لا تنسو التصويت ❤️❤️
عندما انتهى مُعاذ وشيرين من العشاء الذي ضمّ كل ما هو شهي.. من الرقاق المحشو باللحم، ورق العنب، أنواع سلطات لذيذة، وحساء ساخن.. جلسا أمام شاشة التلفاز يتابعان أحد الأفلام التي اقترحتها شيرين عليه.. والتي شعرت باسترخاء رهيب يجتاحها بعد الوقت الهادئ الذي قضته معه.. حتى أن قرب مُعاذ منها أعاد إليها أريحيتها منه..
وضعت جام تركيزها على الفيلم المعروض على الشاشة والذي لا تعرف كيف تحول من فيلم الأكشن الأفضل لهذا الموسم كما أشيع عنه لفيلم رعب مخيف منع جفنيها أن يرفا قبل أن يأتي فيه مشهد مباغت صادم جعلها تشهق عاليا وتختض مكانها بجزع..
بدأت تتنفس بلهاث خفيف قبل أن تشعر بيديها تمسكان ساعد مُعاذ باستنجاد غريزي..
حانت منها نظرة له لتراه يحدق بها لكنها لم توقف عند ذلك الحد طويلًا، قبل أن تسند رأسها على صدره القريب تطلب أمنًا منه بكل وضوح وأنفاسها الدافئة تستنشق عطر رجولته.. وهو بالمقابل احتواها بين ذراعيه بحنان داعم صامت، يمسح على شعرها برفق..
رفعت يدها على قلبه الصاخب دويًا كقلبها.. وبدون شعور مر شبح ابتسامة على محياها وهي تغرق في رحاب دفئه لتشعر أنها بكيانها تذوب فيه ويتلاشى ارتجاف الخوف من الفيلم ويتحول لارتجاف دقات قلب حالم..
أغمض مُعاذ عينيه.. إنه يضمها.. يحتضنها لصدره.. يحتويها أمانا واطمئنانا تعبث هي فيه كما شاءت، بعد سنوات حرمان عفّ فيه نفسه عن أي أنثى.. فيصرخ قلبه كأنه عاد شابًا في العشرين..
أخرج أنفاسا مرتجفة ثم انفتحت ذراعاه حولها بصعوبة ليبتعد عنها قليلا هامسا بتعابير تشع رجولة وتطلبًا
((هل الفيلم ممل أم أنا الذي لا أستطيع التركيز إلا بك؟))
كان وجهه مقابل وجهها لا يبعد إلا بضع سنتيمترات، فتوهجت عيناها بخضرتهما وهي تراه يتخذهما بوابة فيعبر منها إلى عمق روحها وقلبها بذاك التوق الصريح!
ظلت مشدوهة بالنظر إليه لم تشعر كيف أطفأ التلفاز ولا كيف حملها الى غرفتهما، فقط أدركت حينما ابتسم فوق بشرتها ينهال منها بتملك.. برقة.. بسيطرة..
انكمش جسدها بين ذراعيه.. ليس بسبب تلك التجربة الأليمة التي مرت بها بل في فورة حياء غريزية للمسة أولى منه.. كل لمسة منه ما هي إلا سقيا لأنوثتها المشتاقة كانت قد جفت منذ زمن طويل فجاء هو ليمطرها ويروي أرضا عطشى بينابيع حبا ولهفة لها..
ومهما حاولت أن تقاوم إحساس عاشقة به، كان ينجح في جعلها تضعف وتستجيب له دون موافقة..
كأنها حقا تود هذه العواطف المثيرة التي يضرمها بقلبها، وترغب في أن يحتل روحها ويصهرها فيه.. تريد أن تشعر أنها هذه المرة حقا مع رجل حقيقي تستند عليه فيدرئ عنها خطر الجميع بشهامته وهيبته..
بعد مدة من انتظام الأنفاس رفعت كفها لتمرر أطراف أصابعها فوق ذقنه هامسة
((هل أنتَ مستيقظ يا مُعاذ؟))
استندت على ذراعها ثم بدأت بصمت تطالع ملامحه الرجولية وتنظر إليها مرارا وتكرارا وكأنها ترسخها بعقلها دون ملل.. في حلم بعيد.. حلم يراود يقظتها.. حلم مرّ في خاطرها مرهونا باستحالة تحقيقه فيجلد قلبها تعذيبًا..
لكنها حاولت أن تتناسى كل هذا بتحفيز نفسها بالسعادة التي تحياها اللحظة مع من نبض له القلب، وفي غمرة ذلك لم تقاوم دموعها التي انزلقت على وجنتيه قبل أن تسقط على خده ففتح عينيه فجأة مما جعلها تنذهل هامسة
((لقد ظننتك غارق في النوم))
لكنه ظل يعاينها بجمود ونظرة عيناه تتسلل عميقا جدا بداخلها فتعريها أمامه.. كأنه يعرف كل تفاصيلها وبواطن أفكارها ومكامن ضعفها، ويفهم كافة تخبطاتها وأوجاعها..
صمته الذي كان يحيطها به يقتلها فأخرسته بعض شفتيها كأنها تمرر وجع روحها عبر ألمها الجسدي..
لكنه عاجلها وسحبها الى صدره يعانقها بقوة وتدريجيا بدأ يخفت بكاؤها وترتخي عضلاتها.. حتى ضمت شفتيها تسكت نفسها تماما تمنعها من الانزلاق في هوة الذكريات المريرة.. فالمسكين يمتلك من المشاكل ما يكفيه ولا ينقصه الآن أن يدخل بمعضلة التعامل معها هي أيضًا..
أبعد مُعاذ رأسها عن صدره يغرق في عينيها ويأسره المضي في دربهما هياما.. ورغم سعادته أنها باتت ملكه لكن ألمها يشعره بالاختناق..
لا يعرف كيف دمّر ابن عمه أنوثتها وانتهكها رغم أنه يصر عدم الخوض في ماضيها معه.. لكنه يغضب وتثور ثورته كلما تخيل أنها كانت ضعيفة ووحيدةٌ بين براثن وليد الوغد، حيثُ لا أحد معها..
هزّ مُعاذ رأسه يخرج نفسه من جُب هذه الأفكار والمشاعر البغيضة حتى لا ينحدر إليها كما سبق وأكد على نفسه قبل أن يقوم بخطوة الزواج هذه!
ارتمت شيرين بين ذراعيه مرة أخرى تشدد من احتضانه وتصرف بقربه عنها أشباح ماضيها..
مُعاذ نجح في أن يبث في قلبها شعورا لم تختبره وفي كيانها عشقا لم تُجد فعله وفي عقلها غراما لم تسمعه، غير الذي عرفته واعتقدت بسذاجة أنه الحب بذاته ليتضح لها الآن أنها كانت تعيش في نسيج من أوهام أتقن وليد لفها حولها، وكلما كانت تحاول الفكاك منه يزيد من سُم التفافه..
أخرجها صوت مُعاذ العابث من أفكارها هادرا برفق
((عزيزتي.. إذا بقينا على هذا الحال فلن ننهض من الفراش ونجهز حقائبنا حتى لا يفوتنا موعد السفر))
=============================
طرق قصي باب مكتب المهندس صاحب هذا المشروع الذي يعمل فيه، وما إن أذن له الدخول حتى قابله بوجه مكفهر..
