
هزت رأسها بسخرية فانسحب اللون من وجهه مدركا أنه كان مخطئا عندما كان يسخى عليها بالمصروف الشهري! كم كان أبلها! فتلعثم وهو يأمرها محركا سبابته
((عليك أن تعيدي كل فائض عن المصروف الذي كنت أعطيه لك.. هل تفهمين؟))
كانت نظراته التي يحدجها بها نارية فهتفت به بصوت يتقطع من الانفعال المكتوم
((لا، لا أفهم، هذه النقود لم تعد ملكك))
أشعلت فتيل الهمجية في داخله بعنف فشدّ على نواجذه يتميز غيظا ثم قال
((إذن من الآن وصاعدا لن أعطيكِ إلا ما يكفي لطعامك وشرابك وملبسك فقط، ولن أسلمك المال نقدا))
رفضت قراره المجحف فصرخت بنبرة تنضح بالشراسة
((أنا لا ينفع معي هذا الوضع، أنتَ تحصل شهريا على الكثير ولن يضرك إعطائي تلك المبالغ القليلة))
رفع مُؤيد عكازه يقذف نثريات زجاجية موضوعة على منضدة بجانبه لتتحول إلى شظايا كتعبير عن رفضه التراجع عن قراره والجنون يقطر من حدقتيه المحمرتين بنار هوجاء..
أطلقت رتيل شهقة مذعورة وهي تتراجع للخلف خائفة من أن تكون قد استفزته أكثر مِمَّا يتحمل!
نضح العرق من مسام مُؤيد بينما يتنفس بصعوبة وسرعة.. ثم حسم النقاش بنبرة باترة ((هذا ما عندي))
جفلا الاثنين وتنبهت حواسهما على صوت والده الخشن قوي النبرة يصرخ
((مُؤيد، ما هذا الذي تفعله!))
نظر مُؤيد بعينين متسعتين مصعوقتين نحو والده هامسا
((أبي! متى جئت! وكيف دخلت!))
ناظر الحاج يعقوب طفليّ مُؤيد الخائفين اللذان فتحا له الباب ثم هدر فيه بسخط
((لقد جئت لاطلع على وضعك مع زوجتك! ويبدو أني جئت في الوقت المناسب قبل أن ترتكب شيئا أحمقا! ما الذي أفقدك عقلك؟))
كان غضب يعقوب منصبا على نفسه من أن يفعل مُؤيد شيئا برتيل يؤذيها بسبب إرجاعه لها تحت ضغط منه كما يهيئ له.. رتيل أول من استفاق من صدمة قدوم حماها فسارعت تشكو مؤيد بصوتٍ يضج قهرا
((أخبرني يا عمي أنه لن يعطيني مصروفا من الآن وصاعدا))
تقبضت يد مُؤيد بغضب وسارع يوضح لأبيه
((أبي أنا سأتكفل بمأكلها وملبسها فما الحاجة لها لمصروف شهري؟ إنها لا تنفق كل الأموال التي أعطيها لها وتذخرها في حسابها البنكي..))
اتسعت عينا يعقوب بصدمة! هل كل هذا الشجار كان من أجل المصروف؟ لا من أجل أمر آخر أكثر خطورة كما ظن! هل ولده يعاني حقا من أزمة مالية أم أنه يفعل ذلك نكاية بها وكوسيلة للانتقام من زوجته لأنها فضحت رسائله أمامه!
لوحت رتيل بيدها هاتفة بسخط
((وما دخلك أنتَ بمصروفي؟ إن كنت أنفقه على توافه الأمور أو أذخره في البنك هذا الأمر عائد لي! ثم أنتَ بنفسك من كنت تأخذ مني المال وتضعه في حسابي البنكي فلا تدعي صدمتك الآن!))
أخذ يعقوب نفسا طويلا ثم قال بامتعاض
((إنها محقة، فمنذ زواجك بها تخصص لها مصروفا محددا ولا تتدخل في كيفية إنفاقها به.. ما الذي جدّ؟))
زاغ نظر مُؤيد إلا أنه تعنت
((أبي إذا كانت تحتاج لشيء فلتطلبه مني وسأجلبه حالا لها.. أما نقود فلا وهذا قراري النهائي..))
احتجت رتيل هاتفة بغيظ
((لا ينقص إلا أن تطلب استرجاع النقود التي أذخرها في حسابي البنكي؟))
غمغم لها بصراحة
((لو صح لي ذلك سأفعل، لأنه لا حاجة لامرأة متزوجة أن تمتلك ذمة مالية منفصلة عن زوجها))
بارحت رتيل المكان بعصبية ليهتف يعقوب بابنه باستهجان
((مُؤيد يا بني ما سبب تغيرك الجذري هذا! منذ متى المال هو مشكلة بينك وبين زوجتك؟ هل يحدث معك شيء أجهله؟))
كان القلق يستبد بيعقوب على نحو مبهم حول ما يعانيه ابنه.. فلا يبدو أنه يمنع المال عنها بقصد النكاية بها أو قهرها! إذن هل يعاني من ضائقة مالية زادها عليه عندما رفض أن يعطيه أو حتى يقرضه مال لشقة أكبر!
أجاب مُؤيد والده بصوتٍ متحشرج
((أبي لا أريد من زوجتي أن تمتلك ذمة مالية مستقلة عني لأنها ستتوقف عن خنوعها واضطرارها لمجاراتي، استقلال رتيل المالي يهدد سلطتي في هذا البيت كرجل.. وأيضا..))
