الفصل 86 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس وثمانون 86 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
13
كلمة
10,186
وقت القراءة
51 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

ركن مُؤيد سيارته أمام النادي ليترجل ولديه مع دارين بينما يقول منبهًا لهم

((كما قلت سابقًا.. سأعود لأخذكم بعد ساعتين))

نظر فهد لأبيه بوجه متوسل يستعطف

((أبي أرجوك.. اجعلها أربعة لأننا في نهاية الأسبوع))

لكزت رتيل الجالسة بجانب زوجها كتفه وبنظرة متحفزة تحثه على الموافقة برجاء ضمني فتنهد مُؤيد وقال بنزق

((حسنا، سأصحب أمكم إلى مكان ما ثم سأعود بعد ثلاث ساعات لأجلكم))

أشرقت وجوه الأولاد بابتهاج وقفز فهد من خلف الكرسي يتعلق به فرحا يلثم وجنة والده من الخلف هاتفًا

((أحبك يا أجمل أب في العالم))

كتم مُؤيد ابتسامة جانبية ليظهر حنقه بينما يهرول الأولاد نحو النادي مسرعين خشية من أن يغير رأيه.. شغل محرك السيارة وبدأ يقودها بينما يأتيه صوت زوجته المستنكر

((لماذا لم تتركني أذهب مع الأولاد في النادي كالعادة؟))

أجابها وعينيه على الطريق أمامه

((لأني كل مرة آتي لأخذكم من النادي ألحظ عليك أمارات الممل والضجر))

احتجت له باقتضاب

((نعم بالتأكيد سأضجر عندما أنتظرهم في مكان مخصص للأطفال لحين انتهائهم من ألعابهم، ولكن طبعا.. هذا بالتأكيد أفضل من البقاء مسجونة بين أربع جدران لوحدي))

مدت يدها كأنها تستوقفه

((لذا.. لو سمحت أعدني للنادي))

التفت لجانبه للحظة قبل أن يقول ببراءة

((حسنا كما تريدين، سأعيدك هناك وأنا الساذج الذي نويت أن أقلك إلى أكثر الأماكن المملة بالنسبة لي لأرفه عنك قليلا))

اتسعت مقلتيها وغمغمت له ببلاهة

((ستأخذني إلى أين؟ لا أفهمك))

لكن لم يُزِل فضولها بل ظل يقود بالسيارة لدقائق أخرى قبل أن يقف عند وجهته.. فك حزام الأمان فطالعت رتيل نافذتها لترى المكان الذي وصلا إليه وسرعان ما هتفت بصدمة اعترتها

((هل سننزل عند هذا المتحف يا مُؤيد؟))

هز رأسه وقال ببساطة وهو يفتح مقبض الباب

((أنا عرفت أنك مولعة بالأدب والتاريخ والفن وتلك الأمور المملة وقلت في نفسي أن نذهب سويا هنا وأجبر نفسي معك على الاطلاع على ما يعرض فيه تكفيرا عن ذنوب اقترفتها بالماضي))

ظلت متسمرة مكانها بصدمة للحظات قبل أن تنتفض لخارج السيارة كمن دبت فيها الحياة فجأة بغير تصديق.. حتى أنها نسيت نفسها في الشارع وأطلقت صرخة مبتهجة واندفعت نحوه محتضنة إياه بقوة ومقبلة وجنته..

احتقن وجهه بالغضب لجرأتها فشهقت ورفرفت بأهدابها مدّعية البراءة والأسف

((آسفة حبيبي، والله نسيت أين نحن.. آسفة))

ثم هرولت لداخل المتحف قبل حتى أن تنتظره أن يتكلم..

شتمها مُؤيد بصوتٍ خفيض وبالكاد منع نفسه ألاَّ يقسم بعدم اصطحابها الى هنا مجددا.. لكنه تماسك وتحلى بصبر جميل وهو يسير بخطى ثابتة داخل المتحف..

بدأ الاثنان يجولان جنبا إلى جنب بالطابق الأخير في المتحف..

حاول مُؤيد أن يقلل من الملل الذي طاله طوال الساعات الماضية في هذا المكان بمحاولة الاستمتاع باللوحات الفنية والمجسمات لكن بلا جدوى.. فتنهد بنفاذ صبر

((ألم تشبعي بعد من التحديق بهذه الأشياء السخيفة؟ تأخرنا على الأولاد، دعينا نغادر وسآخذك هنا مرة أخرى، لكن بالطبع من دوني))

لكنها لم ترد عليه وكل ما فيها مأخوذ وغارق بجمال وهيبة المكان وسحر مقتنياته الغامضة التي تحوي أسرارا لم تُكشَف جميعها بعد عن حضارات عديدة عاصرت بلادهم..

وحده صوت امرأة تقترب منهما هو ما أرجعها الى الواقع وهي تسمعها تنادي هادرة

((مرحبا يا سيدة رتيل))

تطلع مُؤيد للمرأة الأنيقة الكبيرة في السن باستغراب بينما تخبرها رتيل بلهفة سعيدة كمن تعرفها منذ زمن

((أهلا بك يا سيدة، ألا زلتي تذكريني؟))

ابتسمت المرأة ببشاشة مجيبة

((نعم لا زلت أذكرك أنتِ وصديقتك غنوة فقد اعتدت على زيارتكما للمتحف بين الحين والآخر، مضى الكثير منذ آخر مرة رأيتك هنا.. جئت إليك فقط لأتأكد من أنك تحظين بوقت سعيد مع زوجك))

ارتجفت رتيل عند ذكر غنوة من رأسها لأخمص قدميها لكنها هزت رأسها للمرأة التي اتسعت ابتسامتها لتقول وهي تغادر ((أستودعك الله))

ظل وجه رتيل مبهوتا فآخر ما ينقصها في هذه الساعات السعيدة ذكر غنوة وتذكير مُؤيد بكل ما حدث بينهما..

لم تستطع رفع عينيها ومواجهته وكان هو من بدأ القول بصوتٍ جاهد في إخراجه عفويًا دون أي مقت

((يبدو أنك كنتِ تأتين هنا كثيرًا مع غنوة))

تحشرج صوت رتيل بينما ترد

((نعم بالفعل كنت آتي هنا كثيرا معها))

وعجلت من خطواتها تسبقه في الخروج، من المتحف..

للحظات كان مُؤيد قد استقل معها سيارته ولاحظ التوتر يعصف بكيانها فعقب بهدوء

((كان مجرد سؤال بسيط، لا داعي للتلبك هكذا))

بدأت رتيل داخل السيارة تهز ساقها بعصبية لتقول

((الأمر فقط أني صرت أشمئز من ذكر سيرتها بعد أن قررنا أنا وأنت نسيان الماضي))

أطلق مُؤيد عدة أنفاس كانت تجيش بصدره.. هم بتشغيل محرك السيارة لكن صوت رتيل الذي يحمل اللوم والسخط وصله بغتة كتيارات كهربائية لاذعة

((مُؤيد هل خسرت شيئا من رجولتك عندما أحضرتني إلى مكان كهذا المتحف؟))

ناظرها بملامح عابسة وهتف بخشونة

((ماذا تقصدين؟))

تجمعت الدموع في عينيها لتهدر بقهر مكبوت في جنبات قلبها ونظر شارد

((أقصد ماذا كنت ستخسر لو قبلت في الماضي أن تخرجني مرة أو مرتين في الشهر للترفيه عن نفسي طالما لا تعاني ماديا!؟ لم كنت تصر على جعلي كزوجة لمجرد صورة نمطية اعتدت على معايشتها في بيئتك لا يمكنها الخروج عن إطارها إرضاءً لعائلتك ومجتمعك، لماذا فرضت عليّنا نحن الاثنين أن نعيش حياة خانقة!؟))

حاول أن يجلي حلقه ليتغلب على تأثره بينما تكمل أسئلتها المستنكرة

((لو كان هذا الكبت هو أسلوب حياتك لأجبرت نفسي على التكيف فيه لأني أنا من وافقت على الزواج منك، لكن أنتَ لم تكن منصفا وكنت تحلل لنفسك كل ما تحرمه عليّ، وتهرب متى ما تشاء من هذا التزمت تبعا لعملك في المدينة.. وتقضي وقتا بالطول والعرض على ما تهوى نفسك فيه))

صمتت قليلا وقد أحست بالغصة تسد حلقها ثم أكملت

بعيون مترقرقه لجة بالعبرات الواخزة

((أنا لا أبرر ذنبي بما كنت أفعله ولكن أنتَ كنت جزءً من السبب الذي دفعني لأخدعك في أمر مبيتي عند غنوة.. كنت أتغاضى عن كل ما في شخصية غنوة من سلبيات لأني معها فقط اختبرت تجربة ما تمنيته قبل الزواج وحتى بعده لأنك معقد، ومقيت، ومتسلط، وعنيد، وكل تفكيرك محصور بأهل القرية وسمعتك أمامهم))

خيمّ الصمت المتوتر بينهما عقب تصريحها المثقل بالضغينة والحقد قبل أن يكسره مُؤيد ساخرا بمرارة طافحة بالذنب

((هل كنت كل هذا بالنسبة لك!))