ابتعد المهندس عن الحاسوب ودعا قصي أن يرتاح على أحد المقاعد أمام مكتبه، فجلس قصي بعد لحظات تردد.. ليهدر المهندس بمهنية وبرود
((قصي.. قصي سامح.. إذن أنتَ عامل البناء والطوبار الذي تعمل هنا وتسببت باستقالة المهندس حديث التخرج بعد إغضابه؟))
ازدرد قصي لعابه بصعوبة متوقعا أن يكون سبب استدعاء المهندس له طرده.. تحامل على نفسه بمشقة لتخرج كلماته بإباء جاهد بإظهاره
((سيدي أنا فقط قمت بتصحيح خطأ في حسابات كُلف بها، وهو من انتابه الكِبر لأن التصحيح صادر فقط من عامل بناء مثلي ثم كتب استقالته، رغم أنه مجرد مهندس حديث تخرج وفي طور تعلمه، لكن يبدو أنه أراد أيّ حجة مهما كانت سخيفة للاستقالة، لا يد لي أنا فيما حدث))
حاول قُصي السيطرة على حالة التوتر التي تتفاقم داخل، صحيح أنه حقا لا يريد ترك عمل براتب عالٍ هنا رغم مشقته.. لكن حث نفسه ألا يتضايق فليس وكأنه آخر مكان عمل في العالم!
ضيَّق المهندس صاحب المكتب الجالس مقابله عينيه يقيّمه، إذ أنه لا ينكر أن عامل البناء والطوبار المبتدئ يستطيع اكتساب الخبرة وتعلم هذه الحرفة الصناعية عن طريق الملاحظة والمشاهدة، بل قد يكتسب مهارة عملية أكثر من أي مهندس قائم في المشروع.. لكن المخطط الذي رسمه قصي على البرنامج الهندسي والحسابات التي أجراها بكل سهولة، تجعله يرتاب من الأمر.. هتف به متسائلا بمباغتة
((يبدو أنك يا قصي سامح سبق وأخذت الكثير من الدورات التي تخص المشاغل الهندسية! لكن السؤال هو لماذا حصلت عليها؟ بما ستفيدك كعامل بناء؟))
زفر قصي بحنق بالغ وتشنجت تعابيره حتى أجاب بلامبالاة
((لأني بالفعل مهندس يا سيدي، ومؤخرا كنت استزيد وأطبق معلوماتي بكل ما درسته وتعلمته بالهندسة وأراجع طرق استخدام البرامج الهندسية التي قد تلزمني، لأجد نفسي بالنهاية أفشل في إيجاد عمل في الهندسة لأني لم أمتهنها قط، وأفضل وظيفة كانت متاحة أمامي براتب عالٍ هي عامل بناء هنا))
اندهش المهندس بينما يسأله ببلاهة
((إذن أنتَ مهندس!؟ أنت صادق يا قُصي؟ مهندس حقا؟))
هزَّ قصي رأسه مؤكدا ببساطة، فزاد ذهول المهندس صاحب المكتب واستتبت حيرته، ثم تنحنح إثر ما صَدمَه قصي بحقيقته ليقول بكياسة
((كنت أقصد هل يمكن أن تجلب لي شهاداتك الجامعية والإثباتات!))
استقام قُصي من مكانه هادرًا بهدوء
((لك ذلك.. سأحضرهم في الغد..))
قاطعه المهندس بلهفة وإصرار
((اليوم بل الآن، اجلبهم لي وعد إلى هنا))
قطب قُصي حاجبيه قائلا
((يمكنني أن أعطيك اسمي ورقمي في نقابة المهندسين، ألن يكون ذلك أسهل؟))
هزَّ المهندس سبابته موافقا
((بل أحسن، نحن في عصر التكنولوجيا كل شيء بإمكاننا الاطلاع عليه على الإنترنت..))
وكانت دقائق حتى فتح الحاسوب المحمول وبدأ يتصفح بالسيرة الذاتية لقصي ثم يقول مشيرًا على اسم الجامعة التي تخرج منها قصي
((لحظة الجامعة المذكورة هنا.. في الخارج صحيح؟))
ولم ينتظر أكثر حتى قام بكتابة اسم الجامعة على محرك البحث ليشهق أيّما ذهول.. كان يتأكد من اسم الجامعة لعديد المرات تجنبا لأي التباس في أن يكون اسمها مشابها لجامعة أخرى وما إن تأكدت له صحة ظنونه حتى هتف به برهبة
((رباه! هل حقا درست بمثل هذه الجامعة المرموقة في الخارج! كيف لم تجد عملا بعد تخرجك مباشرة))
ردَّ عليه قُصي وهو يهز كتفيه
((الجامعة نفسها وفرت أعمالا لخرِيجيها مباشرة لكن كانت ميولي وطموحاتي في وادٍ آخر غير الهندسة، فلم أستغل هذه الفرصة فضاعت مني، خاصة بعد مرور كل هذه السنوات..))
مررّ المهندس يده على ذقنه مفكرا لدقائق.. أما قصي فكان متفهما ذهوله فالتعلم في جامعة رفيعة المقام، تؤهل طلابها لمهارات ومعارف ذات جودة حقيقية، وبالتالي تحقق لهم فرص عمل أفضل ومستوى دخل أعلى ليس متاحا للكثير، إلا لأمثاله، ممن لا يعانون للدراسة في الخارج حيث منذ ولادته يؤهل لهذه اللحظة، ويرتب أهله لها، وذلك بإلحاقه بمدرسة دولية تؤهله لتلك الجامعات خارج البلاد.. أو تتاح للطلاب ممن آباؤهم يحترقون عملًا وسعيًا لتحمل مصروفات إلحاقهم بجامعة دولية، ويتطلب منهم جهد الدراسة الذاتية والدافعية المطلوبة للاستمرار..
انتشل المهندس قصي من بؤرة أفكاره يقترح عليه بغتة
((قلت بأنك كنت تبحث عن عمل لك كمهندس لا خبرة له، ما رأيك أن تحل منصب المهندس الذي استقال؟))
اتسعت مقلتا قصي ومال نحوه هاتفا
((أنا؟ هل أنتَ جاد بعرضك؟))
عدل المهندس من نظارته الطبية وقال
((نعم أنا جاد، عد فورا للبيت وتجهز للمقابلة غدا، وإذا نجحت بها سأعينك كمهندس.. ولكن عليك أن تعرف أن راتبك سيقل عما كان عليه عندما كنت تعمل هنا كعامل طوبار وبناء))
تجهمت ملامح قصي فتابع المهندس بابتسامة جانبية
((نعم لا تستغرب، فمن الصعب أن تجد عامل طوبار يتحمل مثل هذه الأعمال الشاقة والمجهدة لذا رواتبهم عالية، أما المهندسين فكثر حتى أن بلدنا يطلق عليها بلد المليون مهندس، ارمي حجرا على مواطن تجده مهندسا..))
لوح قصي بيديه هادرا
((حسنا، لا بأس، لا بأس، لا أهتم بالراتب أريد أن أعمل بشهادتي وأكتسب خبرة))
غمغم المهندس مُشيدا برأيه
((أحسنت يا بني، إذن استعد للمقابلة، لتبدأ إن وُفِقت فيها، عملك كمهندس بشكل رسمي))
قال له قُصي بامتنان قلبه الذي كان قبل ساعة واجفًا
((سيدي شكرا لك، سأبذل جهدي لأكون عند حسن ظنك..))
وعلى الفور غادر المكتب منصرفا، وقد تجلت علامات البهجة على وجهه، ليعود للمنزل ويستعد للمقابلة وكله عزم في نيل المنصب..
=============================
منذ تلك الليلة التي صارح مُؤيد فيها رتيل وهو يلتزم الصمت معها، ليس صمت الكلام رغم شحة الحوارات بينهما، وإنما صمت المشاعر، رغم الأحاسيس الكامنة المستعرة بينهما..
يرقبها عن بعد وهي أيضًا بل وتتعمد أن تسترعي انتباهه بحركاتها الملهبة له.. وهو رغم أنه لا يكف عن التهام كل تفصيله من تفاصيلها إلا أنه لا يجرؤ أن يفصح.. يشعر أنه محطم.. يخشى أن ترفضه بطريقة غير مباشرة فقد كان آخر مرة معها مخيبا لظنونها وآمالها..
كسرت الصمت بينهما هادرة
((لقد تأخرت قليلا في العودة من عملك! اليوم موعد زيارتي لعائلتي..))
