لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الخامس والثلاثون
اخترقت عبارة مُعاذ أذن شيرين كرصاصة طائشة جعلتھا تسعل في كوب الماء الذي كانت تتجرعه بنهم فاندفع بقلق نحوها كما أم محمود بدأت تربت فوق ظهرها بلطف
((صحة يا شيرين صحة، هل أنتِ بخير؟))
حاولت شيرين أخذ نفسا من بين لهاثها لتغمغم بوهن
((ربَّاه شعرت أني أحتضر))
قال مُعاذ بخوف عارم استشعر به عليها
((عسى الله أن يبعد أي مكروه عنك، هل أنتِ بخير الآن؟))
لوحت أم محمود بيدها لمُعاذ وهي تقول برفق
((دعها تهدأ قليلا يا سيادة الرائد وترتاح))
كان وجه شيرين يزداد احمرارا لا تعرف من اختناقها بالماء أو من قرب مُعاذ لتقول بخفوت من بين سعالها
((أنا بخير.. بخير..))
أمسكت أم محمود كتَّف شيرين برفق تحثها قائلة
((هيا انهضي يا شيرين لتعودي للعنبر))
استقامت شيرين بساقين رخوتين كالهلام قبل أن توافقها
((نعم أنا بحاجة حقا للذهاب من هنا))
ناظر مُعاذ طبق طعام شيرين الذي لا زال ممتلئا ثم قال
((لا، ابقيا هنا وأكملي طعامك يا شيرين وأنا من سأغادر، فكي قيد الأصفاد يا أم محمود حتى لا يتكرر ما حدث))
ثم انتشل منديلا من جيبه يناوله لشيرين قبل أن يغادر..
حرَّرت أم محمود يدا شيرين من قيدها وقبل أن تعود للأكل صوبت نظرها للمنديل الذي أعطاه مُعاذ لها واتضح أنه مشبع بعطر خاص.. بعيدا عن أنظار أم محمود قربته من أنفها تستنشق رائحته الزَّكية..
=============================
بيت أبي أحمد..
رغم فرط توتر صبر ابتسمت تتلمس التفهم
((يا خالة زاهية أنتِ تعرفين أنى لن أقصر بباسم وفهد بعد زواجي من ابنك وسأعتبرهما من صلبي، ولكن أريد منك ضمانا بأني سأكمل دراستي بالجامعة، فأنا في سنتي الأخيرة!))
كانت زاهية مستعجلة على زواج صبر من ابنها مؤيد فغمغمت باستياء
((جامعة! هل ستكملين دراستك يا صبر بعد زواجك من مُؤيد؟ لكن ما نفع الجامعة وأنتِ لن تعملي بشهادتها))
مالت والدة صبر تهمس في أذن زاهية
((سترفض ابنتي الزواج لو أخبرتها ألا تكمل تعليمها، وافقي على هذا الشرط، وبعد الزواج ستقرر من تلقاء نفسها ترك الجامعة وصب اهتمامها على زوجها وأولاده عندما تدرك عظم مسؤوليات الزواج))
احتقن وجه صبر بالغضب لِمَا يتناهى إلى سمعها.. لكن حثتها بلطف ومودة زاهية التي اقتنعت بكلام والدتها وهي تطبطب فوق كتفها
((على كلٍ، اذهبي يا صبر واجلسي مع ابني وتعارفا قليلا، لا أطيق صبرا حتى تدخلي قصرنا ككنَّة))
قوست صبر حاجبيها لكن رضخت لطلبها وبارحت المكان نحو غرفة الضيوف حيث يتواجد مُؤيد.. ببطء وتأنٍ تجاوزت عتبة الغرفة لتجده جالسا بظهر منحني ووجه ممتعض، شارد الذهن..
زفر مُؤيد بضيق دون أن ينتبه لجلوس صبر مقابله.. كان في أشد استيائه من أمه يفكر بأيسر طريقة لإخبار صبر أنه لا يرغب في الزواج منها وجاء بنفسه ليوضح لها ذلك حتى تعرف أن لا علاقة له بإصرار وإلحاح أمه عليها.. في النهاية نفذت طاقته لمجاراة أمه..
تنحنحت صبر مكانها تجتذب انتباهه.. فتحررت تعابيره من التشنج ورفع وجهه لها منتبها على وجودها أخيرا..
أزالت صبر التحفظات ولم تحاول الكذب أو المراوغة قائلة وهي تكتف ذراعيها
((سيد مُؤيد لنكن واضحين، أنا أعرف أن والدتك أجبرتك على المجيء هنا.. لكن مالا تعرفه أني مجبرة أيضًا على مقابلتك، فأنا لا أريد ترك دراستي من اجل الزواج برجل يعيل طفلين ويكبرني بالكثير! ليكن الرفض من الطرفين وسننهي هذه المعضلة..))
تدلى فك مُؤيد والصدمة تكتسحه! أخذ الأمر منه دقائق ليستوعب ما تفوهت به وسرعان ما تمتم بانتشاء
((أنتِ فتاة مذهلة))
ابتسمت صبر بترفع تخبره
((اتفقنا إذن..))
.
.
في داخل الغرفة الأخرى وبينما تنتظر زاهية انتهاء الرؤية الشرعية التفتت لأم صبر تخبرها بهدوء ظاهري
((بالمناسبة هل أخبرتك أني سأكتب باسم ابنتك إحدى المزارع ذات المساحة الصغيرة كمهر لها بعد زواجها من مُؤيد!))