كانت رتيل تشعر بنفسها وكأنها تهوي في بئر عميق لا قاع له.. وكأن كل حياتها قد اغتيلت للتو فردت عليه بعذاب وانفعال

((بل أكثر، فأنتَ لا تعرف إلا أن تطالب وتقيد وتفرض.. أنا لم أستطع سابقا عند عائلتي أن أعيش الحياة الجميلة التي حلمت بها منذ صغري وزاد الأمر سوءً عندك، لذا لم أجد طريقة للتعايش إلا بأن انفصل بحريتي عنك وعن المجتمع وأعيشها كما يحلو لي))

بهدوء ظاهري مد يده ليشغل محرك سيارته قائلا بصوتٍ ثابر أن يخرج ثابتا

((أعرف أن لا شيء يمكن أن أقوله سيمحي ما مضى، ولكن ليس بوسعنا أن نعود بالزمن ونغير فيه شيئا، لذا دعينا ننسى ونمضي قدما.. الآن سأذهب للنادي لاصطحاب الأطفال))

أصدرت رتيل صوتا ساخرا، فكم هو سهل الكلام.. المهم أن ترى بوادر التغيير على ارض واقع علاقتهما..

=============================

نجح مَالك في جعل بكاء عبد الله الظريف يتخافت بينما يهدهده تحت أنظار يزيد الذي كان يقوم بأمره المعهود في التحديق به بحب فطري.. كأنه لا يستوعب أن صار له أخ شقيق من صلب والديه.. حتى أنه كان غير مركزا لكلام مَالك عنه مع أمه

((رغم أن عبد الله أخذ خضرة عيناي ولم تتضح ملامحه كثيرا إلا أني أظن أن ملامح يزيد تشبهني أكثر))

ذرفت زاهية دموع امتنان وهي تمرر أناملها على وجه عبد الله مغمغمه

((ما شاء الله، فليحفظه الله هو وباقي أحفادي))

انحنى مَالك يقبل جبين أمه بعتاب رقيق

((صار عمر عبد الله أشهرا وأنتِ لا تتوقفين عن البكاء كلما اعتنيت به))

ابتسمت زاهية وهي تمسح دموعها بينما تشاهد بتأثر مَالك يعود لهدهدة صغيره بحنان أبوي..

إنه أب رائع بدون أي إطراء مبالغ به، فمنذ إعلان قدوم عبد الله إلى الحياة وهو لا يمانع أبدا تحميمه أو تبديل ملابسه أو إرجاعه إلى مهده للنوم أو قضاء وقت لمناغاته ريثما تأخذ زوجته قسطا من الراحة أو النوم.. كأنه يريد تعويض عجز ممارسة أبوته ليزيد سواء سرا أو جهرا بإفراط لابنه عبد الله!

قالت زاهية بغتة له

((لم أعرف أنك كنت تحب اسم عبد الله إلا قبل ولادته بقليل؟ لماذا لم تخبرني قبلا!؟))

تشبث عبد الله بمكانه على كتف أبيه بشعره المموج فنزع مَالك يده الصغيرة عنه برفق وهو يجيبها

((الحقيقة يا أمي منذ مراهقتي وأصدقائي لا ينادوني إلا بأبي عبد الله.. وصدموا أني سميت ابني الأول بيزيد))

توقف يزيد عن التحديق بشقيقه وناظر أباه فاغر الفم قليلا.. فتنبه مَالك لنظرات يزيد باستغراب للحظات قبل أن تتسع ابتسامته ويحثه بلهفة وحنو

((يزيد حبيبي تعال وأمسك شقيقك الصغير))

نكس يزيد رأسه يبوح بخفوت وحزن

((أخاف أن أوقعه))

التقطت زاهية عبد الله بلطف وناولته ليزيد قائلة بعزم

((بعيد الشر عليه، لن توقعه فأنتَ قوي.. ضع يدك الأخرى تحت رقبته))

ناظر يزيد أباه الذي حثه بقوة على حمله فمد يديه يلتقط عبد الله بحذر ممزوج بالرهبة بمساعدة مَالك الذي لم تترك يداه الرضيع إلا بعد أن تأكد من ثبات يزيد بحمله..

أجلس مَالك يزيد بجانبه وقال له بحنو وصوت مؤثر وهو يمسد فوق شعره

((أريدك أن تكون حنونًا عليه وقدوة حسنة له وتحبه أكثر من أي شيء آخر))

رفع يزيد عينيه اللامعتين لمَالك يقول بنبرة تلمسه كأب

((أكيد سأفعل يا أبي))

ضمّ يزيد عبد الله الذي يحتل مرفقه ليلامس صدره ويشعر داخل أضلعه بإحساس ناعم جميل وقلبه يهدر بإحساس الأخوة الذي يختبره لأول مرة..

أغمض مَالك عينيه يتغلب على دموع التأثر وهو يدعو في داخله أن يحفظ له ولديه.. ثم لثم رأس كلا من يزيد وعبد الله بعاطفة ثم قال بمرح

((هل تعرفين يا أمي! أحب ولديّ الاثنين، ولكن يزيد أكثر..))

اتسعت عينا يزيد بعفوية بريئة أما زاهية فهمت غاية مَالك فقالت توافقه وهي تعبث بشعر يزيد

((بالطبع أكثر من نحب جميعا هو يزيد فهو أكبر أحفادنا وأغلاهم))

تورد وجه يزيد من كم الإطراء والحب المتدفق عليه من جدته وأبيه إلا أنه اعترض ببراءة وخجل

((ولكن أمي أخبرتني أنها تحبنا الاثنين بنفس المقدار وعلى الأهل أن يحبوا أولادهم بعدل))

عقد مَالك حاجبيه وقال بخشونة محببة يناكفه

((هذا الكلام عند أمك، أما نحن نحبك أنتَ أكثر، فأنتَ سند أخيك وحبيبه))

قهقهت زاهية قبل أن تتناول عبد الله من يزيد قائلة

((أعطيه لي يا حبيبي حتى أطعمه الخضار المهروسة))

أمسك مالك عبد الله الذي بدا بين يديه الكبيرتين طفلا صغيرا للغاية.. عصفور يفتح فمه لينال طعامه من جدته..

.

.

دلف مَالك لجناحه فجاءه سؤال سمية مبتسمة رغم تذبذب نبرتها ((أين هو عبد الله؟))

أوصد مَالك الباب عليهما مجيبا

((مع أمي، لقد رفضت أن تعطيه لي، وبصراحة لم ألح كثيرًا فأنا بحاجة الآن لرفقة زوجتي الجميلة..))

جلست سمية فوق السرير واضطراب ملامحها يتضح أكثر فتساءل مَالك بتوجس واضح

((ألا زلت يا حبيبتي تشعرين بالتعب؟ ارتدي ملابسك بسرعة ودعينا نذهب للطبيب))

رفعت سمية وجهها له بلهفة مرتبكة وقالت

((لا داعي، لقد عرفت سبب هذا التعب!))

