لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثامن والثلاثون
بعد مرور أسبوع..
افتتح المأذون المكلف بعقد القران الجلسة بالصلاة على النبي الكريم بينما يسلم يد مُعاذ في يد خال شيرين نيابة لعدم وجود عصبة لها من جهة الأب، ثم قام بتغطية أيديهما بمنديل أبيض مزين الحواف باسمي العروسين مكملًا حديثه..
استرق مُعاذ النظر لشيرين الجالسة بالجانب المقابل له قرب خالها، وقد تهلل وجهها بفرحة وتورَّد بنظراته التي تأسرها، يودّ لو يحملها يهرب بها دون قدرة له لمزيد من الانتظار والترقب..
بدأ يردد من خلف المأذون وهو يعد قلبه الثائر بين ضلوعه أنه لم يبقَ الكثير حتى تكون مُلكه..
بمجرد أن أنهى المأذون عقد القران حتى انطلقت زغاريد النسوة من داخل وخارج المجلس إيذانا بتقييد القلوب وربط الأسماء بالميثاق الغليظ، وتعالت عبارات التبريك والتهاني وتمني السعادة لكلا العروسين.. وفي أثناء ذلك استقام مُعاذ متوجها لمن أسرت قلبه وملكت عقله وقد ازدانت في هذه المناسبة بثوب أبيض تألقت به رغم بساطته..
استقامت مكانها فأمسك يدها يسندها في وقفتها مبتهجا بحسنها، مُمرًا عيناه لملامحها السعيدة رغم خجلها وارتعادها لتتذوق احتضانه..
دنا بوجهه يلثم جبينها لثوانٍ قبل أن يتعانقا برقي تغشاهما هالة حب سطعت لهما فقط..
أطبقت شيرين عينيها بقوة.. ذراعاه كانتا قويتين حتى كادت تشعر بقدميها ترتفعان فوق مستوى الأرض..
ابتعد عنها قليلا يهدر لها بصوتٍ يضج رجولة وهو ينظر في عينيها المشعتان
((مبارك يا عروسي..))
ولاإراديا رسمت ابتسامة بشفتيها الملتمعة بمرطبٍ ورديٍّ فاتح.. وظل يحدق فيها حتى قاطعه والده الذي اقترب منهما ملقيا السلام ثم تمتم هادرا بصوتٍ وقور
((مبارك يا عروسين))
التفتت شيرين له تمتم بكلمات الشكر المباركة.. ليوصيها الحاج يعقوب وهو يطبطب فوق ظهر مُعاذ
((اعلمي يا بُنَّيتي، أن مهمتك كزوجة أب تكمن في توطيد علاقة طيبة مع دارين ليست بالأمر السهل ولكن مُعاذ سيكون دومًا بجانبك، أنا لا أقول ذلك لأنه ابني ولكني أعرفه أكثر من أي شخص يتميز بموفور الحكمة والصبر ولن يهدر أو يهضم حقوق واحدة منكما))
بابتسامة مهذبة وتأثر ردت شيرين على حماها
((سأبذل جهدي أن أكون عند حسن ظنكم جميعا))
أشار مُعاذ لابنته الواقفة على الزاوية تطالعهم وهي تبدو جميلة في طلة بهية بثوب فيروزي لتقترب، ففعلت واتجهت نحو شيرين في أول لقاءٍ حقيقي لهما لتميل شيرين معانقة إياها ومتسائلة ببشاشة مُعدية ولطف
((كيف حالك أيتها الجميلة؟))
ردت دارين بود يتجلى بعينيها الصافيتين
((بخير، مبارك يا خالة لك أنتَ وأبي))
بابتسامة راضية ومطمئنة ربت مُعاذ فوق ظهر ابنته وانشرحت أساريره.. فمالت دارين تقبل وجنة أبيها الذي انخفض لها قليلا..
طلب الحاج يعقوب ابنه جانبا قبل أن يستأذنهما بتركهما ثم ما لبث يعقوب يوصيه
((كنت أرى في زواجك يا مُعاذ واجبًا في حالتك لأنك فقط من خلاله تستطيع جلب ابنتك لتعيش معك في المدينة.. لم أعلق على تقصيرك تجاهها لأني كنت مدركًا لانشغالك في عملك، لكن الآن فلا عذر لك للتقصير معها ولا بد أن تحتضنها وتغمرها بحنانك وعطفك))
أكد مُعاذ على أبيه مطمئنًا وهو يناظر شيرين تتحدث بود وبشاشة مع دارين
((أبي لا تقلق أنا أثق بهما ومتأكد انسجامهما فيما بينهما وسيتصادقان سريعا))
لكن أصًّر يعقوب قائلًا
((ومع ذلك استمر بتقريب زوجتك نحو ابنتك بالتدريج، فدارين في عمر لا تقبل بسهولة أن تحتل امرأة مكان أمها، بعدما بلغت قدرًا من البلوغ والنضج، وقد تحدث خلافات بينهما، وأنتَ هنا عليك أن تتمتع بقدر كبير من الحكمة والتعقل للفصل فيها))
وضع مُعاذ يده على كتف والده يطمئنه
((والدي العزيز.. لا تحمل همًّ ذلك سأكون حريص على التوفيق بينهما بإذن الله))
استقرت في أثناء ذلك عينا خال شيرين على الحاج يعقوب ووقفته المهيبة بجوار ابنه فتقدم منهما قائلا
((لقد أعطيناكم دُرتنا وما تبقى لنا من اختنا، وكلنا ثقة أنكم ستقدرون ما أعطينا))
ردًّ مُعاذ عليه وهو يتبادل معهم النظرات والعهد الرجولي
((شيرين سأحفظها بعيني، فلا تقلق يا عم))
تقدمت شيرين من خالها تقبل ظاهر يده ليقربها منها ويقبل جبينها داعيًا لها بالبركة في زواجها..