جحظت عينا أم صبر باستهجان وكاد يسيل لعابها وهي تتمتم
((ماذا!؟ مزرعة من مزارعكم!؟ هل أنتَ جادة يا حاجة!؟))
وضعت زاهية فنجان قهوتها على الطاولة ثم قالت بنفس الهدوء
((نعم ولكن هناك شيء عليك أن تعرفيه، لقد قررتْ زوجة ابني الرجوع له من أجل الأولاد فأعادها على ذمته، لكن سيكون مجرد زواج صوري من أجل الأطفال..))
اضطربت ملامح أم صبر فقاطعت زاهية وهي تستشيط غضبا
((ماذا! عادت رتيل لمُؤيد! لكنك قلتِ بأنها رافضة العودة له! هذا لم يكن اتفاقنا يا حاجة، أنا لا أقبل على ابنتي أمر كهذا مهما كانت هوية من سيتقدم لها..))
ظهر الامتعاض في نبرة زاهية المتفاجئة من ردة فعلها
((لكنه أعادها فقط من أجل طفليه..))
قاطعتها أم صبر مجددا بجفاء وهي تقف من مكانها
((الآن فقط عرفت سبب عرضك كتابة الأرض باسم ابنتي، لكن طلبك مرفوض يا حاجة))
امتقع وجه زاهية بالحرج والخزي وهي ترى والدة صبر ترفض طلبهم الزواج بابنتها بهذه الطريقة المهينة..
.
.
في طريق العودة..
كان سائق العائلة يقود السيارة وزاهية وابنها جالسان في المقاعد الخلفية عندما قالت له بغتة بصوتٍ يرتجف غضبا
((سأبحث لك عن عروس أخرى أفضل وأجمل من صبر))
قال مُؤيد ونظره يشرد بالنظر إلى عبر زجاج النافذة
((أمي هذه هي آخر مرة سأطاوعك، مرة أخرى سأرفض دون أن ألتقي بالجماعة ولن أهتم بمظهرك أمامهم))
غمغمت زاهية بتعنت ورعونة
((بل ستتزوج يا مُؤيد وإلا قد أنفذ تهديدي وأخبر والدك))
التفت مُؤيد يُعلمها بوجه حازم دون أن تهتز منه شعره
((أخبريه يا أمي، أخبريه.. لكن لا تلوميني بعدها فيما قد أفعله! لأن أقل ردة فعل ستصدر مني هو أني سأهج مع رتيل والولدين للخارج ولن تخطو قدمي البلاد مرة أخرى، وسأقطع جميع اتصالاتي بكم..))
حدَّقت زاهية في عيني ابنها باضطراب جمّ تكتمه ثم أشاحت بوجهها بعيدا عنه بنفور..
=============================
في المطار..
رفعت تمارا منديلها تمسح دمعة قهر خرجت من مخبئها.. أحاط زوجها بكتفيها قائلًا
((لماذا تبكين يا تمارا؟ يجب أن تكوني سعيدة بذهاب ابنتك لشهر عسلها مع زوجها، إنها مناسبة سارة لكليهما تستحق الفرح))
كاد قهر تمارا ينحر قلبها وهي تتحدث بحسرة
((كل صديقاتي وعضوات المجتمع الرَّاقي يسخرن منى ويتساءلن فيما بينهن عن حاجتنا لإطالة خطبة سهر لثلاث سنوات ما دمنا لن نعد لها حفل زفاف في النهاية، الكثيرات منهن يتهمنني بالتفريط بابنتي الوحيدة لأني قبلت تزويجها بهذه الطريقة))
انفلت لجام تحكم تمارا وبدأت تجهش ببكاء حار..
لقد رأت الفيلا التي يمتلكها قصي وستعيش بها ابنتها وهي أقل بكثير من المستوى المتوقع.. لقد انتهى الحال بابنتها متزوجة من رجل عائلته ذات صيت كبير بالاسم فقط وظاهريا..
تنَّهد فايد ليغمغم رغم اعتياده على سطحية زوجته المهتمة بالمظاهر
((إذا كانت والدة قصي ذات الشأن العظيم وزوجة من أهم شخصيات المجتمع الرَّاقي كما تقولين وأم الشاب الذي تزوج ابنتنا لم تبدِ أي اعتراض، فلماذا تهتمين أنتِ!؟))
أخذت دموع تمارا تسيل وتسيل مغمغمه بحرقة قلب
((هذا لأنها لا تعتبر أحدا من أبنائها ابنًا لها غير ابنها من السيد فارس القاني، أما نحن فمن لدينا غير سهر!))
زفر فايد نفسا آخر كان يجيش في صدره وتمتم
((لهذا فقط.. كوني سعيدة من أجلها))
لكن لم تستطع تمارا إظهار السعادة من أجل ابنتها ولو زيفا.. فقد شعرت أن كل جهودها خلال السنوات الماضية ضاعت هباءً منثورا.. إذ أنها منذ نعومة أظافر سهر كانت حريصة كل الحرص على جعلها ترافقها لوحدها دون رفقة ذكر أو صديقات لحضور الفعاليات الخيرية، والمزادات المشهورة ومباريات الرياضة الراقية ومطاعم الفنادق الفاخرة والمعارض الفنية والافتتاحيات من أفضل الأماكن التي قد يتواجد فيها أبناء الأثرياء..