بدأ القلق يأخذ كل مأخذ في مَالك عندما جلس يتلمس بظاهر كفه جبينها المتعرق وهو يتساءل

((ما الذي تقصدين؟ وماذا قد يكون سبب تعبك في الأيام السابقة؟))

سددت حدقتيها المهتزتين في عينيه وقالت

((أنا حامل يا مَالك.. لقد تأكدت قبل قليل باختبار منزلي))

اتسعت عيناه ذهولًا وهو ينزل بنظراته لبطنها متمتمًا بصدمة اعترته

((ما!؟ ماذا!؟ حامل مرة أخرى؟ لم يمضِ الكثير على ولادة عبد الله فكيف أصبحت حاملا مرة أخرى؟))

نكست رأسها كما المذنبة للحظات ثم أعملته

((مَالك أنا لم أخبرك يومًا أني أضع مانعا للحامل))

أطبق مَالك فكيه بقوة وهو يتساءل بنبرة واجمة

((هل تقصدين أنك حملت عن قصد؟ حتى لو كنت تريدين الحمل، ألم يكن بإمكانك الانتظار لسنتين على الأقل؟ بل ألم يكن بإمكانك أن نتناقش في الموضوع قبل ذلك؟))

كانت لا تزال تمعن النظر في وجهه وتستشف حقيقة مشاعره بحملها عندما ردت بخفوت

((لم أظن أن الحمل سيحدث بسرعة ولكن بما أنه حدث فلا مشكلة، أنا أريد الإنجاب الآن لا عندما أقترب من آخر الثلاثين))

تجلت نبراته بالانزعاج متسائلا

((ولماذا لم تناقشيني بهذا الأمر؟))

اختلجت ملامحها وشتت نظرها المثقل بالذنب متسائلة

((لماذا تبدو غاضبا؟ لم يخطر على بالي أنك قد تمانع من فكرة الحمل مباشرة مرة أخرى، لو لمحت لي أنك لا ترغب أكثر من طفلين لم أكن لأحمل مجددا))

صرخ دون شعور وعيناه تبرقان بالغضب

((أنا لست ضده بل ضد عدم التباعد بين الأحمال، ثم أنا منذ زواجنا وأنا لا أشعر أني مكتفي منك ولا أشعر أنك تعطيني كل ما أرغب به ومع ذلك حرصت ألا أكون متطلبا حتى لا أضغط عليك مقنعا نفسي أنها مرحلة مؤقتة وسرعان ما ستتفرغين لي لأفاجئ الآن بكلامك!))

لسعت الدموع عينيها فرفرت بأجفانها تمنع خروجهم.. هي كانت تعرف أنه لن يكون على الأقل مستسيغ لفكرة الإنجاب بدون تباعد، وإلا ما كانت ترددت قبل إخباره بشكها في الحمل! لكن ما تسمعه الآن كان صادم ومفاجئ لها فكانت الألوان تفر تدريجيا من وجهها لتقول في النهاية بصوتٍ مختنق مصدوم

((أنا لا أكفيك يا مَالك! ولكن لم يسبق وأن صارحتني بهذا الشيء أو أظهرت استياءً مني!))

لم تظهر نظرات مَالك أي تأثر للألم المطعم بنبرتها بل قال

((بل هناك أشياء كثيرة أرغب فيها منك ولم أفصح عنها، كعشاء رومانسي مثير، كارتداء تلك القمصان الحريرية التي أحضرها لك، أن تتصرفي أمامي بلا تحفظ كامرأة عاشقة لزوجها!))

قست عينيها وقالت بنبرة متحشرجة

((لم أعتقد أن نتائج فارق العمر ستظهر نتائجها بعد زواجنا بهذه السرعة..))

اهتزت عيناه بجنون.. نفرت عروقه واستنفرت حواسه لكلماتها الباردة التي ألقتها ببساطة عن فارق العمر فوجد نفسه يزعق بها

((اسكتي وإياك جلب سيرة فارق العمر مجددا، لا تشعريني أني لو كنت أنا من أكبرك بهذه السنوات لكان اختلف حالك معي!))

احتقن وجهها باحمرار فأخفضته لكن ملامحه لم تسترخِ أو تهدأ بل مال نحوها يمسك بكتفيها بقوة، وما إن رفعت عيناها إلى عينيه الغاضبتين حتى استرسل صارخا

((أجبينني هيا، هل كان ليختلف شيء وتكوني أنتِ المبادرة الفعالة للعلاقة بيننا لو كنت أنا من أكبرك بتلك السنين؟))

زمّت شفتيها المرتجفتين بقوة مما جعله يقول من بين لهاثه الخفيض

((هل رأيت أن المشكلة بك لا بفارق العمر.. أو ربما بي أنا))

حرر كتفيها من قبضتيه ووقف متحفزا بغضب يجلدها بكلماته

((أتعلمين أني في هذه اللحظة أشعر أني بالنسبة لك لست أكثر من بنك نطف!))

تغضن جبينها واعترضت بصوتٍ متذبذب

((مَالك أخبرني بماذا قصرت معك؟ أخبرني وسأفعل من أجلك كل شيء حتى أكون كما تريد وترغب))

رد عليها بكل صراحة وفتور

((أنتِ لم تقصري تجاهي بأي شيء كربة منزل وأم، بل أنتِ دائما حريصة على أن تكوني بأجمل طلة أمامي، لكن.. هذا ليس كافيا، أنا أريدك أن تكوني حبيبة وعشيقة.. أريدك أن تكوني الأنثى التي ترضيني قلبا وقالبا..))

صمت للحظات ظل فيها يتأملها بعينيه وكأنه يتشرب ملامحها ليعري دواخلها.. ثم ارتفعت زاوية فمه قائلا

((انسِ فقط، فمثل هذا الأمور لا تُطلب! لا يمكن أن تجبر أحدا على الشعور برغبته للآخر))

اتسعت عيناها في نظرة رهيبة صارخة وهي تهدر

((رغبة؟ هذا غير صحيح أنا أرغب بك، ربما لا أرتاح كليا لجرأتك لكن ألا تشعر بي أستجيب للمساتك..))

بترت كلماتها تزدرد ريقها فرد عليها بمرارة لاذعة

((بل تتصرفين كأنك لا تحبين أن تمارسي العلاقة الزوجية معي، فلا تبدين راغبة في التودد والتقارب الحميمي معي وكأنه غير مهم بالنسبة لك وتمارسينه فقط من أجلي وحين أطلبه أنا فقط، وهذا يزعجني، بل ويدفعني للعزوف عنها، لأنها يجب أن تكون فرصة لي للتحرر من قيود وضغوط الحياة والغرق في حبك كيانا وحسًا.. لكن مهما أفعل أجدك تحولينها إلى مهمة جادة عليك تثقل من كاهلك! كأنك لا ترغبين بي ولا تحبيني..))

تشنج جسدها وهي تهز وجهها برفض لاتهامه فقاطعته بحشرجة ألم فظيع

((غير صحيح، أنا أحبك وأرغب بك أنتَ فقط! اتهامك مؤلم، فلا ترميني بما ليس بي..))

زعق بها بغضب متقد في مقلتيه

((بل ما أشعره منك هو أنّك تغصبين نفسك لتقدميها لي، أوهمك أحيانا بأنّي راضي فقط كي لا أجرح مشاعرك، لكن ما عدت أريد منك أن تجبري نفسك على شيء، وليكن في علمك.. فأنا باقٍ عليك شئتِ أم أبيتِ))

حاولت التحدث بشيء من الهدوء المغاير للغة جسدها المضطرب

((أنتَ تبالغ يا مَالك! أكل هذا لأني حملت فجأة! وأنا التي ظننت أني لو لم أنجب غير يزيد سيتزعزع زواجنا))

أعاد رأسه للخلف وغمغم بها باستنكار ساخط

((يتزعزع؟ سمية تعرفين أنه حتى لو لم يربطنا أولاد لم يكن الأمر ليقلل من حبي لك! فإذا كانت غايتك من الإنجاب كالقطة هو خوفك من تزعزع زواجنا فأنا لم أطلب منك أكثر من يزيد وتركت الأمر لقدر الله))

أضاف والشرر من عينيه يحرقانها حتى أنها وضعت يدها على صدرها باضطراب

((بصريح العبارة.. لا تجبري نفسك على شيء لا تشعرينه من أجلي، فأنا بكل الأحوال لن أحررك مني))

رمى كلماته ثم استدار فهتفت به بقلق يعتريها

((إلى أين تذهب؟))

ذعرت وهي تراه يهم بمبارحة المكان فتشبثت به من ذراعه ليقول من بين أسنانه المطبقة

((لم أعد أطيق البقاء هنا، اشعر بالاختناق وأريد تفريغ الإحباط الذي يكتسحني الآن))

اجتاحتها رغبة ملحة بالبكاء عندما سحب ذراعه من قبضتها بخشونة وقسوة ليغادر الغرفة ويصفق الباب خلفه بقوة..

تقوست شفتاها للأسفل واهتز جسدها بالبكاء..

هذه المواجهة كانت صادمة لها! إذ أنها لم تعتقد قط أن ما تقدمه له ليس كافيًا!

مثلما يجعلها تعيش أجمل أيام عمرها معه فهي بالمقابل تبذل جهدها من أجله.. تضع زينتها قبل مجيئه من عمله وتظهر أمامه بأفضل هيئة حتى لو كانت متعبة.. تنخرط مع عائلته وتودهم لأجله.. تستمر بكونها صديقة له وتصغي بحسن استماع لأحداث يومه.. تطلعه على ما يهمه من أخبار وطرائف أطفال هذا البيت..

