الفصل 85 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس وثمانون 85 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
13
كلمة
5,902
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل السادس والثلاثون

في سجن النساء..

هتفت شيرين بذهول أسرها للطبق الذي تمَّ تقديمه هنا

((هل هذا لحم ما يقدمونه هنا؟))

قالت إحدى زميلاتها في الزنزانة

((إنها من عماشة زاد الله من فضلها))

عقدت شيرين حاجبيها وتساءلت

((من هي عماشة؟))

تحَّلت رفيقتها بالجِدية وهي تقول

((عماشة اسم معروف لكل العاملين في سجننا، من أبسط حارس الى أعلى مسؤول في السجن يعرفون بأنها امرأة طيبة بل منهم من أصبح صديقا وقريبا منها، فقد ترددت على سجننا هذا فوق العشرين مرة..))

تدلى فك شيرين وتساءلت بانشداه

((دخلت السجن عشرين مرة؟! ما شاء الله..))

((نعم إذ أنها ما تلبث أن تخرج من السجن اليوم مثلًا حتى تعود إليه في الغد كما دخلته بعد أن تدَّعي أنها تعاطت موادًا ممنوعة وتسلم نفسها إلى أقرب مركز للشرطة كي يقتادوها إلى السجن، وإذا ما أعلن عن خروجها من السجن تؤكد لرفيقاتها في الزنزانة أنها ستعود بعد أسبوع أو شهر.. وما تلبث أن تعود فورا ولا يفاجئ أحد بعودتها، حتى سريرها يظل على ما هو عليه وتُترك ملابسها في السجن أيضًا))

أخذت رفيقتها شقفة خبز وغمستها بالطبق قبل أن تضعها بنهم في فمها ثم قالت وهي تمضغ الطعام

((لو كنت مكانها لفعلت نفس الشيء.. فهي امرأة بلا عمل أو شهادة وإدارات السجون لا توفر لها مهنة تعيش منها بعد خروجها السجن حتى لا تعود إليه.. أما هنا فتعيش عيشة الملوك كما أنها تجني الكثير من الأموال لقاء عملها في السجن..))

كان الذهول وعدم التصديق جليا على شيرين، خاصة وانه لا يوجد وظيفة لها في السجن قد تجلبها هذه الأموال الطائلة إلا لو كانت تهرب هنا موادًا ممنوعة وترشي الشرطة!

أكملت رفيقة زنزانة أخرى مُشيدة

((الأمر كله توفيق من الله فهي تتقيه وتزكي عن مالها وتصلي وتصوم وتذبح الذبائح وتوزع على العنابر وكل السجن يأكل من خيرها بارك الله فيها..))

هزًّت شيرين رأسها ببلاهة لعلاقة هذه السجينة التاريخية مع الموظفين في السجن، حتى أنها تساءلت كم أحدا عاصرت منهم! حيث يظهر أن هذا السجن شهد تغير الكثير من القيادات والمسؤولين، وكذلك تقاعد الكثير من العسكريين في حين ظلت هي دائمة فيه..

سَرَت قشعريرة في جسد شيرين لتقول بابتسامة متشنجة

((أتمنى أن أعرف أكثر عن عماشة هذه! ولكن ليس بوسعي إلا أن أدعو الله أن يرأف بحالها ويهديها إلى الصراط المستقيم، الآن سأتفقد تلك الصغيرة هناك لأتأكد من أنها أكلت من اللَّحم خاصتها))

ثم حملت نفسها هي وطبقها وجلست أمام تلك النزيلة الشابة التي تظل معظم الوقت في الزنزانة منزوية على نفسها وقالت بملامح ودودة

((مرحبا يا حلوة؟ هل أكلتي من اللحم الذي وزعوه؟))

رفعت تلك النزيلة الشابة وجهها ببطء وقالت

((لقد سمعت أنك ستخرجين قريبا))

لمعت عينا شيرين وهي تقول بدفء

((نعم إن شاء الله، أيام قليلة تفصلني عن الخروج لرؤية النور والحياة خارج الأبواب المقفلة.. آه.. كم أتوق الى تلك اللحظة.. كأني سأولد من جديد))

غمغمت النزيلة الشابة بغبطة وهي تُشدَّد من احتضان الوسادة بين ذراعيها ((تبدين سعيدة جدًّا))

تنهدت شيرين بعمق وقالت بلهفة من سيعود لأرض الوطن بعد غربة سنين طوال

((نعم، بعد مرحلة السجن سأبذل جهدي أن تُمحى هذه الأشهر من ذاكرتي إلا من شيء واحد.. الآن اتركي هذه الوسادة وتناولي طبقك وكُلي منه))

ابتسمت النزيلة الشابة بتردد لفرحة ولهفة شيرين لكن سرعان ما انقلبت ملامحها حسرة على نفسها ووجدت نفسها تكمم فاهها بيدها لتمنع رغبة بكاء تتصاعد من اختناق نفس متألمة قبل أن تدفن وجهها بوسادتها..