تنحنح مُؤيد وهو يحل أزرار قميصه وعينيه على شفتيها المطليتين بإتقان إذ أضحت لا تتردد بوضع زينة الوجه في البيت أمامه.. ثم رد عليها أخيرا
((لن أستطيع أن أذهب اليوم معك، اذهبي مع الأولاد لوحدك))
أومأت له بهدوء.. مفكرة أنه لم يعد أبدًا يحسب خروجاتها كأنه يريد أن يثبت لها أنه يثق بها وبحسن تعاملها مع الأحداث والمعطيات، وهذا ما يجعلها في المقابل تشعر بثقل الذنب يقبع فوق قلبها عندما تحاول فتح هاتفه لتفتيشه فتتراجع فورا..
تبعته حيث يقف أمام منضدة الزينة يسوي شعره وقالت له بحنق ظاهري
((مُؤيد أنا تعبت من طلب المال منك كلما احتجت له، أشعر أني متسولة، أعطني مصروفا مثلما كنت سابقًا، وإذا لم تزد على المصروف فلا تنقص منه، أدرك أن وضعك المالي ممتاز..))
حانت منه نظرة شك لها ثم تساءل ببطء
((وهل ستقومين..))
قطبت حاجبيها تجيب بثبات
((نعم يا مُؤيد سأعود وأخبئ جزءً منه في حسابي البنكي، يعني للمستقبل فقط..))
عبست ملامح رتيل ورفرفت بعينيها شاعرة بشيء من الندم لأنها أفصحت له عن الحقيقة.. أما مُؤيد فضيق حدقتيه متفحصا صفحة وجهها قبل أن يزفر ويقول بيقين
((سأعود وأعطيك كما السابق.. هل تعرفين لماذا؟ لأني متأكد من أن رجل مثلي لا يقدر بثمن لو تركتيه فأنتِ الخاسرة..))
لم تتوقع منه استجابة سريعة فهللت ملامحها وأكدت بلهفة لا تسعها وهي تمد كلتا يديها مفتوحتين
((نعم أتوقع أني سأكون خاسرة لو تركتك يا مُؤيد، أعطني الآن هيا.. أعطني))
عكف مُؤيد فمه ساخرا لوجهها المشرق وأخرج من محفظته بعض المال وناولها إياها بقوة مؤكدا أنه سيكمل مصروفها غدا..
وهي كانت حقا ممتنة له فرغم كل سلبيات مُؤيد العديدة بل التي لا تعد ولا تحصى، إلا أنها إطلاقا لا تفكر بتركه، خاصة بعد أن شعرت أن علاقتهما تغيرت وباتت تستطيع أن تكون معه رتيل الحقيقية..
بارحت الغرفة لتخبئ نقودها قبل أن يتراجع هو عن عرضه، لكنها وجدت خطواتها تتباطأ وتتثاقل.. ازدردت غصة مسننة استحكمت حلقها كمن تذكرت شيئا ثم استدارت عائدة له تقول بصوتٍ مبحوح
((مُؤيد رغم أني لم أتلقَ أي اعتذار منك على خطأك بحقي عندما كنت تخرج مع دموع وعن تلك المحادثة، لكن من جهتي أنا أشعر بحاجة ملحة جدًّا للاعتذار منك على خيانتي لثقتك في الماضي.. كنت لسنوات أخون ثقتك وأخرج إلى أماكن دون علمك..))
رفعت عينيها تضعهما بحدقتيه المهتزتين بينما تكمل
((شكرا لك لأنك تمنحني ثقة عمياء لأزور عائلتي متى ما أشاء بل ووحيدة كأني لم أذنب، صدقني الآن لو خيرت بين موتي وكسر ثقتك لاخترت موتي))
تفاقم اضطرابه وأشاح بنظره جانبا لكنه قال بتوتر
((شكرا لك لأنك تثقين بي وأينما أدع هاتفي أو أتركه دون كلمة سر، لا تطلعين على خصوصياتي، رغم أنك لو فعلتي ذلك فلن أمانع، أنا تبت لله وعرفت ما تفعله تلك الصداقات البريئة..))
نعم هو حقا ما يزال يشكر الله ليل نهار على انتهاء موضوع دموع بأقل الخسائر، فمهما ينكر إلا أنه هو السبب باتهام دموع لزوجته بشرفها فهو من أدخل امرأة كدموع لحياته وأطلعها عن أسراره بزوجته، ولو كانت أذكى قليلا لكانت أوقعته بمصيبة بل مصائب لن يستطيع هو أو أحد أفراد عائلته الخروج سليمين منها..
توجه يجلس حول مائدة الطعام حيث جهزت له أطباقه المفضلة.. بدأ يأكل ببطء وعلى مهل، فقربت كرسيها منه ثم سألته بدلال تقوم بصنع له لقمة طعام بيدها ترفع نحو فمه وتطعمها له فيلتقمها منها
((مُؤيد أخبرني بالمزيد عنك أريد أن تحدثني عن نفسك أكثر))
تجهمت ملامحه متسائلا
((لم أفهم عليك؟))
هزَّت كتفيها قائلة بعفوية
((أريد أن أعرف أكثر عن طفولتك ومراهقتك لكي أفهم شخصيتك وكيف تشكلت وتطورت إلى هذه المرحلة الاستثنائية، فأنت لا تشبه أحدًا من أفراد عائلتك))
ازداد تجهمه وغمغم حانقا
((تشعريني أني رجل مختل يملك شخصية جنونية استثنائية وثرية للدراسة والبحث..))
ثم أبعد يدها التي كانت تناوله بها فلم تعر اهتمامًا وتناولت اللقمة بعفوية.. بينما يغير الموضوع هادرًا
((أعتقد أني سأذهب في نهاية الأسبوع للمتكم العائلية فقط لأجلك لأني حقا لا زلت أشعر أني لا أطيق رؤية أخويّك الاثنين أبدًا..))
أطلت من عينيّ رتيل نظرة ضيق خاطفة ثم هدرت
((ولا أنا أيضًا أشعر برغبة في الحضور لتلك اللَّمة، سيكون عمي وزوجته متواجدين لذا كل ما أتمناه أن يمضي الوقت بسلام دون أن أرهق أعصابي))
رفع إحدى حاجبيه بتحفز ثم تساءل بفضول
((وما مشكلتك مع عمك وزوجته؟))
وضعت الأكل من يدها مجيبة بعبوس
((لا شيء لكن يمكنك القول بأن مراهقتي كانت قاسية لأني عشت في بيت واحد معهم..))
غامت عيناها وأظلم توهجهما وهي تردف
((أنتَ تعرف أن والدي رحمه الله توفي في صغري، فعرض عمي على أمي الزواج لكنها رفضت بشدة حتى لا ينقطع عنها معاش والدي، ومع إصرار أمي على الرفض أجبرنا أن نعيش في منزله الكبير هو وزوجته وأولاده..))
اتسعت مقلتا مُؤيد لهذه المعلومة التي يعرفها لأول مرة عنها لتسترسل
((رفض عمي أن نعود لبيت أبي قبل أن يكبرا أخويا الاثنين ويصبحا أكثر نضجًا، وحتى ذلك الوقت نجح في نقل طباعه السيئة لهما وجعلهما يكتسبان صفات مقيتة كالتعسف والتزمت والشك ويتصرفا كأنهما الآمران الناهيان في حياتي وحياة أمي ويعتبراني أنا خادمة لطلباتهما))
قطب مُؤيد حاجبيه بغلظة إذ فهم أن رتيل تُشَّبِه صفات أخويها بصفاتِه قبل أن يحاول أن يغير شيئا منه.. بالماضي عندما كانت تطلب منه أن تسكن عنده من أجل حياة زوجية أكثر انسجاما وتقاربا وتشاركه بعضا من ترف ونمط حياة المدينة بدلا من إبقائها في منزل عائلته وفرض حياة روتينية جافة عليها، كان يصرخ مهددًا إيّاها بالهجر معللا أن سبب زواجه منها لتلعب في حياته دورا واحدا ألا وهو أن ربة بيت تنجب الأطفال وتنشئهم تنشئة صالحة، كأنها خادمة عنده!