انهارت جالسة على سريرها بضياع وكل ما فيها ينتفض ألما.. ولم يمضِ الكثير من الوقت حتى طُرق الباب.. فسارعت تمسح وجهها الملطخ بالدموع بباطن كفيها ثم تسمح للطارق بالدخول ليظهر أنها حماتها.. التي وضعت عبد الله بحذر في مهده حتى لا يستيقظ بينما تتساءل

((لقد أخبرني مَالك قبل مغادرته على عجل أنك حامل، لكن لا أدري لماذا لم أشعر بفرحه من هذا الخبر المبهج))

حانت من سمية نظرة إلى حماتها متسائلة بخفوت وترقب

((هل أنتِ سعيدة بحملي؟))

أومأت لها حماتها برأسها وأجابت

((نعم، بل هذا شيء يستدعي الاحتفال ولو أنه كان يفترض أن يكون هناك تباعد بين الحملين حتى لا تظلمي عبد الله وينال حقه في الرضاعة الطبيعية والتربية))

بددت سمية شيئا من فضول حماتها عن سبب مقت مَالك بحملها

((أشعر أنى كنت مقصرة بحق مَالك أثناء فترة حملي بعبدالله، لذلك لم يتحمس لفكرة هذا الحمل الفجائي كما رأيتِ))

أمعنت زاهية النظر على آثار البكاء في وجه سمية وقالت لها بعد لحظات

((حملك في هذا الوقت جيد، عليك إنجاب المزيد، لكن بدون أن تقصري بواجبك تجاه زوجك، وإلا سيفهم أنك تتنازلين عن حقك بعواطفه، وسيفرح بتنازلك غير المباشر ويعتبره إشارة لكي يبدأ بالبحث بعيدا عنك بامرأة قد تكون أكبر سنا منك حتى، لكنها متفرغة لإرضاء رجولته وهو المطلب الأول الذي يريده جميع الرجال))

عبست سمية بشدة من كلام حماتها الذي هزّ بدنها بينما تنصرف.. لا تفهمها أبدًا! أحيانا تشعر أنها أضحت لطيفة معها وأحيانا يكون العكس تماما..

=============================

شقة مؤيد..

بعد أن عادوا للمنزل ورغم المواجهة والمناقشة التي جرت بينها وبين زوجها إلا أنها ارتأت أن تنساها وتقوم اليوم بشيء تكافئه على مفاجأته لها بزيارة المتحف.. وقد أشعرها بالرعاية والاهتمام.. لعل ذلك يشجعه على التغير أكثر للأفضل..

فتحت خزانة ملابسها، التقطت ثيابًا خاصة تليق بسهرةٍ كتلكَ التي تعتزم فعلها الآن.. وبداخلها هناك امرأة أنثى تريد الانطلاق والتحرر وغزو حصون زوجها واحتلال قلبه وجسده..

بمجرد أن توغل مُؤيد لغرفة نومه ووقع بصره على رتيل بالثوب.. أو بتلك القطعة التي تظهر أكثر مما تخفي عليها حتى تجمد مكانه.. فاقتربت منه ببطء توصد الباب خلفه وتهمس له بنعومة وإغواء

((اليوم فعلتَ ما لم أحلم بك تفعله قط! لذلك قلت في نفسي أن عليّ مكافأتك جيدا، سأكون فتاة أحلامك تلك التي كانت تغزو فكرك ليل نهار))

بدأت رتيل ترفع أصابعها برشاقة تحل أزرار قميصه دون أن تبعد عينيها آسر عينيه.. لكن بالنسبة له بقي فاغر الشفاه لا يستوعب ما تفعله.. مظهرها، وصوتها الأنثوي المغري مماثل لفتاة أحلامه التي كان يتخيلها حقا.. لكن في نفس الوقت لا يشعر بتقبله في رتيل.. زوجته.. أم أولاده..

بدأت تسطع بعقله أطياف مشاهد لأستاذته الجامعية.. تلك التي كانت تثير تقززه وبنفس الوقت تحرك غرائزه كذكر ليتمنى أن ينالها..

تشدَّد جسده أمام لمسات رتيل بطريقة لاحظتها هي بينما صور متلاحقة لجسد الأستاذة المكتنز وشعرها المبعثر وأحمر شفاهها الفاقع بدأت تومض بمخيلته وصدى كلماتها المغوية تخرج من أعماق عقله لتتردد بأذنيه..

وتلقائيا كالممسوس نفض يدا رتيل عنه هاتفا بسخط

((يا إلهي! ما هذه الملابس الخليعة! هل تريدين مكافأتي أم التسبب بمقتلي؟ أخبرتك مرارًا أمامي كوني كما أنتِ، أنا أكره أن تضعي مساحيق التجميل الصارخة أو ترتدي ملابس كفتيات الليل))

عندما دفعها بعيدا عنه حتى كادت تسقط شعرت بنصل يطعن قلبها.. بدأت تتنفس بعنف وهي تحاول استيعاب ردة فعله! هل يراها كفتيات الليل هكذا!

وتدريجيا بدأت قسماتها تتشبع بالحقد عليه لأنه لم يتغير كما خالت ولا زال لا يعرف كيف يتقن التعامل مع الأنثى بداخلها ووجدت نفسها تصرخ فيه بمقت

((أنا أكرهك، أكرهك، أنتَ لا تعرف كيف تقدر أنوثتي))

طالع مُؤيد وجه رتيل المقهور بفتنته من ردة فعله فهتف فيها بدفاعية

((لطالما كنت كذلك، فلماذا تدعين الصدمة في كل مرة أخبرك فيها عن كرهي لهذا النوع من الإغراء المبتذل عندما تمارسينه عليّ!))

رفع مُؤيد يديه يمسح صفيحة وجهه بعذاب.. يتنفس بتحشرج غصة تقبع بحلقه بينما يسمعها تقول وصوتها يترفع بكبرياء مستنكر

((لأني لا أصدق أنك كذلك، لقد قرأت جيدا رسائلك مع دموع خاصة تلك الحميمية التي تخبرها عن مواصفات فتاة أحلامك التي تأمل أن تجدها وتتزوجها وتفعل معها كل ما لا تقبل فعله مع زوجتك المحترمة، ورسائلك مع دموع ليست هي فقط ما أمسكته عليك، في إحدى المرات عندما فتشت سجل هاتفك رأيتك تنظر لملابس رقص!))

رفع وجهه المصدوم لها ببطء ليلتمع العزم بعينيها وهي تكمل بينما تعود لتدنو منه

((كل معاناتنا في الماضي كانت بسبب كبتك وخجلك من مصارحتي برغباتك واحتياجاتك..))

اتسعت عينا مُؤيد لحظيا عندما أدرك أنها كانت تحيط علما بتفاصيل كثيرة عن حياته، أكثر مما اعتقد.. فأطبق على أسنانه وقال بصوتٍ مثقل

((ولو دققتِ أكثر في الكلام كنت ستعرفين أني قلت في المقابل لو تزوجتها فلن أعلن زواجنا أو أظهرها في النور لأني لن أفتخر بامتلاك زوجة مثلها! لأني حتى لو أحببت هذا المظهر بالمرأة سأظل أحتقر بداخلي أي نموذج مشابه للفجور التي كانت أستاذتي الجامعية أول مثال جسدته لي على أرض الواقع..))

احتقن وجه رتيل بينما تراه يشيح بوجهه يبتر حديثه الغامض.. وقبل أن يبتعد من أمامها تشبثت بمرفقه توقفه هادرة وقد بدأ صوتها يحتد بحزم

((تحدث بشكل مباشر وصريح، وتجنب اللف والدوران، من هي الأستاذة الفاجرة التي تظنني أشبهها هكذا؟))

ابتعدت ذاكرته إلى بداية أيامه في الجامعة.. تحديدا عند بدء تلك العلاقة المشبوهة التي كانت بينه وبين الأستاذة خلال أشهر هي مدة المقرر الذي أعطته له.. حيث بدأت بتبادل أرقام الهواتف بحجة تقديم معلومات علمية خدمة للاختصاص، قبل أن تتحول اتصالاتها إلى عبارات غزل، وتوجيهاتها إلى طلبات شخصية، وانبهارها بتفوقه إلى إعجاب بالجسد..