أشفقت شيرين على حالها فمدت ذراعها تمرر يدها على ظهرها صعودا ونزولا بحنو.. فهنا في السجن وحدها الوسائد هي من تكتم أسرار النزيلات وبئرًا لدموع ذرفتها عيون بكت قصصا لنفوس لا يعلم مآلها إلا الله..

رفعت النزيلة الشابة وجهها ومسحته بظهر كفيها وهي تقول بصوتٍ متهدج

((أنا أغبطك جدًّا، ليتني أخرج معك.. قيل لي أن أول أسبوع فقط هو الشُّاق في السجن، لكن لا زلت أشعر بالمرارة حتى الآن))

تنُّهدت شيرين قبل أن تقول

((لا أعرف إذا كان يجب عليّ التهوين عليك بالكذب أو وضع الصورة المريرة الحقيقية أمامك، لكن بهذا أو ذاك عليك أن تكوني قوية))

أومأت لها النزيلة فعادت تبتسم شيرين وتقول مقترحة

((أخبريني أكثر عن سبب تواجدك هنا لعلك تشعرين بالراحة))

كانت غاية شيرين من سؤالها هو أن تستمع لها وتفضفض لها لعلها تستطيع التخفيف عنها كما تمنت أن يفعل أحد معها عند دخولها هنا..

=============================

انقلب مَازن على ظهره يتململ على فراشه وهو يناظر السقف في ليلة أخرى ينامها وحيدا في غرفة الضيوف متفكرا في حاله.. قبل أن يجفل على صوت فتح الباب بخفة لتظهر منه ابنته الصغيرة تتساءل بصوتٍ ناعس وهي تفرك عينها

((أبي أنتَ هنا؟))

اعتدل شبه جالس وقال بحنو وهو يمد ذراعه

((تعالي يا ابنة أبيك))

هرولت نحوه فحملها مَازن ووضعها فوق حجره مستغربا سبب استيقاظها في هذا الوقت المتأخر من الليل.. ربت فوق شعرها ليجدها تعاتبه برقة طفولية

((أبي بالكاد رأيتك في الأيام السابقة ولم تخرجني للتنزه، ما بك؟))

اعتصر حزنها قلبه فغمغم بعد أن قبل جبينها

((أعرف أني مقصر بحقك يا حبيبتي، ولكني أعود منهكا من العمل يوميا، لكن سأعوضك قريبا بحول الله))

نكست رأسها وبدا عليها التردد قبل أن تهمس بخفوت يكاد يسمع

((هل ستعوضني حتى عندما تعرف.. أني.. أني من كسرت البلايستيشن))

اتسعت مقلتا مازن وردد

((أنتَ من كسرتيها!؟ أنت!؟ ولكن.. ولكن..))

تقوست شفتاها للأسفل وقالت بصوتٍ متحشرج

((أنا من وقفت فوق الكرسي وأوقعتها من الخزانة عندما كنت أحاول أخذها))

فجأة تبدلت ملامح مَازن الذاهلة لأخرى غاضبة وتمتم

((كان بإمكان أمك أن تقول ببساطة أنك من فعلت ذلك وتوفر علينا عناء هذه الأيام، لكن يتضح لي أنها كانت ترجو هذه المخاصمة لتحدث))

احتضنت هدى يد والدها وقالت

((هذا لأني توسلت لها ألاَّ تشي بي إليك))

مدت يدها الصغيرة تتلمس وجنته تكمل بحروف متقطعة

((أقسم لك.. أبي لم أقصد ذلك.. أنا.. آـ.. سـ.. فه))

نظر مَازن بانشداه لها بينما تكمل والدموع تتغرغر بعينيها

((أمي حزينة وتبكي كل يوم لأنكما ستطلقان! هل ستفعل ذلك وتبتعد عني وتسافر للخارج؟))

آلمه قلبه أكثر عندما بدأت صغيرته تبكي بحرقة وحزن على ما تسببت به.. المسكينة كانت تظن أنه سيسافر ويبتعد عنها وما عزز لها هذا الشعور هو عدم قضائه وقت معها في الأيام السابقة!

فلثم يدها ليعانقها بحنو وكان يربت على ظهرها بيده محاولًا تهدئتها قبل أن يهمس

((اهدئي يا حبيبة أبيك))

تمتمت له من بين شهقاتها الخافتة متطأطئة رأسها

((أرجوك اذهب عند أمي))

رفع مَازن وجهها بوضع يده أسفل ذقنها وقال مبتسما بمرح

((حسنا سأفعل بشرط أن تعودي للنوم من اجل المدرسة غدا صباحا))

وقد قامت بما أمرها به عندما رافقها لتغسل وجهها ثم وضعها في السرير ولم يبرح مكانه حتى هدهدها ونامت..

بعد أن تأكد من نوم ابنته.. توجه نحو جناحه فدخله بخفة ليفاجئ عندما لم يجد ياسمين على سريرهما بل بالغرفة المرافقة لها لا تزال تنير الإضاءة بينما هي مشغولة بمطرزاتها.. فقد جافى النوم عيناها بسبب الأرق منذ خصامها معه..

