لا تنسو التصويت ❤️❤️
سجن النساء.. مكتب مُعاذ..
دخلت شيرين مقيدة اليدين مكتب مُعاذ بعد أن طلبها برفقة الضابطة التي ألقت عليه التحية العسكرية..
حانت نظرة من شيرين نحوه لتراه يجلس خلف مكتبه بكامل هيئته العسكرية.. والنجوم تلمع على صدر وكتفي بدلته..
لم يمضِ الكثير والضابطة الواقفة لا يبدو أنها ستبارح المكان فصدح صوت مُعاذ بصوتٍ شق المكان سلطة وهيمنة
((غادري من هنا..))
هديره أربك الضابطة التي فقدت قناع هدوئها وانكشف عن رعب عميق طفا فوق ملامحها المضطربة.. ارتجفت أمام سطوة عينيه القاسيتين بنظرة ذات المغزى خطير أطاعته وغادرت الغرفة مسرعة..
أمسكت شيرين بيدها مرفق يدها الأخرى مغمغمه بخفوت
((أنتَ تخفيني وتجمد الدم في عروقي عندما أراك تتحدث مع أحد غيري وغير أم محمود))
مالت زاوية ثغره عن ابتسامة جانبية ثم قال
((ربما بعد سنوات طويلة بين المجرمين أصبحت فظا أي كلمة أقولها تخرج بحدة وبصوت مرتفع، لكن أنا أحاول قدر الإمكان خارج مكان العمل أن تكون نبرتي عادية))
ازدردت شيرين ريقها ثم صارحته
((لم يخطر على بالي يوما أنك داخل هذه الأسوار تكون شخصا مختلفا عن خارجها..))
نكست رأسها ولم تسمعه يرد بشيء وقبل أن يتصاعد توترها قالت
((قالت الضابطة أنك طلبتني، كانت تشعر بالرَّيبة عن سبب طلبك لي، أرجوك يا مُعاذ لا تكررها، من أجلك أنتَ، لأني اشعر أنك تلفت الأنظار لنفسك))
أومأ لها مُعاذ بشرود، كان حذرا للغابة ألا يلفت الأنظار لعلاقته بشيرين ولا يترك دليلا ضده فلا يتواجد معها بأماكن تحتوي كاميرات أو عند وجود أحد من الحراس وموظفي الأمن غير أم محمود.. لكنه لم ينذهل عندما أخبره رئيسه في عمله السابق أن شائعات وصلته عن اهتمامه بنزيله عنده وطلب منه توخي الحذر.. فهو يدرك وجود بعض المخبرين والجواسيس في السجن لصالح أخرين كمثال الضابطة التي جلبت شيرين إلى هنا..
لكن إذا كانت أخبار اهتمامه بنزيلة عنده تصل للكثير ممن يعملون خارج السجن فلماذا لا يصلهم تسيب العاملين هنا سواء في مناصب دنيوية أو كبيرة، وسوء استخدامهم للوظيفة وإهمالهم وتلقيهم الرشاوي!
تنهد مُعاذ مطمئنا نفسه بأنه حتى لو وجودوا أدلة ضده ملموسة فهو سيخرج من المأزق دون ضرر فهو الأخر ليس هينا وإلا لما نجحت صلاته ومحادثاته مع قاداته السابقين في بدء إجراءات إعادته للسجن الأول الذي كان يعمل به.. لكن مع ذلك سيكون هذا هو لقاؤه الأخير بشيرين هنا بالسجن، فما هي إلا أيام معدودة قبل نيلها الحرية، وقبل انتهاء إجراءات عودته لمكان عمله السابق.. وبعدها لكل حادث حديث..
انتشل نفسه من دوامات تفكيره وهو يخرج من حقيبة كيسًا يحتوي علبة ووضعها على الطاولة هادرا بصوتٍ رخيم دافئ
((ابنتي أصرت أن تعد الطعام لنا بالأمس لتريني مهارتها في الطبخ، فطلبتُ منها أن تضع قليلا من الذي أعدته بعلبة من أجلك، فبذلت جهدها في تزيينه كعربون صداقة بينكما، لا كرشوة منها حتى تقبلي الزواج من أبيها))
كان يتعمد أن يشددَّ من حروف كلماته الأخيرة فتوردت حتى اختفى وجهها في حمرةِ الخجل، كغروب طغى سماء آخر المساء، ثم غمغمت بصوتٍ مختنق مشنوق باليأس
((أي زواج هذا يا مُعاذ! موضوع زواجنا من البداية كان غير مناسب وفاشلا، فما بالك بعد كل ما حدث لي!))
قال مُعاذ بوضوح بنبضات قلب لا تهدأ
((لا يهمني ما يحدث، فأنا أقف أمام امرأة لم ينتهي إعجابي بها الذي بدأ قبل سنوات قبل وفاة والدها وحتى الآن، وأريد أن أكلل هذا الإعجاب بالزواج))
أشاحت بوجهها بعيدا عن تأثير عينيه هادرة
((أنا سبق وكنت مخطوبة لابن عمك ثم أصبحت زوجة له.. هذا بعيدا عن كوني خريجة سجون بغض النظر عن براءتي، لن يرحمك المجتمع لو تزوجت بامرأة مثلي))
وضع علبة الطعام أمامها ودعاها أن تجلس ثم عقب
((إذا كنت تقصدين مجتمع القرية فنحن سنعيش بعد الزواج بشقتي في المدينة، ثم ليكن بعلمك معظم وجاهات قريتنا باتوا يعرفون عن أمر زواجنا السابق وهم الآن أكثر من مشجعين لهذا الزواج))
تطلعت له متسائلة بقلق عارم
((هل أخبرهم أحد أخوالي عن مشروع زواجنا في الماضي؟ أعني أنا لا أريد أحدا من القرية أن يعلم بتفاصيل ما عشته مع وليد أو حتى أني دخلت السجن من الأساس!))
عقب مُعاذ على كلامها
((لا تقلقي، لا يعرف أحد بأمر السجن إلا وجهاء القرية وعائلتي))
تحشرج صوتها وهي تقول له بوجيعة
((بعيدا عن كل شيء أنت تستحق امرأة أفضل مني، ولا يمكن أن ينتهي بك الحال معي))
قال دون أن يبدِ عليه أي اهتمام برفضها
((لن أتحدث بموضوع الإقناع هذا لأنه ليس وقته الآن.. تناولي الآن من هذه الأطعمة لأني لن أسمح لك بمبارحة المكان قبل ذلك))
أخذ الأمر منها لحظات طويلة قبل أن تتقدم ببطء وتجلس أمام علبة الطعام وتبدأ تناول الطعام منها.. فظل يطالعها بنظراته المتفحصة قبل أن يقول بصوتٍ ممزوج بالشجن
((عندما اشتد المرض على والدك، طلب أبي مني أن أزوره وأرى أحواله كتخفيف لذنب عائلة وليد في حقكم، فذهبت، وهناك رأيتك بوضوح لأول مرة، وبصراحة وقتها شعرت أنكِ لي، سميه حدسًا، سميه أي شيء، لكني أردتكِ من كل قلبي))
اتسعت عيناها مِمَّا يتفوه به والتمعت بتأثر من كلامه!
إذن كانت محقة تماما عندما ظنت أنه معجب بها، ولربما لو لم تقم بكل حماقة بعرض الزواج عليه وليس أي زواج بل زواج صوري مبتذل لكان هو من تقدم لها وبكامل إرادته وعمق رغبته!
هنا شعرت بقلبها يقرع بعنف.. لقد كان حقا معجبا بها وبكامل إرادته!
وجدت نفسها تتساءل برغبة أنثوية سخيفة تجتاحها.. ترى.. ماذا أحب بها على وجه الدقة!