صدم يعقوب أكثر بما بتفوه ابنه من تبرير غير المتوقع مما جعل مُؤيد يميل برأسه منه يردف بعجز رجل
((أبي أخشى لو تمكنت ماديا من تدبر نفسها أن تتركني.. لقد قالتها لي صراحة أنها ستطلب الطلاق متى ما تريد إذ أنها تملك الكثير من المجوهرات والمدخرات في حسابها البنكي ولا شيء لتخشاه))
تغضن جبين الحاج يعقوب هنا واستغرق الأمر منه دقائق حتى فهم ما يجري من حوله بل وأشفق على ابنه وحالة التيه التي يعيشها لكنه تحكم برباطة جأشه قائلا ببرود
((إذن أنتَ خائف من أن تتركك؟ كان عليك التفكير بهذا قبل أن تخونها))
جحظت مقلتا مُؤيد وهتف بإنكار
((أبي لا تتلفظ بلفظ "الخيانة" بهذه الاستهانة! كانت مجرد رسائل أرسلتها في لحظة ضعف عن فتاة أحلامي، أنا لم أزني والعياذ بالله))
هدر به يعقوب بازدراء
((وهل الخيانة هي فقط بالزنا؟))
جلس مُؤيد على السرير يريح قدمه ومسح صفيحة وجهه المضطرب ثم قال بعذاب
((أبي ركز في مشكلتي الآن بدلا من تكرار مواضيع مستهلكة بيننا، لقد قالت بأن أخيها تغير فكره وقد يسمح لها بالعمل لو عادت وبالتالي لن تتردد في طلب الطلاق متى ما أرادت، بل أنا أخشى أن يشجعها أخاها على الطلاق طمعا في راتبها أو الأموال التي معها))
لم تتغير ملامح يعقوب وهو يخبره
((إذن غير معاملتك لها للأفضل فلا تضطرها للطلاق منك حتى لو امتلكت أموال قارون))
عادت رتيل تقول لحماها بصوتٍ حاولت أن يخرج ثابتا بلا حشرجة
((عمي جهزت الغداء في الخارج، أرجوكَ تفضل..))
وعندما حاول يعقوب الاعتراض ردت عليه بحزم رقيق
((لن أسمح لك بالخروج يا عمي قبل أن تتناوله معنا أنا والولدين، لم أصنع كمية كبيرة منه لأن مُؤيد يتبع حمية))
امتقع وجه مُؤيد عند آخر جملة قالتها رتيل التي ترفض منذ أيام عديدة إطعامه ولو حبة أرز مما تطهوه فلا يجد ما يسكت فيه ألم جوع معدته إلا أطعمة المطاعم الجاهزة والمعلبات التي يبغضها..
رفع وجهه بغتة عندما قالت رتيل بذهول مخطوفة الأنفاس وهي تمسك عقد طويل
((ما هذا العقد الذهبي يا عمي! هل هو لي؟))
أخرجت رتيل العقد كاملا من العلبة المخملية الحمراء التي كانت بالكيس الذي يحمله حماها بينما يجيبها
((نعم يا ابنتي فقد كنت خير الكنة والابنة في بيتنا، وهذه الهدية البسيطة بمناسبة عودتك لزوجك))
كان بريق العقد يخطف أنفاسها حقا فقالت بصوتٍ يرتجف بهجة
((حفظك الله لنا يا عمي وأدامك فوق رؤوسنا))
لكمة في منتصف صدر مُؤيد أحس بها من والده!
كيف يسلم هديته الباهظة لزوجته بعد ما أخبره بذل عن مخاوفه من تركها إياه لامتلاكها المال! هل يتعمد والده سحق رجولته وقهره!
لكن ادعى يعقوب أنه لم ينتبه لملامح ابنه الممتقعة المستنكرة لفعله وهو يتجه نحو الصالة ثم يدعو حفيديه الجلوس بجانبه والسؤال عن أحوالهما ليعاتبه فهد بحزن
((لماذا لم تجلب يزيد معك يا جدي! لقد اشتقت له))
ابتسم يعقوب بحنو لحفيده وقال راجيا تفهمه
((أعدك أن أطلب من مَالك أو مَازن إحضاره في نهاية الأسبوع عندكما، هو الآخر أخذ على خاطره عندما رفضت أن يرافقني حتى يذاكر دروسه))
أما داخل الغرفة تجهمت ملامح مُؤيد وهو يرى رتيل تقف أمام المرآة تناظر نفسها بعدما تحلت بالعقد الذهبي..
تلاقت عيناه على انعكاس عيناها على المرآة وهناك لمح طيف انتصار ماكر.. فشعر بسكين وهمية باردة تخترق أوردته مريقه لرجولته وكبريائه..
=============================
ليلا..
بينما ياسمين جالسة أمام شاشة الحاسوب المحمول تشاهد فيديوهات تخص الخياطة وتقوم بتطبيقها عمليا..