حرَّك يده يغلق إنارة تلك الغرفة ليعمّ الظلام تماما، فانتفضت مفزوعة مكانها قبل أن يسارع بطمأنتها

((لا تفزعي، هذا أنا.. مَازن))

بدأت تبكي بصوتٍ مخنوق مذعور وتقول

((مَازن هل أنتَ من أطفأت الإضاءة؟ أنتَ تعرف خوفي من الظلام! لم تتصرف بقسوة معـ..))

بترت ياسمين كلامها بشهقة عندما قال

((تعالي..))

جذبها إلى حضنه، يضمها بشدة إليه.. شاعرا بالخوف الذي يجتاحها.. كأنها طفلة مذعورة من البقاء في الظلام وحيدة.. ليس خوفا من الظلام بقدر ما هو خوف من الوحدة المستبدة القاتلة، التي أسرفت فيها فجعلتها لا تعرف كيف هو الوصال إليه أو المضي نحوه للوصول لقلبه فتتصرف بـعُدوَانيةٍ ونشوز معه ليبتعد عنها.. وهي في هذه اللحظة بحاجة منه للطمأنينة والأمان قبل أي شيء آخر.. شدَّد من احتضانها ليقول أخيرا بصوتٍ أجش

((سأطفئ الإضاءة كلما أردتك أن تلجئي لأحضاني))

واختض جسدها عندما قال

((أين ياسمين الباردة اللامبالية من تحرجني أمام الآخرين؟ أين القاسية في معاملتها لي؟))

تشبثت بملابسه واستمرت ببكاء مكتوم بينما هو مستمر باحتوائها.. لقد جعلها هذا القرب تدرك بأنها تحتاجه.. وتشتاق لتودده.. فمهما بدر منه يذوب جليدها أمام هذا القرب المحبب الحاني..

بقيا يستمدان من بعضهما عاطفة صامتة وفي داخلهما تطوف المشاعر متبعثرة.. جياشة.. ثائرة.. ابلغ من كل تعبير..

سحبها فجأة إلى غرفة نومهم المليئة بالنجوم المضيئة

((لن أشغل الإضاءة لأني أريدك ملتصقة بي، إضاءة هذه النجوم الخافتة كافية))

جعلها تتوسد الفراش واستلقى بجانبها، غمر أصابعه بشعرها يسألها معاتبا

((لماذا لم تخبريني أن هدى هي من كسرت البلايستيشن؟))

ملأت ياسمين رئتيها بالهواء وزفرته سريعًا في محاولة يائسة للسيطرة على مشاعرها وانفعالات جسدها ثم همست بألم

((تقصد تلك اللعبة التي أردت الانفصال عنى بسببها؟))

ضحك بخفوت أبح عليها فأردفت حانقة بحرقة

((لا أصدق أن البلايستيشن أهم عندك من أي شيء أو أحد آخر))

شابت نبرته التسلية والعبث وهو يقول

((نعم، إنها مهمة ولكن هناك من هو أهم عندي منها.. أنتِ))

تمتمت ياسمين بوهن من تصريحه وهي تضربه بخفة بقبضة يدها محاولة الابتعاد عنه

((لا أصدقك، البلايستيشن يأتي قبلي بالنسبة لك))

رفع مَازن حاجبيه هادرا بتلاعب وهو يشدد من ضمها

((قد يبدو الأمر سخيفا لكن اهتمامك أن تكون لكِ أولوية عندي قبل البلايستيشن يجعل قلبي يخفق))

للحظة بدت نظراتها له غير ثابتة كأنها تتهرب لكن لسانها أنكر وهي ترد عليه

((نعم إنه أمر سخيف يا قمر الدين))

نظر في عينيها بشغف وهو يقرب وجهه لها بعبث

((أمر سخيف! تعالي.. سأريك حقيقة الأمر..))

انفرجت منه ضحكة أخرى خافتة بينما يريح رأسها على صدره ويربت على كتفها.. وهو يسترد معها لحظات اشتياق سرقتها أيام من الجفاء والنبذ..

=============================

عاد مُؤيد من البقالة البعيدة.. متنفسه الوحيد في هذه الأوقات الذي يضطر فيها بسبب إصابة قدمه أن يظل في البيت ممسكا بعكازه لا يخرج ولا يرفه عن نفسه..

تنَّهد مُؤيد ببؤس وهو يلحظ بعد دخوله أنَّ غداءه المفضل مُعد وموضوع على طاولة الطعام في الصالة، لا يوجد ملابس له بسلة الغسيل أو مُتراكمة تنتظر دورها للكي..

إذن فقد عاد كل شيء بينه وبين رتيل كالسابق وعادت تقوم بواجباتها تجاهه.. وهنا راحة عجيبة تسللت له!

لكن عادت ملامحه تعبس وهو يفكر بأن هذا الأمر ليس كافيا.. نعم ليس من الكافي أن تعود رتيل وتقوم بواجباتها تجاهه وتتراجع عن فكرة الطلاق.. ففي ظل تجاهل أصدقائه له بعد إصابته وعدم تواصل أحد من إخوته معه إلا من خلال الرسائل النصية التي يسألونه فيها عن حاله من باب الواجب وصلة رحم لا غير! لا يوجد أمامه غيرها هي زوجته وولديه ليتحدث معهم في هذا الوقت المتعسر من حياته ويغمرونه بحنانهم واحتوائهم لإشباع ذلك الفراغ الرهيب في قلبه وعقله الذي صدأ بأيامه.. إلا أنهم جميعا اتفقوا على نبذه رغم محاولته التقرب منهم!