حتى أنها أحيانا كانت تضطر أن تتطوع إذا لم تستطع تحمل تكلفة الفعاليات التي تتطلب دعوةً أو تذكرةً..
لتفجع الآن بالحال الذي انتهى بها مع قصي!
.
.
خرج نفس عميق من سهر بوجل عند انطلاق الطائرة، لتشُّد بكفها على يد قصي بلا شعور، غافلة عن الابتسامة التي شقت ثغره لاحتمائها به كالعادة في كل مرة يسافر معها..
عندما لاحظت يدها الموضوعة فوق يده سحبتها فورا وكانت لا تزال تشعر بشيء من الاستياء تجاهه، خاصة وأن استيعاب خداعه لها لا زال يحتاج منها المزيد من الوقت لتتكيف معه وتغير من مشاعرها وتفكيرها ناحيته.. قالت فجأة له وهي تناظر وجهه
((قصي من الآن فصاعدا إذا احتجت أي شيء من النقود أخبرني، لأني أفكر بوضع حساب بنكي مشترك بيننا))
تغضن جبينه واعترض بنبرة قاطعة
((هل جننت! يستحيل أن آخذ منك فلسا، أنتِ تهينني هكذا))
ازدردت سهر ريقها ثم قالت بتلكؤ
((أنا فقط قصدت.. أعني في الماضي كنت أظنك منقب ذهب لكن بعد أن عرفت كيف سرق عمك حقك وعرفت أن أبي كان لديه علم بكل شيء يخصك منذ البداية اختلف الوضع))
حاول أن يتحلى بالصبر وهو يقول برفق
((سهر مهما يحدث أنا لست بحاجة لأخذ قرش منك، وفي حال اللجوء للاقتراض منك كحلٍ أخير، سأضع الأمر في إطار العمل بصورة دَين موثَّق بتعهدات مكتوبة))
تجلت ملامح الانزعاج عليها فأكمل وهو يحتضن كلتا يديها
((سهر لا تقلقي، عملي كعامل بناء مؤقت.. أنا أفكر أن أدخر كل النقود التي ستعطيها أمي لي كمصروف شهريا حتى أؤسس مشروع خاص بي ثم أضع كل مجهودي فيه، وقتها فقط لن آبه لأي عقاب يحل بي من عائلتي يهددون فيه بقطع المال عني))
طالعته بدهشة غزتها وتساءلت
((وماذا سيكون المشروع الذي تخطط لإنشائه؟))
زمّ شفتيه بتفكير قبل أن يشاركها أفكاره
((لا أدري، أريد أن آخذ وقتي بالتفكير حتى أتدبر المبلغ، لكن حتما سيكون متعلق بالرياضة فأنا قضيت معظم حياتي في النوادي الرياضية وأفكر أيضًا أن يكون في الخارج فأنا كما تعرفين أمضيت معظم حياتي هناك))
رفرفت بعينيها متفاجئة من خططه المباغتة لتقول بشيء من التردد
((أعشق السفر كما والديّ، ومعظم أقاربنا في الخارج لكن لا أدري بخصوص العيش هناك))
أخذ نفسا عميقا وقال بتشتت ممزوج بشجن الماضي
((كلها مجرد خطط مبدئية، لكن أريد أن تضعيهم خيارا متاحا أمامنا، أساسا عدت للبلاد فقط لأعمل بشركة عائلتي قبل أن أتعرف عليك تزامنا مع قراري بالاستقرار هنا.. وفقط حينها عرفت كيف يمكن أن تدفعك امرأة تشبه الباربي أن تحب بلادك..))
لاحت على شفتيها المكتنزتين ابتسامة جميلة وهي تعقب
((أحيانا أظن أنك لا تهتم إلا بشكلي))
رفع يده يلامس خصلاتها الذهبية ويقول بنبرته الخاصة
((في البداية نعم صحيح، لفتني جمَالك عندما رأيتك في النادي أول مرة، لكن لم أكن لأتخذ أي خطوة تجاهك قبل أن أتأكد من أنك تشبهين روحي))
كان ينظر بزرقة عينيها اللامعة بينما يردف بفكاهة
((كنت مثلي تماما فتاة لها نفس اهتماماتي الخاصة في السفر ومنفتحة على العالم والثقافات المتعددة لا تفكر سوى في الاستمتاع بوقتها أكثر مما ينبغي، كنت خائفا أن تكون كل فتيات المجتمع الراقي شبيهات بأمي لا يفكرن إلا بحضور الفعاليات الاجتماعية المليئة بالنفاق!))
ثم ازدادت ابتسامته الخلابة وهو يؤكد عليها بمرح
((حياتنا بعد الزواج لن تختلف.. سنذهب إلى كل مكان.. سأظل معك نجرب السباحة والغوص، وصعود الجبال، والتخييم في العراء والإبحار في يخت كما كنا نفعل سابقا))
اجتاح شيء من الدفء والتفاؤل قلب سهر لحياتها المقبلة مع قصي.. إذ أنها لا تنكر أن ما جعلها تقرر العودة له بلا إطالة ومن دون حفل زفاف، هو دوره في حث قريبها التبرع لوالدها.. لكن الآن هي سعيدة لأنها بقرب الرجل الذي تحبه من أعماق قلبها كما لم تحب أحدا يومًا..