وهكذا استمرت هذه المناسبة السعيدة رغم أن الزواج عمليًا صريحًا كان بعيدا عن كل الشكليات في أعراف الزواج المتبعة كما سبق واتفقوا عليه بسبب الظروف غير المناسبة..
لكن زوجة خال شيرين سحبتها لدارهم وهي تشبك ذراعها بذراع شيرين لتخترقا جموع النسوة اللواتي يهزجن ويصفقن ويزغردن ويرقصن فتزغرد معهن لترسم المزيد من الفرح والبهجة على وجه شيرين بينما يتم أطلاق الأعيرة النارية في الخارج لمدة قصيرة..
مال الحاج يعقوب من أذن ابنه حتى يسمعه وسط هذه الضوضاء الاحتفالية الصادرة من داخل البيت
((لم يكن اتفاقنا أن يقام كل هذا، بالكاد مضت ستة أشهر على وفاة ابن عمك رحمه الله))
غمغم مُعاذ باقتضاب
((أبي يريدون الفرحة بها، مجرد غناء ورقص نساء في الداخل بعيدا عن الأنظار، أما الرجال هنا في الخارج ملتزمون بعدم إقامة أي أهازيج أو دبكات تهز الأرض))
ثم عاد مُعاذ يناظر ابنته وينخفض ليقبل وجنتها.. ورغم كل الابتهاج الذي أظهرته دارين له لكن كانت تقبع هناك في دواخلها العميقة بعيدة عن كل مظاهر الاحتفال فيكتنفها الصمت وتتنازعها الأفكار ولا يشاركها هذه الوحدة والاختلاء مع الذات إلا قلبها.. وعقلها الذي يتذكر أمها.. الذي رحلت من الدنيا دون أن تشبع منها أو حتى تصنع ذكريات تتيح لها تذكر وجهها دون الحاجة للصور..
حتى أنها في وقت المغادرة استقلت سيارة أبيها تجلس في الخلف بينما شيرين بجانب والدها وهي لا تزال غارقة في أعماق تفكيرها المعزول عن الجميع..
بدأ مُعاذ يقود سيارته إلى شقته وعندما ركنها أمام البناية التي يقطن فيها ترجلت دارين منها لتستقل سيارة عمها مُؤيد الذي كان يقود خلفهم لتعود معه مؤقتا ريثما يعود والدها وعروسه من شهر العسل.. وقبل أن يشغل مُؤيد محرك سيارته يستعد للمغادرة خرجت دارين منها فجأة تهتف لهم وهي تهرول باتجاه البناية
((سأذهب لشقة أبي فهناك أشياء أريد أخذها من غرفتي))
كانت شيرين ترتقي درجات السلم بجانب مُعاذ وقداماها بالكاد تحملانها من فرط التوتر من قربه منها ونبضها يرتعش.. بعد قليل سيكونان لوحدهما!
لكن جفلا الاثنين على دارين تندفع من بينهما وتخترقهما هاتفة وهي تهرول باتجاه الشقة
((سأحضر شيئا من غرفتي وأغادر))
تطلع مُعاذ وشيرين لبعضهما باستغراب قبل أن تسبقه شيرين إلى داخل الشقة لكن توقفت تلتفت تسأله عن مكان غرفة دارين ليوجهها إليها بأن أمسك بيدها نحوها..
خطت للداخل بخطوات هادئة، لتجدها جالسة على سريرها بينما تمسك بيديها صورة استخرجتها من صندوق عتيق مستقر على حجرها..
لامست شيرين كتفها برقة وتساءلت بذهول يعتريها
((هل تبكين يا دارين؟))
رفعت دارين يدها تمسح دموعها الخائنة وقالت بتحشرج
((أنا لا ابكي، بل سعيدة بزواج أبي.. لكن هناك شيء دخل في عيني))
رفعت شيرين فستانها بيديها قليلًا ثم جلست بحذر بجانبها وقالت
((اعرف أن صورة شخصية زوجة الأب قاتمة وقبيحة، لكن أتمنى أن تثقي بي))
تسللت ابتسامة شاحبة على وجه دارين، فأبدًا لم يكن سبب بكاؤها وحزنها الآن هو خوفها من قسوة شيرين عليها أو خوفها من أن تستحوذ على أبيها، فهي تثق به ثقة عمياء.. كما أنها تعرف أن بظهرها جديها وأعمامها، وعائلتها من جهة أمها سيتفقدون حالها من وقت لأخر، ولا يمكن أن يتركوها تقاسي من أحد..
في حين أمعنت شيرين بنظرها على الصورة التي تحتضنها دارين بيديها وعندما انتبهت الأخرى لنظراتها المشدوهة سارعت تعقب
((أنا احتفظ بصور أمي فقط في غرفتي، فلا تقلقي لن أزعجك بها))
اتسعت عينا شيرين ثم قالت نافية بلهفة
((تزعجيني!؟ من قال هذا!؟ على العكس.. إن أمك جميلة جدًّا.. يبدو أنك ورثتِ جمَالك منها))
عضت دارين شفتها تداري غصة بحلقها وقلبها يتذكر الألم لترد بأسى وبصوت متقطع
((لقد توفت أمي بعد سنوات من ولادتي.. فحملها بي فاقم من مرضها))
ضربت الدموع صدرها قبل أن تشهق ببكاء والاشتياق لأمها يكتنفها ويوجعها فسارعت شيرين تمسح دموعها بيديها وتقول
((لا يا دارين، ابعدي عنك هذه الأفكار تمامًا، قدرها الرحيل عن الدنيا في هذا السن وأنتِ لست السبب، وهذا النوع من الأفكار يُريد الشيطان من خلاله أن يُوقعك في جب الأحزان والأكدار، فلا تُعيريها اهتمامًا))
للحظات ظلت دارين تتألم من أعماقها فاسترسلت شيرين بحنو
((أسأل الله تعالى أن يُعظّم لك الأجر في وفاة أُمِّك، ويجمعك بها في جنّات عدنٍ.. بر الأم لا ينقطع بالموت، فأكثري من الدعاء والاستغفار لأُمك، وتصدقي عنها ولو بصدقات يسيرة، وصلي أرحامها وصديقاتها ووديهم..))