ليت رتيل تعود كعادتها القديمة وتحاصره بأسلتها الفضولية عن كل شيء وثرثرتها المزعجة عن آخر مستجدات أهل القرية التي تصلها..

توسد الأريكة ببؤس متعجبا من حاله!

من كان ليصدق أنه سيصبح مخلوقا حساسًا وكتلة من المشاعر الجياشة التي تحتاج للتعبير والخروج منه.. لم يظن قط أنه سيتمنى أن يناقش أمر مشاعره مع زوجته حتى مزاحًا لمجرد إصابة قدمه! آه.. كم تغير الأيام في الإنسان!

انتبه لدلوف رتيل فبدأ يبحث عن سبب ليسترعي انتباهها

((رتيل ظهري يؤلمني، هل يمكن لو سمحتِ أن تدلكيه))

عقبت رتيل ببرود وهي تكمل توضيب الصالة

((غريب، كنت في السابق تكره عندما أعرض عليك التدليك))

ضاقت ملامح مُؤيد.. نعم كان يكره الأمر لأنها كانت تعرض الأمر عليه بإغراء يثير تقززه ويجعله يراها كغانية..

هزَّ رأسه محاولا قطع استرسال هذه الأفكار لذهنه ثم قال

((فقط تمسيد خفيف، إنه يؤلمني، ربما بسبب طول فترة جلوسي على الكرسي))

وقفت مكانها تنظر له بجمود ثم قالت بنبرة نارية

((حقوقك الشرعية والواجبة عليّ فعلى عيني ورأسي، أما تلك التطوعية والكمالية لست ملزمة أن افعلها لك..))

تغَّضن جبين مُؤيد وتجهمت ملامحه لكن لم يرف لها جفن.. إذ أنها في السابق كانت تخدمه وتقوم بما عليها اتجاهه مهما ظلمها، أهانها، رفضها، أغضبها أو حتى أحزنها.. وهذا ما كان يجعله يزيد في تعسفه معها لأنه مهما فعل يدرك بأنه لم يكن ليتغير من خدمتها له شيئا.. لكن لا مزيد من كل هذا.. طالما أنه لم يقرر التغير أو يحاول أن يصلح علاقته بها فهي ليست مجبرة على تقديم تلك الخدمات النافلة له..

كظم مُؤيد غيظه بصعوبة وقال بازدراء ساخرا منها

((ماذا أفعل إذن لكي تعودي وتقدمي تلك الأمور التطوعية والاختيارية منك لي؟))

كتفت رتيل ذراعيها هادرة وهي تشمخ بذقنها

((لن أقول، لأني أعرف أن لا نيَّة لك صادقة في تغير تعنتك معنا أبدًا أو البحث في جوهر مشكلتنا، لا عتاب أو جلسة مصارحة ينفع معك دون تعصب أو تشنج))

ثم غادرت المكان بكل كبريائها تاركة إيَّاه على ملامحه المستهجنة.. وسرعان ما تجلى الإحباط والبؤس على وجهه! لقد ظنَّ أن كل شيء عاد لسابق عهده معها وستعود رتيل القديمة لمجرد مهادنتها في العلاقة الزوجية، لكن أضحت رتيل تزيد من جحيم حياته الآن بين الجدران الأربعة هذه!

=============================

في حديقة القصر..

كانت الحاجة زاهية جالسة تستظل تحت الأشجار بينما تتمتم بالذكر والتسبيح.. ويزيد يجلس معها يُذاكر دروسه عندما استغربت وصول ابنها مَازن مع شاب آخر لم تتبين ملامحه.. نهضت من مكانها وما إن صوب مَازن نظره لها حتى أشارت بعينيها له أن يتقدم.. ففعل لتسأله

((هل هذا صديقك يا مَازن؟ ولماذا تدخله من الباب الأمامي بدلًا من المؤدي للمجلس أو القبو؟))

ابتسم مَازن لوالدته مجيبًا وهو يناظر الشاب الذي يقف مكانه منكسا وجهه بإحراج وخجل

((أمي إنه مجيد، شقيق ياسمين))

استنكرت ملامح زاهية قائلة

((شقيق ياسمين!؟ ألم يُقَل لي أن ياسمين علاقتها بأخيها وأقاربها ليست على ما يرام ولذلك لا تزورهم ولا يزورونها؟))

ازدادت ابتسامة مَازن اتساعًا وهو يرد

((هذا صحيح لكنها تحاول تغيير ذلك وإعادة الوصال بينهم))

هزَّت زاهية وجهها له بتفهم فعاد مَازن لمجيد يقوده إلى جناحه فيسير معه ويبدو له الطريق شاقًا وخُطاه فيه ثقيلة..