عاد مُؤيد للواقع وصمت في البداية دون أن يجيبها بشيء.. فما الفائدة التي سيجنيها مقابل ذلك؟ شفقتها؟ احتقارها؟ نفورها من نفاقه؟

هزَّ مُؤيد رأسه يلجم هذه الخواطر عنه إذ أنه ولأول مرة أدرك أنه يريد حقا تجنب الإنكار وتجاهل المشاكل فخرج عن صمته وتسلح بالصراحة وهو يبدد أسئلتها العديدة

((بدأ كل شيء عندما كنتُ في أول سنة، وذهبت مرة لمكتبها لأراجع علامة في مادتها قد أعطتني فيها أقل مما أستحق، لكن تفاجأت بها تغلق الباب خلفي ومن ثم تخلع قميصها بذريعة ارتفاع درجات الحرارة وتظهر تحته بقميص فاضح.. وفي الأيام اللاحقة لم أكن غُرًا حتى لا ألاحظ كيف تميزني عن باقي الطلاب في المحاضرة وكيف تظل تستعديني لمكتبها بأي حجة، حتى وصلت بها الجرأة أن تعترف أمامي بانجذابها لي وتبدأ بإمطار هاتفي بالعديد من الرسائل الغرامية والغزليات.. كانت تغلق المكتب علينا وتظهر أمامي بمثل هذه الملابس التي ترتدينها الآن كمحاولة منها لإفقادي عقلي والسقوط في مستنقع علاقتها.. كانت تتصل بي في وقت متأخر من الليل، محاولة خلق حديث سخيف، تعبر فيه كل مرة عن إعجابها وعن رغبتها في الارتباط بي.. طبعا خارج نطاق الزواج فهي متزوجة بالفعل))

صُدِمَت رتيل بشهقة واضعة يدها على فمها مِما جعله يردف بصوتٍ متحشرج

((ورغم انجذابي لها الكبير إلا أنه كان لا يخلو من الاشمئزاز منها.. قد أتقبل أن تكون فتاة أحلامي شبيهة بها لتشبع رغبتي القديمة في الحصول على مَّا تعرضه عليّ بالحلال.. ولكن لن أستطيع تقبل ذلك منك أنتِ زوجتي وأم أولادي))

كانت رتيل حقا مصدومة ففي القديم الجميل، كان الطلاب يتحاشون لقاء المعلم، يهابونه من بعيد، بينهم وبينه مسافة كبيرة، تجعلهم يخافون غيابه قبل حضوره، لم يكن بينهم أي شيء مشترك غير القسم أو المدرج.. سألته بصوتٍ بالكاد خرج من فرط صدمتها بما تفوه به

((لماذا لم تحاول الشكوى عليها أو تهديدها بفضح ما تفعله من أمور مشينة!))

ازدرد مُؤيد ريقه وهو يرد بعينيه الزائغتين

((إذا قلت لك أن السبب الذي دفعني ألا أوقفها عند حدّها هو خوفي من غضبها الذي قد يعصف بنتائجي، سأكون كاذبا.. لأن الحقيقة هي أني كنت مستمتعا بإغرائها لي وما تعرضه من مفاتن وغزل بينما أرتدي أنا ثوب الطالب المقهور قليل الحيلة ولا يجد طريقة تتيح له الهروب من براثن أستاذته التي تريد أن تراوده عن نفسه.. نعم فرغم احتقاري لها واشمئزازي منها كنت راضيا بما تقدمه لي ولم أقطع عليها الطريق!))

قطبت رتيل حاجبيها واتقدت عيناها بغضب لكن لانت ملامحها قليلا وهي تلمح تأنيب الضمير والعذاب الذي يرتسم على ملامح وجهه قاطعا عليه سبيل إكمال الكلام..

تهالك مُؤيد جالسا على أقرب ورفع أصابعه يبعد شعره القصير عن ملامح وجهه التي تتزايد فيها ملامحه المثقلة بالذنب..

بتردد وضعت يدها على كتفه فسمح لها أن تربت عليه وتمنحه الدعم، مستشعرا الدفء يسرى بجسده من ملامستها وكأنها تطرد الأحمال المثقلة بالأوزار التي تسللت إلى أعماقه فجأة..

همست محاولة ابتلاع تلك الغصة بحلقها

((إذن كان الأمر لأشهر وانتهى بانتهاء المقرر؟))

ازداد خوفه من طريقة تفكيرها به في هذه اللحظة حتى أنه لم يقدر على وضع عينيه بعينيها شاعرا بحمم بركانية تصب على قلبه المعذب حتى أجابها باختناق

((نعم كان لأشهر فقط، وانتهى عندما انتقلت هي إلى جامعة أخرى، وكانت الشائعات تقول بأن زوجها طلقها عندما كشف خيانتها مع أحد طلابها.. طالب آخر غيري.. وفضحها أمام الجميع فضيحة مدوية جعلت حياتها مهددة بالخطر من قبل عائلتها))

كأنه كان يريد تبرير طريقة تفكيره منذ زواجهما فأردف فجأة بتشتت وضياع

((عندما يتعلق بالنساء.. فمنذ حادثة تلك الأستاذة الجامعية، صرت أعاني من أزمة ثقة في النساء مثيلاتها))

لم تكن تريد التركيز أنه مخطئ فيما يفعله ولكن بأنه يلومها بتصرفاته المضطربة.. فهدرت معاتبة بشدة

((إذن لهذا أنتَ لا تحب حتى أن أخرج من المنزل وتسجنني بين جدران المنزل؟ تخاف أن أتصرف مثلها لو كنت بمحلها؟))

تطلع بوجهها نافيا بخشونة واضطراب

((لا، لا، لا، الأمر ليس كذلك! في أكثر لحظاتنا حرجا عندما كنت في منزل غنوة لم أصدق حرفا عنك لأني لا أثق بأحد كما أثق بك، ولكن أنا.. فقط.. لا أريدك امرأة منفتحة ومطلعة على كل شيء، أخشى أن يلوثك شيء من دنس تلك النساء))

تغضن جبينها فرفع كلتا يديه يحتضن وجهها وهو يقول في حالةٍ يائسة من الدفاع عن نفسه متواريا عن تخبطه

((أنتِ جوهرتي الثمينة وسياج أمانيَّ الذي أحفه من كل مكان حتى لا يتلوث بالدنس.. أنا أحرم نفسي وأكبتها من التمتع بجمَالك ولا أحثك على التزين لي، وأضع لنفسي ضوابط معك رغم أنك حلالي حتى لا ألوثك، هذه كانت طريقة حبي لك.. نعم رتيل أنا أحبك..))

أسرتها المفاجئة لأخر كلماته فصمت قليلا ووتيرة تنفسه تتزايد فانحنى برأسه لها كأنه يسألها العفو والتفهم متذللًا إليها

((ربما لم أقل يوما أني أحبك صراحة ولكني كذلك.. في البداية كنتِ من وجهة نظري الزوجة المثالية التي تهتم بي وتلبي جميع طلباتي وتحافظ لي على تنظيم المنزل، وفي الوقت نفسه تحفظني في غيابي.. ولكن لاحقا ولا شعوريا غزا حبك في دمي ومشاعري المكبوتة))

كانت رتيل لا زالت مصدومة لسماعها صراحة كلمات الحب لكن ليس بصدمته هو من نفسه.. حتى أن تساؤلات كثيرة انتابته.. كيف حصل هذا ووجد نفسه فجأة واقعا في عشقها هي.. من كانت زوجته منذ سنوات طويلة.. لا يدري.. وعمّ صمت مشحون بينهما ومثقل بمشاعر متناقضة لكن تحول احتدت ملامح رتيل تدريجيا، قسرًا من تفكيره المريض والمعقد والذي لا تستطيع تقبله بهذه اللحظة.. ووجدت نفسها تنتفض عليه زاعقة برفض

((تناظر لمفاتن امرأة وتخرج معها للحفلات حتى تشبع احتياجاتك وتتركني مخنوقة بين الجدران بحجة عدم تلويثي لأن هذه هي طريقتك بالحب! لا شكرا لك، لا أريد حبك، أعط شرفه لامرأة أخرى وأنا سأتركك قبل أن أفقد ما تبقى من عقلي من تفكيرك المضطرب، فأنتَ لا ترحمني بل تخنقني بقسوتك..))

وكانت تهم لتقوم عنه بازدراء كمن لا تتحمل رؤيته بطريقة جعلته يشعر بألمٍ وحشيّ ينخر قلبه، فاهتزت مقلتيه بعشق يحطم أعصابه لا يطيق فكرة فقدها.. اندفع يتشبث بها بقوة ويمسك يديها ليعيدها ويهتف فيها بلهفة وانكسار تراها للمرة الأولى بعينيه

((ما الذي تقصدينه!))

