الفصل 93 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث وتسعون 93 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
11
كلمة
11,794
وقت القراءة
59 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

فتح مُعاذ عينيه صباحا ببطء يتمطى بجسده بحذر حتى لا يوقظ شيرين النائمة على صدره بوداعة واستكانة وشعرها الليلي مبعثرا من خلفها..

جال بعينيه إليها يتأملها مليا وهو يمرر أصابعه على شعرها ويلمسه بظهر أصابعه بنعومة..

أحست شيرين بلمساته التي تعشقها لترفرف بعينيها متكاسلة، فاعتدل جالسا على السرير بجذعه العاري ثم همس بصوت مبحوح وعيناه تمران عليها

((كم هي الساعة الآن؟ متى وقت صلاة الظهر؟))

همست بصوتٍ ناعس وهي تتثاءب

((ربما بعد من ساعة، دعنا ننام أكثر))

كانت شيرين تشعر أنها قابعة في جنته.. إذ أنها بعد أن عاشت أشهر في علاقة جسدية مشوهة مع وليد، حيث كل مرة يقترب منها ينتقص من أنوثتها.. لم تتوقع أن تنجح علاقتها مع مُعاذ.. هذا الرجل الذي عرفت فقط الاكتمال معه وهو يغرقها دائما في فيض متدفق من الحنان الخالص والعاطفة..

تمتم بصوت أجش وقد تلاشى تثاؤبه وارتحل نعاسه

((كنت أستيقظ باكرًا حتى في أيام العطل ومناوباتي الليلة، لكن منذ زواجي بك وقد أدمنت النوم لما قبل الظهيرة بقليل))

ردت مبتسمة وهي تفرك إحدى عينيها تزيل أثر النوم

((أنا كنت معتادة على الاستيقاظ باكرا في أيام عملي، لكن ما عدا ذلك في العطل أقضي جل وقتي متوسد السرير))

اتسعت ابتسامة شيرين برضا أنثوي وهي تراه يبعد بأصابعه شعرها المتناثر حول وجهها هامسا بغرام

((تبدين جميلة))

تضرجت وجنتيها بحمرة الخجل فضحك مُعاذ بخفوت لتتوه في ضحكته ثم في عينيه ونظرته.. وتلقائيا انحنت بوجهها لتلثم باطن كفه بحركة ارتعش له قلبه..

ردت شيرين له كلمات حب شغوفة بنفس الهمس ليشعر بالنعيم حقًا وقد أنارت قلبه تماما منذ زواجهما..

ولم يقطع هذا المشهد العاطفي إلا هاتفه الذي ضج رنينا عاليا.. التقطه مُعاذ واستبد الذهول فيه لمرأى اسم امه يعلو شاشة هاتفه.. فرد هادرًا

((مرحبا يا أمي، كيف حالك؟ الآن؟))

خرج سؤال مُعاذ مذهولا فكست الحيرة وجه شيرين عن سبب اتصال أم مُعاذ بهذا الوقت المبكر من اليوم واعتدلت جالسة بينما يتابع مُعاذ بعجب

((ولماذا لم تخبريني لأصحبك بنفسي! هل لا زال السائق يتذكر عنوان شقتي؟ حسنًا سأرتدي ثيابي وأتي فورا))

أغلق مُعاذ هاتفه ووضعه جانبا بينما يتجه ملهوفا للخزانة بنزع ملابس منامته هاتفا

((أمي ستأتي لزيارتنا، هي تريد رؤيتك أنتِ بالذات لتبارك لك، سأذهب لإحضارها إلى هنا))

ارتدى مُعاذ ثيابه بأسرع ما أمكنه، حشر قدميه في حذائه وهمَّ بالرحيل في حين استوعبت شيرين الآن فقط ما يقوله وشهقت لهذه الزيارة الغير متوقعة..

قفزت من السرير مهرولة لغرفة دارين تطرق الباب عليها بحدة وعندما لم تجد منها أي رد دلفت للداخل وأشعلت الأنوار ثم حركت كتفها تناديها بإلحاح

((دارين استيقظي، دارين استيقظي))

تضايقت دارين بنومها وتشبثت بغطائها لتداريه فوق رأسها هامسة بصوتٍ متثاقل ناعس

((أريد النوم..))