كان صوت البرنامج على حاسوبها يصل إلى مَازن الجالس في الغرفة الأخرى المرافقة فاستغربت عدم دخوله إلى هنا كما يفعل بالعادة عندما يلمح تواجدها في مكان ليصدع رأسها! أم أنه يريد الاستمرار في لعبته العبثية معها في ادعاء عدم رغبته بها! إلى ماذا يخطط؟
أوقفت الفيديو وتنحنحت قبل أن تتوجه بخطوات بطيئة إلى حيث يتواجد هو وتسأله بعفوية مفتعلة بينما يتصفح هاتفه برتابة
((لماذا لم تخرج مع أصدقائك اليوم من البيت وقد أنهيت عملك المتمثل بدوام لساعتين؟))
قال مَازن المتمدد على الأريكة بنبرة كئيبة
((معظمهم يكونون في العمل الآن، ربما أخرج مع أحدهم مساء إلى أحد الكافيهات))
جلست أمامه صامتة للحظات قبل أن تنزعه منه هاتفه وتشاهد ما كان ينظر له متسائلة
((هل هذه الصورة لبلايستيشن؟))
تنهد مَازن ثم قال بكلمات مغلفة بقشرةً غليظةً من البؤس
((نعم أحدث نسخة في السوق! لكنها باهظة الثمن))
أحست بالشفقة عليه بل تفتت قلبها السخيف على مظهره.. إنه فاقد للحياة والحيوية والمرح منذ أن كسرت هدى البلايستيشن خاصته.. بدأت تجول بعينيها عن سعر هذه اللعبة قبل أن تشهق بذهول
((كم ثمنه.. أوه لا يصدق! كل هذا ثمن جهاز بلايستيشن تافه!))
اعتدل مَازن يهتف بها بملامح تشوبها الجدية
((أقول لك أنه آخر إصدار في السوق، سعره هذا منطقي بالنسبة لمواصفاته))
اشتد البؤس الظاهر على وجه مَازن ليتابع التحسر بينما يتكئ بخده فوق قبضته.. فطالعته وفكرت بشيء جنوني ردعها عقلها أن تفعله لكن قلبها الذي انعصر على حاله حثها أن تدفع الغالي والنفيس فقط لتعود تلك الابتسامة المستفزة السمجة على محياه الودود ولا تهدر حيويته ونشاطه وطاقته المفرطة هباء.. فقالت بجدية
((سأحضر لك ثمن هذا البلايستيشن لتشتريه يا قمر الدين))
هتف مَازن بها كمن يحادث فاقدة لعقلها
((هل أنتِ مجنون؟ لتضيعي مبلغ كبير كهذا على بلايستيشن!))
أمسك يدها يمنعها من المغادرة لإحضار المال له فقالت بإصرار يضج بعينيها
((معي الكثير من المدخرات، خذها واشتري البلايستيشن وتوقف عن رسم ذلك الوجه الذابل، فأنا لن أتحمله بعدما اعتدت على مَازن ثقيل الدم))
شدد من إمساكها ووقف من مكانه يهمين عليها بطوله هادرا
((أخذت مرة منك النقود لأني كنت مضطرا لزيارة صديقي لتهنئته لكن الآن لن أموت إن لم أحصل على جهاز بلايستيشن بإصدار خيالي))
نجحت بنفض قبضته عنها وهتفت بعناد متأصل فيها
((قلت سأجلب لك المال وستأخذه لشرائها))
كانت تتحدث بصرامة معه كأم له لا تريد أن تحرم طفلها من اقتناء لعبته المفضلة رغم ضيق الحال.. وهو ظل على ملامحه المتجهمة بقوة لدقيقة.. لكن سرعان ما انحسر الغضب الزائف من على وجهه وانفجر ضاحكًا بصخب من قلبه حتى دمعت عيناه.. رفرفت ياسمين بعينيها مذهولة ثم تساءلت ببلاهة
((ما الذي يضحكك!؟))
خفتت ضحكاته بعد أن وضع راحة يده على بطنه إعياءً من كثرة الضحك ليقول من بين أنفاسه المتسارعة
((لقد خدعتك! هذا الإصدار بالفعل سيرسله زميل سابق لي عندما كنت بالغربة، قال بأنه جاءه كهدية وسيرد معروف مساعدتي المالية له بإهدائه لي))
رفعت حاجبيها بذهول ليستطرد من بين ضحكاته
((لقد ادعيت الحزن والكآبة بمحاولة أن أستدر عطفكِ، لأسمع كلمة حلوة منكِ، لكن لم أتوقع أن يصل الأمر بك إلى هذا الحد!))
عادت تجتاحه نوبة ضحكة أخرى، يعبث بقلبها الصغير البائس بصوتٍ ضحكاته الشجيّ الراسخ.. يحرك مشاعرها التي جاهدت لإخفائها بكل السبل.. هزّت رأسها تبعد عنها هذا التأثير وانطلقت تضربه بقبضة يديها على صدره هاتفة بغضب حاولت تضخيمه
((أيها المخادع، خذ، هذه أيضًا!))
لكن تصاعدت وتيرة ضحكاته وهو يقول من بينها
((يكفي، يكفي يا ياسو..))
((ألن تكتفي من هذه المقالب يوما؟))
حاول أن يسترد أنفاسه هادرا
((معك بالذات لا أستطيع))
تلون وجهها بحرج وكانت تريد أن تعاود كيل الضربات في صدره إلا أنه أمسك بقبضتها هادرا
((يكفي لقد حطمت قفصي الصدري، بدأ يؤلمني))
وشدها قويا إلى صدره، فحاولت دفعه مجددا عنها بوهن لكنه قال
((حسنا، لن أضحك، لكن من كان يصدق أنك يا لوح الثلج إنسانة عاطفية سهلة الخداع))
اختلج قلبها بين ضلوعها فزعقت فيه وهي تحاول إبعاده
((أنا لست عاطفية توقف عن الضحك، اتركني أذهب))
لكنه أحكم قبضته من جديد وقال بوجهه المحمر من فرط الضحك
((كنت أمزح معك، أنا العاطفي وأنت لوح الثلج))
هدأت واستسلمت لأحضانه لدقائق قبل أن يقترب من أذنها هامسا
((ألم أقل لك أنك سهلة الخداع! بكلمة خدعتك))
صرخت بعلو صوتها ثائرة
((هذه المرة ستنال حتفك بيدي))
لكنه لم يسمح لها أن تتحرر من قبضته بل حملها وأراح ظهرها على السرير قبل أن يعلوها ويشرف عليها كاملًا وهو يمسك بكلتا يديها.. مال لأذنها هامسا
((صرت أحب قضاء الوقت في مشاكستك.. أكثر من البلايستيشن))
تضرجت وجنتيها بقوة ولم تستطع مواجهة عينيه خجلا تسلل إلى مساماتها..