تنهد قبل أن يقول وهو يدعوها أن تقترب منه أكثر وتريح رأسها على صدره
((غريب أن أمك لم تستطع كسب أحدا من ولديها إليها وسمحت لعمك بتشكيلهما كنسخة مصغرة منه! فقد بدت لي امرأة قوية وصبورة))
تحركت شفتاها تتشدق بصوتٍ سقيم
((نعم هي امرأة قوية ولكن قوتها تكمن في التحفظ والتكتم عما تتعرض له من ظلم خاصة من زوجة عمي القاسية))
تساءل مُؤيد مستغربا
((ولماذا تسيء لها زوجة عمك؟))
لم تنحسر ملامحها في شرودها وهي تجيب بمرارة
((عَلِمت بشأن عرض عمي الزواج من أمي، فجعلتنا نعيش في جناح صغير منفصل من بيتهم الفسيح فلا نأكل ولا نشرب معهم حتى لا يحدث أيّ تواصل بين زوجها وأمي حسب زعمها))
حضنت كفه بكلتا يديها وهي تردف
((قبل سنوات كانت قريتنا مثال للقرية النائية الخالية من المحلات التجارية، وأخويّ أصغر من الذهاب للمدينة وحدهما، فكنا نجلس لأيام بثلاجة شبه فارغة أو يشتد بنا المرض لعدم تلقينا العلاج فقط لأن أمي تخشى طلب شيء من عمي فتكيل زوجته لها الاتهامات بأنها تتعمد التقرب من زوجها، وتعاجلها بالضرب والإساءة..))
كان يستمع لها باهتمام دون تعليق، فقط ضغط عدة على مرات على يدها ليشعرها بتواصله معها، وكاعتذار صامت على ما مرت به في الماضي.. أما هي فكانت تفكر أنها لطالما أرادت منذ صغرها أن تعمل عندما تَشب ويكون لديها دخل وكيان حتى لا تصبح نسخة ثانية من أمها أو باقي النساء البائسات اللاتي ينتهي الحال بهن في نهاية المطاف دون قدرة على الاعتراض أو رفض الظلم الواقع عليهن.. رغمًا عنها كانت تكره الضعف وتبغضه.. قبل أن تكتشف أن المطاف انتهى بها لتعيش مع مُؤيد كما عاشت أمها وغيرها من النساء المقهورات وإن اختلفت دروبهن في الحياة..
لكن بحمد الله ورغم كل ما مرت به فها هي الآن تعيش حياة جيدة.. مُؤيد رغم كل سلبياته فهو كان سخيَّا معها إلى الحد الذي سمح لها أن تمتلك فيه الكثير من المال بحسابها البنكي والمجوهرات ما يخولها لتعيش حياة كريمة لآخر حياتها دون منية أحد، ولا زال يتغير أكثر..
دمدم مُؤيد لها بتعاطف صادق
((مسكينة أمك، كانت مضطرة قهرا أن تخضع لها حتى تكبروا!))
قاطعته رتيل بنبرة جافة باردة كالجليد القاسي
((لا لم تكن مضطرة، فهي ليست عاجزة أو ناقصة أو فاقدة للأهلية أو حتى فقيرة، كان بإمكانها الاعتماد على نفسها بدلا من الاتكالية على عمي، كان بإمكانها شراء سيارة وتعلم القيادة وقضاء حوائجنا بنفسها بدل تسول المساعدة منه، والسماح له بالتحكم بنا وجعل حياتنا صعبة))
رفع حاجبيه لجوابها.. وفكر بإن زوجته ليست ماكرة وحسب، بل حادة الذكاء، يصعب التنبؤ بأفعالها أو حتى أفكارها.. تبدو للوهلة الأولى للبعض امرأة ضعيفة ومستكينة، وللبعض الآخر متسلطة، لكن في أعماقها هناك سيدة أنيقة فكريا وخلقيا هادئة الطبع ودمثة الخلق، منصفة لا تأتي على حق أحد ما لم يتعرض لها أو يظلمها، أو يستولي على حق من حقوقها..
إنها تثير فضوله المتوقد للحد الذي يجعله يحب التواجد معها أكثر والإنصات منها في التعبير عن رؤيتها للأمور..
=============================
في المجلس حيث يجلس الحاج يعقوب وزاهية بمفردهما مع مُصعب، هتف يعقوب باستنكار للفكرة التي لا يدري كيف خطرت على بال مُصعب واستقرت بعقله
((ولماذا تستكمل دراستك في الخارج بدلًا من هنا؟ من أجل الوجاهة الاجتماعية؟))
ردَّ مُصعب بهدوء وثبات وهو يبرر موقفه الذي لن يتراجع عنه
((بل فرصة أفضل للتعلم ثم للعمل، وبالنسبة لنورين فلا يوجد تخصصات عُليا لنفس تخصصها هنا لاستكمال دراستها))
عقبت زاهية بسخط
((هل هي من حرضتك على فكرة السفر في الخارج من أجل إكمال تعليمها العالي؟))
صوب مُصعب نظره لأمه عاقد الحاجبين ثم رد مُصححًا
((بل دوامي الطويل المنهك في المشفى الذي أعمل به هو ما حرضني على فكرة الدراسة والعمل في الخارج لفترة، كرهت التمريض كله، أنا أكثر خمولا من أن أواصل عملي على هذا النحو حتى سن التقاعد، أريد أن أكمل دراساتي العليا لعلها تفتح لي أفقًا أخرى في مجالي))
أخذ مُصعب نفسا عميقا ثم عاد يقول لوالده بهدوء يكتنفه
((أبي ليس عيبا أن يسعى المرء لزيادة معرفته أو مهاراته، "أطلب العلم ولو في الصين" كما ورد في الأثر))
تحشرج صوت زاهية معترضة ومرهقة الملامح من فكرة سفر ابنٍ آخر لها في الخارج
((لا يا مُصعب لن نسمح لك أبدًا بالغربة، فعلها مَازن مرة ولن أسمح لك أن تعيدها))
كان مُصعب حازمًا وهو يرد
((لا يا أمي، الأمور لا تُقيّم هكذا، بل مثلما ذهب مَازن في عمر أصغر هناك للدراسة، أنا لي الحق أيضًا أن افعل، أنا لست صغيرا لتخافا عليّ من أي شيء))
حافظ يعقوب على هدوئه وهو يحاول بشدة ثني ابنه
((ليست مسألة خوف من قلة خبرتك، لكن الغربة ليست سهلة لا عليك رفقة عائلتك الصغيرة ولا علينا نحن، فقط اعتدنا زيارتك لنا أسبوعيا فكيف تريد أن نتحمل لسنين ألا نراك، الغربة تقطع صلة الشخص بأرحامه وأهله!))
ازدادت عقدة حاجبيه مُصعب وهو يرد
((أبي سيكون السفر غالبا لفترة مؤقتة، أنا بالتأكيد لا أفكر بالتنكر لجذوري وأصْلي والبقاء هناك، كل ما في الأمر أنى أريد طوقًا للنجاة يفتح لي آفاقًا من أجل عمل أكثر مرونة وسهولة بمجال دراستي في أي مكان على وجه البسيطة، فإن أرض الله واسعة.. سعيي لاختبار هذه التجربة تحدي حقيقي بالنسبة لي على المستوى الشخصي))
توقع مُصعب أن تعارض أمه، فهي من الأساس كانت رافضة كليا فكرة استقلاله بسكن آخر ومنذ أيام زواجه برشا، وبصعوبة انتهز هو فرصة الانتقال عندما تشاجر مع مُؤيد ذات يوم.. لكنه حقا صُدم بردة فعل والده ورفضه التام لأمر سفره.. فوالده بالذات كان من أكثر المصرين على بقاء مَازن في الخارج، مدعيَّا أنه أفضل له هناك ليؤسس حياته العملية ولو عاد للبلاد فلن يجد عملًا وسيعتمد عليه ماليا..