فتح مَازن الباب يدعوه ليدخل راجيًا منه أن يتحلى بالصبر وداعيًا له بالتوفيق معها ثم غادر ليتركهما على راحتهما.. فعبرت قدما مجيد عتبة الجناح وصوب نظره على أخته التي تقف في منتصف الغرفة مقابله بملامحها المتجهمة.. ليقول لها بلهفة مثقلة بالمشاعر بعد لحظات ذات رهبة ممزوجة بالربكة ناحيتها

((كيف حالك يا أختي؟))

كان مجيد يقترب أكثر من ياسمين كأنه يريد معانقتها لكنها صدمته وهي تمد كفها مفرودة ناحيته كأنها تصد اقترابه ثم تهدر بجفاء وعنفوان داخلها يتخبط في دوامات تستعر بالغضب

((بخير، وأنت كيف حالك يا أخي؟))

تحرك حلق مجيد بارتباك كأن صدّها هذا جرحه بشدة.. يبدو أنها لم تكن لتوافق على رؤيته لولا مَازن، إذ سمعه على الطريق يهاتفها ويتوسل لها بصوتٍ مكتوم أن تحسن استقباله!

قساوة عينيها تكاد تذبحه وتنحر قلبه.. لكنه تقدم منها بعناد مباغت ليقول بإصرار ممزوج بالحرقة

((إذا كنت لا تتحملين وجودي للحظات سأغادر، فقط أرجوكِ دعيني أودعك لمرة أخيرة وأعانقك))

تحشرجت نبرته في آخر كلماته.. لتشعر بقلبها داخل صدرها ينبض بشدة، فأشاحت بوجهها عنه تمنع تأثيره عليها لتقول ببرود مزيف

((استرجل قليلا أيها الأحمق أنتَ رجل، والرجال لا يبكون))

نكس وجهه ثم أغمض عينيه يمنع دموعه التي تخونه للتحرر من محبسها وهو يدمدم

((سبحان الله! نفس الجملة التي كان يقولها لي أبي دوما ليثبت أني لا أستحق كلمة رجل.. ولكن.. لكن..))

تقبضت يديه بعجز ليردف بصوتٍ مرتجف

((ولكن لم أتوقع أبدًا أن يكون لقائك بي بعد كل هذه المدة هكذا!))

كان جسدها يقشعر ولا تعرف سر ردة فعلها غير المحسوبة هذه، بينما يهتف فيها

((أنتِ قاسية يا ياسمين.. قاسية.. تشبهين أبي وأمي))

عتابه مزَّق قلبها لكنها تحلت بالثبات وهي ترد عليه دون محاولة إخفاء قهرها

((نسيت نفسك.. أنت أيضًا قاسي، فلا تمثل دور الرقة والطيبة الآن، أنا متزوجة منذ ما يزيد عن الثمانية سنوات ولم تحاول ولو لمرة واحدة ولو من خلف ظهر أبي أن تتواصل معي أو تسأل عن حالي))

طفح الذنب على وجهه وقال بدفاعية واهنة

((كنت أخشى أن يعلم أبي، لو تعلمين بالمرات التي كنت تحاولين التواصل معه كان يردعك قائلا أنَّه تبرأ منك ويوصيني أن أفعل نفس الشيء معك، حتى أنه كان يُضيق على الخناق ويُهددني بالويل إذا عرف أني قد اتحدت معهم))

أخذت دموعها تسيل لا شعوريا وهي لا تصدق أن تصل قسوة ونكران والدها إلى هذا الحد معها.. خاصة.. خاصة.. خاصة وأنها لم تفعل ما يستدعي ذلك! فهمست من فرط قهرها بشهقات أقرب للأنين

((إذن لا تخالف وصاياه وغادر))

صمت لثواني لجم فيها لسانه قبل أن يقول

((حسنا سأغادر لكن هل يمكن أن أحظى معك بعناق أخير؟ قد لا أراك مجددا))

زمّت شفتيها المرتجفتين وهي تبادله النظر قبل أن تشعر به يندفع نحوها ويعتصرها بعناق أخوي طال انتظاره.. شدَّد من قوة عناقه فكاد يوجع عظامها لكن الألم والوجع في القلب فوق كل احتمال.. تمتم لها بعذاب وحرقة

((لو تصدقيني فقط.. لقد اشتقت لك يا أختي))

أفلتت ياسمين زمام ثباتها عن مشاعرها وقالت من بين بكائها

((وأنا أيضًا، كنت أتابع صورك على مواقع التواصل الاجتماعي أولا بأول، لا أصدق أن المراهق الذي كان يصغرني عمرا قد أضحى بهذا الطول الفارع))

أبعد وجهه المحتقن بالمشاعر المتأثرة عنها ليقول متفكها

((لست طويلا يا ياسمين، أنتِ القصيرة))

ابتسمت بشحوب له ورددت

((معك حق أنت لست طويلا مقارنة بمَازن))

مسح مجيد دموعها وسحبها من يدها لتجلس معه على الأريكة.. ثم احتضن كلتا يديها وسألها باهتمام

((ياسمين هل أنتِ سعيدة مع مَازن؟ صراحة أنا أحب هذا الرجل لكن محبتي له لن تمنعني من وضع سعادتك أنتِ قبل أي شيء))