وجدته يحيط جسدها الضئيل بجسده قبل أن يحررها احدى كفيه حتى يغمر أصابعه في خصلاتها الكثيفة.. مستغلا هدوءها وعدم تمنعها.. وهنت كل أوصالها ولم تشعر به وهو يخفض رأسه يمتلكها بتملك غريزي جعلها تهمس اسمه بخجل بالغ ((مَازن))
لم يستمع مَازن الذي أفقدته آخر ذرة تعقل كانت موجودة في عقله، وبلهفة خبير لا تخلو من الرقة جردهما من الملابس.. ليغيب في سحابة استسلامها له التي تزيده شعورا باكتساحها على نقيضها في السابق عندما كان يقربها كان يفعلها بمزيج من الحذر والذنب لأنه كان يدرك نفورها منه.. أما الآن فكان حقا يشعر بتمام استسلامها بجوارحها لقربه المهلك بذات الإحساس الرائق اللذيذ.. رغبةً، متعةً وتوقًا لبعضهما.. وهكذا سقطت دفاعاتها.. كسرت حواجزها التي حاوطت نفسها بها لفترة طويلة كلما اقترب منها.. لأول مرة لوح الثلج التهبت من الكلمات والملامسات الخبيرة التي أغرقها فيها ليذوب الصقيع وتنساب كالعسل لتذوب بين أحضانه..
حلقا في سماء المشاعر التي اختبرتها هي معه لأول مرة وقد بادلته تماما ما يفعله واستجابت بكيانها جسدا وروحا معه حتى انصهرا وتغلغل كل منهما بالآخر..
بعد مضي وقت ليس بقصير كانت تتوسد صدره مستسلمة.. هادئة مستكينة.. تلتصق به كجزء منه وكأنها لم تعد تلك الفتاة الباردة.. الوحيدة.. فارغة القلب.. لطالما أرادت أن تكون محبة للحياة والتجول هنا وهناك ببهجة لكنها كانت عاجز بسبب ما عافرت به في الماضي من اضطهاد وظلم.. لكن الآن فقط.. تحررت من كل هذا..
ومرّ الوقت صامتا لا يسمع فيه غير صوت أنفاسهما المتلاحقة كل منهما يشرد في بوتقة أفكاره.. قبل أن يقطعه مَازن هامسا وأصابعه تتخلل خصلات شعرها
((وعدت أخاكِ أني سأحثك على زيارته بشكل دوري مع هدى، ولا أريد أن أخلف وعدي))
خرجت من هالة الخجل المحيطة بها وهمست بشيء من الانفعال
((ها قد عدنا لنفس الموضوع ولزيارة أخي الجاحد! لكن لا بأس سأوافق على زيارته من أجلك أنتَ، لا من أجل صلة الدم تلك التي لم تهمه هو أساسا))
تهكم بزهو صوته المبحوح
((من أجلي أنا! لا هكذا سأغتر بنفسي يا ياسو))
حادت بعينيها عنه بخجل أكبر هامسة
((أريد النوم يا قمر الدين..))
خرجت منه ضحكة خافتة عليها واستمر يمرر أصابعه بشعرها بصمت لا قبل أن يسمعها تسأله فجأة
((آه بالمناسبة لم تعد تبقى في المطبخ طويلا عند منال، ما الذي جعلها تتوقف عن سخائها واهتمامها بك! أم لأن ابنتها نجوم رحلت من هنا لم تعد تجد الوقت لك))
تبدلت ملامحه ونقم على إتيانها بذكر منال في مثل هكذا لحظات صفاء جميلة بينهما.. فهمس لها بانزعاج واضح وهو يبعد يده عن شعرها
((دعينا ننام وحسب يا ياسمين))
أسدل جفنيه بشدة وتلبك جسده شعرت هي به فاتسعت عيناها بذهول!
"ياسمين"!
أين هي باقي ألقابه ثقيلة الظل كـ "لوح الثلج".. "ابنة قلبي".. "ياسو".. أو أي لقب آخر غير ياسمين!
هل قالت شيئا أغضبه منها؟
تنهدت وهي تغمض عينيها وتدفن نفسها أكثر بأحضانه..
=============================
جلس مُؤيد على سجادة الصلاة في رهبة بعدما أنهى فرضه ثم تناول المصحف الشريف.. ولأول مرة يمسكه وهو يشعر بشيء من التردد.. كخوف من تدنيسه.. فذنوبه وعيوبه تحاوطه بالآثام، وتنهش ما تبقى من قلبه..
هو إنسان منافق.. يدرك نفاقه جيدا ثم يأتي في نهاية اليوم ليقف أمام إخوته ليدّعي الشرف ويتكلم على الناس من حوله من العصاة لله ومن يتخطون حدوده أو الخارجين عن عادات مجتمعهم! كأنه لا يفعل الأمرين بالخفاء..