لكن سرعان ما هزت رأسها بعنف تنفض تأثير هذه الأفكار السخيفة وعادت تأكل من العلبة مدعية عدم التركيز بما يقوله! إذ لم يعد شيئًا كما كان، وهو يستحق امرأة أفضل من هذه النزيلة التي أمامه.. لكن مُعاذ تابع كلامه يقول بنبرة خاصة
((والآن أنا لست مستعدًا ليتحطم فؤادي للمرة الثانية لذا سأقوم بأي شيء حتى أتمسك بكِ!))
ابتلعت بصعوبة اللقمة.. وشعرت بقلبها يدوي في صدرها! فهمست بارتجاف وهي تغمض عينيها
((أرجوك توقف يا مُعاذ عما تقوله، لا يليق بك أن تكون عاطفيا هنا!))
عاد يبتسم من إحساسه باضطرابها ليهدر بخشونة
((لماذا؟ لأني رجل؟ وهل الحب والمشاعر أمور خاصة بالنساء فقط؟ ألا يمكن لأي رجل أن يحمل مشاعر صادقة لامرأته؟))
أغلقت جفنيها بقوة بطريقة جعلته يسخر على مظهرها.. فقط لو تدري كيف يخضعه قلبه حتى في أكثر أيامه انشغالا وضيقا أن يكون بالقرب منها..
=============================
كان مَازن يحدق برهبة متضخم المشاعر في البلايستيشن خاصته الجديد الذي وصله بكل اهتمام وانشداه.. حتى غمغم بجدية وهو يستعد لتوديعها في مخبأها فوق الخزانة بحذر بالغ خوفا من أن يصيبها خدش
((لا أطيق صبرا أن أفتحها ليلا وأجربها))
تذمرت هدى بإلحاح وقد اشتاقت لمشاركة أبيها لعب البلايستيشن والانهزام هزيمة ساحقة على يده
((أبي أرجوك دعنا نجربها الآن، أريد تجربتها))
قال مَازن بحزم ملازم لأي أمر متعلق بالبلايستيشن
((لا يا هدهد سنفتحها ليلا بعد عودتي من العمل، حتى نلعب بها على راحتنا))
تبرمت شفتاها وقالت بخيبة أمل
((حسنا، سننتظر الليل حتى نفتحها))
ولم يكن تبرمها الطفولي يختلف شيئا عن ياسمين التي تجلس منزوية على سريرها تراقبهم بتجهم..
لقد عودّها مَازن من فترة قصيرة أن تتأقلم على إثارته لغيظها بلمساته وقبلاته ونظراته والآن كل هذا اختفى فجأة عندما عرف أنها في حضرة تلك الأيام! فلم يعد يصدعها بمشاكساته ولا ثرثرته إلى حد النجاح في أن يخرجها عن طورها!
أغمضت عينيها شاعرة أنها أكثر حساسية وعاطفية أكثر من أي وقت مضى.. إذ أنه لطالما يتصرف ببرود وانزواء معها في هذه الأيام الشهرية عندما لا تكون عندها مصلحة له.. فلماذا تشعر الآن بإهانة وبإنه يجرحها ببروده وابتعاده عنها بدلا من الراحة كالسابق؟
هزَّت ياسمين رأسها تنفض الاستنتاج الذي قفز لعقلها ثم وضعت كف يديها الاثنتين أسفل بطنها عندما ازدادت التقلصات داخلها تتأوه بألم.. فانتبه مَازن لها رغم أنها كانت تتألم فعلا ولم تكن تقصد إثارة انتباهه..
رقت ملامحه ثم تقدم منها.. وأمسك يدها بنعومة.. فأحست فجأة برجفة الفرح في قلبها وخفقت أنفاسها بينما تسمعه يقول
((كنت أفكر أن نخرج أنا وأنتِ وهدهد للخارج لتناول الطعام ولكن سنؤجله ليوم آخر))
قطبت حاجبيها وسألته بصوتٍ واجم
((لماذا ستؤجله؟ لنخرج الآن، أنا لا أشعر بالألم كثيرًا))
عقب مَازن بعفوية
((لكن تبدين متعبة أكثر من أن تستطيعي التحرك))
تحَّلت ياسمين بالهدوء وقالت وهي تبعد الغطاء عنها
((لا بأس، الخروج سيكون جيدا لنفسيتي في هذا الوقت، سأذهب لأرتدي ملابس الخروج الآن))
انفرجت زاوية فمه بابتسامة يناكفها
((ألهذه الدرجة تحبين الطعام! من يرى العظام بارزة من وجهك يظن أنك تعيشين بمجاعة!))
كان حاجبيه قد بدآ يتراقصان متعمدا التهكم عليها فشعرت بالغيظ منه حتى أحست برغبة عارمة بالبكاء.. لولا أن أغمضت عينيها فجأة تتأوه
((أنا أتألم، يا إلهي..))
ربت بلطف فوق شعرها وقال منتشلا هاتفه
((حسنا يا ياسو الحبيبة سأطلب لنا شيئا على ذوقك من المطعم وسنخرج في وقت لاحق، أو ما رأيك ننتظر حتى العشاء عندما يعود مَالك من مباراته لأطلب لنا جميعا مرة واحدة ونأكل سويا.. هل تستطيعين الانتظار أم قد يدفعك الجوع إلى أكلى!))
احتقن وجهها بالغضب وهي تراه مصرًا على جعلها مادة لسخريته فعاد يعقب قائلا
((انظري لعبوسك! يبدو أن عليّ أن اطلب لك حالا قبل أن تأكليني أنا وهدى))
تفاقم احتقان وجهها ولم تعد تطيق الاستماع للمزيد منه فألمها البدني من الداخل يكفيها! هادرة بنبرة مشحونة
((فقط غادر من أمامي قبل أن التهمك حقا يا قمر الدين))
ضحك مَازن على حنقها الطريف لكنه لاحظ أنه تجاوز حدوده معها فجلس بجانبها ومرر سبابته على وجنتها هادرا يراضيها
((ياسو.. ياسو يا لوح الثلج هل غضبتي؟ لقد كنت أمزح))
تسلقت هدى السرير وجلست بجوار أمها تقول بدفاعية
((لقد كان يمزح معك يا أمي، لماذا أنتِ حساسة هكذا))
جحظت عينا ياسمين لا تصدق أن ابنتها الآن قد أصبحت بصف أبيها ضدها! لقد تغيرت هدى كثيرا.. تحشرج صوتها وهي تقول
((فقط غادر يا مَازن من هنا))
حرك مَازن وجهه بإحباط ظاهري ثم قال
((حسنا سأذهب لوالديّ وأرى إذا كانا يحبان مشاركتنا الطعام من الخارج!))
تغضَّن وجه ياسمين بالضيق وهي تراه يغادر، ولكن تحاملت على ألمها وغيرت ملابسها لتلحقه..
.
.
في غرفة المعيشة..
جلست ياسمين بجانب حماها بينما وقف مَازن أمام أبيه يقول
((حسنا ها قد طلبت الطعام لكم، قد يتأخر التوصيل لنصف الساعة حتى يصل لقريتنا، المهم يا أبي أعطيني المال لأدفعه لمندوب التوصيل، وضف له ثمن بقشيش فعملي كمندوب جعلني أدرك أهمية البقشيش لهم))
ضيق يعقوب عينيه وقال بنبرة يشوبها السخط
((لماذا لم أعد أراك تذهب لعملك؟))
أشار مَازن بيده لنفسه وقال بتأكيد
((أنا أعمل يا أبي بانتظام، ولكن فقط ساعتين في اليوم))
تدلى فك يعقوب ثم تمتم باستنكار
((ساعتين!؟ ساعتين فقط تعمل في اليوم!؟ هل تسمي هذا عملا يا مَازن!؟))
وجد نفسه يلوح له بيده بازدراء أن يبتعد عن وجهه وقد فقد الأمل منه..