كانت شيرين متفهمة نعاسها فجميعا استغرقوا في النوم بعد الفجر بسبب سهرة الفيلم التي أعدتها لهم مع الفشار.. ومع ذلك أمسكت غطاءها تبعده عنها بكل قوتها هاتفة بصوتٍ مضطرب

((لا وقت للنوم، هيا استيقظي وأعدي طعام الغداء))

انتفضت دارين مستيقظة عند أخر كلمات خرجت من شيرين عاليا وفركت عينيها تستوعب ما يحدث وسرعان ما عبست ملامحها كليا وقطبت حاجبيها هادرة

((لا! أليس من المبكر أن نبدأ من الآن بلعبة سندريلا وزوجة الأب الشريرة!))

كانت ملامح شيرين في اضطراب متزايد خاصة وأن مُعاذ غادر المنزل بالفعل بسرعة صاروخية لإحضار أمه فهتفت لها بعجز تطلب عونها

((لم أحب أن أخيب ظنك بسرعة، ولكنني مضطرة أن أبدأ بها من الآن، فجدتك قادمة على الطريق، وانا لا أعرف إعداد أي وجبة غداء لائقة إلا تلك سريعة التحضير كالباستا))

اتسعت عينا دارين بذهول أسرها لتهتف

((جدتي قادمة؟ وغداء؟ نحن لم نفطر بعد))

تنفست شيرين بصعوبة وتماسكت بالقدر الذي يجعلها تقلل من ارتباكها بينما تتشدق وهي تشير نحو الساعة الجدارية

((الساعة تقارب الحادية عشر والنصف، إياك أن تقولي أمام جدتك المعروفة بصرامتها أننا لم نفطر للآن، ستقتلني بما ستفكره عني بأني امرأة متكاسلة وخاملة))

لامست دارين بعضا من اضطرابها وتوترها الداخلي فهذا هو لقاؤها الأول بجدتها، فقالت مغادرة مضجعها

((حسنا سأغتسل بسرعة وألحقك للمطبخ لأصنع وجبة طعام تعجب جدتي))

في المطبخ كانت شيرين تتحرك محمومة تضع هذا وتحضر ذاك هاتفة بلهفة يشوبها الارتباك

((سأعد بعض المقبلات لأقدمها لها، أعدي على الغداء شيئا صعبا ولذيذا يجعلها تشيد كثيرا بمن صنعه))

زمّت دارين شفتيها ووضعت الدجاج في الماء المغلي على النار وهتفت بصراحة متأصلة فيها

((ألا تعرفين شيئا في الطبخ! عندنا تتعلم الفتيات كل شيء عن مهارات وفنون الطبخ منذ سن الرابعة عشر، حتى لو كان هناك طاهيات في المنزل، لتكون عروس مرغوبة وزوجة تأسر قلب زوجها تيمنًا، ألم تترعرعي في طفولتك في نفس قريتنا!))

حبست شيرين أنفاسها بين جنباتها ثوانٍ حتى لفظتها كلهيبٍ حار ثم أغمضت عينيها للحظات.. يبدو أنه حتى دارين مصدومة منها.. فبالنسبة للبيئة التي عاشت فيها دارين لا بد أنها حقا تراها كامرأة لا تعرف الطهي امرأة معاقة بإعاقة غير مقبولة في المجتمع، ومصنفة في خانة الزوجات الغير الصالحات.. ولا تلومها في ذلك، فلا بد أن جميع زوجات أعمامها ماهرات في الطبخ.. واليوم ستعرف الحاجة زاهية أن في قلب مُعاذ أنثى لا تعرف الطبخ! وسيكون وقتها حكمها عليها قاسيا وأنيابها ستنهش فيها بل وربما ستوبخ ابنها على سوء اختياره!

فتحت عينيها ثم بررت قلة حيلتها في المطبخ وهي تتعجل في تقشير البطاطا

((أمي لم تكن تسمح لي فعل أي شيء متعلق بتدبير المنزل وتطلب مني التركيز فقط على دراستي، وبعد وفاتها تولى أبي أمور البيت والمطبخ لأني من كنت أعمل في الخارج، وبعد وفاته عشت في بيت صديقتي سهر وكانت تتواجد عندهم عاملتين منزليتين وطاهية، فلم تتح لي حتى الآن تعلم أي من هذه الأمور..))