نظرت لها دارين قائلة بنبرة رقيقة متهدجة
((هذا ما كانت دائما تقوله له رتيل زوجة عمي))
ترفقت ملامح شيرين لها ثم انتقت كلماتها بحرص عذب
((لأن هذا هو الصحيح، أدرك شعور اليتم وفقد الأم أيضًا، فهو مؤلم وموجع ولا يشعر به إلا ما من عايشه.. لكن لا راد لقضاء الله))
بدأت دارين تعيد صور أمها في الصندوق تستعد لأخذه معها لتقول بذنب طافح على ملامحها الطفولية
((انظري لي كيف أشاركك حزني غير المبرر في ليلة زفافك وأفسدها عليك.. أنا آسفه))
طمأنتها شيرين بحماس وسلاسة وهي تحتضن رأسها
((لا على العكس، هل تعرفين بأني كنت قد جهزت لترافقينا بشهر العسل وُصدمت عندما أخبرني بأنك لن تأتي بسبب دراستك، أعنى يمكن أن نقصر مدة السفر إلى ثلاثة أيام بدلًا من أسبوع لأجلكِ))
ابتعدت دارين قليلا تقول بعبوس طفولي
((اذهب معك لشهر العسل أنتِ وأبي!؟ ماذا تظنيني! متطفلة!؟))
حانت نظرة من دارين لجهة الباب لتنتبه لوجود والدها عند عتبته يبتسم لهما بحنو مما جعلها تجري إليه فيتلقاها بين ذراعيه بقوة ثم يهمس لها
((ادعي لها بالرحمة والمغفرة يا حبيبة أبيكِ فقط))
عادت دارين تبكي بنحيبٍ مختنق وشعرت بعدم القدرة على التحرر من عناقه.. وهو كان يحتويها حبًا وتفهمًا ودعمًا في ذات الوقت قبل أن يبعدها عنه قليلا برفق مقترحًا وهو يقول بنبرة أبوية حانية
((ما رأيك أن تأتي معنا إلى شهر العسل؟ شيرين كانت جهزت أغراضا لنا على هذا الأساس))
بدأت دارين تقاوم بشق الأنفس ألا تتبع رغبتها وتوافق فتفسد شهر عسل والدها وزوجته فابتعدت عنه وأخذت صندوقها تلوح لهم قائلة
((هذه أيام خاصة بكما، سأظل عند عمي مُؤيد لغاية عودتكما.. رافقتكما السلامة))
ثم هرولت إلى خارج شقة وهبطت درجات السلم..
زفرت تغمض عينيها تحاول طرد تلك الدموع الأخرى بعيدا والتي تتزاحم للخروج من محبسها، تحاول التنفس ببطء عدة مرات ثم خرجت من البناية إلى سيارة عمها مُؤيد الذي كان يجلس خلف المقود وبجانبه والده وفي الخلف زوجة عمها رتيل..
استقلت السيارة بجانب زوجة عمها تعلمهم
((لقد أحضرت أغراضي من البيت وودعت أبي وعروسه، هيا لنرجع الآن))
شغل مُؤيد محرك السيارة في حين قال يعقوب لحفيدته
((لقد فاجأتني بحسن تصرفك الليلة في زواج والدك! فهذا هو الواجب عليك، عوضي ما فاتك من البِرِّ بأُمِّك بسبب موتها ببرك بأبيك والإحسان إليه، وحاولي أن تكوني عونًا لزوجة أبيك، مؤدبة معها، والنفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها، وبذلك تكسبين أُمًّا جديدة))
قالت له دارين بوجهها المتورد
((لن أعتبر أن لي أما غير أمي رحمها الله ولكن سأكسبها كخالة وصديقة))
شيد يعقوب عليها ((بارك الله فيك يا حفيدتي ولا تدرين ما تحمله قادم الأيام لكما من خير))
تطلعت دارين لزوجة عمها تصارحها متمتمه بهمس
((أمسكت نفسي بصعوبة ألَّا أوافق على إلحاحهما في القدوم معهما))
قطبت رتيل حاجبيها هامسة لها
((لو كنتُ عروسا وأحضر زوجي أحدًا إلى شهر عسلنا لكنت قتلته))
رفعت دارين حاجبيها متسائلة ببراءة
((وهل ذهبت أساسا إلى شهر العسل مع عمي مُؤيد؟))
تبرمت رتيل مجيبة بسخط
((لا.. لا تذكريني.. فقد قضيته في بيت عائلته))
.
.
داخل شقة مُعاذ..
ألقت شيرين العباءة فوق ثوبها الأبيض على الأريكة بينما يغلق مُعاذ باب الشقة وهو يقول
((ها قد صرنا لوحدنا.. أعدت زوجة أخي سلمت يداها بعض الطعام، سنسافر غدا صباحًا في وقت مبكر، أتمنى أن تعجبك الرحلة تعويضا عن إقامة حفل زفاف))
انفرجت منها ابتسامة حلوة لحرصه على الاهتمام بها وتعويضها ولو أنها لم تكن تريد أيَّ حفل زفاف من الأساس.. لم ترد سوى أن تكون معه فقط..