ورغم عدم اقتناعه بحجة والده أمامه إلا أنه احترم فيه اهتمامه بمصلحة ابنه الشّقي، والآن لن يقبل فكرة أن يعامله ويهتم بمصلحته أقل من مَازن..
فنظر لوالديه الاثنين مواجها إياهما
((أبي، أمي، أريد أن تعدلا بيننا نحن الأخوة، ومثلما سمحتما لمَازن بالسفر أن تفعلا معي، أنتما تعرفان بأني لن يهون عليّ السفر دون موافقتكما، لذا أرجو أن تتفهما موقفي وتوافقا لأنه أمر مهم بالنسبة لي))
تغيرت ملامح الوالدين لأخرى يتجلى فيها طيف من الذنب، حتى أن زاهية التي كانت تضع مَلك بحجرها شدّدت من احتضانها، أما يعقوب فأدرك بأن عليه الموافقة طالما أن السفر هو ما يريده مُصعب وبشّده، من باب العدل بين أبنائه على الأقل كما قال، فهو لا يعرف شيئا عن أسباب وظروف مَازن التي مرّ بها، فطالعه يسأله بصوتٍ واهن
((إذن هل حصلت على تأشيرة دراسية؟))
تضايقت ملامح مُصعب من نبرة والده التي تشير عن عدم رضاه بالسفر لكن أومأ له مجيبا
((الحصول على التأشيرة سيكون بسيطًا جدًا ولن يأخذ وقتًا فأوراقي جاهزة، ومستوفية لشروط السفر، واعلم تمامًا خطوات التسجيل بالجامعة وكافة الإجراءات..))
سأله باستغراب مرتخي الملامح
((لم تختر الجامعة بعد؟))
نفى مُصعب هادرًا بصراحة
((لا، ولا حتى لنورين علم بالأمر، لم أخبرها بعد، لأني أبحث عن إحدى الجامعات التي تقدم منح كاملة، أو على الأقل جزئية، وعمل بدوام جزئي يساهم في سداد المصاريف وتقليل عبئها عليّ))
قال يعقوب بخشونة
((مُصعب لا تهتم نهائيًا لمسألة المصاريف، تعليمك أنتَ وزوجتك على حسابي تماما، مع مصروف معيشتكم))
اعترض مُصعب بتلبك
((أبي لا تقلق، أنا لست محتاج ماديا أبدًا، أعني لقد ادخرت بحمد الله الكثير من راتبي لعدة أشهر، عملي سيكون من باب الاحتياط..))
ولأن والده كان يدرك أن مُصعب هو من دون إخوته الحريص دائما على عدم التثقيل عليه أو طلب مساعدته ماليا قاطعه بنبرة قاطعة لا تقبل الاعتراض
((حتى ولو، أنا من سأتولى كليًا مسألة الإنفاق على تعليمك ومعيشتك أنتَ وعائلتك هناك ولتؤمن أيجار بيت لك هناك، لا أريدك أن تعمل البتة، ركز على دراستك فقط))
رفرف مُصعب بعينيه هادرًا ببراءة وهو يتظاهر بالتمنع ويزيف الاعتراض
((لا داعي أبي، يمكن أن أؤجر شقتي هنا، سأعتبرها استثمار..))
أضحت نبرة يعقوب أكثر حزما وصرامة وهو يأمره
((لن تؤجرها أبدًا، ستأتي هنا أنتَ وعائلتك سنويا لزيارتنا وستجلس فيها))
وسرعان ما شق ثغر مُصعب عن ابتسامة امتنان، كان حقا شاكرا لعرض والده، فلو لم يعرض عليه أي مساعدة ماليّا لم يكن باستطاعته تَحمُل هو ونورين تكاليف على الدراسة في نفس الوقت، وكانت رغبته في إكمال دراسات عليا في التمريض ملحة جدًّا..
شعر بوالده يحتضن بكفيه يده ويوصيه
((سترى ثقافة مغايرة لما اعتدته هنا طوال إجازتك الدراسية في لخارج، لكني متأكد من أنك ستحافظ على جوهر ما ربيناك وأنشأناك عليه ولن تخذلنا))
طمأنه مُصعب ببشاشة
((لا تقلق يا أبي، أنا لست شابا ساذجًا، بل رجل لدي عائلة لأتحمل مسؤولياتها))
مسحت زاهية بأناملها دمعات متجمعة بعينيها ورددت على ابنها بطيب خاطر رغم الحزن المشوب بصوتها
((اهتما بملك، سأفتقدها كثيرا))
رفعت زاهية ملك التي تصاعد صوت ضحكاتها تداعبها ليقول مُصعب وهو يمشط شعر ابنته الكستنائي بأصابعه
((وهي أيضًا ستفتقدك يا أمي، وستفتقد والدة نورين، لكن لا تقلقي ستتحدثان معها يوميا على الهاتف))
=============================
ذات صباح..
همس مَالك بصوتٍ أجش قريبا من أُذن سمية مُراعيا ألا يُوقظ عبد الله الرضيع الذي ينام بجانبها
((حبيبتي.. استيقظي.. لقد جلبت لك كأس حليب طازج))
تمطت سمية بفعل إرهاق الاعتناء برضيعهم وحملها أيضا قبل أن تقول بصوتٍ ناعس متعب وهي تستند بذراعيها على ظهر السرير
((مَالك! هل استيقظت فعلا؟))
رفع كوب الحليب الدافئ لثغرها برقة فارتشفت منه بتأني قبل أن تمسكه منه وتضعه جانبا متسائلة
((لماذا تتعب نفسك هذه الأيام وتستيقظ باكرا لإعداد
الحليب لي! أنا بخير، فانسَ تلك الليلة لو سمحت..))
انقلبت ملامح مَالك لضيق ودمدم
((لا تذكريها إذا أردت أن أنساها))
خرج صوتها مترددا خافتا
((لماذا تبدو غاضبا مني!))
اكتنفت الجدية صوته وهو يرد
((أنا غاضب من نفسي لا منك! ولكن لا بأس، لا أريدك أن تشعري بأي ضغط، ولا أريدك إلا أن تكوني مرتاحة بما تستطيعين حتى لو ترتب على الأمر ألا يكون بيننا وصال جسدي..))
توجع قلبها مما يقوله فقاطعته بعبوس محتج
((ما هذا الهراء يا مَالك!))
كان صدره ينتفض بشيء من الانفعال فأشاح بوجهه بعيدا هادرًا
((انسي فقط ما حدث، وركزي في الاهتمام بنفسك جيدا من أجل الجنين، أنتِ تفقدين وزنًا بدلا من أن تكتسبيه وهذا الأمر ليس في صالحكِ..))
ثم مد يده فوق بروز بطنها القليل هادرا بصوتٍ مبحوح
((أتمنى أن تكون بنتا هذه المرة..))
ترققت ملامحها وخفتت حرقة قلبها تدريجيا تطرِب لحديثه وهي تطالع الحب الجارف الممزوج بحنان فطري يطل من عينيه لصغيره عبد الله الذي حول النظر له..
وضعت يدها فوق كفه، قبل أن تعتدل تتحرك عن السرير لتقف هادرة بعجل عاطفي
((ستتأخر على عملك، سأذهب لأعد لك فطورا سريعا))
بارحت السرير فاستشعرت بقشعريرة سرت على طول جسدها الذي تحسس من برد الغرفة، إلا أنها كانت حقا لا تريد أن تدعه يغادر دون أن يتناول فطوره فعائلته تتأخر في إعداد الفطور حتى بعد ذهابه.. فتركها يهز رأسه بيأس لما تصر على فعله لإرضائه ولو على حساب صحتها..