بدأت تنساب الكلمات على لسانه بوجل فيرفع كفيه يتضرع لله ليغفر له ذنوبه بحقه.. ويبدي توبة وندما حقيقيا عازما بحق ألا يعود للسابق..
أطرق برأسه وأنفاسه تتهدج لتبدأ عيناه تلتمع بدموع طلب المغفرة من دون شعور.. وشظايا الندم تؤرق ضميره وتجلده..
بعد مدة أغلق المصحف الشريف، قبّل ظاهره ثم وضعه بمكانه قبل أن يلفه الذهول لوقوف ابنه الأصغر باسم عند عتبة الباب.. مستغربا سبب وقوفه هناك يراقبه بصدمة حتى انتبه أنه يناظر عيناه اللامعتين بالدموع..
فرفع أنامله بتلقائية يمسحها ثم يمد يده لصغيره يحثه الاقتراب فتقدم باسم بخطوات مترددة، يركع على ركبتيه أمامه قبل أن يمسكه مُؤيد من كتفيه ويجتذبه نحوه ويعانقه بقوة..
شعر باسم بقشعريرة تجتاح جسده.. لا يكذب إن قال بأن هذا الحضن هو الأول من والده!
مسح مُؤيد على شعر ابنه وهو يشعر به أخيرا بعد لحظات توجس يبادله العناق بل ويشدد من إمساكه فتحيطهما هالة من راحة عجيبة..
لثم باسم وجنته وهمس بحزن طفولي
((لا تبكي يا أبي، أنا أحبك، آسف على معاملتنا السابقة لك أنا وفهد))
رفرف مُؤيد بعينيه سريعا حتى لا يذرف الدموع هذه المرة فعلا! خاصة وأن باسم من يقول له ذلك، ابنه الشبيه به.. الأكثر صلابة والأقل عاطفية من شقيقه!
ابتسم له بصعوبة ثم تساءل بصوتٍ اخترق قلب طفله
((إذن هل ستعودان كالسابق معي أنتَ وأخاكَ، شقيان ومزعجان؟))
أومأ باسم له بلهفة كأنه مستعد أن يفعل أي شيء حتى لا يرى أي انكسار أو حزن يلف وجه أبيه القوي والشامخ والمتبختر بنفسه!
=============================
سجن النساء..
وأثناء وقت الزيارة.. تنهدت شيرين بحزن ثم قالت برجاء لسهر الجالسة أمامها خلف الزجاج
((توقفي يا سهر عن البكاء))
تمتمت سهر بغضب مكتوم
((أنا أكره قُصي أكثر من أي أحد آخر، كاذب.. لقد تعبت من كذبه.. أنا أكره الكذب وأشمئز من الكاذبين، ليتهم يعرفون كيف يبدون من وجهة نظر الناس..))
بترت ما تقوله تكتم شهقة ملتاعة ثم مسحت دموعها لتبوح بغتة باستغراب
((شيري.. لماذا لم تتفاجئي مما أخبرك به عن حقيقة قصي؟))
لم تكن جملة سهر الثانية إلا استنتاجا لحظيا بعد أن راجعت الكثير من المواقف والكلمات.. فتجلت بوادر الأسف غير النادم على وجه شيرين وقالت بعذر واهن
((صدقيني كنت لأفشي لك السر الذي طلب مني حفظه دون أن أبالي بغضبه.. ولكن هو من يتكفل بموضوع المحامي لذا..))
تشدقت سهر قائلة بمرارة
((حسنًا أنتِ محقة.. لقد استغل حاجتك في السجن لمحامي من طرفه حتى لا تفشي سره منقب الذهب ذاك.. أوه أقصد منبع الكذب فقد اتضح بأنه ورغم عدم ثبات حاله المادي إلا أنه ليس منقب ذهب))
أخذت شيرين نفسًا طويلا.. ثم قالت بصوتٍ هادئ
((لا يا سهر هو لم يجبرني أن أكتم سره بل طلب مني ذلك بتهذيب ولباقة، ووافقت، لقد كان يزورني كل ما يقارب أسبوعين ويخبرني قليلا عنكما، إنه يعمل على العودة لبيت عمه وإيجاد وظيفة أفضل.. ولن أنكر أني لو خيرت بينكما سأقف معه هو لا أنتِ، فقد عرفت حقيقة معدنه الفريد في هذه الفترة الصعبة من حياتي، لم أرَ شخصا بطيبته وسماحة أخلاقه في كل حياتي، وأنتِ ستكونين الخاسرة لو تركته لا هو))
ابتلعت سهر ريقها واستنكرت بصوتٍ أجش يعكس حريق قلبها الداخلي
((أنا الخاسرة! هل أنتِ جادة؟))
برقت عينا شيرين وهي تقول بثبات
((نعم ستكونين الخاسرة، ولا أنحاز لصفه لأنه كان أكثر إنسان معين بفترة كَرَبي فقط.. بل لأن له الفضل بعد الله بإقناع قريبك بالتبرع لوالدك))
اتسعت عينا سهر وقد تباعدت شفتاها قليلًا غير مصدقة.. لكن ما إن استوعبت أن قصي كان من حث قريبها التواصل معها ليتبرع لوالدها حتى بدأ قلبها يخفق بسرعة.. قبل أن تتألم عينيها وترق نظراتها..