أصابتها الدهشة وعدم الفهم لمقصده، فازدرد مجيد ريقه ليقول بشيء من التردد

((أقصد أني أعرف أنك لم تكوني لتتزوجي منه لولا رغبتك بالهرب من والديّ وأنه شخصيته غير متوافقة معك، لذا لو أردت الطلاق منه فأنا أول من سيدعمك.. يمكنك إكمال دراستك إذا أحببتِ))

شردت ياسمين بنظرها المعذب بعيدا قبل أن ترد بابتسامتها الشاحبة

((دعنا نؤجل الحديث عن هذا الموضوع، ها.. أخبرني كيف حالك؟ وكيف دراستك؟ هل هناك من يعد لك الطعام أو يهتم لأمورك))

ابتلع مجيد غصة مسننة استحكمت حلقه ثم غمغم

((لا، أقاربنا لم يتحدث معي أحد منهم بعد انتهاء العزاء إلا عمتي.. لكني أدبر نفسي جيدًا وأعرف الطهو.. بعد وفاة أمي رحمها الله اجبرني أبي على تعلم إعداد الطعام لنا نحن الاثنين مقابل عدم جلب زوجة أب لي تسيء معاملتي وتطردني من المنزل))

أمَّا مَازن الذي كان واقفا خلف الباب مواربًا عن الأنظار ويمسك صينية القهوة قد سمع جزءً من الحديث.. شدّ على أنيابه بغيظ بالغ.. مجيد الجاحد!

لقد كان هو الوحيد الذي سانده ووقف بجانبه بل وأقنع أخته باستماته أن تصالحه ليكون هذا جزاءه! أن يحرضها على الطلاق منه لمجرد شعوره بالوحدة، وفوقها يبدوا البطل في قصة لمَّ شملهما!

.

.

بعد مغادرة مجيد ومرور بعض الوقت..

دلف مَازن لجناحه ليجد زوجته تلهي نفسها بمشغولات الخياطة بوجه مشرق سعيد.. لا بد أن مصالحتها مع أخيها أعادت لها جزء من راحتها المفقودة.. وأزاحت حملًا ثقيلا من النبذ الأبوي والتغريب الأخوي

عن عاتقها.. تنحنح مكانه يجلي صوته ثم قال مدعيا اللامبالاة

((لقد سمعتك دون قصد تتحدثين مع أخيك عن الطلاق.. هل عندك نية لطلب الطلاق مني بعد أن تغيرت علاقتك معه؟))

اكفهرَّ وجهها ونكسته لتجيب بخفوت ((لا أعلم..))

همهم لها بصوتٍ متعب لأعصابها ثم قال بنبرة عادية

((حسنا.. رغم أني لم أتصافى معك إلا مؤخرا إلا أني أشعر بالحزن لفكرة طلاقنا.. لكن بالتأكيد يظل قرار البقاء من عدمه عائدا لك.. متى ما فكرت فيه جيدًا أعلميني وسأنفذه من أجلك يا ياسو العزيزة..))

ازدردت ريقها بألم ثم قالت ساخرة بلا مرح

((شكرا لك يا قمرالدَّين العزيز))

قال مازن بواجهة الرجل النبيل

((أتمنى حقا بعد طلاقنا أن تتزوجي من رجل يعرف يكسب قلبك كما تتمنيه وشخصيته تتناسب مع امرأة واعدة مثلك..))

شعرت بغضب غريب يجتاحها من كلامه واستسهاله أمر الطلاق فجارته من بين أسنانها

((لا تقلق بهذا الشأن.. بمجرد أن أحصل على الطلاق منك، ويمتلئ طابور الخطاب أمام بيتي لن أتزوج إلا أفضلهم..))

وضع مَازن ساقا فوق الأخرى ثم قال

((وبالنسبة لحضانة هدى عند زواجك.. لن أحاول أبدًا أن أضغط عليك بشأنها أو أنزعها منك، أنا أثق أنك ستضعينها دائما صوب عينيك واهتمامك..))

بالكاد أمسكت نفسها من شدة غيظها ورغبتها في خنقه ثم قالت

((فيك الخير يا قمر الدين.. لكن أنا أقول لنتقاسم الحضانة بيننا.. لقد حُرمت هدى من رعايتك معظم سنوات زواجنا فلا أريدها أن تحرم منك أيضا بعد طلاقنا))

هزَّ مَازن كتفيه وقال بنبرة متشككة

((لا أستطيع أن أعدك بشيء، فالأمر عائد لزوجتي المستقبلية وظروفها وقدراتها.. لكن أُفَضل أن تعيش هدى معك وآخذها أنا بالعطل لزيارتي لغاية التعرف على إخوتها مني ومن أجل..))