انزعجت ملامح مَازن.. حتى عندما بدأ يعمل لا يجد أيَّ رضا يظهر على وجه والده منه.. نأى بوجهه بعيدا ثم استغرب من انشغال أمه بتقليب شاشة هاتفها، جلس بجانبها ومال برأسه يشاركها النظر ليلفه الذهول مغمغما
((أمي هل تنظرين لصور فتيات! من هنّ؟ أريني إيًّاهم))
تحفزت حواس ياسمين لما يتفوه به وانتبه مَازن لذلك فانفرجت عنه ابتسامة صغيرة لكنه أدعى عدم الانتباه..
أبعدت زاهية هاتفها عنه وزجرته بغضب
((اهدأ يا مَازن، أنا أنظر لصور فتيات مناسبات للزواج من مُعاذ، طلب مني منذ ما يقل عن سنة أن أبحث له عن عروس ولكن مشاغلكم أخرتني بالبحث، وها قد أرسلت لي إحدى خاطبات القرية صور لفتيات مثل الورود))
عادت زاهية تنظر للصورة وكلها حنق على نفسها..
ليتها مؤخرا فكرت في البحث عن عروس لمُعاذ بدلا من تضييع الوقت في البحث لمُؤيد!
عاد مَازن يلح عليها بعبثه المعهود ليثير استفزاز زوجته
((أريني على الأقل صور الفتيات لأساعدك في الاختيار))
كان يعقوب تالف الأعصاب من ابنه يحث نفسه بقوة على عدم التعليق على طلبه قليل الحياء فلا فائدة ترجى من تقويمه.. إلا أنه لم يقدر أن يكتم كلماته طويلا وصرخ عليه موبخا
((أيها النذل هذه الصور أرسلتها الخاطبة أمانة لأمك كيف تريد منها أن تعرض صور البنات عليك! هل ترضى لو كان لديك أخوات أن يحدق أحد في صورهنَّ!))
استنكر مَازن غضب والده هادرًا
((أبي، لقد فهمتني بشكل خاطئ، أنا أيضًا أريد أن أتزوج مرة أخرى ولهذا أريد أن أنظر إلى صور الفتيات))
هتفت زاهية بجدية ممزوجة بالامتعاض بابنها
((ابتعد يا مَازن!))
استغرب مَازن عدوانية أمه عليه وشعر أنها حقا غاضبة ولا تتحمل أي مزاح منه إلا أنه غمغم مُدعيا البراءة
((أي مزاح! هل هذا شكل أحد يمزح! ثم أنا..))
لم يكمل مَازن جملته حتى شهق بصدمة بينما ينتفض واقفا.. لا يستوعب متى اندفعت ياسمين نحوه وألقت على وجهه بماء الكأس..
اكتسحته الصدمة وطالعها بوجهه المبلل باستهجان
((ما بك؟ هل جننتِ؟))
تدخلت والدته تقول وقد ضاق ذرعها من إهانات وعدم احترام ياسمين المتكررة لابنها
((ما هذا الذي فعلتيه! تحلي ببعض الخجل أمامنا!))
حانت نظرة من ياسمين على والديّ مَازن الاثنين وشعرت أنهما ساخطان عليها أيما سخط.. لم تتجرأ يوما أن تفعل شيء لمَازن أمام أحد أفراد عائلته.. على الأقل متعمدة.. لكن ألم وتقلصات معدتها بالإضافة للهفة مَازن للنظر إلى صور النساء أفقدت أي صواب متبقي فيها فانفلتت أعصابها مقررة إحراجه كما أحرجها..
كان لا يزال كل من في غرفة المعيشة يطالعونها بتجهم فهتفت بغضب غير مسبوق لها أمامهم وهي تندفع مهرولة تهرب من المشهد
((بل هو يستحق أكثر من ذلك))
كان مَازن لا زال مذهولا من تصرفها الوقح عندما لكزت أمه كتفه مغمغمه بغيظ
((وتقول لي أنك تريد الزواج مرة أخرى يا خائب! هل أنتَ قادر على واحدة لتقدر على اثنتين))
.
.
دخلت ياسمين ودموعها تنحدر على وجنتيها جناحها.. لم يكن عليها أن تفعل ما فعلته.. مجددا لقد صدمت وخيبت ظن حماها الذي كان يقف معها دائما ويساندها..
توسدت سريرها بعنف وهي تهتف بضيق
((تبا لك يا مَازن، لماذا اقتحمت حياتي بهذا الشكل!؟))
إنها تعرف وموقنة أنه لا يحبها وربما يودها فقط لأنها الأنثى الوحيدة المتاحة أمامه لتدفئة فراشه! وربما لو كان يعمل عملا حقيقيا ويمتلك راتبا كافيا لم يكن ليتحملها منذ أول يوم عاد فيه إلى هنا وسارع في الزواج من امرأة تناسب أسلوب حياته وشخصيته!
فهي امرأة بهمسات جافه.. ولمسات باردة.. حتـى وجهها النحيل غدى شاحب وبلا حيوية.. وجسدها هزيل لا يسري الإثارة في رجولته.. هي باختصار كالعجوز ظاهرا وباطنا..
أطلقت ياسمين أنفاسا تكتمها.. إذا كانت تعرف هذا كله فما الذي طرأ على قلبها وجعله يميل له ويتمنى وده بل وحبه! بل حتى أنها تتعمد بشكل يائس ومثير للشفقة أن تسرح شعرها وتجعله يبدو أكثر إشراقا أمامه، وبدأت تخرج من جناحها كاندماج متأخر مع عائلته من أجل الحوز على رضا قمر الدين خاصتها!
بينما ياسمين غارقة تماما بإحباطها وقهرها صرخت مُجفلة على صوت ارتطام شيء على الأرض.. هرعت من مكانها نحو ابنتها التي لم تكن منتبهة على وجودها هنا من الأصل لتتساءل بفزع
((ما هذا يا هدى! ما الذي تفعلينه؟ هل أنتِ بخير؟))
خوفا من أن يكون قد أصابها مكروه كانت تتفقد بقلق لهف كل إنش من هدى الواقفة على وسائد فوق الكرسي ومنكمشة على نفسها..
رفعت هدى وجهها لأمها تقول بصوتٍ مرتعش
((لقد خفت أن يقع الصندوق عليّ!))
اندهشت ياسمين ونظرت أرضا حيث جهاز البلايستيشن الخاص بمَازن وعرفت أن الصوت كان بسبب تحطمه على الأرض!
تطلعت الى الوسائد المتراصة فوق بعضها البعض فوق الكرسي، ففهمت أن أبنتها كانت تزيد في ارتفاعها تحاول الوصول لجهاز البلايستيشن.. فهتفت بها موبخه
((لا تكرري هذا! كان يمكن أن يحدث لك شيء!))
تقوست شفتا هدى للأسفل بذنب ثم هبطت عن الكرسي وأمسكت أجزاءً من الجهاز المحطم متسائلة
((ما الذي حدث له؟ هل كُسر؟))
زفرت ياسمين وقالت بغضب مستنكرة
((نعم فقد كسرتيه يا هدى! وكيف لا يُكسر بعد أن يقع من علو مترين!))
غامت مقلتا هدى بالدموع الحارقة وقالت لأمها والخوف يقتات على قلبها الصغير
((سيحزن أبي لو عرف أنى كسرته))
عضت ياسمين شفتيها ثم تمتمت باقتضاب
((سيحزن فقط! بل سيؤودك في التراب يا ابنة أبيكِ))
جلست هدى على الأرض وانفجرت ببكاء حار على ما تسببت فيه.. وخافقها الغض الصغير لا يتحمل حزن أو غضب والدها عليها لو عرف أنها حطمت جهازه مرة ثانية..