=============================
وضعت رتيل الهاتف على أذنها الأخرى وهي تقول
((نعم لا تقلقي يا سمية أنا بألف خير، لم تختلف حياتي شيئا منذ انتقالي إلى هنا مع زوجي للمدينة، بكل الأحوال أنا محبوسة بين أربع جدران))
وصلها صوت سمية المفعم بالسعادة من أجلها
((المهم أنكما عدتما لبعضكما وفيما عداه يهون))
همهمت رتيل قبل أن تعلمها بصراحة خطيرة
((لقد عدنا صحيح، ولكن ربما نتطلق من جديد))
خرج صوت سمية مصدوما وأسرها الذهول لدقيقة قبل أن تردد
((طلاق مجددا؟ ألا يمكن أن تحلا مشاكلكما بدون طلاق يا رتيل؟ ولو من أجل الأولاد؟))
تنَّهدت رتيل ثم هدرت بإنهاك واستسلام
((لا شيء يمكن فعله صدقيني إن لم يقرر مُؤيد أنه أيضًا عليه أن ينقذ الزواج فيبذل معي كل جهده في البحث عن حلول لنا، ويحاول أن يصارح ولا يتكبر عن الاعتراف بتقصيره وخطئه، ولا يستهين باحتياجات كل واحد منا))
صمتت رتيل للحظات ولمعت عينيها بحزن.. لطالما حاربت وحدها لسنوات الصدع بحياتهم الزوجية وهرعت لاهثة لرأب ذلك الصدع وحدها لئلا يتهاوى جدار الزواج.. كل هذا ومُؤيد يتأملها مستنفذة ومنهكة القوى، وكله ثقة من أنها لن تطلب الطلاق مهما حدث وهذا ما جعله يصل إلى الحال الذي وصل إليه.. لكن عرفت كيف تسيَّر أمورها ولم يعد شبح الطلاق يرعبها..
نفضت عنها غبار الماضي وعادت للواقع تسترسل
((أهم شيء أن أجد عملًا بعد الطلاق، متى ما وجدته ستحل مشاكلي، سأنطلق في الحياة وسأشترك بنادي رياضي وسأخسر بعض كيلوغرامات زائدة، سأراجع عيادات البشرة لأخضع لجلسات مختصة لعلاج الشعر والعناية بكل شبر في جسدي من نعومة وتفتيح.. العطل ستكون لحمامات البخار والساونا والجاكوزي.. سألتحق بأي معرض أسمع عنه أو متحف.. المهم أني سألتفت لحياتي ولن أعيشها وفقا لما يطلبها مني أحد بل للظروف التي تحيط بي))
كانت رتيل تتحدث وتفضى كل ما تخطط له غافلة عن مُؤيد الذي كان قد عاد قبل قليل ويتوارى خلف الباب يسترق السمع لمحادثتها الهاتفية..
أغلق مُؤيد جفنيه يأخذ نفسا عميقا يحاول فيه تمَالك غيظه! كان يشعر بقلبه يتقلب من القهر والضيق وهو ينصت لزوجته تتحدث بحماس لهف مع زوجة أخيه عن خطط ما بعد الطلاق وكيف ستشغل نفسها بأمور تسعدها وتفرحها لم تكن تستطيع القيام بها وهي على ذمته..
أطلق نفسا بائسًا وهو يرخي ربطة عنقه.. ثم مرّ من الصالة ليجد فهد يمسح منضدة الطعام بعد أن انتهى من تناول الغداء فسارع يسأله بود
((كيف حالك يا فهد؟ هل كنت تأكل الطعام؟))
عقد فهد حاجبيه لسؤال أبيه غير المسبوق وأجابه بضجر
((نعم كنت آكل وأشاهد برنامج كرتوني مع باسم وانتهينا الآن فقط))
رمى فهد جوابه ثم اتجه مسرعا إلى المطبخ يغسل يديه ثم إلى غرفته ليشرع بالدراسة.. لكنه قبل أن يفتح الكتب تفاجئ من لحاق أبيه به كأنه يحاول استبقاؤه بأي عذر ليسهب بالكلام معه..
سأله مُؤيد عن اسم البرنامج الكرتوني الذي كان يشاهده فذكر فهد اسمه بضيق، وسأله عن قصة هذا البرنامج فأجابه بنفاذ صبر، وسأله ماذا أكلوا على الغداء فأخبره متبرما..
كانت كل إجابات ابنه فهد مختصرة أيَّما اختصار وبنبرة مشوبة بالاقتضاب كأن الاستمرار في الحديث معه عمل مجهد وهو لا مزاج له فيه لأن عليه أطنان من الواجبات المدرسية ولا ثانية أخرى يمتلك لتضييعها في هذا الحديث التافه..
احتقن وجه مُؤيد بالامتعاض من ولده ثم بعثر شعره هاتفًا بانفعال
((حسنا لا تتبرم، سأغادر المكان لأدعك تكمل دراستك قبل أن تهرب منك))
كان صوت مُؤيد يشوبه جرح كبرياءه وقلبه يختلج ألما لاختلاف معاملة ولديه معه.. إنهما حرفيا لا يطيقان التحدث معه على عكس الرحابة ومنتهى سعة الصدر في حديثهما مع أمهما بكل شاردة وواردة تحدث في يومهم!