وبالفعل ما أن انتهى من ارتداء ملابسه حتى كانت قد جلبت له صينية الفطور.. فجلسا على الشرفة يأكل إفطاره بتأني وهو يطالع مزروعات سمية الصغيرة التي وضعتها بحب هنا.. كانت عبارة عن حديقة ملونة مصغرة بسيطة تبعث في النفس السعادة.. فيها الكثير من الورود الخلابة شذّية الرائحة وبعض الخضروات الأخرى التي تحتاجها طازجة صباحا..
سكب لنفسه الشاي الساخن وعندما قطفت له أوراق النعناع سحبهم منها دون كلمة ووضعهم في كأس الشاي بدون غسيل مما جعلها تبتسم له رغم توترها وتعقب
((لا يهم، فالأوراق نظيفة من سقيي الدائم لها))
ارتشف الشاي بجرعة واحدة ووضعه فوق الطاولة.. ثم توجه نحو عبد الله يلثم جبينه ويمشط بأصابعه غرته الصغيرة المتدلية على جبينه بلطفٍ بليغ قبل أن يغادر..
صفق الباب خلفه وسرعان ما انحسرت ملامح سمية لأخرى تعيسة وهي تطلق بعض الأنفاس المحبطة التي كانت تجيش في صدرها..
.
.
بعد ساعات..
مسدت سمية ما بين عينيها تزيل إرهاق الجلوس لساعات خلف شاشة الحاسوب في قراءة كتب ومقالات كثيرة كما كانت تفعل مؤخرا..
حتى أنها حاولت الاشتراك مع مختصة ومستشارة في العلاقة الزوجية تدردش معها عبر احدى منصات التواصل لتقدم لها أهم طرق ومهارات التواصل الفعال في علاقتها مع زوجها لا مجرد نصائح عشوائية والتي لا تمت للخبرة بصلة..
تريد أن تتعلم ثقافة الحياة الزوجية الصحيحة وتريد أن تحصل على إجابات حقيقية عن كل الأسئلة التي تشغل بالها..
مشكلتها مع مَالك لن تحتاج إلى وضع مساحيق تجميل على وجهها أو عطور على جسدها بقدر ما تحتاج إلى رغبة في التجربة والجرأة للتغيير.. لذا ها هي تبحث وتقرأ وتسأل.. تريد أن تعرف ما يحب ويكره.. أن تصير خبيرة في شخصيته كما هو كذلك معها.. تريد أن تبادله عطاءه.. واكتشفت ربَّاه كم كانت بحكم تربيتها وثقافتها المحدودة وقلة اطلاعها جاهلة بتفكير الرجال رغم أنها متزوجة للمرة الثانية!
لكن لا بأس.. أهم شيء أنها تداركت خطأها.. وستظل تحاول وتبحث وتتعلم.. لأجل حبيبها!
مَالك لا يريدها أن تهتم به بإفراط كأمه فهو مشبع من حبها واهتمامها بالفعل.. حسنا قال بأنه يحب اهتمامها المفرط هذا ودلالها له.. لكنه ليس كافيا وهذا ما يساهم في إبعادهما، لا فرق العمر كما أحيانا تحاول إيهام نفسها كطريقة للتنصل من مسؤولياتها في حل المشكلة واجتثاثها من جذورها..
هو يريد منها أن تكون زوجة وحبيبة وعشيقة.. يريد منها أن تكون الأنثى التي ترضي قلبه كعاشق وجسده كرجل..
وعندما يتعلق الأمر في الحياة الزوجية فهناك دائما حاجات متبادلة.. فإنْ تمت تلبية هذه الحاجات نجحت العلاقة مهما كان التفاوت العمري بينهما.. وإذا لم تعطِهِ احتياجاته كما يفعل هو معها وينجح في إزهار أنوثتها قد تخسره خلاف كل تأكيده أنه لا يستطيع أن يحيا في مكان هي ليست فيها..
انكمشت ملامح سمية وشعرت باختناق من فكرة خسارة مَالك..
لن تتحمل أبدًا خروجه من حياتها! إذ أنه أفسدها دلالًا حتى ما عادت لها قدرة الابتعاد عنه، ولا تتخيل لها حياة لا تنعم فيها بحنانه ورقته معها عند استيقاظها من النوم..
هزت رأسها تبعد هذه الخواطر عنها.. تناجي الله في سرّها ألا يحدث شيء من هذا وإلا سينال قلبها حتفه..
ثم ابتسمت بمحاولة بعث التفاؤل في نفسها.. بل تشحن عقلها بالحماس..
قريبا ستبدأ في عرض مؤهلاتها الأنثوية أمام زوجها اللطيف.. الوسيم.. وستبهره بشلال من الشغف وستغمره حبًا وعشقًا، كما يفعل هو معها..
لقد أخطأت باعتقادها أن مهمة إشعال الشغف تقع عليه بمفرده، وهي عليها فقط أن تستكين في الفراش في استسلام تام لمجهوده.. ستتجاوب معه فهي ليست كالدمية، دون حياة، حتى لا يستمر في ظنه بعدم رغبتها المتبادلة فيه..
ستشبعه توددا وتثيره كما يرغب بل وأكثر مما يتمنى..
لن تتذمر من أي مبادرة له ولن تأسر أو تكتم رغبتها به أو تتردد في إشعال الفتيل الحسي بينهما، لن تضيعه من بين يديها بجهلها أو قلة فهمها أو خجل يعيق مبادرتها الغرامية..
أطلقت سمية آهة مكتومة، آهة أنثى بحرقة قلبها الذي يخفق في اشتياق لبعد زوجها الذي يؤرقها ويحرمها الراحة ليلا ونهارا..
=============================
وقف مَازن أمام المرآة ببدلته السوداء الرسمية والعصرية يسرح شعره استعدادا للخروج عندما قال فجأة لزوجته المنهمكة بإعداد طلبية القماش التي كلفتها بها المرأة التي تعمل عندها
((ياسو حبيبتي كنت أفكر أن أفرغ غرفتنا الأخرى وأصنع منها بركة سباحة لنا، لكن هل عليّ أن أسأل أولا مختصا إذا كانت هذه الفكرة معقولة التطبيق؟))
اتسعت عينا ياسمين ذهولا للحظات ثم تمتمت بتفكه على مَازن الذي لا يكف أبدًا عن إدهاشها بأفكاره غير المألوفة
((المنطقي يا قمر الدين أن مكانك الصحيح هو مشفى الأمراض العقلية..))
لجم كلامها بنظرة حانقة منه، فتركت ما في يدها وتوجهت إليه.. مدت يداها تساعده في تعديل ربطة عنقه ثم قطبت حاجبيها هادرة
((لا تنظر لي بهذا الشكل، وتوقف عن أفكارك المجنونة التي سيرمينا والدك في الشارع بسببها يومًا ما))
حاوط خصرها بيديه وهو يرمقها بنظرات مستاءة
((أعرف أنك ساخطة على حظك لأنك لم تتزوجي من زوج كئيب يشبهك لذا توقفي عن هذا وتقبلي أسلوب حياتي المفعم بالبهجة والمغامرات الشيقة، وبالنسبة لموضوع بناء بركة هنا فأنا سأفكر فيه بجدية بمجرد أن يتم قبولي بالشركة اليوم))
التفت يدها للخلف تلتقط المشط لتبدأ في تسريح شعره وهي تقول
((أتعرف! متفائلة بأنك ستنجح في المقابلة))
ألقى مَازن نظرة أخيرة على المرآة يتأكد أن هيئته تبدو مناسبةً للمقابلة ثم قربها منه بتملك هامسا
((أكيد سأنجح وكل هذا الاهتمام منك يغمرني))
قاطعته تبتعد عنه فهي تعرف عبثه حتى لا تشتت استعداد
((هيا قمري عليك أن تكون مُركزا في أمر المقابلة))
ثم بدأ يفتح الملخصات التي اجتهد في تدوينها ودراستها مؤخرا استعدادا لمقابلته النهائية اليوم في تلك الشركة الكبيرة..