تنهدت ياسمين ببؤس.. ثم جلست بجانب ابنتها تحضنها وهي تراها تبكي بكل هذه الحرقة لتهدهدا
((يكفي يا حبيبتي، لا تبكي، أهم شيء أن تكوني أنتِ بخير ولا يصيبك أي مكروه))
خفت نحيب هدى قليلا لتقول برجاء متوسل
((لكن لا تخبري أبي أني من كسرته، وحاولي أن تصلحيه قبل أن يأتي إلى هنا))
عقدت ياسمين حاجبيها ثم اعترضت برفق
((لا يمكن إصلاحه، ثم هو سيعرف في النهاية))
لوحت هدى يديها وهي تقول بإصرار
((لا.. لا لن يعرف، فقط لا تخبريه))
عاد بكاؤها يزداد.. فتمزق قلب ياسمين عليها وشددَّت من ضمها متمتمه بحنو
((لا تبكي حبيبتي))
ظلت على هذا الوضع لدقائق حتى خفت تماما بكاء هدى واسترخت في أحضانها..
فتح مَازن الباب فجأة بعنف وبملامح غير مبشرة لتجفل ياسمين مرددة ((مَازن.. !؟))
استحال وجه مَازن الغاضب إلى آخر مصدوم وباهت عندما وقع بصره على الأرض ليهتف بفجيعة كأنه فقد أحدا يخصه
((البلايستيشن خاصتي!؟ ماذا حدث له!؟ من قد يفعل به مثل هذا الأمر المريع!))
جثا مَازن أمام قطع البلايستيشن خاصته بملامح منهارة ثم ناظر ياسمين يقول بلوعة
((ماذا فعلت لك آيتها اللئيمة لتكسريه!؟))
توترت ياسمين لكنها ادعت البرود وهي تقول
((لم أكسره أنا))
خرج صوته عاصفا وهو يصرخ
((من كسره إذن؟ أمي أم أبي؟))
أخذ الخوف كل مأخذ بياسمين وفي هذه اللحظة عادت هدى تغمر وجهها بيديها بنحيب عالي شاعرة أن أمها ستبوح بالحقيقة له..
هتف مَازن وهو يشير إليها بملامح معذبة
((ابنتي الصغيرة متعاطفة معي أكثر منك يا لوح الثلج!))
تصلب فك ياسمين قبل أن تقول بحنق
((إنه مجرد جهاز للعب! لا تصرخ عليّ من أجله!))
نفرت العروق الزرقاء في رقبته ليصيح بعصبية
((أنتِ تعرفين أنه ليس مجرد لعبة بالنسبة لي وتعرفين أني لن أستطيع بسهولة شراء غيره من نقود عملي!))
بصعوبة أخفت رجفتها منه وأنبته وهي تناظر باب جناحهم الذي لا زال مفتوحا
((اهدأ قد يسمعنا أحد في الخارج))
هدوءها الظاهري تسبب بتفجير أعصابه التي كانت كقنبلة موقوتة فواصل صراخه الارتفاع وهو يستقيم
((لن أفعل أنا ما عدت أستطيع العيش مع امرأة معدومة المشاعر مثلك، تقتنص الفرص حتى تجعل حياتي أسوء، لذا الحل بيننا هو الطلاق لإنهاء معاناتنا نحن الاثنين))
جذبت أنفاسها كأنه طعنها بذكر مسألة الطلاق مجددا، ولأمر بتفاهة البلايستيشن.. وانسكبت الإهانة والألم في ملامحها.. فغمغمت بصوتٍ مثقل ((يكفي يا مَازن..))
لم يرد عليها وظل يتنفس بانفعال مكانه وبدا مظهره مرعبًا ومتوحشا خاصة وهو يخيم عليها بطوله.. محتقن الوجه انفعالا وشديد الاحمرار.. العروق في صدغيّه بارزتان.. حتى عيناه غامتا بظلامية.. قبل أن يبتعد عنها ويخرج غطاء سميك مما جعلها تسأله بخوف يجتاحها
((إلى أين ستذهب؟))
أجاب بصراخ عالي متقد بالغضب
((سأذهب لأبيت في أي مكان آخر خارج هذا الجحيم.. وتأكدي أنها مسألة وقت قبل أن يحصل بيننا الطلاق.. هل تفهمين!))
لمعت دموع أسية في عينيها مما جعله يلتفت لها ويردف بقسوة
((لم يعد هناك ما يمنعني من طلاقك بعد أن صار بمقدورك العودة لبيت عائلتك عند شقيقك، لذلك أصلحي علاقتك معه فهو آخر ما تبقى لك..))
غادر المكان بخطوات نارية وصفق الباب خلفه بقوة فأبعدت هدى وجهها عن يديها متسائلة بذعر طفولي
((ماذا يعني طلاق؟ هل هو الانفصال؟))
سمحت ياسمين لدموعها بالهطول وأجابت ابنتها
((نعم سيطلقني لأنك رفضتِ أن أخبره الحقيقة))
=============================
في سجن النساء..
العنبر الذي تتواجد فيه شيرين ناظرت رفيقتها المخضرمة في الزنزانة متسائلة
((غريب ما الذي يحدث اليوم؟ يبدو معظم عناصر أمن السجن مشغولين))
تطلعت لها رفيقتها لتجيب
((يقال بأن مدير السجن سيقوم بجولة تفقدية برفقة هيئة التحقيق والادعاء العام ممثلة في دائرة الرقابة على السجون))
رفعت شيرين حاجبيها تقول بذهول
((حقا؟ هذا رائع، رغم أني سأخرج بعد أيام، لكن سأقر أمامه بكل ما نعانيه هنا لعلَّ الحال يتغير من بعدنا))
أصدرت رفيقتها صوتا ساخرا متهكمة
((كم أنتِ ساذجة يا شيرين!))
انزعجت ملامح شيرين ولم تفهم ما ترمي إليه وقبل أن تسألها فُتحت نافذة الباب الفولاذي وهتفت الحارسة عاليا
((أين هي شيرين؟))
تحفزت شيرين مكانها وقامت باتجاه الحارسة التي بدا شكلها غير مألوف لها فقطبت الأخرى حاجبيها قبل أن تضع الأصفاد حول يديها بخشونة لتسألها للأخرى
((أين تأخذيني؟))
صرخت الحارسة بها بفظاظة
((لا تسألي ونفذي الأوامر فقط))
.
.
في الجناح الجديد في السجن..
وفي العنبر الذي تم وضع شيرين فيه.. اتكأت على الحائط تريح ظهرها وقد عرفت أنه على خلفية بناء جناح جديد في السجن سيأتي وفد من المجتمع المدني لزيارة السجن بدعوة من المنسق الحكومي لحقوق الإنسان وبرفقة هيئة التحقيق والادعاء العام، وقادة السجن ومن مختلف الأجهزة الأمنية يقومون بأخذهم في جولة تفقدية في مرافق الجناح..
لم يكن متواجدًا في هذا الجناح الجديد غيرها هي ونزيلات أخريات تم اختيارهن بعناية فائقة فضلا عن وجود بعض عناصر الأجهزة الأمنية يلعبن دور "النزيلات"..
كانوا جميعا يتمشون في المكان بطابور ويلقون النظرات على الغرف والمراحيض حتى وصلوا للعنبر الذي تجلس فيه..
دخل مدير السجن بكامل هيئته العسكرية والنجوم التي تلمع على بدلته المرتبة العنبر فوقفت جميع النزيلات..