فجأة وخز تأنيب الضمير والذنب قلبه!
تصرف ولديه معه هو حقا رد فعل منطقي.. فهو لا يذكر ولو مرة أنه قد بادر لسؤالهما عن حالهما أو قام باصطحابهم معه لنزهة.. بل كان بقلة ضمير وإهمال أبوي يخرج مع ابنتي إخوته بالسَّر وبعيدا عن أبصارهما بذريعة أنهما مزعجان والصبيان لا يجب أن يدللوا أبدًا.. =============================
في مجلس النساء..
كانت قد طلبت زاهية من المرأة التي تأتيها شهريا للاعتناء بشعرها القدوم والقيام بعملها لعل أعصابها المتشنجة تسترخي بسبب الكلام الذي ألقاه مُؤيد في وجهها..
أنهت المُصففة عملها ثم غمرت أصابها بشعر زاهية البُني المائل للاحمرار وهي لا تخفِ إعجابها به كالعادة
((ما شاء الله كم هو شعرك جميل يا حاجة، كثيف وخلاب أكثر من شعور بنات العشرين))
رفعت ياسمين نظرها عن القماشة التي كانت تطرز فيها ثم بدأت تحدق بشعر حماتها الكثيف الذي لا يتوقف عن الاستطالة حتى بعد منتصف ظهرها ولا زال ملفتا بلمعانه.. وسرعان ما تجلى الإحباط على وجهها وتلقائيا رفعت يدها تلامس شعرها هي..
إذا كانت حماتها ابنة الستين لا تزال للآن تولي شعرها كل العناية والاهتمام من وضع الزيوت وتلوين الشيب الذي يزحف على رأسها وتطلب من أفضل المُصففات المختصات القدوم لبيتها خصيصًا للعناية به وبصورة شهرية فلماذا لا تفعل هي نفس الشيء خاصة وأن قمر الدين خاصتها مهووس وبشكل حرفي بشعرها!
استلمت المصففة ثمن عملها من زاهية ودعت لها بالعافية والصحة.. لكن قبل أن تهم بالمغادرة تركت ياسمين ما بيدها وهرعت تناديها.. فالتفتت المُصففة لها متسائلة كما زاهية
((نعم يا سيدة ياسمين؟))
أزاحت ياسمين وشاحها المرخي حول وجهها أمام المصففة لينكشف شعرها المجدل الطويل ثم تساءلت بتردد
((هل هناك شيء يمكنك فعله بشعري يمكن أن يجعله أكثر حيوية؟))
كانت المصففة تصلي على النبي وهي تناظر شعر ياسمين الطويل ثم تساءلت
((هل تريدين صبغه مثلا؟ ما رأيك أن أصبغ بعض خصلاته بلون فاتح ذهبي))
ابتسمت لها ياسمين بتوتر
((قومي بما تريدين على ذوقك، المهم أن يكون جميلا))
كانت تشعر حقا برغبة ملحة أن تجدد نفسها لا حتى تبدو جميلة.. بل وأيضا بهيجة.. مرحة.. اجتماعية.. بطريقة تذهل مَازن بها.. حتى أنها كانت تخطط أن تسمن قليلا ليزداد وجهها امتلاءً ويصبح أكثر توردًا ويخفي بروز عظامه..
.
.
بعد أن انتهت المصففة من إضافة تغييرات وتحسينات بشعر ياسمين حتى دخلت جناحها ليسألها مَازن المشغول بلعبة البلايستيشن بلا انتباه
((هل هذه أنتِ يا ياسو؟))
استدارت ياسمين للخلف وهي تنزع الوشاح لينسدل شعرها للخلف بدلال.. ويظهر جماله دون أن ترد.. فحانت نظرة من مَازن لها قبل أن يتجمد بصره عليها وينسى البلايستيشن التي كان في خضم لعبها..
انتبهت لنظراته التي تلتهم شعرها بوضوح لكن ادعت اللامبالاة..
لا إراديا ابتسمت عندما شعرت به يترجل واقفا ويلقي يد البلايستيشن ليتجه نحوها يمسك كتفيها ليديرها له، يغمر أصابعه بشعرها ويغمغم مسروق الأنفاس
((هل قمت بصبغ شعرك؟ متى!؟ قبل ساعات لم يكن لونه هكذا!))
عندما استمر بغمر أنامله بشعرها تمنعت ياسمين بحنق مصطنع
((مَازن اترك شعري، تعرف أني لا أحب أن يلمسه أحد!))
إلا أنه وجد نفسه يدفن وجهه فيه ويستنشق عبيرها يُفاقم من خفقات قلبه المسكين.. يهمس بخدر
((أنا لست أي أحد..))
لكن قبل أن يتطور الأمر شهقت تنأى عنه محذرة
((مَازن، إياك.. إنها تلك الأيام من الشهر، توقف))
فتح مَازن عينيه شاعرا كأن ماء مثلج سكب عليه.. ابتعد عنها لاهثا ثم قال ونار الإحباط تتقد بداخله وتمسه كسوط من نار
((يا لهذا الحظ التعس!))