وكأن دارين أرادت أن تضغط عليها أكثر فقالت بصراحتها المستفزة البريئة التي لا تستطيع أن تتخلى عنها وهي تنقع الأرز بالماء

((أبي يعمل في وظيفة صعبة وحساسة ومع ذلك يعرف كيف يطهو..))

توقفت شيرين عما تفعله فجأة ثم عضت شفتها للحظات تهمس وهي تكاد تفقد أعصابها

((حسنا، حسنا سأتعلم، أقسم بذلك، ولكن على هذا اليوم أن يمضي على خير))

انتبهت دارين أن الاضطراب مسيطر على شيرين بشكل متفاقم حتى أنها بدت على وشك الإغماء من شدته، بل أنها ردت بنبرة خافتة وكأن صوتها لا يُعينها من شدة شعورها بالعار، وكأن عدم إلمام امرأة في الثلاثين من العمر بأمور الطبخ من الكبائر والمحرمات.. فتيقظت دارين أنها بالغت بما قالته.. فيا ترى ماذا قالوا لها عن جدتها لتخشى حكمها؟ هل بالغوا ووصفوها لها أنها حماة ذات نظرة بين طياتها قسوة كبيرة وديكتاتورية عصيبة؟

ما إن فُتح الباب الخارجي للمنزل بإشارة وصول مُعاذ ووالدته حتى شهقت شيرين دون صوت وهي تكتم أنفاسها! ثم قالت بصوتٍ مخنوق

((أوه يا إلهي لقد وصلت جدتك ويجب عليك أن تستقبليها وتجلسي معها طوال الوقت، أو ستعرف أنك من صنعتي الطعام وأني لا أصلح أن أكون ربة منزل))

رفعت دارين عينيها إلى عيني شيرين الدامعتين بدهشة وللحظةٍ مس حالها قلبها وأشفقت عليها ولو أن ردة فعلها مبالغ بها! فليس وكأن عائلتها تصارع في بعض المعتقدات الاجتماعية التي لم تجعلها ترى النور.. وليس وكأن شهوة بطن والدها لها القدرة الكافية بإزالة حبه لزوجته!

ترقرقت الدموع بمآقي شيرين وكانت تتحرك بتيه وتشوش تخاف أن تفعل شيئا قد يفسد صورتها الأولى لدى حماتها، فلكزت كتفها هادرة فيها بحزم طفولي

((توقفي عن البكاء واذهبي لتغيري ملابسك، ارتدي أخرى خاصة بعروس جديدة..))

حاولت شيرين كتم دموعها وأومأت لها ثم هرولت نحو غرفة نومها في حين غسلت دارين يدها جيدا قبل أن تندفع للخارج عند جدتها تحتضنها فتبادلها زاهية الاحتضان بحرارة..

وضعت زاهية قدما فوق الأخرى متسائلة بتحفظ

((أين هي العروس يا دارين؟ هل أحسنت معاملتك منذ زواجها بأبيكِ؟))

لاحت ابتسامة على ثغر دارين وردت بحيوية

((تعاملني وكأني ابنتها بالضبط يا جدتي، لطيفة جدًّا))

توتر مُعاذ قليلا وفرك يديه بخشونة قبل أن يقول مبتعدا

((سأذهب لأنادي شيرين يا أمي))

تمتمت زاهية بخفوت وامتعاض ما إن ذهب ابنها

((أدعو الله ليل نهار يا دارين أن تكون زوجة والدك أما حنونة عليك ويغمر قلبها الرحمة على أقل تقدير، ولا تكون مكّارة ظالمة وشّاية، فمعظم زوجات الأب متسلطات ويلعبن دور المكر لدى الزوج من أجل الظفر بحبه واهتمامه بها وأطفالها فقط))

أمسكت دارين كفى جدتها تطمئنها

((لا تقلقي فشيرين عكس ذلك تماما، اليوم ستطهو لنا غداء لذيذا وسأساعدها فيه بما أن اليوم عطلة))

حضر مُعاذ وشيرين معًا بينما تمسك الأخرى صينية فوقها كؤوس العصير لتضع إحداها أمام حماتها وتلقي التحية عليها ببشاشة.. جلست بجانبها وهي ترسم لها ابتسامة باهتمام خاص لتوحي بالثقة.. ثم قالت بكياسة