تقدم منها بملامح تائقة لها بعد صبر وبدأت عيناه بعمق وحرية تتشرب تفاصيل فستانها الفضي الذي يحتوي جسدها بأنوثة.. يجتاحها دون رادع.. قبل أن يقترب بخفة فجأة ويمد يده ليلامس خصرها وهو يدور من حولها حتى وقف خلفها ثم انحنى بوجهه نحو طرحتها يستنشق عبير العود الذي أغرقت نفسها به، قبل أن يهمس لها بعبث
((إذن هل نتعشى أم لديك فكرة أخرى؟))
بدأ قلب شيرين يدوي بصخب متأثرة بصوته ورجولته وعاطفته..
تحرك مُعاذ يزيل عنها طرحتها مقتربا أكثرًا من وجهه عليها ينهال منها بجموح وشغف..
فأخذت صور مختلفة من الماضي تداهمها باضطراب لم تتوقعه ومغاير لما أرادته من حماية في أحضانه.. وظلت أطياف التجربة السابقة في زواجها من وليد تظهر كشريط مصور يوقظ ماضيا دفن بأعماقها الى سطح ذكرياتها في حاضرها..
أرجعت رأسها للخلف تتأوه بصوتٍ بدا كنشيجٍ مضطرب تنتفض بين يديه قليلا قبل أن تمتنع بصوتٍ مختنق وهي تشير إشارة واهية متهربة من عينيه
((سـ.. سأذهب لأبدل.. الثوب أولًا))
اتسعت عينا مُعاذ باستغراب وهو يراها بهذا من الكمّ التوتر وأيضًا.. الخوف.. ملامح وجهها كانت تنطق بعذاب ومقاومة..
تحركت شيرين بحفيف فستانها المطرز باللؤلؤ إلى غرفة النوم المزينة.. التي يحتل فيها السرير الواسع منتصفها وباب جانبي للحمام..
سمعت صوت باب الغرفة يُفتح ثم يغلق بهدوء يناقض الأنفاس اللاهثة منها.. ثم انتبهت لمُعاذ يقترب منها ملقيا سترته على سطح السرير..
شعرت بأنها ستترنح تأثرا بفيض مشاعرها من الموقف المحرج الذي حدث قبل قليل دون أن تمعن النظر لنظراته..
زارت ابتسامة شفتا مُعاذ قائلا بغموض
((قبل أن نقوم بأي شيء دعينا نبدأ حياتنا بأمر هام))
طالعته ببلاهة وعدم فهم وما إن استوعبت ما يرمي له حتى تنحنحت
((ماذا؟))
اتسعت ابتسامته بضحكة ملكت قلبها ليحتضن يدها ويفردها على وجهه ثم يقبل باطنها قائلا
((دعينا نصلي ركعتين ليبارك الله لنا هذا الزواج))
=============================
في وقت سابق.. وبعد انتهاء عقد القران ومغادرة الجميع كان مَالك يجلس داخل سيارته وبجانبه سمية..
تقلصت أصابع مَالك بتشنج حول مقود السيارة وهذه هي خلوتهما الأولى سويًا بعد شجارهما الأخير.. بدأ يهز ساقه بعصبية كأنه في طابور طويل يتنظر دوره دون أن يأتي.. فسمعها تكسر الصمت بينهما وتقول له ببشاشتها المعهودة
((عروس أخيك ما شاء الله جميلة! أمك مرضت بوقت غير مناسب جعلها تفوت عقد القران، شافاها الله))
ردَّ مَالك بنبرة بدت لها غير راضية عنها
((أبي من ادّعى مرض أمي حتى يُسكت الأفواه ويجنبنا التساؤلات الفضولية، فقد أقسمت ألا تحضر زواج أخي لو تزوج من شيرين))
أومأت له بتفهم ومر طيف حزن في عينيها ثم قالت بعد دقائق بتنهيدة شكوى رقيقة معاتبة
((إذن، لماذا لا زلت غاضبا مني؟))
لم يتح له الرد وقد فُتح بغتة في هذه اللحظة باب السيارة الخلفي ليطل منه مَازن يقول باندفاع وشكر
((مَالك حبيبي ظننت أنك ستغادر من دوننا، شكرا على انتظارنا))
حلّ مَالك حزام أمانه ثم قال بوجوم مترجلا من السيارة
((مَازن أنا متعب جدًّا وأشعر بالنعاس، تولى أنتَ القيادة))
اندهشت سمية من تصرف مَالك لكنها خرجت من السيارة هي الأخرى وجلست في الخلف بينما يجلس مَازن وزوجته في الأمام.. وطوال الطريق لم تنطق بشيء بل قابلت برود مَالك بالصمت متجنبة حتى النظر إليه إلا بعض مرات استرقت النظر فيها له.. قبل أن تنتبه لانتظام تنفسه وشبه استغراقه في النوم بينما يميل رأسه للجانب..
يبدو أنه متعب حقا ولم يكن يدعي ذلك!
وجدت نفسها على الفور تبتسم ببراءة وتقترب منه لتسمح لرأسه بالاتكاء على كتفها.. وبدت مستمعة وهي تجذب ذراعه وتضعها حول خصرها بحذر حتى لا ينتبه مَازن وياسمين لها..
قامت بتدليك ذراعه كي تمده ببعض الدفء وقد شعرت باحتياجه لها، وبالفعل تسلل الشعور بالدفيء إليه وعبير عطرها يغزو أنفه دافعا عقله للاسترخاء كتأثير مهدئ لغضبه المكبوت.. فروحه كانت تئن شوقًا في قربها، وقلبه رغم تمرده يتوق لها، ونفسه تشعر بالخواء والفراغ..
كأن كل جزء بجسده يتآمر عليه محتاجا لها إلا عقله يصده عن التقرب منها فلم يدعه يذق النوم.. تحركت رأسه قليلا ليدس أنفه بعنقها بينما يشدد من ذراعه حول خصرها فاتسعت عيناها هامسة
((مَالك! لقد ظننتك نائما))
همس ببحة المشاعر المتدافعة نحوها غصبًا عن تفكيره المتمنع ((استمري فيما تفعلينه))
لاحت ابتسامتها مرة أخرى على ثغرها باستحياء وكفيها تستمران بتدليك ذراعه قبل أن تدسُّ كفه البارد في دفء يديها الغضتين..