هزَّت رتيل رأسها مترددة وقالت

((إذا كنت أنا بالضبط كما تريد وتتمنى أنتَ، فما أريده بالرجل وأتمناه ليس موجودا بك، فأنتَ لا تعترف بكل احتياجاتي كأمور مهمة وتراها تفاهات، أنا أرغب بتركك حتى لو كان فيك كل المواصفات التي تحلم بها أي زوجة من مال ومظهر اجتماعي مرموق))

نظر مُؤيد لوجهها المتألم بألم أكبر وعيناه تهتزان ولسانه يهمس ثقيلا مستنكرا

((تتركيني حتى بعد كل هذا التغير الذي أجبرت نفسي على الإقدام عليه!))

نظرت رتيل لعينيه اللامعتين وهي تشعر برجفة كفيه الممسكة بيديها لكنها تلمست بيأس تفهمه

((مُؤيد عليك أن تبدد أوهامك عن الطُهر والدناسة، كانت تلك الأستاذة امرأة فاجرة بما تطالبه منك، أما أنا لو فعلت نفس الشيء فهذا لا يشينني ولا ينتقص مني، لأني امرأتك.. حلالك.. ولا خطأ في أن أكون أنا زوجتك نفسها فتاة أحلامك!))

لم تسيطر على أنين قلبها وهي ترى ملامحه تزيد اضطرابا وعذابا، لكنها استرسلت

((أنا بحاجة منك أن تكون تطبطب عليّ في وقت ضيقي، في الماضي كان أحيانا يصل بي الأمر أن أنتظر نومك حتى ألامسك من فرط حاجتي لاحتوائك.. كنت أحزن عندما تتركني في بيت عائلتك وتذهب لعملك لما يزيد عن أسبوعين وأشعر بالشوق لك وأظن أنك الآخر مشتاق لي وستندفع نحوي حاضنا إيَّاي بشغف بمجرد عودتك، لكن أكتشف بأنك تعود مشتاقا فقط لقضاء وطرك مني.. ومن هنا بدأت أرتاح في سفرك وابتعادك عن المنزل، لا كي أذهب لبيت غنوة فقط بل لأن ابتعادك عني يساعدني في نسيان احتياجي للحب والاحتواء منك))

تسرب احمرار لعينيه حتى بدتا كالجمرات من حمرة الدماء وهي تردف بلا هوادة

((عندما أخبرتني أن الحب والغزل والكلام المعسول لا تحبه صدقتك واقتنعت بنصيبي لكن عندما أعرف أنك مستعد أن تظهره لفتاة أحلامك وأن تفعل معها كل تفاصيل العلاقة الزوجية الملتهبة يجعلني أشعر بالسخط عليك.. طريقتك في التعامل معي هي سبب من أسباب دفعي للتمرد بالذهاب إلى منزل غنوة من وراء ظهرك، لأني كنت أكره إهمَالك لي وإجحافك بحقي، وشعرت بأن لي مطالبًا أيضًا مثلي مثلك، فأنا بشر وأريد أيضًا أن أخرج وأحب وأعيش))

لم تنحسر ملامحه عن حالها بل ظل يطالعها بعينين حمراوين لم تعهدهما به قط.. لتكمل حاسمة النقاش

((مُؤيد عليك أن تعرف أني كامرأة لا أستطيع أن أعيش حياة مليئة بالجفاء والبرود، دون مشاعر وأحاسيس دافئة.. تعبت طوال سنوات زواجنا من محاولة تغييرك دون نتيجة.. أرجوكَ تغير فأنا لن أستطيع تغييرك مهما فعلت إذا لم ترد أنتَ ذلك حقا من أعماقك))

أطبقت جفنيها بألمٍ حقيقي وسحبت يديها لتحيط هي بكفيه هذه المرة وهي تكمل بحزم أنثوي قاتل

((عليك أن تدرك أن ما تفكر به وما تفعله لا يقبله منطق فتصرفاتك لا غير جائزة قانونا وشرعا، وانا ارفض أن أتقبل اختلالك على حساب احتياجاتي الفطرية.. وفتاة أحلامك..))

أجفلها صوته الخشن يصدح فيها بقوة ويقاطعها

((توقفي عن الحديث عما ارغبه في فتاة الأحلام، وتبا لفتاة الأحلام التي أردتها يوما))

احتدت ملامحها الواجمة المكفهرة وهي تبادله الهتاف

((إذن بما أنك ألغيتها من تفكيرك أريد أن تحقق كل ما كنت تتمناه لها معي أنا يا مُؤيد..))

اتسعت مقلتاه بينما تكمل وهي تسحب يدها وتضرب صدرها بانفعال عاطفي جعل قلبه في صدره ينبض بتحفز

((مسألة استمتاعي بالعلاقة الزوجية وتفاعلي معك له علاقة مباشرة بثقتي بنفسي وتقديري لذاتي ومشاعري.. من حقي الاستمتاع بزوجي لأقصى درجات المتعة.. من حقي أن أظهر لك الجانب الآخر من أنوثتي..))

هدأت ثورتها تدريجيا وهي تلهث مكانها قبل أن تميل بوجهها له وتربت على خصلات شعره السوداء الكثيفة برقة متناهية..

نفحات من رائحة قربه لفحتها فاحتبست أنفاسها في صدرها تستنشقها بتلذذ، وبقلب خافق أخذت تتلمس بعينيها كل جزء من حصن زوجها الجلف.. الخشن.. الذي تكره حياتها معها ولكن تريد أن تحبه..

أخفضت يدها لوجهه بأصابعها الناعمة

((دعني أكون نارك التي تلتهب في أعماقك.. جرب أن تغرق معي دون أن تطلق أي أحكاما جائرة عليّ))

وكان هذا ما فعله، فسمح لوجهه أن يقترب منها لتلفحها أنفاسه المحمومة وهو يهمهم في أذنها بصوتٍ راغب اقشعّر جلدها

((أنا لا أرى أمامي الآن إلا فتاة أحلامي التي وجدتها بعد سنوات من البحث، وسأتصرف على هذا المنوال))

كله كان يصرخ بتوق غاضب منها وجسده يموج في ارتعاشات عشق.. وسرعان ما هجم بأشواقه ومشاعره العاصفة نحو جسدها الغض الخمري.. فمه يجتاح فمها بسفور.. وأنامله تعيث فسادا بتفاصيلها الناعمة.. يقبض على شعرها بأصابعه ليثبت رأسها.. يتنفسها..

أرضتها خشونته.. وأججت من أنوثتها.. رفعت ذراعيها لتحيط رقبته وتقربه منها فتبادله كل شيء وقلبها يدوي بين ضلوعها بصخب.. مغمضة عينيها من قوة تدفق هذه المشاعر داخلها.. كفيضان جارف.. إعصار هائج..

تأوه في عمقه.. وهو يراها جريئة قوية متفجرة تستجيب بعاطفتها كقطة برية.. فتثير جنونه..

حلقا سحبا أمطرت مشاعر في أوج توهجها، وهدرت نبضات قلبيهما وامتزجت سويا لتعزفا لحنا متناغما..

بعد وقت في ثنايا الليل.. فتحت جفنيها ليقابلها الظلام الدامس..

يبدو أن الليل داهمهما والنوم سرقهما لساعات..

فتحت نور الأباجور الخافت وبدأت تتمطى وتهمهم همسا متخمة بلذة الشعور بين ذراعيه القويتين..

وما لبثت أن أفلتت شهقة مرتاعة أفلتت من بين شفتيها الحمراوين عندما دفعها عنه وهو ينتفض جالسا..

رمق نفسه بازدراء.. ولجسده الذي اشتعل تحت لمساتها عندما تصرفت أمامه.. مثل.. مثل.. غانية.. رخيصة..

حول نظراته لشفاهها المتورمة.. جسدها الموسوم بلمساته، وآثار اجتياحه..

ودون أي مقدمات انكمشت ملامحه قبل أن يبتعد عنها نحو المرحاض يفرغ ما بجوفه شاعرا بأحشائه تتمزق اشمئزازا..

ملامحه المتصلبة، وعروقه نافرة، وعينيه استحال بياضها أحمرًا كالدم..

اغرورقت عينا رتيل بعبراتٍ إذ عرفت بما يفكر..

.

.

في الصباح..

دلفت للغرفة ووضعت صينية الشاي والبسكويت أمامه تدعوه دون تواصل بصري بينهما لأن يأكل..

فأخذ رشفة من كوب الشاي، وقضمت هي قطعة البسكويت حتى لا تشعره بالضغط وخيبة أملها منه.. إذ أنها تدرك بأنه من الصعب عليه أن يتحرر كليا من كل معتقداته المترسخة فيه، إذ أنه لا يزال يظن أن ما فعله واستجابتها له تنتقص من شأنها كأم وزوجة محترمة!