((كيف حالك يا عمة! أتمنى أن تكوني بأفضل حال))

أومأت لها زاهية وردت بهدوء وقارها المهيب

((الحمدالله، كيف حالك أنتِ؟ جئت الآن مخصوصا بما أن الفرصة لم تسمح لرؤيتك وقت عقد قرانك))

ثم أعطتها إحدى أكياس الهدايا المغلفة بأناقة وفخامة فردت عليها شيرين بذوق وتهذيب وهي تتناولها منها

((لم أتعبت نفسك بهذه الهدايا، لم نرد منك إلا أن تنورينا في زيارة))

بدأ الجميع يرتشف من العصير المقدم لهم بينما اعتذرت دارين طالبة الانصراف قليلا، فعرفت شيرين أنها ستذهب لمتابعة الطهي على النار وارتاح قلبها لذلك.. أما الحاجة زاهية فظلت مركزة مع شيرين تسألها وتثرثر معها باهتمام وعينين متفحصتين، فتحاول الأخرى الحفاظ على التوازن وابتسامتها الهادئة وهي تجيبها فيما مُعاذ يعقب بين الحين والآخر حتى لا تتوتر شيرين.. حتى حرك الثلج في كأسه مغيرا دفة الموضوع بصوته الرخيم

((إذن يا أمي هل ذهب مَازن للعمل؟ سأتصل به بعد عودته لأتأكد كيف كان يوم عمله هناك))

رفعت شيرين حاجبيها عند ذكر سيرة الشركة التي بدأ يعمل فيها شقيق مُعاذ كما أخبرها سابقا وعقبت

((أتذكر أنه قبل عملي في شركة القاني قدمت كثيرًا لتلك الشركة، لكن كانت شروطها ومراحل مقابلتها صعبة ولم أوفق بالقبول، لا بد أن أخاك شاب مجتهد ولهذا نجح في العمل بها))

مرر مُعاذ يده على ذراع شيرين بحنو ورد عليها متفاخرا

((مَازن درس الأدب الإنجليزي في الخارج ولكنته مثل أصحاب اللغة، وهذا ساعده في أن يتم قبوله هناك))

أما زاهية فأبدت اهتماما أكبر بشيرين متسائلة ببطء

((غريب! قلت بأنك درستِ المحاماة فكيف قدمت لنفس شركة ابني المختصة بإدارة الأعمال!))

ازدردت شيرين ريقها وردت دون أن تنحسر ابتسامتها

((نعم ولكن لم أعمل يوما في مجال المحاماة، معي شهادات متقدمة في اللغات والحاسوب مكنتني العمل لسنوات في شركة القاني في مجالات الاتصالات، كما مكنتني مؤخرا نيل وظيفة معلمة في مدرسة دولية..))

وضعت شيرين كأسها على الطاولة وأردفت معتذرة

((سأذهب لأتأكد من الطعام على النار))

بمجرد أن ابتعدت شيرين حتى طرحت عينا زاهية التساؤلات لمُعاذ قبل لسانها بصوتٍ ممتعض

((وهل ستبدأ زوجتك حقا يا مُعاذ في عملها؟))

لف الحنق ملامح مُعاذ من المواعظ التي تنتظره من أمه إلا أنه رد بدفاعية

((نعم يا أمي إنها تحب العمل ومعتادة عليه منذ صغرها))

غامت عينا زاهية وأظلم توهجهما وهي تقول بصرامة

((لأن وضع عائلتها المادي آنذاك لم يكن ميسورا، لكن اختلف الآن بزواجها منك، دعها تتوقف عن عملها وتهتم بك وبابنتك وبالأطفال الذين ستنجبونهم))

قطب مُعاذ حاجبيه هادرًا

((أمي أنا ضد هذا الرأي تماما، فالعمل مهم للرجال والنساء على حد سواء، ليس للحاجة المادية، ولكن لتحقيق الذات، والصحة النفسية، ثم هي اشترطت عليّ العمل قبل الزواج ولا أقدر أن اخلف وعدي))

لاكت زاهية فمها لكنها اختصرت

((حسنا كما تريد، أنا لن أتدخل أبدًا))

عندما تصاعد فجأة طرقات عنيفة فوق باب الشقة اعتدل مُعاذ واقفا وقال متحركا باتجاه الباب

((سأذهب لأرى الطارق في هذا الوقت))

لكن اتسعت عيناه ما إن فتح الباب وعرف هوية المرأة الكبيرة في السن والتي قالت بصوتها المستاء متأففة

((هل تعرف منذ متى وانا أطرق الباب يا سيادة الرائد!))