والآن فقط فَقَد أيَّ قدرة على التواصل وغرق بنوم عميق بعد أيام سابقة كان فيها نومه مهزوزا.. ولم يستيقظ إلا عندما ربتت بقوة على كتفه مرارا هامسة بحنو
((مَالك لقد وصلنا، هيا استيقظ))
خرج مَازن من السيارة ثم فتح باب المقعد الخلفي من جهة مَالك يلكزه بعنف هاتفا
((هيا استيقظ، هل تظن أنك في الفراش!))
تململ مَالك متأوها من عنف مَازن ليرمي الآخر له مفاتيح السيارة التي ركنها في المصف..
ابتعد عنها فحاولت تحريك أطرافها المتيبسة مطلقة بعض التأوهات والتي أدرك من خلالها أنه كان طوال الطريق يتكئ عليها فعقب باقتضاب
((لماذا لم توقظيني أو تبعديني عنك؟))
أبدت ابتسامة ناعمة على شفتيها رغم التعب لتقول
((لقد استمتعت بقربك ولم أكن لأمانع أن تظل نائما على كتفي لساعات أخرى!))
ازداد اقتضابه من إجابتها ووجد نفسه يترجل من السيارة صافقا الباب خلفه بغضب..
طفى حزن كئيب على ملامحها فأطلقت تنهيدة عميقة..
دخلا لجناحهما فأغلقت الباب خلفها بالمفتاح خوفا من خروجه بعد أن جلبت من المطبخ بعض الطعام لأنه لم يأكل جيدا قبل الذهاب لعقد القران..
في أثناء تغييرها ملابسها في حمام، وضع مَالك الذي يتضور جوعا ملعقة ممتلئة عن آخرها في فمه من كل طبق وضعته ثم حاول أن يساوى سطح الوعاء بالملعقة حتى لا تُفضح فعلته، فهو يخاصمها ويجب بالتالي أن يمتنع عن تناول الطعام الشهي الذي تجلبه دائما له.. وذهب ليتوسد الفراش..
عند خروجها اقتربت لمعاينة الطعام الموضوع على المائدة فتلبّسها الإحباط لأنها ظنت أنه لم يأكل شيئا..
بعد وقت أغلقت الإنارة الرئيسية بعد أن ارتدت منامة حريرة انتقتها من خزانتها بعناية..
تطلعت لمَالك المنزوي في الجانب الآخر من السرير يعطيها ظهره واحتجت
((أنت لا تتحدث معي منذ آخر شجار، هذه ليست طريقة صحيحة لنتجاوز أي مشكلة، اصرخ.. اغضب لكن لا تصمت هكذا فقط))
ظل صامتًا بل وضع الوسادة فوق رأسه يمنع نفسه من الإصغاء لها.. لكنها لم تعد تتحمل ذلك الصمت والتجاهل الرهيب كأنها غير موجودة تماما، فلا يدخل جناحها إلا ليلًا، وكله من أجل ذنب لا تعرفه.. فاجتذبت الوسادة عنه وعاودت السؤال بإصرار أنثى وهي تمسك مرفقه
((مَالك أرجوك تحدث معي))
سحب ذراعه كأنه لا يطيق لمستها وقال ببرود قارص
((لا أريد التحدث معك في الموضوع حتى لا أفعل ما أندم عليه لاحقًا!))
أطلقت عدة أنفاس كانت تجيش في صدرها شاعرة أنها محمومة بالأفكار، والشوق.. إنها تشتاق عناقه الغامر.. قبلاته الشغوفة.. نظراته الحارة.. حتى أنها أحيانا تلجأ بعد مغادرته بضم أو ارتداء ملابسه أو أغراضه الشخصية لتستنشق أثر رائحته العبقة..
تطلعت في الظلام من حولها شاعرة أنها تريده أن يضمها في هذه اللحظة، ويلهب روحها بعاصفة من عواصف مشاعره الجياشة.. فقامت بالالتصاق به ولفّ ذراعيها حوله وأغمضت عينيها بقوة تلتمس دفئًا ولو بالإجبار..
أغمضت عينيها تاركة نفسها له، فتلبك جسده بفعل حركتها فعقد حاجبيه، وتمطى العبوس على وجهه قائلًا
((اتركيني، أنا متعب وأريد النوم للغد))
رفعت إحدى يديها فقط تغمر أصابعها بشعره المموج كعادة ألِفتها ثم قالت
((ولكني لم أعد أستطيع النوم مبتعدة عنك))
لم يعد قادرا على الاستمرار في ادعاء البرود والغضب يعصف بعقله، فرد بتهكم مرير
((هذه كذبة لا تقنع طفلًا يا سمية، ولكن كحالي كزوج متساهل، سأتغاضى عن الأمر الليلة فقط))
هدرت به وقد ضاق قلبها من جفاءه
((الليلة فقط! وماذا عن الغد! ما تفعله هو ظلم مجحف!))
ثم استرسلت والدموع تتجمع بعينيها وصدرها يئن ألما
((ليس من العدل أن تغمرني بكل ما امتلكت من اهتمام حتى أدمن عليك، ثم تنزعه مني بغتة!))
فتح إضاءة الأباجور ثم استدار لها فسقطت دموعها وانفلتت رغما عنها وهي تكتم شهقاتها فلا تزعجه ولو عليها لصرخت بقهر صاخب..
تتألم كوجع المدمن حُرم من إدمانه، مِمَّا جعله ينتفض من تجاهله العميق، ويحتوي وجهها بنظرات عابسة سرعان ما رقت وهو يرى الحالة المنكسرة التي كانت عليها وغارت عميقا بقلبه..