=============================
جلس مُصعب خلف مقود سيارته المركونة أمام شقته.. ثم وضع الهاتف بقرب أذنه الأخرى بينما يسأله والده باهتمام أبوي
((لماذا لا تأتي اليوم لبيتنا لتشاركنا طعام الغداء))
((دعها في وقت لاحق يا أبي))
((ولكن أليس اليوم هو عطلتك؟))
تردد مُصعب قبل أن يجيب
((هذا صحيح، ولكن كنت أتحدث مع حماي قبل قليل..))
ابتلع مُصعب ريقا وهميا ليضيف
((وقام بدعوتي لزيارته مع نورين.. وكنت أفكر بمفاجأة زوجتي هناك))
في البداية لم يجد ردَّا من والده لكن وصله كلامه أخيرا بصوتٍ رخيم وحسن تعقل
((جيد يا مُصعب.. في النهاية يظلون عائلة زوجتك وأصهارك ومن حقهم عليك أن تزورهم ويزورونك))
اجتاح شيء من راحة مُصعب لكلام والده المشجع لكنه عاد يقول بارتباك
((أبي أخشى لو عرف مُؤيد.. أعنى لا أريده أن يتحدث مع بقية الشباب والرجال في القرية عن زيارتي لأنسابي، فيظنوا أننا نستهين بثأرنا لمقتل ابن عمي..))
قاطعه والده هاتفا بانفعال نسبي
((هل جننت يا ولد؟ ومن هذا مُؤيد الذي تخشى أن يفتن الأرض! فليفعلها وليعقب ولو مجرد تعقيب على زيارتك لدار صهرك وأنا سأدفنه بالأرض ذاك المتبجح! في النهاية عائلة زوجتك لا يقربون لقاتل ابن عمك إلا من بعيد وليس من المنصف ما يحدث لهم، لقد عاد أناس من قريتنا وقريتهم يزورون بعضهم كالسابق كأن شيئًا لم يحدث فلماذا نمتنع نحن!))
كل ما في مصعب كان ممتنا لوالده بينما يحثه بدفء
((اذهب يا بني الآن وابعث لهم بسلامي غير آبه لأحد))
فتحت نورين باب السيارة لتسمعه يودع والده بلهجة امتنان، عقدت حاجبيها متسائلة
((هل كان هذا والدك؟ هل سنذهب عندهم؟))
شغل مُصعب محرك السيارة ثم قال بتلك النبرة التملكية وهو يضع يده فوق بطنها المتكورة أمامها برفقٍ ضاغط
((انتبهي إلى حملك، بقي أيام قليلة لتضعي ابنتنا الجميلة))
مال نحو بطنها طبع قُبلة مفاجئة عليها جعلت كل جسدها ينتفض بردة فعل غريزية بينما ابتسم هو بابتسامة تضج جاذبية معتادة.. احمرت وجنتاها قبل أن تسأله ويدها تمررها على بطنها
((ماذا سنسميها يا مُصعب؟))
ظل مُصعب يطالع تكور بطنها الذي يحب ملامسته مرارًا وتكرارًا متضخم المشاعر.. ثم أجابها بنبرة حلوة
((ستأتي هي واسمها للدنيا معا))
كانت ابتسامتها هادئة لا تغادر وجهها وهي تهز له رأسها.. بعد فترة من قيادة مُصعب السيارة، فتحت نورين السلة التي كانت تمسكها وأخرجت تفاحا مغمغة
((سأقطع لك الفاكهة، هل تريد التفاح؟))
همهم لها موافقا فبدأت بحب تقطع التفاحة بالسكين وهو بين الحين والآخر يحيد بنظره عن الطريق وينظر إليها بملامح ممازحة مستمتعة.. قبل أن تميل له قليلًا تضع قطعة التفاح في فمه لتطعمه إياها فيلتهمها من أصابعها بل وحتى يعضها بخفة..
تأوهت نورين ضاحكة وهي تلوح بيدها تؤنبه قبل أن تسأله وهي تطلع على جانب الطريق بعفوية
((إلى أين سنذهب يا مُصعب؟ لم تجبني.. إنه ليس الطريق لبيت والدك بل الطريق.. المؤدى إلى.. قريتي!))
كانت آخر كلماتها تتباطأ باستغراب وخفوت ليرد مُصعب بهدوء دون أن ينحسر نظره عن الطريق أمامه
((هذا صحيح، لقد أرسل لي والدك العنوان بالضبط على الخريطة في الهاتف))
اتسعت عيناها بصدمة لا تصدق ما تفوه به وتساءلت بصوتٍ متحشرج
((هل تمازحني؟))
أوقف مُصعب سيارته في أقرب مكان لبيت عائلتها قبل أن تتسع حدقتي نورين أكثر.. فتحت فمها لتجبر بعض الهواء على الدخول الى رئتيها ولكنها وجدت نفسها عاجزة عن التنفس وهي تشهق وتنشج محدقة بأخويها الاثنين اللذين يصغرانها بانتظارها عند باب البيت..
تسَّمر كل ما فيها وتوقفت اللحظة! داخلها يصرخ ولسانها عاجز عن النطق.. لم يسبق وأن فكرت كيف سيكون لقاء عائلتها الأول بعد الفراق.. هل ستفرح؟ تحزن؟ تهرب أم تواجه؟ تستعرض نفسها أم تستتر خلف الصمت والتحديق؟ لكنها وجدت نفسها تترجل من السيارة مسرعة دون أن تغلق الباب وتهتف بلهفة
((صالح.. سعيد..))