قام المدير بشد عضلات عنقه وظهره إلى الوراء بينما يقول لرئيس الوفد
((كما ترى حضرتك، عمليات التطوير داخل سجوننا لا تنتهي وذاك وفق حرص الدولة والقيادة في تطوير بيئة السجن ومهاجع السجناء))
أضاف نائب المدير الواقف إلى جواره بالهيئة المشابهة له لكن بنجوم أقل
((ولا يخفى على حضرتكم أن سجننا وما يقدمه للنزيلات من خدمات ومراعاة حقوقهن حاصل على الرضا التام من الجهات الحقوقية وهم في زيارات مستمرة إلى هنا))
أظهر رئيس الوفد وباقي أعضاؤه الإعجاب بكلامه! ثم تساءلوا أسئلة عادية عن عدد العنابر في السجن وطاقاتها الاستيعابية وأسماء الضباط المسؤولين عنها..
أخيرا توجه رئيس الوفد إلى النزيلات وبدأ يسألهنَّ ويجبنه أجوبة نموذجية حتى قالت إحداهن مشيدة
((الضابط المسؤول عن عنبرنا ومساعدوه يعاملوننا أفضل معاملة بل ويوضحون لنا حقوقنا وواجباتنا هنا، وكل أسبوعين لهم جلسة معنا للاستماع لمطالبنا، فيما تؤخذ يوميًا الشكاوى وتدرس في وقتها ويتخذ عليها القرار المناسب))
أسرت الصدمة شيرين! فهذه النزيلة والتي عرفت أنها في الأصل أحد عناصر الأمن بلباسها ناصع البياض والمُفصل جيدا على قياسها لعبت هذا الدور باستماته حيث لم يبقَ لها إلا أن تصور أن النزيلات هنا يعشن ويتنعمن في فردوس "مركز الإصلاح والتأهيل"!
جفلت فجأة شيرين عندما وجه رئيس الوفد انتباهه لها مبتسما
((وأنتِ أيتها النزيلة العابسة؟ هل عندك أي ملاحظات؟))
حانت نظرة من شيرين نحو مُعاذ الذي كان واقفا بالطابور الخاص بقادة السجن ثم عادت تنظر للرجل وتجيبه بتشفي
((الحقيقة بعد تجربتي في هذا السجن أنا مستعدة أن أتنازل وأقبل "حقوق الحيوان" في التعامل معي في الأيام الباقية لي هنا، فالمعاملة هنا لا ترقى أن تكون ضمن منظومة "حقوق الإنسان"، التي تفتخر بلادنا أنها من أكثر الدول المطبقة لها..))
انسحبت ألوان وجوه كل الواقفين لإجابتها الغير متوقعة حتى أن رئيس الوفد اضطربت ملامحه ثم قال بتوتر
((عجيب أمرك، لم يشتكِ أحد هنا من النزيلات غيرك، لذا وضعك شاذ، أو ربما كيدي أو انتقام من المسؤولين.. ما رأيكم يا رجال؟))
كان ينظر رئيس الوفد على عناصر أمن السجن في نهاية جملته منتظرا موافقة منهم فصدح صوت مُعاذ هاتفا بنبرة مميزة
((لم تكذب يا سيدي فيما تقوله، بل الحقيقة أن أي مواطن يتم توقيفه تحت طائلة أية قضية، وما أكثر أسباب التوقيف في بلادنا، يجبر على توديع إنسانيته على بوابة سجوننا والتي نصر على تسميتها مراكز الإصلاح والتأهيل..))
جحظت عينا مدير السجن حتى كادتا أن تخرجا من محجريهما سخطا على مُعاذ حتى أنه فكر في إعاقة طلب نقله لمكان عمله السابق لكن الآخر لم يبالِ وظل على ثبات كلامه دون أن يرف له جفن.. فاكتفى أن يتوعده ألا يتساهل معه بموضوع مقابلته نزيلته المفضلة أو ترك له أي حرية بالقيام بأي إصلاحات هنا بعد الآن..
=============================
في غرفة المعيشة..
حانت نظرة من الحاج يعقوب إلى ابنه المتمدد بكآبة على الأريكة بطارف عينه ثم أغلق التلفاز وسأله بهدوء
((غريب أمرك يا مَازن، ألاحظ منذ يومين أنك تعمل بجد في عملك بل لوقت يصل للعشر ساعات، ما الذي غيَّرك هكذا؟))
تنَّهد مَازن ببؤس ثم أجابه بصوتٍ لا حياة فيه
((لم أعد أملك أي بلايستيشن يا أبي.. وأخجل من الخروج مع أصدقائي بلا مال كافٍ أملكه))
همهم يعقوب بتفكير ثم قال وهو يخرج محفظته من جيب دشداشته
((رغم أن ظني يا مَازن أن التزامك في العمل هذا ما هو إلا شيء مؤقت، لكن سأعطيك المال كنوع من التحفيز لك لعله يثمر معك ويشجعك على الاستمرار))
انتفض مَازن جالسا على الأريكة كأن الحياة دبت فيه فجأة وأشرق وجهه متسائلا وهو يتناول النقود من والده ويجرب نعومة ملمسها
((حقا يا أبي شكرا لك.. ما أجمل المال.. ربَّاه متى آخر مرة رأيت ورقة نقدية بهذه القيمة!))
تناول المال الكثير من والده يعده بحماس عندما قال والده بصوتٍ وقور
((رغم أني يا مَازن عندما أضع أحدا موضع اختبار لا أُعلمه به، حتى أراقب تصرفاته العفوية وأحكم من منطلق ما رأيت، لكن سأخبرك أنتَ خصيصا أني أضعك الآن في اختبار.. لعلَّ وعسى تنجح فيه، لعلَّ وعسى))
توقف مَازن عما يقوم به وتساءل بعدم فهم
((ماذا تقصد يا أبي؟))
قال يعقوب بتروي وتحذير
((أقصد أنى سأرى الآن طريقة إنفاقك هذا المال، هل ستضعه مع المال الذي تكسبه من عملك لشراء أحدث أجهزة البلايستيشن أم ستذهب لزوجتك وابنتك وتسألهما ما ينقصهما ويحتاجان إليه، فأنا توقفت عن إعطائهما أي مصروف))
انطفأ الحماس في عيني مَازن بإحباط لكنه هزّ رأسه متفهما كلام أبيه الذي غادر الغرفة.. أخرج غطاءه ووسادته ثم توجه لغرفة الضيوف التي أضحى يمكث فيها ليلا.. وبينما يتوسد الكنبة يحاول النوم فُتح الباب عليه بعد طرقات سريعة لتخرج والدته متسائلة باقتضاب
((هل ستنام يا مَازن في غرفة الضيوف اليوم أيضًا؟))
قطب مَازن حاجبيه وقال
((نعم يا أمي ولكن احذري أن يعلم أبي أو أيَّ أحد آخر في البيت))
كتفت زاهية ذراعيها وقالت باستياء
((يمكن أن أخفي أمر نومك هنا لأسبوع أو اثنين لكن ليس أكثر من ذلك أو الأحرى الى متى؟))
نكس مَازن نظره ولم يعرف بماذا يجيب أمه فتأست ملامحها بحزن عليه ثم اقتربت لتجلس بجانبه وتسأله بحنو وهي تحاوط كفه
((هل أنتَ متعب يا قمر الدين؟ منذ شجارك مع لوح الثلج وتحطم البلايستيشن وأنتَ تعمل ساعات أكثر وتعود منهكًا ومستنزفًا..))
أخذ نفسا طويلا قبل أن يريح رأسه فوق حجرها.. ثم رفع يدها لفمه يلثمها وهو يقول
((نعم يا أمي متعب جدًّا، تخيلي أني بت أتمنى العودة للخارج ودراسة أي شيء، فالدراسة أرحم من التعامل مع عمل مرهق وزوجة أكثر إرهاقا))
أغلق مَازن جفنيه يغرق تدريجيا في سبات عميق من شدة تعبه من العمل، وما إن شعرت زاهية بانتظام أنفاسه حتى غادرت الغرفة بعدما دثرته جيدا..