وضبت المنضدة ثم عادت تغلق الأنوار لتحظى بساعة نوم قبل موعد استيقاظ الطفلين للمدرسة..

وعندما تمددت على السرير معطية ظهرها له شعرت بذراعيه يطوقانها.... يائسة.. وعاشقة..

ترقرقت العبارات في مقلتيها مجددا فأطبق شفتيه يتنفس بصعوبة خوفا من رحيل روحه مرة أخرى.. ثم جاء صوته المعذب فجأة متسائلا

((هل سترحلين عني رتيل بعد أن أدركت أني شخص ميؤوس منه؟))

التفت تواجهه وتضع يدها على خده ترد عليه

((كل العواطف التي عشتها معي قبل قليل تجعلني أتمسك بك أكثر من أي وقت مضى، عليك أن تعي فقط بأن أمر استجابتي لك لا يشينني ولا ينتقص مني فأنا امرأتك، حلالك.. الغاية من علاقتنا الزوجية أن يكون كل واحدا منا متحررا، تلقائيًا، شغوفًا، مُتشوقًا للآخر والأهم أن تتسم بالرضى والإشباع))

ابتسم لكلماتها التي أضاءت شيئا من عتمة أفكاره.. كمن وجد فيهم سلاما نفسيا..

ظلت تناظره تستكين أكثر بين ذراعيه بالوقت الذي استمعت إلى تنهيدة ارتياح من بين شفتيه.. فأسدلت جفنيها محاولة الاسترخاء والاستغراق في النوم..

=============================

بعد الترتيبات الأولية بين عائلة الكانز وأخوال شيرين تم تحديد هذا اليوم ليكون موعد للجاهة والطلبة..

وفي قصر الحاج يعقوب الكانز.. تحديدا في غرفة المعيشة تطلعت رتيل لدارين وأنَّبتها

((لماذا ارتديت مثل هذا الملابس المبهرجة! أنتِ تعرفين أن اليوم ستكون جاهة الرجال لخطبة أباكِ ولن تذهبي يا دارين))

عبست دارين في وجه زوجة عمها لكنها لم ترد عليها فتركتها رتيل على راحتها قبل أن تميل لسمية وتنتشلها من شرودها الحزين هادرة

((كيف هي علاقتك مع مَالك؟ لماذا يبدو عابسًا؟))

جفلت سمية على كلام رتيل وقالت بشيء من الخشية

((هل لاحظت ذلك؟ هل كان عابسا لدرجة المفضوحة!))

زمّـت رتيل شفتيها ثم تشدقت

((إذن هناك مشكلة بينكما أنتما الاثنين كما خمنت! عرفت ذلك من الحزن اللامع بعينيكِ أنتِ، أمَّا مَالك بدا طبيعيا!))

اكتنف وجه سمية الذابل مرارة وقالت

((لسنا متشاجرين يا رتيل.. كما آمل.. لكني أشعر حقا.. شعور حقيقي لا مجرد خاطر تشاؤمي أني لست كافية له.. كان يأمل الكثير مني بعد الزواج وأنا خيبت آماله..))

قوّست رتيل حاجبيها متسائلة

((لم أفهم كثيرًا، ماذا تقصدين؟))

أطلقت سمية نفسا طويلا ثم بدت مشوشة ومرهقة للغاية وهي ترد

((ولا أنا أيضا أفهم ما يريد))

أمسكت رتيل ذراعها وطالبتها بحزم

((إذن اجلسي معه أكثر وافهمي ماذا يريد ثم تثقفي وطوري مفاهيمك، لا يجب عليك أن تعيشي كما عاش السابقون منا ولا يجب عليك أن تكوني على تلك الصورة النمطية التقليدية..))

لفّ وجه سمية الاهتمام لتكمل لها

((لا تبقي جامدة فكريا.. تعلمي وتثقفي واقرئي في أمور الحياة والزواج فالسعادة لا تأتي للجاهلين))

هرول باسم نحو أمه يجتذب انتباهها قائلا

((أمي أسرعي بنفخ هذه الكرة أريد أن ألحق كي ألعب مع فهد ويزيد..))

تناولت رتيل الكرة والمنفاخ منه لتفعل ما يريده عندما جفلت على صوت حماتها الممتعضة من عدم مبادرة رتيل أو حتى أولادها للسلام عليها وبادرت تخبرها بجفاء

((رتيل يحتاجونك قليلا بالمطبخ، اذهبي لمساعدتهم!))

تدفقت الدماء في وجنتيها.. فهذه هي زيارتها الثانية أو الثالثة إلى هنا منذ عودتها لمُؤيد ومع ذلك لا تطيق أبدًا أن تتعامل معها بأكثر من إلقاء السلام، وولديها نفس الشيء رغم أنها تنبههما جيدا ببرها حتى لا يعيب أحد على تربيتها! فقالت بصلابة لحماتها المتجهمة

((عمتي أنا أريد أن أكتفي بالجلوس هنا ولا وقت لدي للمطبخ))

ازداد تجهم زاهية وهي تردد باستياء

((هل تعارضين لي طلبا!؟))

أشاحت رتيل بوجهها عن مرمى بصر حماتها وردت بخفوت دون أن يهتزّ لها جفن

((أستميحك عذرا يا عمتي ولكن لن أفعل ذلك أسوة بباقي زوجات أولادك))

لم تندم رتيل على رفضها طلب زاهية، فعليها أن تسمع منها كلمة "لا" غالبا عندما تأتي هنا.. وأنها في الماضي عندكما كانت تخدمها فقد كانت تفعل ذلك بإرادتها.. عليها أن تعرف أنها ليست مكسورة الجناح لتظل تحاسبها على زلتها سابقًا رغم أن خطأها أقل بكثير من خطأ ابنها.. بخلاف أنه ليس من السهولة أن تنسى ما فعلته بها من تحريض مُؤيد البالغ عليها وللزواج!

تجولت عينا رتيل غرفة المعيشة التي تجلس فيها بحنين عارم.. وكم آلمها أن تشعر نفسها غريبة في مكان احتضنها لسنوات من حياتها.. لكنها الآن تعيش حياة تكتنفها السعادة بانفصالها في بيت آخر لها وحدها مع عائلتها الصغيرة حتى لو كان البيت ضيقا..

بدأت بنفخ الكرة متمنية ألا تشي حماتها بشيء من أسرار ماضيها لحماها.. فلطالما حظيت في الماضي منه التعويض والطبطبة من أفعال زوجها، ولا تريد لو عرف عن سرها شيئًا أن تكتنفه شكوك وخيالات، ومشاعر نحوها تحط من قدرها وتسيء إلى مكانتها عنده..

أما زاهية فبعد أن أيقنت أن رتيل لن تصغي لها رفعت عباءتها الثقيلة وانتفضت واقفة تبارح المكان بغضب مشتعل فيها ولم تعد تتحمل البقاء هنا معها!

.

.

دلفت لجناح زوجها تجده يتجهز ويضع الشماغ والعقال فوق رأسه.. فعبست ملامحها وهي تقول

((ألا زلت مصرا يا حاج حتى آخر لحظة الذهاب مع ابنك ليطلب خريجة السجون!؟))

طالع يعقوب زوجته هادرا بخشونة

((لقد قال بأنه سينتظر أشهر على وفاة وليد قبل أن يطلبها رسميا بنفسه وحيدا لو تطلب الأمر، وأنا ما كنت سأخلف الذهاب مع بكري وكأنه دون عزوة أو سند، خاصة وأني سبق وأعلمت وجهاء العائلة والقرية ونلت مباركاتهم وترحيبهم بالأمر))

ورغم سخط زاهية وعدم رضاها عن طلب ابنها لخريجة سجون حتى لو كانت بريئة وجدت نفسها على مضض تمسك زجاجة عطر الفل والبخور وتضعها على ثوب زوجها كما هي معتادة أن تفعل قبل خروجه لأي مناسبة مهمة.. بينما تغمغم بغيظ

((وكيف لن يوافق الوجهاء! ألم تكن فكرة زواج مُعاذ من خريجة السجون فكرتهم! بل ربما هم من أقنعوه بالإقدام على الزواج منها حتى لو ترتب عليه أن يغضب عائلته، وكل هذا حتى يظهروا بمظهر الرجال أصحاب الشأن ومن ذوي المروءة والكرم بعد أن استنجد بهم أخوالها.. وأكثر ما يغضبني أنك يا حاج لا تظهر سخطا كافيا أمام مُعاذ يدل أنك مجبر على الذهاب معه))

تغضنت ملامح يعقوب المهيبة بالامتعاض وهو يرد

((أنا ساخط على اختياره بالفعل لأنها سبق وكانت متزوجة من ابن عمه ولكني لست مجبرا!))