فرسمت شيرين ابتسامة وأخبرتها بحنو
((يتّضح يا سهر الشخص الذي يحبك بصدق مِمَّا يبذله من جهد في طريقه للوصول إليك، وما أراه في قصي ليس شائعا في الرجال، إنه لا يقدر بثمن))
نكست سهر رأسها وهي تشعر بتيه تأست له الأخرى التي عادت تخبرها بحنق
((أريد أن اخرج من هنا على خبر حملك يا باربي، هل تسمعين؟))
هدرت سهر برفض قوي رغم ارتجاف صوتها
((أي حمل هذا! أنا لن أتزوج قبل أن تخرجي وتأخذي فترة نقاهة.. أريد أن أقوم بجلسة تصوير لكلانا وأنا أرتدي الثوب الأبيض!))
قوّست شيرين حاجبيها بقوة.. لقد فعل قُصي من أجلها الكثير وأقل ما تفعله الآن هو إقناع سهر بالزواج منه في الغد بل الآن دون الانتظار أكثر من أجلها!
فوجدت ملامحها تضج صرامة أشد وهي تقول
((وماذا لو طال الأمر بي بسبب إجراء معقد ظالم آخر! ثم لو خرجت فلن أكون متفرغة لجلسة صورك بل سأكون في إحدى المصحات أتعالج من الهناء الذي لقيته هنا، كفي عن هذه السخافات وجلسة التصوير سنقوم بها إذا ما سنحت لنا الفرصة لاحقا))
ثم انتفضت شيرين واقفة تقول بأسلوب لا يحمل المزاح
(هذه آخر مرة أقبل حضورك لزيارتي أنتِ أو قُصي.. أخبريه هو الآخر أن لا يأتِ لهنا ويجهز لشهر عسلكما))
=============================
أغلقت رتيل الهاتف بعدما أنهت مكالمتها مع ياسمين ووضعته جانبا.. بعد أن خرجت غنوة من حياتها وتوقفت عن الخروج عندها لم تعد تجد ما تقوم به إلا التحدث مع زوجات أشقاء مُؤيد! سمية وياسمين..
وعندما تسأل ياسمين عن أخبار القصر ومن فيه وأخبار عائلتها تجدها تشتكي بعفوية من زوجها النزق الذي يصر عليها أن تخرج وتتنزه بل ويضغط عليها أحيانا بفكرة إكمال دراستها أو تعلم القيادة رغم أنه نفسه لا يملك سيارة.. فتحس بلا قصد بالغيرة منها.. فزوج ياسمين مغمور بالحماس نحو الانفتاح الإيجابي للحياة، أمَّا هي تعيش مع رجل يدفنها بحياة متزمتة ويمنعها من التنعم بالحرية وتجربة ما تريد..
لماذا لا يتلاءم الأفراد المتشابهين أنفسهم في الحياة!
زفرت رتيل أنفاسًا كانت تجيش في صدرها ثم خرجت من غرفتها ومرت من غرفة مُؤيد لتجده أمام المرأة يهندم ملابسه.. تأملته بتمعن لتجده بكامل أناقته ببدلته السوداء وقميصه الأبيض المبرز لعضلات صدره، ويرتدي بقدمه المجبرة جزمة سوداء لا تفسد أناقته، وعكازه الملازمة ليده يضعها جانبا كأنه شفي من إصابة ساقه فجأة!
اتسعت مقلتي رتيل باضطراب وقد أدركت الآن فقط فحوى مكالمته السرية في الأمس مع أمه التي أجراها في غرفته وأغلق خلفه الباب..
إنه ذاهب الآن لخطبة صبر.. ابنة أبي أحمد!
وهنا وجدت نفسها تغمغم بغيظ يكاد يلتهمها
((انظر لحالك كيف تتأنق كأنك عريس لأول مرة! يبدو أن طلاقنا الثاني سيحدث سريعا، أسرع مما توقعت))
جفل مُؤيد على صوتها واضطربت ملامحه عن كيفية معرفة زوجته النبيهة عن وجهته الآن!
كانت ترمقه بصدمة ممزوجة بألم حارق هزَّ كيانه لكنه قاوم كي يبقى جامدا كالصخر ثم قال بحزم مصطنع يواري في توتره
((رغم أنك أيتها الشريرة ترفضين إطعامي وتغذيتي إلا أني سأكون أكرم منك وأدعوك إلى حفل زفافي وسأقيم بوفيها كبيرا على شرفك أنتِ))
أظلمت ملامحها لكن تابع مُؤيد يحرق قلبها لا لشيء إلا لإثارة غيرتها وجرحها كما تفعل دون أن تشعر عندما تكرر طلب الطلاق
((ستكونين مجبرة على حضوره فكما تعلمين ولديك الرائعين فهد وباسم غير قادرين على رفض تلبية أي دعوة لأي مناسبة تقدّم بوفيهًا مفتوحًا حتى لو كانت عيد ميلاد ابنة عم جارة خالهم))
كورت رتيل يديها بغضب مستعر من سخريته السوداء ثم تشدقت بصوتٍ لاذع
((ولديّ ليسا كما تصورهما، بل هذا أنتَ الذي يطلق لحظة رؤيته بوفيها مفتوحا أصوات البهجة، ثم تسن أسنانك، وتقرع معدتك طبول الحرب معلنةً استعدادها للمجاعة التي ستفرضها عليها استعدادًا لتدلُق صواني الطعام فيها))
امتقع وجهه فزمجرت به بعصبية وقهر متشعشع في قلبها وروحها
((هيا اذهب الآن واخرج من هنا فلم أعد أطيق وجودك))
حدَّق مُؤيد بزوجته الثائرة بتشتت فاكتفت أن تمشط هيئته بازدراء قبل أن تنصرف..