عندما كانت تسير بطريقها لجناحها مرت من أمام غرفة ياسمين التي كان بابها مفتوح ومضاءة كليَّا بالداخل..
طرقت الباب عليها وما إن وصلها ردها إيجابا بالدخول حتى ولجت وهي تحدق بوجهها الذابل وعرفت أنها كانت تبكي فوجدت نفسها تسألها
((مالِ الحزن يعصرك يا لوح الثلج؟ ما الذي حدث بينك وبين مَازن حتى يقرر ألا ينام هنا))
رفت ياسمين بجفنيها الحارقين ثم تململت بيأس ورفعت وجهها لحماتها هادرة بكبرياء نازف
((قال بأننا سنتطلق))
امتعضت زاهية وهي تقول
((ولماذا؟ هل مثلا استيقظتما من النوم وقررتما الطلاق فجأة؟))
آست ملامح ياسمين أكثر فعادت تتساءل
((إذا لم تكوني تريدين الطلاق اذهبي وأقنعيه أن يعدل عنه، لا أن تندبي حظك هنا بالغرفة))
هزَّت ياسمين وجهها برفض وقالت
((لا، مستحيل أن أقنعه بالعدول، كرامتي تأبى))
رفعت زاهية ذقنها وقالت بحزم
((إذا لا تتأسفي عندما ينطقها، رأيته قبل قليل وبدا لا يطيق الصبر حتى يفعل ذلك))
خنقتها العبرة وهي تسألها مستنكرة بضعف أنثوي
((هل يمكن أن يفعلها حقا ويفرط بي؟))
ردَّت عليها حماتها بتلقائية
((ولما لا يفعلها وكل ما تقومين به يدفعه لذلك دفعًا!))
ترددت ياسمين قبل أن تتوسل وعيناها تغيمان بالألم
((ألا يمكن أن تتدخلي يا عمتي وتحاولي التحدث له ليعدل عن قراره؟))
نأت زاهية بوجهها بعيدا وقالت ببرود وقسوة
((لا لن أفعل.. فقد وعى على نفسه أخيرا، سأسانده بأي قرار يقدم عليه))
وقبل أن تغادر رمتها بنظرات جامدة وهي تخبرها
((ألغى كبريائك بينكما، واذهبي لابني الآن وجاهدي معه بنية الإصلاح بينكما.. ترفقي معه وتتدللي وتعقلي.. هل يجب أن أعلمك كل هذا!))
غمغمت ياسمين بعذاب وأسى عقب تنهيدة عميقة خرجت من أعماقها
((حسنا لكن ليس الآن.. ربما بالغد))
هتفت بها زاهية بغضب لعلها تحفز لوح الثلج داخلها
((أو ربما بعد الطلاق))
ثم صفقت الباب خلفها ممـا جـعـل دمعات حـارة تنساب بتأثر على وجنتي ياسمين..
=============================
بيت مُؤيد..
توغل مُؤيد منزله يتكئ على عكازه بيد وباليد الأخرى يمسك أكياسا من البقالة.. جلس على الأريكة في الصالة ثم مال هادرا نحو ولديه المنهمكيْن بالدراسة وهو يخرج ما في الأكياس
((لقد ذهبت لشراء الحلوى لك أنتَ وفهد، لو قبلتما أن تذهبا معي للبقالة لكنت تأكدت من أني اشتريت ما تفضلانه))
تطلع فهد بتجَّهم طفولي لوالده الذي تحولت معاملته معهم بشكل ملحوظ مؤخرا فلا يترك فرصة إلا وذهب لشراء الحلوى.. لكنه هتف فيه بحدة
((أبي أخبرناك ألا تحضر شيئا، لقد اشتريت لنا ما يكفي من الحلوى لوقت طويل))
عقب باسم موافقا أخيه
((قد تتسوس أسناننا يا أبي إن أكثرنا منها، سأضعها بالثلاجة بجانب أطنان الحلوى التي أحضرتها سابقا))
ثم عاد الولدين للاهتمام بواجباتهما المدرسية، فرفرف مُؤيد بعينيه يستوعب أن ولديه قاما بإحراجه ورفض ما يقدمه لهما بغية استمالتهما إليه بل من أجل الحصول ولو على جزء يسير من حبهما واهتمامهما بوالدتهما..
كل يوم يعود من البقالة متوقعا أن موقفهما سيتغير وسيستقبلانه بشوق ويحتضناه بفرح مدركين أن ذهابه للبقالة مرتبط بإحضار الحلوى لهم ولكن عبثا يفعل..
هو فقط أمام حقيقة أن عليه مراجعة أخلاقه وتعامله في تربية ورعاية ابنيه.. حتما هناك خلل أو اضطراب فيما يقوم به.. ليس بالتأكيد عليه أن يبكي أمامهما حتى يحظى بشيء من التعاطف منهما مثل تلك المرة التي رآه باسم بها وتأثر وعانقه من تلقاء نفسه.. إنما عليه أن يغرقهما بالاهتمام والرعاية بخلاف موضوع الحلوى..
أطلق مُؤيد زفيرا ضيقا شاعرا بالشفقة على نفسه..
أساسا ومنذ متى يهمه أطفاله أو حبهم له!
لا بد أن سبب هذا التفكير السخيف هو جلوسه منذ أشهر في البيت بدون خروج أو ترفيه عن نفسه..
رباه! متى ستشفى ساقه ويستأنف عمله ويخرج مع أصدقائه مثل سابق عهده!
ضجّ فجأة صوت رتيل وهي تصفق بيديها قائلة
((يكفي مذاكرة يا أولاد، غدا عطلة ولا داعي لإنهاك نفسيكما بالدراسة))
تذمر فهد بطفولية
((ولكن يا أمي أريد تعويض علامات الفصل السابق التي تراجعت لأنك لم تكوني معنا))
عقب باسم بحزن هو الآخر
((وانا أيضًا تراجع مجموعي الدراسي يا أمي وعليّ أن أعوض هذا الفصل بالدراسة أكثر))
ربتت رتيل فوق شعر باسم هادرة
((ستعوضها لا تقلق، لكن الآن جهزت الفشار بالكراميل وفيلم كرتوني رائع لكما))
كانت تحدق بملامح باسم الطفولية المشابهة لأبيه العابس والمتجهم بالفطرة بينما تتبدل ملامحه لأخرى مشبعة بالحماس وهو يهتف
((فشار بالكراميل! مرحى))
سارع الاثنين يوظبان كتبهما ثم يهرولان إلى الغرفة وقبل أن تغادر أنبها مُؤيد
((لماذا صنعتِ الفشار بالكراميل؟ ستتسوس أسنانهما))
ضيقت رتيل عينيها بشرر لكن لم تنطق بشيء مدركة أن الفراغ الذي يعاني مُؤيد منه هذه الأيام بسبب عدم عمله جعله أكثر عصبية!
تنحنح مُؤيد يجلي صوته قبل أن يغير الموضوع يخاطبها
((تعرض أحد البيوت في الحارة التي يقطن بها مُعاذ للسرقة وطلب مني أن أستضيف ابنته عندنا حتى يكون مطمئِنا عليها))
تغضَّن جبين رتيل معقبة
((أخاك مجنون! هل كانت تلك السرقة يجب أن تحدث ليدرك خطورة بقاء دارين لوحدها في شقته!؟))
وافقها مُؤيد الذي كان دائما معارضًا للحرية والثقة الزائدة التي يضعها أخاه في ابنته الفتيَّة! ليقول بصوتٍ مشحون بالغضب
((هل تظنين أني كنت لأسمح لدارين بالانتقال للعاصمة عند والدها لو كان وضعي الصحي أفضل وذهني خالي من المشاكل!))