هنا انطمس كل شيء، توقف الوقت، وسكنت النبضات، حتى خلايا جسده وعضلاته انتفضت تحلل الموقف..
سبب تضاعف غضبه هو بؤسه من عدم قدرته على النوم بعمق دون قربها منه واحتياجه لها على عكس عدم معانتها من الأرق لبعده.. لكن الآن اتضح أن الأمر بالنسبة لها عكس ما يظن..
ارتعش قلبه ورفرف ثم بدأ ينظر في عينيها الباهتتين اللتين استمرتا بذرف الدموع فيقرع قلبه بالنداء.. تنحنح وهو يقول بحنق مصطنع كأنما ليس مهتمًا
((حسنا، تعالي))
سحبها بحركة فاجأتها ليجلسها على حجره فتجلس مستندة بكفيها الى صدره بينما يتلفت يمينًا وشمالًا كي يرفع طرفي الغطاء حولها ليغمرهما معًا بالدفء..
هدأت أنفاسها رويدا رويدا كأمواج مضطربة ضربت قارب هائم في عرض البحر.. وكأن في قربه ترياق..
هي بين ذراعيه.. حيث تنتمي.. أخيرا..
رفعت عينيها إلى عينيه تقول ومرارة حزينة تطغى نبرة صوتها
((أنتَ لا زلت غاضبا مني لأني لم أضع أي وسائل منع للحمل! رغم أني كنت متأكدة أنه لن يروق لك وهذا ربما ما جعلني أخطط له دون استشارتك وأضعك تحت الأمر الواقع لكن لم أتوقع أن تكون ردة فعلك بهذه العدوانية))
اغتاظت نظراته واشتعلت عيناه هادرا
((تشعرينني بأنني وغد من كلامك هذا، مع أن استيائي من الحبل سببه هو الخشية على صحتك من توالي الحمل ورغبتي في أن ينال عبد الله رعايةً ووقتًا كافيين منك))
ارتعشت شفتاها وهي ترد
((أعرف.. ولكن سبب رغبتي في الحمل المتتابع هو أني كنت أريد أن أنجب طفلًا ثالثًا قبل أن أصل لنهاية الثلاثينات))
بدأت أنمالها تداعب ذقنه حتى تكسر حاجز حمل الطفل الثالث عنده وتحببه
((عبد الله يمتلك نفس لون عيونك ويزيد يأخذ ملامحك، أتمنى من طفلنا الثالث أن يكون أكثرهم شبها بك))
مر شبح ابتسامة على وجهه قبل أن يعلق بعتاب حاني وهو يلامس وجنتها بكفه
((ولكن لماذا ترهقين نفسك وجسدك بالحمل من أجل طفل ثالث؟ هل هناك من زرع أفكار سخيفة برأسك وحثك مثلا أن تربطيني بالكثير من الأطفال حتى لا أتركك! رغم أنك تعرفين أن لا خلاص لك مني حتى لو أردتِ أنتِ ذلك))
رفعت كفه لتلثمها ثم قالت له مبتسمة بلمسة حزن
((أنا أردت فقط أن أحظى بأكثر من طفل لأجلك.. ومن.. أجلي أنا.. فقد عشت شبه مقطوعة من شجرة.. لا إخوة ولا أرحام مقربين، وأكثر ما كنت أخشاه على يزيد إذا تزوجتَ من امرأة غيري وأنجبت منها ألا يكون مقربًا من إخوته، بل لا يتم الاعتراف به من قبل والديك فيعيش مثلي بلا قريب أو سند))
انكمشت ملامح سمية بحزن أكبر، لتعود لذاكرتها لتلك الأيام التي كشفت فيها حقيقة أن يزيد ابن لمَالك أمام والديه! وقتها فضلت أن تدع يزيد عند جديه على أن تأخذه معه، بعد موازنة خاطفة قارنت فيها بعيش يزيد معها هي ومَالك لوحدهما، وبين أن يعيش مع جدية وأولادهم وأحفادهم، العزوة والسند..
كلامها السابق وشحوب التعب البادي على وجهها جعل عينا مَالك تتجمدان وتساؤل غير مسبوق يتسلل إليه في وجل.. هل كان متطرفا بردة فعله السابقة؟
فقد اتضح أن للأمر أبعادًا أخرى لم يكن يعرف عنها أو ينظر من خلالها.. كأن تمتلك رغبة بالغة الإلحاح في امتلاك أكثر من طفل.. وبالذات قبل أن تصل لنهاية الثلاثين لأن العمر يؤرقها ولامتلاكها عن الموضوع أفكار يصعب إقناعها بالعكس.. خاصة وأنها كامرأة لها غريزة أمومة لا تستطيع الاستغناء عنها وترى أنها حاجة ملحة ولو على حساب صحتها..
غمغم مَالك بعد أن اسند رأسها الى كتفه
((يزيد ستبقى عائلته، جديه، أعمامه، أولاد أعمامه، والديه، إخوته كلهم بقربه وبظهره.. ولكن لا تكرري مجددا أمر الحمل المتتابع، فقد يرتبط حدوثه بعلة شديدة في جسدك))
أومأت برأسها موافقة
((معك حق، كان عليّ الانتظار أكثر قليلا.. لكن..))