تجلت الصَّدمة على وجهها للحظات وطلت عينيها بنظرات مصدومة صارخة.. وحين طال الصمت بصورة ثقيلة ومخيفة بينهما بللّت شفتيها الجافتين.. وعادت تتذكر نبرته الواثقة لأمه عن تكرار زواجه عندما كانت تطلع على صور الفتيات في ذلك اليوم.. لتقول أخيرا بصوتٍ باهت وبحدقتين مهتزتين

((إخوتها!؟ مَازن.. هل أنتَ متزوج من غيري؟))

غمغم مَازن لها ببراءة

((أنا أتحدث عن المستقبل))

انسابت الكلمات من بين شفتيها بصوتٍ مرتعش مستنكر وهي تقوم من مكانها نحوه

((أخبرني هل أنتَ متزوج أو تمهد لي ذلك؟))

ظلَّ مَازن ينظر لها بوجه مقتضب متبلد لا يجيب عليها بينما يجدها تقف أمامه مباشرة لتقول هي بعد فترة طويلة وتهمس بصوتٍ متداعٍ

((لماذا لا تجيب؟ أنت متزوج من غيري؟ أنتَ متزوج صحيح!))

انهار صوتها في نهاية جملتها.. وعندما لم تنحسر ملامحه أبدًا أو ينكر كلامها هزت وجهها لتقول بوجه شاحب

((أنتَ متزوج بالفعل! ألهذا فتحت سيرة الطلاق عليّ، وشجعت أخي أن يفتحه قبل قليل أمامي؟))

اتسعت عَيناه لهذا الاستنتاج الذي وصلت له.. ولم يجد قدرة أكثر على الثبات وانفجر فجأة ضاحكا بصوتٍ عابث بقلبها الصغير البائس.. ليستطرد من بين ضحكاته

((يا إلهي لا أستطيع.. لا أستطيع حقا.. لا أصدق.. غبية يا ياسو.. أنتِ غبية.. لكني انتقمت منك))

رفرفت ياسمين بعينيها بصدمة متمتمه ((ماذا تقصد؟))

خفتت ضحكاته تدريجيا بتعب ليقول بأنفاس مسروقة

((ألم تقولي أمام عائلتي عن مُناك بزواجي والتخلص مني.. إذن لماذا انهار كل ما فيك بهذا الشكل المثير للشفقة عندما شككت مجرد شك بزواجي؟ سأخبر كل عائلتي بما حدث.. سأجعلك مثارا للسخرية أمامهم جميعا.. ولأشهر قادمة))

رمته بنظرة قاتلة ثم سألته بصوتٍ واهن ضعيف

((أنتَ لست متزوجا.. صحيح؟))

أمسك يديها وقال بصوته الأجش المميز

((أنا متزوج.. متزوج بك يا ياسو، هل نسيتِ؟))

بتر كلماته وعادت تجتاحه نوبة ضحك أخرى.. فتسارعت وتيرة دقات قلبها فتشعر بخديها يلتهبان.. لكنها عادت تسأله بعينين مترقبتين

((أنتَ إذن لست متزوجا من غيري؟))

تمددَّ على ظهره وضحكاته في تزايد، ومر وقت عليه قبل أن يخفت منها فأمسكته ياسمين من أعلى ذراعيه تجلسه ثم قالت له بصوتٍ جاد والغيرة تطعن قلبها طعنًا

((مَازن.. إيَّاك أن تجلب سيرة الطلاق.. أنا أكرهك.. أكرهك كرهًا لن يبعدك عني.. بل سيزيدك غيضا مني، لكن لا ولن ابتعد عنك.. أتفهم؟ أنا لن ابتعد عنك))

كانت تعانق عينيه بعينيها وقد شعر بيديها الممسكتان به تزداد ارتجافا فأمكسها بكفيه يحيط بهما هادرا

((ياسو أنتِ ترتجفين.. اهدئي..))

زفرت ياسمين أنفاسًا مرتعشة وقالت بلوعة

((هذا.. لأني.. أحبك..))

لوهلة احتلت الصدمة محياه، وأربد كيانه.. أتعترف بحبها.. هي تكن مشاعر حب ...إنها تحبه!

اقشعر بدنه لرجفة صوتها وهي تردف بألم مفضوح

((أرجوك لا تسخر مني.. ولكن أنا أحبك.. وأحتاجك بجانبي))

وجدت نفسها تنساق له وهو يجتذبها يرفعها لتجلس على حجره.. يحوطها بذراعيه ثم ضمها إلى صدره فدفنت وجهها بعنقه.. اعتصرها لتلصق بجسدها أكثر ليهمس

((ياسو.. حبيبتي اهدئي.. سمعيني مرة ثانية ما قلتـ..))

فجأة جفل الاثنين على هتاف طفولي

((لن تتركنا أبي إذن؟))

رفعت ياسمين رأسها للخلف إلى جهة الباب واتسعت عينا مَازن يسألها بقلق

((هدى منذ متى كنت تقفين هناك؟))

تقدمت هدى منهما ببطء تتساءل بصوتٍ متحشرج مفطور الفؤاد

((أبي هل ستتركنا وتسافر للخارج؟))

ذاب قلب مَازن على الحزن والذعر المرتسم على ملامح ابنته الطفولية فمد ذراعه يحثها أن تقترب منه ويجلسها فوق ساقه الأخرى.. ثم عاود ضم جسد ياسمين إليه مما جعلها تستشعر نبضات قلبه القوية تحت كفها الملامس لصدره.. أراحت هدى رأسها على صدر والدها كما تفعل أمها ثم همست

((أحبك أكثر من عمي مُؤيد، فإذا رحلت لن يعوضني أحد عنك))

أكد عليها مَازن وهو يربت فوق شعرها

((أبدا مستحيل..))