تخصرت رتيل وقالت بعزم
((سأجهز لها غرفة الضيوف حتى تمكث فيها، فهي الغرفة الوحيدة الشاغرة في هذه الشقة الصغيرة!))
غمغم لها مُؤيد بشيء من الضيق
((الأمر مؤقت، انتظري حتى أدخر مالا أكثر وسأشتري شقة أكبر لنا جميعا، المهم ألا تمانعي بإقامة ابنة أخي معنا هنا))
اتسعت عينا رتيل بذهول اجتاحها وقالت
((أمانع!؟هل كنت قبل قليل تستأذنني بمجيء دارين هنا أم تعلمني أوامرك فحسب!))
ازداد الضيق المتجلي على وجه مُؤيد وقال حانقا
((بل أستشيرك! ألست زوجتي وتعيشين هنا ويجب عليّ إعلامك قبل استضافة أحد للعيش معنا!))
كان الذهول لا يزال حليفها وهي تهتف باستنكار
((لا أصدق ما أسمعه! هل أنتَ مُؤيد زوجي الذي أعرفه! ففي العادة لم تكن لتأخذ رأيي بأي شيء بل كنت لتتبجح أمامي أن هذه الشقة شقتك والمال مَالك ورجل العائلة فقط من يقرر ما يريد!))
كان مُؤيد يهز ساقه السليمة بغيظ من هذا الموقف فقالت بنبرة ذات مغزى
((ثم لا داعي للتفكير ببيت آخر أكبر لنا، فربما حددت فعلا يوم زواجك من صبر وصار لزاما عليّ أن أجهز لطلاقنا..))
أظلمت عينا مُؤيد عند هذا التهديد فترديدها للطلاق بين الحين والآخر يهز كيانه هزًا.. لكن قاطعهم تذمر ابنهما
((أمي التلفاز هنا صغير جدًّا مقارنة بتلفازنا في بيت جدي، كنت تنجحين هناك عندما تغلقين الإضاءة وتعلقين الأغطية بالسقف بجعل الأمر يبدو وكأننا في السينما))
اقترح عليهم مُؤيد بحماس غير مألوف فيه
((يا أولاد، ما رأيكم أن نذهب جميعا للسينما لنشاهد هذا الأفلام؟))
أشرق وجه فهد بالفرح وتساءل بلهفة
((حقا يا أبي؟ هل أنتَ جاد؟ ولكن كنت تقول لنا في السابق أنك تكره زيارة مثل هذه الأماكن!))
لكزه أخاه باسم هامسا بصوتٍ تناهى إلى أذني مُؤيد
((أيها الذكي عندما قال "جميعا" فقد كان يقصد أن نذهب كلنا إلا أمي))
عبست ملامح فهد لهذا الاستنتاج وقال لوالده برفض
((لا إذا كان هكذا الأمر، فلا نريد الذهاب معك))
رغم ذهول رتيل من كلام ابنيها إلا أنها سرعان ما ابتسمت بانتشاء لولائهما لها وغادرت معهما إلى الغرفة تاركين مُؤيد مكانه بوجه لا يُفسر! فهو قصد حقا أن يذهبوا جميعا هناك برفقة رتيل أيضا!
ضرب الأريكة بقدمه المصابة ليتأوه ألمًا مبرحًا!
متى ستشفى هذه الساق ويستأنف حياته السابقة! لقد مل سجنه في هذه الشقة الصغيرة! وأصحابه الأنذال لا يفكر أحدهم بزيارته أو الاتصال به إلا مرة كل حين خوفا من أن يعرف شيئا عن خططهم ويعاتبهم على الخروج للترفيه عن أنفسهم بدونه!
شدّ على نواجذه واستقام واقفا يريد التوجه إلى غرفته عندما وصله صوت ضحكاتهم العالية مع بدء الفيلم الكرتوني.. لا بد أنهم يقضون وقتا سعيدًا سويًا.. من دونه...!
تحامل مُؤيد على نفسه وأكمل خطواته المتعرجة إلى غرفته لا يعرف صفو البال له طريقا..
.
.
بقي مُؤيد يتقلب لساعات على فراشه الذي كان له كشاطئ من صخور مدببة.. محاولًا أن يسترق ساعة واحدة من الراحة فيفشل تمامًا!
يعيش دواماته الخاصة بذهنه القلق بأفكار متضاربة لا تفارقه.. يخاف من تسرب رتيل من بين يديه كالرمال الناعمة..
شوقه لها يزيد من فرض سيطرته على جسده الملتهب.. فتتأكله المواجع.. ويبدأ جسده يتصبب بعرق بارد، مغاير لغليان قلبه..
بعد صلاة الفجر أخذ نفسًا عميقًا بتعب يحني كتفيه..
لا زال غير قادر على تجنب تفكيره في زوجته.. بل لم يعد يتحكم في هذا الشوق المستعر الذي اختار من بداية ظلمة الليل مرتعا له يلسعه بلهيبه..
تطلع لباب الغرفة.. لم لا زال جالسا هنا ومرهم حروقه في الغرفة المجاورة له تماما! على بعد خطوات قلائل! ماذا ينتظر!
كان يحارب نفسه للذهاب لها فمسح باضطراب على وجهه المرهق وهو يشعر باختناق.. بعذاب..
بدا فاقدا للسيطرة بشكل مقلق.. والوحش الجائع بداخله يزأر به.. ينهش داخله.. يهشم كل شيء في طريقه يمنع تحرره..
تأوه يعنف نفسه الناقم عليها من ضعفه نحوها.. بل ودّ لو يجلد نفسه بالسياط لعله يصحو من مشاعره المكبوتة التي لا ترحمه.. لكن الوحش بداخله تمكن أخيرا من تلبسه وامتلاكه.. فأخذ يتمتم بأفكار متضاربة تستنزفه
((لن يستمر الأمر على حاله يا رتيل))
أبعد عكازه عنه وبدأت قدماه تقودانه كأنه مسلوب الإرادة إلى غرفتها..
طرق الباب بشيء من الانفعال النابع عن أفكاره ليجدها تطل عليه بمنامة قطنية للركبتين وبشعر مشعث من النوم وتقول بتعجب بينما تفرك عينيها
((مُؤيد!))
استشاط غضبا! ليس من هذا الملابس التي ترتديها فقط لكن لأنها كانت تنام قريرة العين بينما النوم حُرم عليه بسببها.. هي.. قال بخشونة
((تعالي إلى غرفتي أريد التحدث معك))
استعادت رتيل وعيها وهي تتطلع إليه باستغراب بعينيها.. ولم تمر أكثر من ربع ساعة حتى جاءت إلى غرفته تسأله بفظاظة
((ما الذي تريده منذ الفجر؟ ألم أخبرك أنى لم أعد مستعدة لتقديم أي خدمات لك؟))
لم يحتمل مُؤيد استفزازها برفضها المتكرر لخدمته فوجد نفسه يدفع جسدها داخل الغرفة فتتأوه بألم بينما يصفق الباب خلفهما..
نظرت إليه بوجل وهي تتقهقر للخلف بينما تسمعه يقول بنبرة نارية
((ما هذه الملابس التي ترتدينها أثناء النوم! لم أكن أحب أن أراك بهذا الشكل السافر ونحن زوجين طبيعيين فما بالك ونحن منفصلان! أنتِ تذبحيني بها))
ورغم غضبه كانت نظراته تنخفض وترتفع لمنامتها الخفيفة التي تكشف عن مفاتنها بإغراء يهُد جبالا لا رجالا.. فتنصهر أضلعه انصهارا..