اندفعت مهرولة ناحية أحد أخويها تعانقه غير آبهة لحال حملها حتى أنها أثارت قلق زوجها.. لكن التمعت عيناه وارتسمت البسمة على شفتيه عندما ناظر من خلف زجاج السيارة الأمامي لقاءها بهم بصورة بعثت في قلبه التأثر خاصة مع انضمام والدها ووالدتها..
ربَّاه ما أجمل لحظة اللقاء بعد فراق طويل.. بعد فقدان الأمل بالالتقاء..
مرت دقائق طويلة قبل أن تهدأ عاصفة المشاعر، وتلاشى البكاء والعتاب وانقباض القلب وعدم انتظام الأنفاس فمشى والد نورين نحو مُصعب الذي خرج من السيارة، وأمسكه من مرفقه يجره بلهفة وترحيب للداخل
((ادخل يا صهري العزيز للداخل، كُنا بانتظارك منذ الصباح، أشكرك على قدومك كثيرا.. تفضل.. تفضل))
ابتسم مُصعب بوجه سمح ودود لحماه وتبعه للداخل.. أوصد باب البيت خلفهم فعاتبتهم نورين من بين دموعها
((لم أعلم بمجيئنا هنا، لماذا جعلتموها مفاجئة!))
لم ترد عليها أمها التي أعادتها لأحضانها تتنعم بقرب وحيدتها التي لم ترها وجها لوجه منذ زواجها.. لتتصاعد مشاعر الحزن والفرح ممزوجة بدموع الشوق وألم الفراق.. وبعد مدة وجيزة أنست الجميع حنين الأمس انتبه والد نورين أن مُصعب لا زال واقفا عند طرف المدخل فقال باهتمام وجل
((الغداء جاهز هيا تفضل يا بني، تفضل من هنا))
استجاب مُصعب لدعوة حماه ودلف لغرفة الضيوف حيث كان موضوعا على طاولة كبيرة صواني طعام كبيرة وقد تجمعوا جميعا حولها.. مدّ مُصعب يده اليمنى يتناول الأرز واللبن بينما عمه لا يتوقف منذ جلسوا عن تنحية اللحم في الصينية ووضعه أمامه بينما يحثه على أكل المزيد دون خجل حتى بعد مضي أكثر من نصف ساعة..
لكنه كان يشعر أنه سينفجر من التخمة فاعتذر له بتهذيب
((يكفي يا عمي لقد شبعت، حقًا لن أقدر على تناول المزيد، ارحمني أرجوك))
إلا أن حماه اعترض وهو يضع أمامه المزيد من اللحمة واللبن.. ليقول بعد مدة بغتة بصوتٍ جاهد على خروجه ثابت وفشل
((شكرا لأني وجدت فيك الشهم الذي يصون درتي الوحيدة، وجوهرتي الثمينة.. لا تتخيل عندما سلمتها لك بيدي كم شعرت بالكمد، لم أكن لأسامح نفسي على تسليم ابنتي كعروس ثأر لو لم يكن من تزوجها شاب بأخلاقك وأخلاق عائلتك الكريمة..))
تأثر مُصعب مما يقوله حماه واختلجت ملامحه بخجل ليجد نفسه عاجزا عن الرد عليه واختناق الكلمات بجوفه..
قاطعهم دخول ريحانة الغرفة مع ابنتها وكل واحدة منهما تمسك بصينية صنف طعام آخر.. بينما تتساءل بلهفة تائقة
((ستكررون هذه الزيارة يا مُصعب، أليس كذلك؟))
أومأ مُصعب بإيجاب وابتسم لحماته مما جعل نورين تضع الصينية على الطاولة وتدور لتعانقه معقبة بصوتٍ مبهج
((لا تقلقي يا أمي سنكررها، مُصعب أفضل رجل عرفته، إنه يسعدني ويحسن معاملتي، وأنا أحاول قدر الإمكان أن أعامله بالمثل بل وأحسن من ذلك))
سعد والديّ نورين لسعادة ابنتهم ولقدرها الجميل في الزواج من رجل مثله مما جعلها تعود لتقرب طعام منه قائلة
((أنظر ماذا أعددت أمي لك يا مُصعب وقل رأيك))
انكمشت ملامح مُصعب وقال برجاء مضحك
((يبدو لذيذا ولكن كما ترين فقد أكلت أكثر مما أقدر))
ألحت عليه وهي تقتسم له قطعة وتضعها في الطبق
((ولكن هكذا ستحزن أمي))
ولم يكن ينقصه إلا صدوح صوت شقيق نورين العائد من الخارج مُبشرا وهو يمسك صينية مغلفة
((لقد جلبت الحلوى التي أوصيتني بها يا أبي، لا تزال ساخنة فقد أنهاها الحلواني الآن فقط))
أعاد مُصعب رأسه للخلف يقول بعذاب حلو
((لا هذا كثير، لن أستطيع القيادة هكذا في طريق العودة))
تدخل والد نورين يقول برفض مغلف بالتوسل
((ومن قال لك أننا سنسمح لك بالرحيل اليوم! ستبيت هنا))
مسحت نورين على كتفه برجاء ضمني
((نعم يا مُصعب دعنا نبيت هنا))
كاد قلب مُصعب يتمزق على استعطافها لكنه رفض برقة