ثم رمق زوجته بنظرة قوية ذات مغزى متابعًا

((مثلما تقبلتِ أن يتزوج مَالك من امرأة لا ترينها مناسبة له من أجل سعادته فعليك تقبل المرأة التي اختارها مُعاذ أيضًا))

.

.

في مجلس الرجال الذي تملأ أرجاءه رائحة البخور المنبعث من المبخرة الطينية الضخمة جلس الإخوة الخمسة مع بعضهم بانتظار خروج أباهم للذهاب كجاهة واحدة لمنزل خال شيرين..

شبَّك مُعاذ الذي كان متأنقا متأهبا أصابعه ببعضهم.. خلال الأسابيع الماضية كان منشغلا بين العمل وبين ترتيب تجهيزات شقته وحتى أمور حجز شهر العسل، إذ كان يخطط حقا لإعلام خال شيرين بطلب يدها إن جاءه الرد منها أو لا..

جلس مُؤيد بجانبه ومد يده فوق كتفه يبثه الدعم

((إذن يا عريس هل كل شيء على ما يرام؟))

استقرت بسمة صغيرة على ثغر مُعاذ وقال بامتنان

((شكرا لك يا مُؤيد الغالي، لولا دعمك لي لما كنت سأعجل بأمر زواجي بكل هذه الثقة، فأنا بعد كل شيء واحتراما لعائلة شيرين لم أحب أن أذهب وحدي للجاهة، فهي الخطوة الأولى في موضوع أي زواج، ولا يمكن الاستغناء عنها أو التقليل من أهميتها ومكانتها))

عقد مُؤيد حاجبيه لأخيه الذي كان في حياته حضور لصديق أبدي، ورفيق أول للطفولة، وصخرة يستند إليها.. ثم عاتبه

((وماذا فعلت أنا غير أن أعلنت مرافقتك، أيًّا كان من اخترت تزوجها!))

قاطع مَالك هذا المشهد المؤثر وهو يلكز مُعاذ هاتفًا به بغضب مزيف

((ألا ترى أحدا آخر غير مُؤيد! نحن جميعا قلنا سنتواجد معك وقت الجاهة بغض النظر عن أي شيء آخر))

دعم مُصعب كلامه وهو يرد بسعادة مشعشعة في عينيه

((لا تتصور فرحتنا جميعا بزواجك الذي تأخر وقته يا مُعاذ!))

عقب مَازن بمرح وهو يشد على كتف مُعاذ

((أخيرا ستتزوج يا أخي وسترزق بيعقوب الصغير، لن ندعوك من الآن إلا أبا يعقوب))

ضحك مُعاذ بخفوت ثم قال بامتنان وتثمينًا لمعروف إخوته وهم يغمرونه بدعمهم ومساندتهم

((شكرا لكم جميعا، حفظكم الله ذخرا وعزوة وسندا لي))

رد عليه مُصعب مبتسما بكلمات حملت فخرا

((وحفظك الله لنا يا مُعاذ لطالما كنت الأب الثاني لنا ومصدر عزتنا وفخرنا وسندنا في هذه الدنيا وعوننا بعد الله سبحانه وتعالى، مهما عبّرنا عمّا بداخلنا عنك تبقى الكلمات قليلة))

وعند الزاوية كان الحاج يعقوب يطالع أولاده عن كثب بعينين تتلألئين بالعاطفة والفخر وهو يرى أجمل مشاهد الإخوة بين أولاده.. فما يربط بين أبنائه الخمسة ليس مجرد رابطة دم فقط ولكنها مشاعر ولحظات ومواقف مشتركة اجتمعت معًا لتكون ذكريات لا تنسى أبدا..

أولاده نعمة الله عليه العظيمة في الحياة والتي لا يضاهيها نعمة وتعجز الحروف عن وصفها.. هم رغم كل مصائبهم التي لا تنتهي الأصدقاء له والعوض والسند..

أغلق جفنيه يناجي الله أن يحفظهم بعينيه التي لا تنام.. فهم لبعضهم أثمن ميراث قد يتركه هو وزوجته لهم..

.

.

توجهت الجاهة الى بيت أحد أخوال شيرين الذي تقطن في منزله.. وقام خالها مع الباقين باستقبال الجاهة والترحيب بهم..

جلس كبير الجاهة الحاج يعقوب والباقي ممن جاؤوا معه على إحدى الأرائك المتراصة في جلسة عربية الطراز بينما يتم تقديم القهوة السادة للضيوف، وقبل أن يشربها يعقوب وضع الفنجان على الطاولة الصغيرة أمامه، ونهض واقفا، ملفتا إليه أنظار الحاضرين، وكلهم آذانا صاغية، يكاد لا يسمع همسا لهم..

ثم بدأ بالكلام نيابة عن ابنه مخاطبا الحضور، ومركزا نظره تجاه خال شيرين صاحب هذا البيت، بتلاوة آية من القرآن الكريم عن الزواج ثم ذكر محاسن أهل العروس وعائلتها والتشرف بنسبهم، قبل أن يطلب يدها أخيرا

((ولنا الشرف وكل الشرف لنطلب يد ابنتكم شيرين إلى ابني مُعاذ، على سنة الله ورسوله، وقيمة المهر الذي تضعونه وكل شروطكم نوافق عليها))

رددَّ خال شيرين معبرا عن موافقته وتقديره للجاهة

((الابنة ابنتكم، اشربوا القهوة))

ورفع الجميع أيديهم يقرؤون سورة الفاتحة..

وبدأت فناجين القهوة تقدم لكل الضيوف ومن حضر للمشاركة بالطلبة بسخاء وترحيب لهم مع المشروبات الأخرى والحلوى وهم ينثرون التهاني والتبريكات..

.

.

جاءت زوجة خال شيرين إلى غرفتها قائلة بلهفة وذهول

((لقد جاء الرائد بجاهة كبيرة ضمت عائلته وأفراد أسرته وأصدقاءه ومعارفه وجيرانه والكثير من وجهاء قريتنا وقرى أخرى، لم أر جاهة بكبرها))

وصلت خفقات قلب شيرين عنان السماء وهي ترى كل ما فعله مُعاذ من أجلها تعبيرا منه عن احترامها ورفعا لمقدار ومقام عائلتها لكن تلاشت ابتسامتها عندما قالت ابنة خالتها

((سمعتهم يحددون موعد عقد القران والزواج بعد أسبوع.. لكن خسارة لن يقام أي زفاف لك بسبب غياب الفترة الكافية لمقتل مطلقك))

هتفت زوجة الخال بسخط واستياء

((وما همها بالزفاف ومظاهر الفرح الباذخة تلك! سبق وحظيت بها في زواجها الأول المشؤوم ولم تسعد فيه يوما))

قبضت شيرين على صدرها علّها تحاول التخفيف من ذلك الألم الذي اغتالها فجأة بقسوة عند ذكر سيرة وليد.. قبل أن يضج صوت وصول رسالة لهاتفها والتي كانت من مُعاذ فكانت بمثابة مواساة لقلبها لينهي أي بؤس دامي بكلمات بسيطة شاعرية

"مبروك لي أنتِ يا عروستي"

مسدت على قلبها بلطفٍ لتهدئ من صخب وتزايد دقاته وتنفست بعمق قبل أن ترد برسالة منفجرة الأسارير

"أليس من المبكر أن يكون عقد القران بعد أسبوع فقط؟ لا أشعر أننا تعرفنا على بعضنا بما يكفي"

رد عليها على الفور برسالة

"بعد الزواج سنتعرف على بعضنا بقدر ما تريدين! الآن طلي قليلا من نافذة غرفتك"

هرعت نحو النافذة تبعد الستائر لتراه بكل وسامته وهيبته يقف أمام سيارته.. يحدق بتحفز نحو نافذة غرفتها قبل أن يبصرها تظهر أمامه بحجابها الوردي! وكم بدت جميلة بشكلٍ استثنائي.. متوهجة بملامح ريفية..

ارتعشت شفتها تأثرا به.. بحبه.. وكأن أحلامها كلها تتحقق في لحظه أمامها.. فبدأت عيناه تمسح هيئتها، تلتهم فيها أشهر غياب جافية.. لأول مرة يشعر برغبة التهام أنثى.. أن يدسها داخله بأي طريقة..

لكن هانت.. أسبوع وستكون له.. ملكه..

=============================

انتهى الفصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...