ثم بادلته الاحتضان بنفس القوة هامسةً بلوعة خصامه
((إياك أن تبتعد مجددا عني، فقربك مني يُشكِّل فارقًا عظيمًا، لا في يومي وحسب، بل في قلبي))
شعاع رقيق من الخجل التمع في عينيها وهي تميل مضيفة لنظراته التي تشع بالخضرة
((أنتَ حظي الأعظم في الحياة، وصديقي الأحب))
كان مَالك مأخوذا بمبادلتها النظر وكم كانت عينيها حكاية طويلة جدًا من الشوق والوله.. قبل أن يصمت قليلًا مستعدًا لمصارحتها بما صبر عليه ليقول بما يستطيع من الهدوء وضبط النفس
((أحبك أيضًا، وأحب كيف تعتنين بي، وتذكريني بعدم تفويت وجبات الطعام، صبورة أمام الفوضى التي أخلقها، بل وتبذلين كل جهدك للتقرب من عائلتي وخدمتهم وإرضاءهم حتى يتقبلوك تماما كجزء من حياتي.. لكن كل ذلك هذا ليس كافيًا بالنسبة لي..))
رآها كيف تعض شفتيها كأنها تقاوم غصة البكاء لكنه أردف
((رغم ذلك ما زلت أريد المزيد منك، أريدك أن تأتيني راغبة مبادرة لي وتتوددين لي من تلقاء نفسك.. أريدك أن تتخلصي من خجلك الذي يقيدك في أوقاتنا الخاصة فنحن لم نعد عروسين.. أريد أن أشعر بتفاعلك معي واستجابتك، أريدك حبيبة وعشيقة لا زوجة فقط..))
قبضت بأصابعها النحيلة على قميص منامته.. ثم قالت بحشرجة
((أتقصد أني لا أبادر بتلك الأمور! إذن عليّ من الآن أن.. أن..))
شعرت بخجل فظيع يكتسحها وذراعاها ترتخيان عنه مسترسلة
((أقصد عليّ أن أزيد من.. من..))
تغضن جبين مَالك بضيق لا يفهم شيئا من تلعثمها وارتباكها فظلت صامتة ثم أغمضت عينيها فجأة وهي تشعر بفيضٍ من دموع الإحباط تود الانهمار على وجهها ما إن سمعت سؤاله.. فيظهر وجهها الذابل كوردة اندثرت تحت الأقدام..
وقبل أن ينطق بشيء كانت تنتفض تتحرك مبتعدة عنه إلى الحمام..
احتقن وجهه بالغضب من نفسه! ما كان عليه إخبارها بمكنونات قلبه وما يضايقه منها.. كان عليه كتم الأمر في سريرته وتقبلها كما هي..
ظل على حاله منكس الرأس لدقائق طويلة لم يشعر بمرورها حتى سمع صوت باب الحمام يفتح فجأة وتطل منه..
فغر شفتيه قليلا وهو يراها تتوغل منه بعد أن سرحت شعرها ووضعت مساحيق تجميل خفيفة على وجهها المتورد من أثر البكاء..
رفعت أصابعها المرتجفة لتحل رباط مئزرها فيظهر تحته قميصها الحريري الجذاب..
ضيَّق مَالك عينيه بتوجس لما تنوي فعله..
جلست بجانبه مصطنعة نظرات مغوية.. وهي تهمس له
((لو أخبرتني من البداية، لعرفت كيف أغير من نفسي إلى هذا النحو..))
ظل مَالك ينظر لها وما زال شعور الغرابة يسيطر عليه لتقترب بوجهها منه كثيرًا مردفه بنفس الهمس
((سأكون حريصة أكثر لأكون أكثر من كافية لك، سأبذل قصارى جهدي لتدليلك..))
تجهمت نظراته لها وقد بدت وكأنها.. وكأنها تمثل دورًا جديدًا عليه.. وعليها هي أيضًا..
ثم فاجأته وهي تفك أزرار قميصه فابتعد عنها مزمجرًا بعبوس شديد وقد أدرك ما تحاول فعله
((لا يا سمية، توقفي))
ابتعدت عنه متفاجئة.. لكن عقدت حاجبيها تحاول حل ما تبقى من أزرار قميصه وهي تهمس بإلحاح يائس مثيرا للشفقة
((أنتَ لا تقصد الرفض حقا..))
بذل مجهودًا مضاعفًا وهو يلجم انفعاله بحزم شديد
((ما الذي تفكرين به؟ هل تفكرين بإنشاء موازنة كـ "دعني أزيد واعطيه ثلاث مرات في الأسبوع حتى يشبع ولا يتذمر"؟ هذا ليس مقبولا بالنسبة لي، لو أردت يمكننا ألا نمارس أبدًا أي علاقة، المهم ألا تصطنعي الرغبة بي عندما أقترب منك فلا عيب في أن تكوني صريحة))
عادت تدنو منه هامسة بوهن مرتجف
((أنا لا أدعيها أبدًا..))
لم يستطع كبح غضبه أكثر فأمسك معصميها بخشونة أوجعتها ليوقفها عنوة عما تفعله
((سمية توقفي أرجوكِ، الرغبة لا يمكن ادعاؤها، فلا تجبري نفسك على ادعاء ما لا تحسين به..))
دمعت عيناها وهي تهز رأسها نفيًا هامسة بصدق
((ولكن أنا حقا أريدك..))
ظل يمسك معصميها وعيناه الغاضبتان تدرسان صدق إجابتها.. ثم بحركة خشنة بعض الشيء أبعدها هادرًا
((لطالما منذ بداية الزواج تركت لي القيادة والمسؤولية في هذا الأمر إذا ما شعرت أنا بمزاج له.. أما إذا ما أخبرتك برغبتي فلا يخطر الأمر على بالك))
وهمَّ أن يغادر السرير هامسا من بين أسنانه
((يكفي! سأنام على الأريكة..))
احتجت قائلة ((وأنا لن أسمح لك.. ليس قبل أن تصدقني على الأقل..))
هتف بها بانفعال غاشم
((وأنا قلت.. اتركيني فقط.. أنا غاضب كثيرًا..))