رفعت وجهها له تهتف بعبوس وخوف

((ولكنك تريد أن تتقاسم حضانتي مع أمي))

هتف بذعر وقد بدأت عيناه تتسعان

((رباه.. هدى.. ماذا سمعت! لقد كان مقلبا لأمك.. لم أنتبه لوجودك.. أنتِ ابنتي الحبيبة الوحيدة.. أبيع الكل من أجلك.. أبيع حتى أمك من أجلك))

لكزته ياسمين بخفة وتذمرت

((ماذا تقول يا قمر الدين؟))

ضمَّ ياسمين الجالسة على ساقه الأخرى أكثر وهو يقول مبتسما لعينيها

((أقصد أبيع الجميع من أجلكما.. أنتما الاثنتين حبيبتاي ومن تملئان حياتي بالبهجة))

همست له ياسمين بصوتٍ متخم بالعاطفة

((وأنا أيضًا.. أحبك يا قمري))

شدَّت هدى ذراعه تستدعي انتباهه مغمغة

((أبي وأنا أيضا.. أنا أحبك..))

لم يصدق ما تسمعه أذناه ليشدد ويقبل جبين كل منهما

((لا هذا كثير عليَّ.. حقا لا أصدق))

برقت عيناه ونبض قلبه سريعًا جدا وهو يهمس لها بخفوت مؤثر

((هل أنا في حلم؟ ما سر كل هذه الحب المتدفق نحوي منكما!))

وفي هذا الوقت ظلت الاثنتين ملتصقتين به حتى ظن أنهما غرقا في النوم.. وعندما حاول مَازن أن يتحرك بتحريكها لينهض ياسمين عنه جفل على صوت هتافها الحانق

((لقد اشتقت للنوم بين ذراعيك، مهما كانت الظروف فلا تبتعد عني.. وافهم الأمر كما تشاء))

رفرف بعينيه متلعثما

((أنا لا أنكر أني أريد ذلك، لكن كما ترين في حضرة ابنتنا أحاول ألا أتمادى فيما لا يمكنني السيطرة عليه))

قطبت حاجبيها باعتراض بالغ وقالت

((ليس من حيائك قمري، أنت معتاد على إحراجي أمام عائلتك، لذا سأنام مهما كانت الظروف بجانبك كيفما تواجدت معك..))

قاطعها وهو يبعد ابنته بلطف عن أحضانه

((انتظري، هدى حبيبتي ما رأيك أن تذهبي لعب مع يزيد وخالة سمية، ووعد مني سأكافئك))

ثم نظر لياسمين يغمز بعبث

((لي مع أمك كلام كثير ويجب أن نناقشه بمفردنا))

فهمت ياسمين مغزاه فربتت على ذراع هدى تكمل

((هيا هدى.. اذهبي ولك منا مكافأة.. مفهوم؟))

أومأت بموافقة وصرخت بفرحة تنزل عن حجر والدها

((حسنا إذن.. فقط لا تجعلاني انتظر كثيرا))

قبَّلها مَازن بجبينها مبتسما يقول لها

((حبيبتي الصغيرة.. أعرف بأنك فتاة مطيعة))

عند خروجها وقفت هدى ترمي قبلات بالهواء لهما وتودعهما لتغلق الباب وراءها، التفت ياسمين نحو مَازن الذي همس لها عابثا

((ها... أين توقفنا منذ قليل.. قلت أمرا عن شعورك تجاهي.. أريد سماعه من جديد))

وضعت رأسها على صدره بتمنع

((لا أتذكر ما قلته..))

شهقت بغتة عندما حملها وهو يدنو بوجهه نحوها يهمس

((إذن عزيزتي لدي طريقتي الخاصة كي أنعش ذاكرتك))

ما لبث أن ضحك وهي تتلوى في أحضانه وقد تورد وجهها خجلا ((مَازن انتظر..))

وضعها برفق على السرير وقد اعتلاها

((ها! هل تخبريني الآن؟))

وعلى الفور كانت تجتذبه تحوط ذراعاها حول عنقه معاتبة بصوتٍ متثاقل من النعاس

((قمري أنا أحبك.. فقط لا تشعرني أني جسد لتدفئة فراشك، فهذا يجرحني بحق))

أسدلت جفونها وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مرحة تاركة قمرها أسير ذهوله يتساءل أهذه ياسمين الباردة، لوح الثلج، يبدو أن أزمتهما الطويلة المتعسرة قد ولَّدت إحساسًا جديدًا يغزو أيامهما بعهد جديد في علاقتهما.. بريق مختلف يلتمع من عينيه لأول مرة تأثرا بعاطفتها الحميمة، وبشكل خاص حينما فهم أنَّها عاجزة عن النوم بعيدة عنه..

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...