صفقت باب غرفتها بعنف خلفها لترتمي على الأريكة ثم انهمرت دموعها مدرارا كالأمطار الغزيرة بينما قلبها ينكمش بألم يكاد أن يقتلها.. ظلت تبكي وتبكي قبل أن ترفع عينيها تستنجد الله أن يطفئ لهيب قلبها حتى تستطيع أن تمضي حياتها قدما.. لعل الخير يكون في طلاقها منه..
=============================
في سجن النساء..
توجه مُعاذ إلى مكتبه حيث يفترض أن أم محمود طلبت منه دخوله مع شيرين بذريعة إجراء مكالمة لتطعمها من علب طعام منزلية أحضرتها من البيت لها.. وفكر أنه يتمنى حقا لو كان متاحا خرق الأنظمة أكثر حتى يتسنى له أن يجلب لها كل ما لذّ وطاب..
طرق مُعاذ الباب ينبههن لوجوده ثم توغل للداخل ليستغرب من وجود شيرين وحدها جالسة على الأريكة، رفعت رأسها له مبتسمة بترحيب بينما تمسك علبه الطعام والملعقة.. فانتبه أنها لا تزال ترتدي الأصفاد على رسغيها فقال باستياء
((إذا كانت أم محمود تخشى تركك وحيدة بدون أصفاد كان عليها البقاء هنا وانتظارك حتى تنهي الطعام، ليس من المعقول أن تأكلي بها.. أين هي المفاتيح لأفتحها لك؟))
هرعت شيرين تنفي بلهفة
((لا، لا داعي لفتحها، أم محمود كانت مضطرة للمغادرة وأنا من أصريت عليها إبقاء الإصفاد خوفا من قدوم مباغت لأحد، وحدوث متاعب لها))
رفع مُعاذ حاجبيه بتسلية فعاتبته شيرين برقة
((أم محمود باتت تخجل أن تضع الأصفاد بيدي أثناء نقلي لأي مكان لأنها تراك لا تفعل ذلك، وهكذا سيتضاءل حس المسؤولية والحذر لها رغم سنين عملها الطويلة هنا وربما تقوم بنفس الشيء مع نزيلات أخريات بدافع الإشفاق أو التعاطف، وإذا ما استغلت إحدى النزيلات هذا الأمر لإثارة مشاكل لها ستوقعها بورطة.. أطلب منها أن تكون حازمة معي كما الجميع))
أسدل مُعاذ جفنيه راسما ابتسامة خلابة زادت من ملامحه الرجولية جاذبية.. قبل أن ينتبه لشيرين تحين منها نظرة على جزء ظاهر من الدمية الكبيرة داخل الكيس المغلف.. لا بد أنها لاحظتها منذ أن دخلت هنا واستغربت وجودها في مكتب لرائد صارم يعمل في السجن فبدد فضولها
((هذه الدمى لدارين))
لفتها الدهشة قائلة
((أليست كبيرة على هذه الدمى!))
ثم تغيرت ملامحها كمن تذكر شيئًا
((بل هل تعرف ماذا! جنس حواء لا يكبر على شيء، فقد تذكرت صديقة قديمة لي تحب اقتناء وشراء الدمى إلى سنها هذا))
هزَّ مُعاذ رأسه للحظات ثم قال
((الأمر فقط أنها الآن تعيش معي في شقتي وغدا سآخذها لموعد من أجل تقويم أسنانها، هي تشعر بالخوف قليلا عند زيارة الطبيب أو دخول المستشفيات.. وأحب أن أشتري لها هذه الدُمى حتى أخفف من خوفها))
ابتسمت شفتا شيرين له لكنها لم تر الابتسامة في عينيه.. بل كان هناك تعبير دفين فيهما كأنه الحزن.. بينما يكمل بصوتٍ مزيج بالشجن
((لقد كانت دارين بالثالثة عندما توفيت زوجتي رحمها الله وكانت تحاصرني كثيرًا بالسُّؤال عن اختفاء أمها كأين ذهبتْ؟ ومتى ستعود؟ ومِن شدة ارتباكي كنت أجيبها أنها في المستشفى، لهذا تخاف من ذكر المستشفى وأحيانا يتحول الخوف عندها إلى نوبات هلع وبكاء وصراخ بمجرد رؤية "المعطف الأبيض"!))
كانت تصغي له بمشاعر متخبطة بين شعور بالشفقة والحزن والرغبة بالمواساة.. نعم أرادت حقا أن تواسيه ولو بكلمة لكن الحروف لم تسعفها لتعبر عن خلجاتها.. لكنها تمكنت أن تتمتم بعد دقائق بخفوت
((أنتَ والد رائع))
نظر لها مُعاذ بانشداه ثم قال بقنوط
((لا، لا، لست كذلك، بل أنا مقصر جدًّا في حقها.. ولهذا حاولت جلبها لتعيش معي رغم أنه من الخطر بقائها فيه وحيدة عندما لا أتواجد، لكني ضعيف أمام حزنها..))