لم تعرف كيف تهدئ من ثورته أو تثبت صدق كلامها.. لكن توهجت عيناها بالعزيمة واقتربت منه وهي ترميه بنظرات عينيها الآبية بالدموع.. ثم رفعت يدها إلى وجنته بتوسل
((لكني أرغبك كما ترغبني..))
لم يهتز بل ازدادت ظلمة عينيه يفسر تلك النظرات منها على أنها محاولة لإيهامه، كأنه تظن بأنه قد يتركها إذا لم يجد منها أي تبادل في المشاعر.. رغم أن ذلك من الاستحالة..
عادت تكمل حل باقي أزرار قميصه فوجد نفسه لم يعد يمتلك أدنى قدر من المقاومة وعينيه تخالف أوامر عقله وتتجول بجنون عليها كلها.. فتمتم لها بنبرة غريبة عنها
((أنصحك بالابتعاد عنى لأنه لا فكرة لديكِ عما أرغب الآن بفعله بك إذا أصّريت على ما تفعلينه))
ردت عليه بعناد وتحد سافر
((إذا كنت تحاول إخافتي فأنا أود أن أخبرك أنه قد حدث العكس))
ردّد عليها مجددا وعينيه لا تتزحزحان عن مفاتنها وشوقه لها كالنار تستعر بداخله
((أنصحك للمرة الأخيرة بالابتعاد لأني أكاد أفقد لجام سيطرتي))
لم تنحسر ملامح العزم عن وجهها.. فكرر بغضب مكتوم وهو يميل لها فتشعر أنفاسه الخشنة ورائحته المسكية
((لقد حذرتك وأنتِ من لم تصغِ فلا تلوميني على ما سأفعله))
قربها منه لم يكن إنصافا مطلقا لعقله الذي لم يعد يفكر بأي شيء سوى باشتهائها.. فباغتها يلتهم شفتاها بشراسة وحدة كأنه يريد معاقبتها لأنها تحاول أن تدعي ما ليس فيها -كما يظن هو-..
وكل ثانية تمر عليه تزداد قبلته لها قسوة حتى كاد أن يدميها ثم ألقى بها على الفراش، ووقف مكانه بجسد متشنج وعينيه تمر عليها بغضب أعمى..
عجزت عن منع تلك الرجفة من السريان بجسدها خوفا من غضبه الذي تراه منه لأول مرة.. لكنها لم تتراجع بل ظلت مستلقية أمامه تتطلع إليه بإقدام، تؤمن كليا أنه لن يفعل شيئا يؤذيها.. لكن توترت أعصابها فجأة عندما قبض على كفيها بيد واحدة بقسوة جعلها تتأوه فكتم تلك التأوهات بفمه، بقسوة تارة وبرقة تارة أخرى كأنه يصارع نفسه..
وكل هذا دون أن يجد منها أي اعتراض، بل كانت متقبلة ومرحبة أن تكون متنفسا عما بداخله من إحباط تجاهها..
ما إن أنهى اجتياحه ووعى بنفسه حتى دفن وجهه داخل حنايا شعرها يتنفس بصخب..
رفعت أناملها تغمرهم في خصلات شعره المموجة بلمسات ناعمة مهدئة حتى استرخت أنفاسه المتسارعة تدريجيا..
لا تعرف كم مرّ عليهما هكذا تحديدا حتى شعرت بابتعاده عنها فجأة كمن دبت فيه الحياة.. ثم يضع يده فوق بطنها بحذر.. خائف أن يكون قد أذى الجنين بسبب خشونته، وخشي أن يكون عقابه على تذمره وقت أعلمته بالحمل أن يخسره..
تقطع قلبه واضطرب خشية تحقق خاطره الذي راوده!
فهو لن يتحمل خسارة هذا الجنين الذي لا يزال في رحمها مضغة، بل من الآن يشتاق لأن يأتي لدنياهم، ويتمنى أن يكون بنتا..
رفع رأسه لوجهها المنهك، يعود لواقع ما فعله وهمس
((لما جعلتني أتمادى بما سأكره نفسي عليه!))
مدّ أصابعه المرتجفة لوجهها.. لكنه توقف فثمة شعور خانق يتآكله داخليا يمنعه من لمسها! استرسل همسه
((دعينا نغلق هذا الموضوع ولا نفتحه أبدًا، وأنا سأتقبل كل شيء منك بما تستطيعي القدرة عليه، حتى إذا أردتِ أن نعتزل العلاقة الزوجية فلن أمتنع.. الحقيقة لا فرق لو اعتزلناها أو لا))
لكن هي قطبت حاجبيها وكان لها رأي آخر.. فمَالك هو من صنف الرجال القليلين.. الذين يجيدون ممارسة الحب.. بالقول والفعل.. هو هدية عمرها التي ستحاول الحفاظ عليها دائما بتبادل نفس الحب والمشاعر نحوه.. منذ البداية كان هو من يحمل عبء هذه العلاقة، سذاجتها وجهلها بأبسط الأمور، رغم أنها سبق أن تزوجت قبل أن ترتبط به..
لكن على هذا أن يختلف من الآن.. عليها أن تظل تحاول وتتعلم.. لأجله.. هو..
عليها مواجهة نفسها من خشية ابتعاده عنها بالسعي بما يحول لتغلبها عن شعورها بذلك.. وقبل أن تفتح شفتيها لتنطق كان ينتفض واقفا يتجه نحو الباب فسألته بلهفة قلقة
((إلى أين أنتَ ذاهب؟))
بدأ يبحث عن المكان الذي خبأت فيه المفتاح مُجيبا بعصبية
((فقط اتركيني بحالي..))
اندفعت نحوه تتوسل له برجاء واهن
((لا، أرجوك.. لا تغادر..))
اضطربت ملامحه وأغمض عينيه مدمدمًا
((سمية أشعر بالاشمئزاز من نفسي.. أرجوكِ لا تضغطي عليّ))
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!