كتفت رتيل ذراعيها لا تتراجع قيد أنملة.. ثم ابتسمت ابتسامة غريبة كابتسامة الموناليزا الجامدة دون أن تهتز لها شعرة لتقول
((يفترض بي الآن أن أثير اشمئزازك بملابسي هذه لا أن أغريك!))
وأصابته حقا في كلامها! نعم فهو كان يشمئز منها عندما ترتدي ملابس شبيهة بها لكن في هذه اللحظة ودون أن يفهم نفسه كانت أصابعه ترتعش كأنها لا تريد المرور عليها والاحتراق بملمسها.. وجد نفسه يهتف بها في فورة انفعالاته ومشاعره المحتدمة
((وأيَّ رجل يستطيع تجاهل امرأة بهذه الملابس والفتنة!؟))
شمخت بذقنها بعزة ثم قالت بزهو
((أمسك نظراتك عني، فأنت لن تنال أبدا ما تشتهيه من هذه الإمكانيات التي لا تتوافر بامرأة غيري، ولا حتى بصبر زوجة المستقبل!))
حاول عقله أن يواسيه ويلهمه التعامل معها بصبر لكن فشل لأن الصبر عدوه اللدود.. قبض على معصمها بقسوة يسحبها له ثم قرّ لها بخشونة
((لقد أخبرت أمي وابنة أبي أحمد بوضوح أني لن أتزوج أبدًا، لذا أزيحي كليا فكرة الطلاق أو زواجي من عقلك، ولنعد كالسابق وحسب))
صعقها بما قاله.. إذ لم تتوقع أنه سيتراجع عن الزواج.. على الأقل ليس بهذه السهولة.. ومع ذلك نزعات غضبها وسخطها عليه لم تخبو بل اشتعلت عيناها وهدرت بعناد وتعنت
((لا أصدقك، لذا سيبقى كل شيء على حاله))
أمعن النظر في عمق العنفوان المتوهج في عينيها ثم اجتذبها من معصمها بقسوة أكبر لتصطدم بصدره.. أمسك كتفيها وهزها بعنف غير مسبوق منه نحوها ليهدر فيها بتوحش مخيف
((قلت لك أنى لن أتزوج، لست أنا من أراوغ أو أكذب خشية شيء، لا تمتحني صبري ولتعد حياتنا كالسابق وحسب))
حدقت رتيل بعينيها الحالكتين في عمق عينيه المخيفتين ككهفين مظلمين وقد تأججت فيهما النار على حين غرة!
أما مُؤيد فتشنج جسده في جوع إلى وصالها.. بل تلوّت روحه توقا لقربها.. وشبَّت النار فيه من كل جانب..
كل ما فيه ينبض ليكون معها.. بشوق غاضب.. يائس.. حي.. نابض.. لكن بعذاب لا يوصف.. بظمئ السنين التي جهل فيها أن فتاة أحلامه كانت تعيش بالقرب منه بل بين يديه!
فتحركت شفتاه ينطق اسمها بهمس غاضب عنيف ((رتيـــل))
فهمت مطلبه ورفضت بصمت وجفاء.. ثم دفعته بقوة عنها بطريقة أثارت فيه نزعته القوية وأفقدته صوابه.. وقبل أن تنجح بالانسلال منه أخفض رأسه بلمح البصر لينهش شفتيها بقبلة بدائية متوحشة.. قاسية ممزوجة بالرعونة.. بالشغف.. بالاحتياج.. واللهفة لها هي فقط..
شلتها الصدمة في البداية.. لكن ما إن ضربت الإشارات المتأخرة عقلها حتى استوعبت ما يقوم به وبدأت تقاومه بشراسة مجنونة وعيناها تنفثان اللهب.. تضرب على كتفيه بينما هو مستمر بانتهاك شفتيها حتى تذوق طعم دمعة منها أثناء قبلته الهمجية..
رغم محاولاتها الضارية في المقاومة للإفلات منه إلا أنه كان أكثر قوة وتمكنا من فرض سيطرته فتهاون جسدها بين يديه، وما إن التقط جسده لحظة الانهيار هذه حتى أخذت قبلته منحى آخر تماما، بعيدا عن العنف والغضب.. فكفت عن المقاومة وسحب شوق له تلفها تدريجيا.. وحينها صار الأمر أكبر من قدرته في التوقف عن الغرق فيها.. وانتهى الأمر بهما على الفراش وأنفاسهما تتردد في فضاء الغرفة كأنهما في سباق الماراثون..
التف مُؤيد بينما العرق يتصبب منه نحوها.. ثم رفعت أنامله بارتجاف خصلة من ذاك الليل البهيم الممزوج بخصلات ذهبية ومال بوجهه يلثمه.. قبل أن يغرق في هيئتها البهية، ويستنشق عبيرها..
شعر بإجفالها فانقشع تأثير الاجتياح العاطفي تدريجيا عنه وبدأ يستوعب ما فعله قبل قليل.. بل ويغضب من نفسه.. فقد غرق فيها حتى وصل إلى قاع مجهول وضاع في حلكته كحلكة ما تبقى من خصلات يمسكها الآن لم تقربها صبغة.. فأفلت شعرها لتنسلَّ الخصلات الناعمات كالرمال المنسابة من بين أصابعه ثم أعطاها ظهره..
انكمشت ملامح رتيل بأسى.. لا بد أنه نادم على اكتساحها قبل قليل بسيل جارف من عاطفته الحقيقية..
صحيح أن روحها المتعطشة للعاطفة جعلتها تذهل وتصدم مِمَّا اقتاتت عليه من العاطفة الجامحة لكن أنوثتها لم تصل للرضى للفعلي ولم يحقق كل احتياجاتها.. لأنه لم يكن متبادلا.. إذ أنها لم تتجرأ أن تظهر له أي استجابة أو تفاعل حتى لا يستيقظ من هذيانه وجموحه فيوقفها ساخطا بعلة أنها تجسد له بتفاعلها معه شيطانة مغوية أو غانية رخيصة.. كأنها ليست زوجته وحلاله، ولها أن تشبع رغباتها كما بفعل هو.. فكتفت ذراعيها اللتان كانتا لا تزالان كالهلام كأنها تضم نفسها.. وفتحت شفتيها تقول بصوتٍ مثقل بالمشاعر المتناقضة
((سأتنازل وأعود لك بل وألغي فكرة الطلاق من أجل الولدين فقط، بما أنك ألغيت فكرة الزواج تماما، سأعود كالسابق وأقوم بواجباتي تجاهك يا مُؤيد، واجباتي وحسب.. لا أكثر.. ولا أقل..))
هدر لها بلهاث وبصوتٍ شديد الإنهاك
((نعم لنعد فقط مثل الماضي))
زمّت شفتيها تكتم الكثير من المشاعر قبل تسأله بترقب
((إذن.. هل ستعود لتعطيني مصروفي مثل الماضي؟))
ساد صمت تام بينهما بعد سؤالها.. حيث كان كلًا منهما أكثر تعبًا وأثقل قلبًا من أن يحاول قطعه.. فاستلقى مُؤيد على ظهره يحدق في السقف وداخله يموج بالانفعالات المتضاربة.. ثم هدر بملامح جامدة يكتنفها مزيج من الألم
((لا، أي شيء تحتاجينه من مأكل ومشرب وملبس سأحضره لك لكن لن أعطيك قرشا واحدا حتى لا تذخريه بأرصدتك البنكية))
انكمشت على نفسها وهي تدير ظهرها إليه تشتاط غيظا منه! لا يريد أن تمسكه من اليد التي تؤلمه! لا يريد استقلالها حتى لا تتحرر في المستقبل من الذل الذي يفرضه عليها! فهدرت به بصوتٍ مشحون بالحنق
((إذن كما سبق وقلت، سأقوم بواجباتي تجاهك ولكن لن أتطوع بما هو ليس فرض عليّ)) ============================= انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!