رمته بابتسامة جميلة ثم أخفضت رأسها تتابع أكل الطعام بصمت فتحرك مُعاذ يجلس خلف مكتبه يسألها
((كيف هو حالك بالعنبر الجماعي الذي دخلتيه؟ تعرفين بأني اضطررت أن أعيدك رغما عني ولو عليّ لأبقيتك بالانفرادي حتى أخر أيامك هنا، لا وبالنسبة الحشرات فقد أخطرت منذ مدة إدارة الحشرات بوازرة الصحة لإرسال حملة لإبادتهم، أخبريني إذا احتجت لشيء أن أحضره لك، فلن أستطيع رؤيتك يوميا))
ادعت شيرين التفكير للحظات ثم قالت مدعية الحيادية
((ضع لي على لائحة العشاء أنواع بيتزا كالبابروني وجهز العنبر بأجهزة التبريد والإنترنت.. هذا ما احتاجه في الوقت الحالي))
ما إن أنهت شيرين الحديث حتى انفرجت ضحكات من القلب من كليهما.. على تفكهها باهتمامه ومعاملته الاستثنائية معها قدر الإمكان في مثل هذا المكان الموحش المظلم الذي يمتلئ بالمظاليم..
هي فقط ساعة أو ساعتين عندما تكون برفقة مُعاذ أو أم محمود ما تجعلها تشعر في المكان القاسي أنها إنسانة تعامل على هذا الأساس..
اختنقت داخل عينيها العبرة لكن لجمتها بسرعة بإغلاقهما للحظات قبل أن تتابع أكلها بصمت تستلذ طعمه.. رباه.. منذ متى لم تأكل طعام منزلي جيد الصنع!
مجددا كانت تخنقها العبرة لتقول بصوت مثقل بالأسى
((لا تعرف كم يعني لي ما تفعله! أنا سأخرج من هذا المكان نفس الإنسانة التي دخلته والشكر لك..))
ترققت نظرات مُعاذ ثم قال بهدوء يواري تأثره بكلامها
((أنا أحاول أن ألبي طلباتك وباقي طلبات النزيلات في حدود السلطة المتاحة لي والتعليمات التي تصلني.. ربما ستمر الأيام الأخيرة لك هنا كالسنين، لكن حاولي أن تغتنميها بما يفيدك حتى تقللي من وطأة الانتظار وستمضي هذه الأيام وستكونين شاكرة على مرورك بهذه التجربة التي جعلتك أقوى))
رفعت شيرين يدها تمسح دمعة خائنة كادت أن تخرج من محجرها بينما تقول بابتسامة تداري ألم صراحتها القاتمة
((لا لن أعتبر هذا الأمر نجاحا، أعني أنا فقط أحب أن أسمي الأشياء بمصطلحاتها الصحيحة.. الإخفاق هو الفشل.. قصدك بأن سجني هو فرصة لي للتعلم لا يخفف من مرارة إحساسي ولن يرد الأشهر التي انقضت هباءً.. فأنا خسرت من نفسي ما لا يعوضه تعلم كل خبرات الدنيا.. ولكن الحمد الله دائما وأبدًا على كل حال..))
أطلق مُعاذ نفسا مكتوما ولم يعرف في البداية ماذا يقول لها.. وقف من مكانه نحو ثلاجة صغيرة متواجدة عند الزاوية وأخرج عبوة عصير معطيًا إياها لكنها أومأت له نافية بامتنان.. فعاد يقول لها بنظر شارد وهو يتكئ على الجدار بجانب النافذة
((من خبرة مجال عملي في السجون بعد كل هذه السنوات ولو أتيح لي كتابة سلسلة مقالات حول "مراكز الإصلاح والتأهيل"، بما يعزز "سيادة القانون" التي لا أنفك عن المطالبة بها فلن أنتهي أبدًا، ولكن سأظل أفعل ذلك عسى أن تلقى آذانا صاغية لكل من يعنيه الأمر من صناع القرار، وبخاصة في وزارتي الداخلية والعدل))
أنهي مُعاذ كلامه تزامنا مع دلوف أم محمود هاتفة
((هل انتهيت يا شيرين من..))
بترت كلامها عندما لاحظت وجود مُعاذ لتلقي عليه التحية العسكرية.. فابتسم مُعاذ بود لها.. لكن بدا أن أم محمود ممتعضة جدًّا من تواجده في نفس المكان المغلق مع شيرين وعرف مُعاذ خطأه هذا.. فقالت لشيرين التي لم تنهِ علبة طعامها
((توقعت أن تكوني قد انتهيتِ))
اتسعت حدقتا شيرين ثم تمتمت لها بكلمات الاعتذار وهي تمسك الملعقة وتعود وتأكل منها بنهم حتى لا تثقل عليها وتنتظرها أكثر..
دعا مُعاذ أم محمود للجلوس ثم تساءل بعفوية محاولةً لجعل شيرين تمضغ الطعام بتأني وبطء
((إذن ستتزوج صديقتك المندفعة تلك سهر؟))
هزت شيرين له مبتسمة لتقول أم محمود بطيبة وببشاشة
((مبارك لها والعقبى لك يا شيرين))
رفع مُعاذ إحدى حاجبيه مغمغما بتلاعب غير مألوف فيه
((وأنا لماذا لا تدعين لي بنفس الشيء؟ كوني أرمل يعني أني أعزب أيضًا يا أم محمود))
شهقت أم محمود وطالعته تقول بأحر وصدق تمنيات
((وهل هناك أجمل على قلبي من رؤيتك عريسًا مرة أخرى يا سيادة الرائد؟ فليرزقك الله الزوجة التي تسر قلبك وخاطرك وتسعدك وتفهمك وتحن على ابنتك..))
انشقّ عن مُعاذ ابتسامة جانبية وقال
((اختصريها وقولي شيرين))
كانت شيرين تتجرع من كأس الماء عندما فجأة جحظت عيناها وشرقت أثناء شربها.. قبل أن يتزلزل كيانها وترتجف يداها وتسقط الكأس أرضًا وتتهشم لشظايا بسبب قيد يديها الاثنتين..
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!