تمتمت ياسمين بعاطفة بداخلها تدعو الله أن يوفقه في المقابلة فقد درس بجدية لها وطالع كل شيء يخص تاريخ الشركة التي تقدم للعمل بها ونشاطاتها بعد أن أجرى عملية بحث مكثفة عنها حتى تكون لديه خلفية قوية حولها ومجال عملها وعملائها، والخدمات التي تقدّمها..
=============================
وضعت سهر حقائب السفر التي وضبتها جانبا بينما يصلها صوت قصي حانقا بينما يتحدث على الهاتف مع والدته
((ولكن يا أمي كنا نخطط أنا وسهر في نهاية الأسبوع الذهاب في جولة استكشافية للتسلق، أنتِ تعرفين منذ أن أصبحت مهندسا صرت آخذ إجازة ليومين بدل يوم في الأسبوع!))
استنكرت روزانا كلامه بتوبيخ يتدفق منه الازدراء
((ستذهب لتسلق الجبال يا قُصي؟ تسلق الجبال؟ متى ستتوقف عن الاهتمام بهذه التوافه؟))
تجهمت ملامح قُصي وناظر زوجته التي حثته على ضبط أعصابه فأخذ نفسًا عميقًا يستعيد رباطة جأشه بينما تتابع أمه بحزم
((انس فكرة تسلق الجبال وجهز نفسك للحضور معي لاحتفال خيري سأقيمه في جمعيتي نهاية الأسبوع كنوع من أنواع التعزيز لي))
تقبضت يد قصي بغضب ثم قال بمحاولة يائسة لتعديل قناعتها الراسخة التي تسيطر على كل تفكيرها
((لا أمي.. لن أذهب لأيّ حفل خيري، وتوقفي عن الإشارة للأنشطة التي أحب ممارستها كأنها أمور سخيفة، خاصة نحن التافهين الذين لا نفكر إلا في المتعة، ونترك حل القضايا الاجتماعية العالقة والمزمنة التي ستهتمين بحلها بذاك الحفل الخيري مع صديقاتك من المجتمع الراقي! إنهن يتصرفن كنساء الحواري اللاتي ينقلن ويفشين أخبار وأسرار الحي، مشغولات ليل نهار باغتياب الأهل والأحباب والأصحاب))
التقطت روزانا مجلة عن الموضة موضوعة على المنضدة لتحركها أمام وجهها كمروحة يدوية تخفف من الحرارة المتوهجة فيها ثم تمتمت باحتجاج مغتاظ
((قُصي لا تهن صديقاتي، آخر حفلين حضر أخاك الأصغر، وهذه المرة هو دورك للحضور..))
قاطعها قصي بحزمٍ آبيًا سماع بقية حديثها
((أمي لن أذهب لحفلك الخيري السخيف وأضيع عمري الثمين في سماع أخبار الناس! لأنه ليس لدي أكثر من حياة لأهدرها في مراقبة الناس أو الانشغال بتصرفاتهم))
أوقفت روزانا حركة المجلة لتنكمش بين أصابعها قبل أن تلقيها بعنف فوق المنضدة أمامها بصوتٍ مسموع لقصي عبر الهاتف، فلم يجد أمامه إلا أن يحسم باستسلام نتيجة هذا النقاش العقيم
((أمي بصراحة كان بودي أن أدعوك للذهاب معي أنا وسهر لتسلق الجبال لكن بالتأكيد صديقات المجتمع الراقي وحفلك الخيري أولى بمجهوداتك الجبارة في الغيبة والنميمة والتدخل في شؤون الآخرين، والنيل من كرامة الأسر والعوائل الذين تتبرعين لهم!))
غمغمت روزانا وهي تستشيط غضبا
((وأنا التي ظننت لو ألزمت عليك أن تتزوج فتاة من نخبة مجتمعنا ستكون عونًا لي ومرافقة في حفلاتي واجتماعاتي الخيرية..))
قاطع قُصي والدته قبل أن تنال بحديثها من سهر ثم واجه ثورتها التي لا تنفك عن ترديدها
((سهر فتاة مختلفة يا أمي، عملية جدًا لا وقت لديها للمجاملات لذا لن تنخرط فيما تسمينه المجتمع الراقي))
لكن كلماته فاقمت من غيظها فأغلقت الهاتف في وجهه، رفعت سهر حاجبيها متفهمة مأساة قُصي مع والدته.. ربما ما يمر به أسوء مما تمر به هي مع أمها، التي لا تنفك عن البكاء بحسرة وسخط منذ زواجها أنهم خُدعوا في قصي.. إذ أنها اقتنعت أخيرا أن قُصي حقا لا يملك شيئاُ من ثراء عائلته بل حتى أنه لا يمكن أن يستفيد من اسم عائلته شيئا فهو لا يستخدمه في العمل.. ورغم أن جميع سيدات الجمعية يعرفن أن ابنتها متزوجة من ابن السيدة روزانا وليس سرًا أمام أحد إلا أنهن لا يتحدثن عن الأمر أبدًا كأن روزانا نبهتهن لذلك لأنها تخجل وتتحرج من خلفية انساب ابنها..
أطلقت سهر نفسًا عميقًا ثم جلست بجانب زوجها مؤازرة
((أمك نسخة عن أمي وصديقاتها تماما، والتحاسد فيما بينهن، كل واحدة منهن تكره الأخرى وتذمها في ظهرها، وفي الوقت نفسه أمام وجهها تحتاج إلى أنْ تتحدث إليها فتدعوها، لأنه التوغل في المظاهر الخادعة والتملق الزائف بأصحاب الشأن والنفوذ متعة لهن أكثر من مصالح شخصية))
تغضّن جبين قُصي بالضيق معقبًا
((كنت في السابق أتظاهر بالإصغاء لها وأجاريها في الذهاب لتلك الحفلات مقابل مصروفي الذي آخذه منها، لكن لكل شيء حد وأنا ارتأيت أن أستمتع بوقتي بدلًا من أن أفسده))
وتدريجيا استحالت ملامحه لأخرى يتجلى فيها الحماس وقال وهو يحثها على الوقوف
((دعينا ننسى سيرتهم يا باربي ونركز في حزم أغراضنا لرحلة التسلق ونستمتع بحياتنا))
=============================
في إحدى الشركات المرموقة في المدينة، داخل قاعتها الفارهة المخصصة للمقابلة النهائية بعد تصفية المرشحين الذين تجاوزوا أول مراحل عملية التوظيف، جلس مَازن ومن معه أمام لجنة ممثلي الموارد البشرية الذين بدأوا بالدور يطرحون على جميع المرشحين في هذه المقابلة نفس الأسئلة، ويتم تقييم كل مرشح بناءً على طريقة إجابته..
وكان مَازن يحاول الحفاظ على التواصل البصري مع الجميع متأكدا من أن يجيب بأسلوب مهني محترف ودقيق دون توسع في كلامه عن مواضيع غير مترابطة بمحور السؤال.. هادئًا ومركزًا يستعرض ثقته بنفسه وهو يشرح عما حققه من نجاح في أيام الجامعة والذي يرتبط بصورة مباشرة بطبيعة العمل الحالي والمسؤوليات المصاحبة له والمهارات التي يطلبها.. منتبها إلى لغة جسده وإيماءًته ونبرة صوته..
حتى أنه من يعرفه لا يصدق أنه هو مَازن الأخرق ثقيل الدم بمزاحه ومقالبه وقلة مسؤوليته!