((لا تقلقي، سنداوم على زيارتهم حتى بغير المناسبات والأعياد.. وسندعوهم من وقت لآخر لقضاء اليوم في منزلنا، لكن دعينا نعود اليوم لبيتنا))
خفت توهج عيناها وتجلى الإحباط على ملامحها الناعمة لكنها رسمت ابتسامة مطعمة بالأم متفهمة
((حسنا لا بأس، معك حق))
أنبتها أمها بخفوت وهي تلكز كتفها
((ولكن ألم تقولي في المطبخ أنك ستقنعينه في النوم هنا؟))
مالت نورين تهمس في أذنها بخفوت خائفة من أن تكون تضغط على مُصعب
((أمي قد لا يكون يحبذ المبيت لأننا لم نرتب للمبيت هنا ولم نجلب ملابس أخرى لنا، ربما مرة أخرى))
غمغمت ريحانة بلوعة
((لا لن أسمح لك بالخروج اليوم، لم أشبع منك بعد))
انزعجت نورين من عناد والدتها ولو أنها تتفهم اشتياقها.. بينما انتبه مُصعب لخيبة الأمل المرسومة على وجوه الجميع لأنها لن تبيت عندهم.. شعر في هذه اللحظة.. أنه يريد أن يعاونها على برَّ والديها وعدم بتر جو الألفة السائد في أجواء الزيارة بالبيت.. فأخذ نفسا عميقا ثم قال مبتسما بود
((لا بأس دعينا نبيت الليلة هنا، أرتدى ملابس رياضية وستكون مريحة أثناء النوم))
أشرقت ملامح الجميع لما تفوه به، حتى أن سعيد اندفع نحوه معانقا بحرارة وامتنان هاتفًا
((أنتَ أروع صهر في العالم))
بينما صالح أمسك ذراع أخته يجرها لغرفته بصوتٍ يتفجر حماسا
((تعالي يا نورين حتى تطلعي على مشروعي للمدرسة الذي سأسلمه في الغد، إنه أكبر مِمَّا يظهر على الصورة التي أرسلتها لك على الهاتف سابقا))
.
.
ظل مُصعب مع والد نورين يتجاذب أطراف الحديث في مواضيع اقتصادية ورياضية بينما نورين منشغلة طوال الوقت مع أمها وأخويها تعوض الأيام التي كانت محرومة من رؤيتهم وسماع أصواتهم إلا عن طريق الهاتف..
في الليل جهزوا فراشا مريحا لهما في غرفة الضيوف.. وقبل إطفاء الإنارة همس والد نورين لابنته باهتمام
((هل المروحة الهوائية جيدة أم عليّ أن أخرج أخويك من غرفتهما لتنامي أنتَ وزوجك هناك تحت جهاز التكييف، يبدو أن زوجك غير معتاد على الحرارة العالية))
تدخل مُصعب الذي تناهى إلى سمعه الحديث ليعقب بلطف
((عمي نحن بخير والمروحة الهوائية تجلب هواءً باردًا بما فيه الكفاية، شكرا لاهتمامك))
شعر والدها بالراحة لكلام صهره وغادر مغلقا الباب خلفه، التفتت نورين تنظر لزوجها بشغب صباها وفتنة ملامحها.. ثم قالت بعاطفة الامتنان وقلبها في صدرها يرقص منتشي
((لا أعلم إذا كنت غاضبًا مني لمبيتنا هنا الليلة، أم أنك تمثل دور الرضا.. لكن ما أريدك أن تعلمه يا أميري أني أحبك، وأريد أن أحبك أكثر وأبحر في بحور هواك))
اندفعت نحوه معانقة إياه لينقلب على ظهره ويجرها معه لتنقلب هي الأخرى فوقه وينتشر شعرها الأشقر فوق وجهه.. فنبهها مُصعب برقة يمرر يده على بطنها
((كم مرة عليَّ أن أنبهك أيتها العفريتة أن تكوني حذرة))
أراحت نورين وجهها على صدره الصلب، أرخت أهدابها ثم قالت وهي تتنعم بسحر قربه
((لقد أحبني أبي جدًّا، لطالما خاف عليّ وطواني في تلابيب قلبه ليحميني حتى من لفحات النسيم، اجتهد في تدليلي ولا تتصور كم عزّ عليه رؤية الدمعة في عيني عندما استسلم وقرر التضحية بي كعروس ثأر، أنا متأكدة أنه لو لم ينتهي أمري معك يا مُصعب لم يكن أبي ليبقيني على حالي))
أنهت حديثها وهي تطلق تنهيدة مرتجفة وتشد من عناقه فابتسم لأن هذا ما قاله والدها بالضبط له ثم همس
((حفظ الله والديك لك، وأمدَّ في عمرهما ليروا أحفادهم))
أرخت رأسها على صدره.. وطال الصمت بينهما ليتصاعد صوت أنفاسها المنتظم دليل استغراقها في النوم.. لاحظ مُصعب أنها تتسطح فوقه على بطنها غير مبالية بحملها الثقيل فوضعها بجانبه ثم وضع وسائد تحتها لتخفف من الضغط على الجنين.. تضايقت قليلا في نومها فهمس قرب أذنها
((نامي الآن يا عفريتة))
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!