وعلى الفور تجاوزت مُعاذ تدلف للداخل وكأن البيت بيتها لتجلس أمام زاهية بترفع.. قبل أن تفاجئ بدارين تندفع إليها هاتفة

((جدتي هل هذا أنتِ! لقد اشتقت لك جدًّا))

تغيرت ملامح جدة دارين من جهة الأم إلى أخرى تظهر البؤس والغضب وهي تحتضن بيديها وجه حفيدتها

((المسكينة انظري لوجهك الشاحب، ألا يهتم والدك بإطعامك! حتى بعد زواجه لا يبدو أن زوجته توليك اهتماما!))

أغمض مُعاذ عينيه يحث نفسه أن يلتزم الصمت للحظات ثم ارتدى قناع البشاشة وهو يلقي السلام على حماته هادرًا بتهذيب واحترام

((نورت منزلي يا حماتي.. أهلا بك))

ذهب مُعاذ بوجه مكفهر نحو المطبخ ليجد شيرين تتساءل وهي تقطع السلطة

((من كان القادم يا مُعاذ؟ سمعت شيرين تناديها "جدتي"؟))

تكدرت نبرة مُعاذ وهو يرد عليها

((إنها والدة زوجتي سناء المتوفاة))

تصاعد توتر شيرين، فهي بالكاد تحاول أن تتماسك أمام والدة مُعاذ ولا تريد حماة أخرى أمامها لكن مع ذلك قالت بوداعة

((حقا سأذهب للترحيب بها))

لكن ما إن همت أن تغادر أمسك مُعاذ مرفقها هامسا بخشونة مازجا عدة مواضيع بحديثه

((الحقيقة هي لا تحبني! وكانت مصرة أن تأخذ حضانة دارين من أمي لولا مرضها الذي اشتد، تعتقد أني السبب بموت ابنتها لأني لم أمنعها من الحمل رغم أني لم أعرف به إلا بعد أشهر..))

هز مُعاذ وجهه يمينا وشمالا يحاول استعادة توازنه ثم رد رافعا كفه

((حسنا ليس وقتا مناسبا لأفتح هذه المواضيع لكن إذا كنت تشعرين بالضيق فاذهبي لغرفة النوم وأنا سأقول لجدة دارين أنك متعبة قليلا))

استعادت شيرين رباطة جأشها ثم شدت ظهرها وقالت بثقة تلقائية

((لا على العكس سأذهب لأجلس معها وألقي التحية))

لكن سرعان ما بدأ ذلك الارتياح يتلاشى عند دخولها الصالة على حديث جدة دارين وهي تثرثر بحسرة مفتعلة

((الرجال يا دارين كلهم ناكرين للمعروف، لا يعرفون كيف يحفظون عهدهم مع نسائهم، انظري إلى والدك كيف تورد وجهه بعد عودته من شهر عسله وذبل وجهك أنتِ، نسي ذكر ابنتي وانشغل مع زوجته الجديدة.. حسبي الله ونعم الوكيل))

تنحنحت شيرين تعلمها بوجودها فصمتت جدة دارين ثم مدت شيرين يدها إليها تلقي التحية عليها.. بينما غصت دارين في قلبها من كلام جدتها عن والدها المجحف.. واستشعرت زاهية حزن دارين فتدخلت لتقول لأم سناء دون أن تفقد شيئا من وقارها

((أنتِ تعرفين أن ابني لم يكن يريد الزواج بعد وفاة أم دارين، ولكن لقد مر ما يزيد عن عشر سنوات وأخذ الحزن مداه ليصطدم أخيرا بواقع الحياة وصعوباتها التي لا تنتهي، وهو كأب ملزم بتأمين المال اللازم له ولابنته، والحل فقط زواجه.. أم كنتي تريدين من دارين أن تظل تعيش عندنا بعيدة عن والدها!))