فانتهت المقابلة بتركه أمام المسؤولين ما يظهر صفاء عقله وفكره ويترك انطباعا بالتميز أمامهم..
طلبت اللجنة من المرشحين الانتظار خارجا لساعة قبل أن يعاودوا طلبهم للدخول كل على حدا..
وكان مَازن هو أول من طُلب دخوله ورغم توتره من ألا يتم اختياره إلا أنه ظل يتحلى بالثقة أمامهم فدلف للقاعة برأس مرفوع، مبتسما بلباقة، ملقيًا السلام..
بدأ أحد رجال فريق الموارد البشرية يخبره بإسهاب عن نتيجة مقابلته وما ميزه وجعله مختلفا عن باقي المرشحين وأثار إعجاب كل عضو من أعضاء اللجنة.. قبل أن يكمل وهو يمسك ملفه
((رغم أن علاماتك ليست عالية ولا تمتلك خبرة عملية.. ولكن لغتك الإنجليزية ممتازة، لقد اكتسبت لكنة أهل اللغة، تحدثت أمامنا كرجل أمريكي المولد والنشأة، سمات شخصيتك ومهاراتك الأساسية مثيرة للدهشة..))
حافظ مَازن على ابتسامته اللبقة ليواري خوفه من عدم قبوله في الوظيفة وبالتالي بقائه في عمله الحالي كمندوب توصيل.. لكن أخذ رئيس اللجنة الحديث ليقول له بلا مواربة وهو يمد يده
((أستاذ مَازن لقد أصبحت عملية العثور على أصحاب أفضل الكفاءات أمر صعب هذه الأيام، لكن كانت هذه هي المقابلة الأخيرة لك وكلنا ثقة أنك مناسب للمنصب الذي تقدمت له.. يشرفنا أن يعمل شخص مثقف في شركتنا.. أليس كذلك يا أَساتذة؟))
ناظر الرجل باقي أعضاء اللجنة وكانوا جميعا مقتنعين بمدى ملائمة مَازن للوظيفة وهم يلمسون مدى اطلاعه حول تفاصيل الشركة وموقعها بالنسبة لأقرانها في السوق..
تهللت أساريره حتى أنه أراد بشدة أن يقفز من مقعده لكنه تماسك ومد يده بالمقابل لمصافحته بقبضة مشدودة بفرح هاتفًا بعبارات الشكر..
.
.
كان صدر مَازن لا يزال يعلو ويهبط وأنفاسه تتعالى في صخب بعد إطفائه محرك سيارته.. هدوء لا يقطعه إلا صوت مرور السيارات المسرعة على الطريق العام قبل أن يصله صوت ياسمين في الهاتف متسائلة
((ها أبشر؟ هل تم قبولك؟))
أجابها مَازن بصوته المفعم بالحماس والبهجة
((لقد تم قبولي في هذه الشركة، سأبدأ فيها براتب خيالي بالنسبة للوظائف التي شغرتها سابقا، أريدك أن تزفي الخبر لوالديّ وأن يعدوا على الغداء وليمة كبيرة لنحتفل بهذه المناسبة))
قالت له ياسمين بعفوية
((لا تقلق، أمك توقعت نجاح مقابلتك فأنتَ لم تجتهد في التحضير لشيء في حياتك كما حضرت لها، وبالفعل طلبت أن يعدوا لك كل ما لذ وطاب، لكن قد يتأخروا قليلا فمنال ليست هنا، قالت بأن ابنتها في المشفى ومريضة!))
اكفهر وجه مَازن قليلا من ذكر سيرة نجوم ومنال التي بشق الأنفس يحاول أن يتجاوز فكرة رؤيتها غالبا في القصر والتعامل معها كأن شيئًا لم يحدث بينه وبين ابنتها..
بمجرد أن وصل مَازن للقصر حتى كان ينتظره حول مائدة واسعة والديه وزوجته ومُصعب ومَالك وزوجته، كان كرسيه هذا المرة بجانب والده فجلس بجانبه وسرعان ما ربت يعقوب على ظهره مشيدا عليه بكلمات حملت فخرا غير مسبوق بطياتها
((أخيرا يا مَازن حللت النقود التي أنفقتها عليك في جامعة الغرب هناك))
اعترض مُصعب بتفكه لكمّ الفخر في عيني والده
((أبي كل هذا من أجل وظيفة لمَازن في الشركة! لم تفرح ولو ثلث فرحة حصول أحدنا على وظيفته!))
لوح يعقوب بيده وقال والفخر يغزو قلبه تجاه أصغر أبنائه
((هذا لأني لم أتوقع أن يعمل مَازن يوما بوظيفة محترمة))
قطب مَازن حاجبيه لكن سرعان ما قال بشقاوة
((حسنا يا أبي شكرا لك، سأعتبر هذا إطراء))
رمقه يعقوب بنظرة قوية وغمغم
((هو كذلك بالفعل))
لم يعقب مَازن وعيون والديه الاثنين التي تطفح منها نظرات الفخر والاعتزاز والسعادة تكفيه.. حتى ياسمين كانت تشعر بفيض من البهجة في داخلها تجاه مَازن ووضعت يدها فوق بطنها تفكر باهتمام متى ستخبر مَازن أنها حامل!
ما إن مدّ مَازن يده بشهية مفتوحة لطبق طعامه حتى صدح صوت ضجيج ناجم عن طرق الباب الخارجي للمنزل بعنف بالغ..
نظر الأخوة الثلاث إلى بعضهم بتوجس وقبل أن ينتظروا فتح أحد العاملين في القصر له هرولوا باتجاه الباب الذي سبقهم إليه مُصعب ووجد ضابطًا يطل عليه بهيمنته قائلا
((أين هو مَازن الكانز؟))
تطلع مُصعب ومَالك نحو مَازن الذي هتف بشيء من الارتباك
((أنا.. أنا هو مَازن الكانز..))
وقتها قست ملامح الضابط بشكل وحشي وقال وهو يرفع مذكرة اعتقال
((مَازن الكانز أنتَ رهن الاعتقال بجريمة اغتصاب عاملة عندكم وقتل رضيعها.. يحق لك الالتزام بالصمت))
جحُظت أعين كل من في المكان خاصة يعقوب وزاهية الواقفان في آخر البهو.. وقبل أن يستوعبوا ما يحدث التفت الضابط آمرا بقية رجاله باعتقاله فتقدم مَالك نحوهم للحيلولة دون أخذ توأمه لكن أحد الضباط دفعه بقوة نحو الجدار.. فسارع مُصعب يكتفه هادرا بحزم
((إن الضابط يحمل مذكرة اعتقال رسمية تمنحه الأذن باعتقاله، إذا قاومتهم ستؤذي مَازن))
وعند هذه الكلمات لم يجد مَازن المفجوع كما حال الباقي إلا أن يستسلم للضباط الذين قيدوه بالأصفاد..
وما أقساه من مشهد على الجميع وهم يقتادونه نحو سيارة الأمن تحت بكاء والدته وصراخ إخوته..
.
.
وضعوا مَازن في غرفة معزولة وبعد فترة طويلة حققوا معه لمدة قاربت الساعتين.. لكنه أصر أن يمتنع عن الإدلاء بأي معلومة حتى يُسمح له بلقاء محاميه.. لكن ما صدمه ولجمه عن الكلام في بعض المرات توجيه تهمة اغتصاب نجوم التي كانت تعمل في منزلهم ثم قتل رضيعها الذي أنجبته فجر هذا اليوم.. مؤكدين له أيضًا أن هناك شاهدًا رآه يدفن الجنين حيًا تحت التراب..
نعم نجوم حاولت مراودته عن نفسه.. لكن أيصل بها الحال أن تتهمه بالاغتصاب وقتل رضيعها؟ هل كانت حامل؟ وهل كانت الشرطة لتصدر مذكرة اعتقال في حقه دون دليل ملموس؟
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!