امتعضت والدة سناء من كلام زاهية في حين حاولت شيرين تلطيف الجو سائلة عن حالها فتطلعت لها قائلة بابتسامة غاضبة

((أنا بخير أيتها العروس الجميلة))

ثم همست في أذن دارين تردف بعبوس

((عيناها خضراوان لكن ملامحها لا تكسوها أي جاذبية مثل ابنتي سناء رحمها الله))

زفرت زاهية بضيق وشعرت بالاختناق من التواجد في نفس المكان مع حماة ابنها فغادرت للمطبخ حيث يتواجد مُعاذ فيه متكئا على الرخام يغطي وجهه بكفه وكأنه يتضرع لله أن يمر هذا اليوم على خير دون مشاكل خاصة وأنه ما زال عريسا.. فغمغمت بضيق

((جدة دارين تلك لا تفهم بالذوق أبدًا، أظن أنها ستتفوه ببعض الكلام الفارغ أمام زوجتك))

أبعد مُعاذ يده عن وجهه هادرًا بحكمة نابعة من أصله

((أمي أعرف أنها لم تتغير ولن تفعل يوما، لكن رغم كل شيء عليّ أن أحرص دائما على إصلاح علاقتي بها وإكرامها؛ إذ لا أظن أن هناك أعظم وفاء لامرأة أحببتَها إلا أن أحسن إلى من أنجبتها، بالنهاية هي أمها وجدة دارين، وعلينا أن نستعمل الحكمة والشفقة في تعاملنا معها، سناء كانت ابنتها الغالية على قلبها))

ثم عاد للصالة لا يريد أن يترك شيرين مع حماته التي كانت تخبر دارين بلهجة ذات مغزى أثار اقتضابه

((ما شاء الله تبدو زوجة أبيك لطيفة يا دارين، لكن لو أزعجتك بكلمة يا دارين أو ضايقتك بحرف أعلميني، والله أهد البيت عليها وعلى والدك وأخذك عندي))

.

.

بعد ساعات من رحيل جدتيّ دارين وانتهاء تلك الزيارة المشحونة التي تتعب الأعصاب أخيرا، خرج مُعاذ بزوجته وابنته للخارج يدعوهما على عشاء لطيف ثم عادوا للمنزل ليخلدوا للنوم..

لكن أقلق مضجع مُعاذ في الليل شاعرا بصوتٍ جلبة في المطبخ مِمَّا جعله يذهب هناك ليجد شيرين تتواجد فيه تضع قدرا على النار وتناظر باهتمام هاتفها الذي يشغل إحدى فيديوهات الطهو التعليمية لوصفة عربية مميزة وفي يديها قلم وورقة تسجل وتدون..

اقترب مُعاذ ملامسا شعرها الذي تعقصه في الخلف مِمَّا جعل شيرين تشهق بفزع.. بدأ صدرها يهبط ويرتفع من إثر صدمتها ليبتسم مداعبا أمام وجهها هادرا بحنو

((ماذا تفعلين يا حبي! ألم نتفق أن نبدأ بتصحيح نومنا ونعتاد على النوم المبكر من أجل عملنا نحن الاثنين في الغد؟))

أخذت نفسا عميقا ثم قالت بلطف

((مُعاذ اذهب أنتَ للنوم، وسألحقك بعد ساعتين))

طالع الأدوات والأطباق التي تضعها على رخام المطبخ استعدادا للطعام واستنكر

((ولكن هل هذا هو موعد طهو الطعام؟ بحق الله إنها الثانية عشر صباحا!))

تقوست شفتاها للأسفل ثم قالت

((بعد العودة غدا من عملي لن أجد وقتا إلا لتسخين الطعام، لذا سأعتاد يوميا في الفجر طهي وجبة الغداء، لكن لأن هذه المرة هي الأولى لي سأبدأ من الآن لأنه قد يأخذ معي إعداده وقتا أطول))

ثم مر طيف حزن بعينيها وقالت بما مفاده اعتذار ضمني

((أعرف أنه كان عليّ أن أضع تعلم الطبخ نصب عيني قبل دخولي بيت الزوجية، آسفة لهذا الأمر))

ترققت نظرة مُعاذ الموجهة لها وهو يراها تعود لتسدد نظرها للفيديو.. فالأكل ضروري ولكن الحياة لا يجب أن تؤخذ على أنها أكل ونوم، بل هناك فيها أشياء جميلة غيرها.. فطوقها مُعاذ من الخلف يحيط كتفيها بذراعيه هامسا بما يشبه الدعابة

((سأرغب أن آكل من يدك، لكن اعتذارك كان سخيفا، فبالنهاية الطبخ مجرد وسيلة مُمكن يتعلمها أي شخص حتى الرجل.. ثم لماذا هذا الاجتهاد! يمكننا الانتظار أن تعدي الغداء بعودتك من العمل!))

تخاذل كتفيها واعترضت

((لا، لا، دارين تعود من مدرستها متعبة وجائعة وليس من المعقول أن تنتظر أن يعد الغداء في وقت متأخر))

ثم حاولت التحرر منه قليلا بما يسمح لها أن تستدير وتناظر وجهه بعبوس قائلة

((أمك عرفت أن الغداء الذي تم إعداده اليوم من صنع دارين، ها!))

شيئا فشيء اتسع فم مُعاذ بابتسامة مِمَّا جعلها تعرف الإجابة مسبقا وتتخضب وجنتيها بحمرة الحرج وتتمتم

((يا للعار زوجي وابنته يعرفون الطهي على عكسي!))

رفع إحدى حاجبيه يخفف عنها مُلاطفًا

((ثلاث أصناف أو أربعة فقط هي ما أعرف إعداده بحكم عيشي كعازب لمدة طويلة!))

وبارتباك استدارت وأمسكت السكين تفرم بتخبط فقرر أن يساعدها.. أحتضن يدها الممسكة بالسكين وبدأ يحركها ليفرم هو عوضا عنها بحرفية دون خجل أو تبجح مِمَّا جعلها تشاهده فاغرة الفم مذهولة.. بمجرد أن انتهى حانت منه نظرة لها في عمق عينيها المتفاجئتين وكأنه يقوم بعمل خارق، وسرعان ما التمعت عيناه بضحك من القلب لا يحتاج لصوت القهقهة..

هزت رأسها تنتبه لفمها الذي تركته مفتوح ثم ابتسمت وهي تقرأ الضحكة في عينيه وتناغشه

((هل تنقم على حظك العاثر الذي أوقعك بي؟))

هنا حقا كتم ضحكة عالية بصعوبة وهو يقبض على خصرها بيديه برفق متذمرًا

((بل أفكر في صنع شيء بسعرات عالية حتى تزيدين وزنًا))

رفعت حاجبيها معقبة بذهول

((أزيد وزنا! وأنا التي كنت أجوع نفسي في الأيام السابقة حتى يعجبك قوامي!))

انفلت لجام سيطرته وانطلقت من فمه ضحكات بصوتٍ مبحوح أجش سلبت لب عقلها ليتابع الطبخ وهو يناظر الفيديو التعليمي خاصتها بينما هي تلتصق به لتطالع ما يعده بمهارة تناظره بتدقيق لتتعلم وتسأله وقت الحاجة..

وبعد نحو ساعة ونصف كان الطعام قد أصبح جاهزا وتتصاعد منه الرائحة الشهية، فأخذ هو يسكب جزء منه في أطباق التقديم ثم يضعهم على المائدة تباعا فقطبت حاجبيها معترضة

((لحظة! علينا نضعه في الثلاجة، وفي الغد نسخنه ونأكله))

رد بحماس يخفي بين طياته تلاعبا ماكرا

((سنأكل القليل فقط، لا لشيء إلا حتى نعوض تلك الكيلوجرامات التي فقدتيها، فأكل ما بعد منتصف الليل هو أقصر طريق للسمنة))

تراقص حاجبيها لتقول

((إذن دعني أعد القليل من السلطة بتتبيله مميزة حتى نأكلها، علمتني سهر مشكورة صنعها))

هز مُعاذ رأسه بيأس قبل أن يهمس لذكرى سهر التي كانت معها في خطط زواجه الأول من شيرين

((صديقتك تلك المندفعة!))

جلست شيرين معه على الطاولة ثم رفعت ملعقة من السلطة له ليذوقها فأمسك يدها ومال برأسه ليسمح لها بدس الملعقة في فمه.. ورغم أن السلطة لم تكن بتتبيله بمذاق متفرد لكنه رآها كذلك لأنها من صنعتها..

بدأت شيرين تأكل الطعام، ومرة هي من تطعمه اللقمة ومرة هو من يفعلها..

بعدما انتهوا مد مُعاذ أصابعه يمسح بعض ذرات الأرز عن فمها وهو يناظرها بشغف صامت، مِمَّا جعل الخجل يغزو وجنتيها لتهمس وهي تدفع صدره بقبضتيها

((سأوظب المكان اسبقني للداخل))

انتصب واقفا وبدأ يساعدها بالتوضيب هادرا

((لا سأساعدك وعندما ننتهي سأحملك بنفسي للداخل، لا زلتي عروسا ولم تُحملي بما فيه الكفاية!))

قهقهت على دعابته هادرة

((يكفي جنونا))

لكن ما أن أنهوا التنظيف حتى انطلقت منها شهقة مباغتة وهي تراه يرفعها عاليا، وتلقائيا تعلقت بعنقه لتتركه يدور بها كالمجانين بينما تصرخ به من بين ضحكاتهما العالية

((مُعاذ.. لا مُعاذ.. أنزلني أرجوكَ..))

ولم ينتبه كلاهما للوجه العابس الطفولي لدارين التي فتحت باب غرفتها وهي تفرك إحدى عينيها.. إذ وصلها صوت السكين التي تفرم الخضار بعنف إلى غرفتها حتى خرمت أذنها.. لكن ما أن وصلها صوت والدها يحمل ويدور بشيرين حتى ازداد عبوسها، إذ أنها لا تذكر أنه حملها ودار بها ولو مرة واحدة في سنوات عمرها الأربعة عشر والنصف! وكانت تهم بمقاطعتهما لمعاتبة والدها لكن سمعت شيرين تقول فجأة

((سأستيقظ في وقت أبكر غدا حتى أصنع صندوق لدارين لمدرستها قبل أن أذهب لعملي، هناك أفكار مبهرة رأيتها قبل قليل عن صناديق الطعام))

تسمرت دارين مكانها.. ثم تبسمت.. اتسعت ابتسامتها وتراقصت عينيها.. لطالما تمنت أن تذهب للمدرسة بصندوق غداء بدلا من الشطيرة الكئيبة التي تأخذها معها كل صباح لأنها تستيقظ متأخرا ولا يظل من الوقت ما يسعفها لتصنع صندوق الغداء.. وهنا احتضنت شفتيها مستحسنة لفكرة أن تترك والدها وشيرين على راحتهما واهتمامها بها ثم عادت لغرفتها وهي تطلق تثاؤبا ناعسا..

=============================

دلفت مَازن لجناحه ليفاجئ بصغيرته تبحث بجد داخل الخزانة عن شيء ما وما انتبهت لتحديقه بها حتى التفتت كليا له وبدلا من أن تبدد فضوله عما تفعله قالت بوجوم تستعطفه

((أبي أريد بلايستيشن كبيرة كتلك التي كانت عندنا قبل زمن، فالتي اشتريتها لي الشهر الماضي صغيرة جدًّا))

اهتزً قلبه لطلبها فلو بيده يبيع الدنيا بما فيها ليمحي الحزن بنبرتها لكنه حاول أن يتحلى بشيء من الحزم الممزوج الرفق وهو يخبرها بينما يتقدم منها

((هدهد، البلايستيشن الكبيرة ثمنها باهظ، وحتى لو تمكنت من شرائها ستلهيني عن عملي وباقي واجباتي))

جلس متربعا أمامها ورفع يده يمسد فوق ضفيرتها التي صنعها لها في الصباح لتتنهد وتقول بحزن طفولي

((ولكن أشعر أنه ليس هناك طعم لحياتنا منذ أن كسرت البلايستيشن الثانية خاصتك))

ثم عادت تدفن نفسها بالخزانة تحديدا الجزء الخاص بأمها وتقلب ملابسها تعاود البحث عن شيء ما يجهله.. فاستفهم مستغربًا منها

((ماذا تفعلين؟ ما الذي تبحثين عنه في الخزانة؟))

استحالت ملامحها المنطفئة إلى أخرى حماسية وهي تستدير وتطالعه وهي تتغنى بالكلمات

((سمعت أمي تقول لجدتي عند وصول مندوب توصيل لطرد أنه لها، فقد ابتاعت من الإنترنت آخر إصدار من البلايستيشن لك، ولكن لا أستطيع أن أجدها مهما بحثت عنها))

شهق مَازن بذهول متمتما

((أمك طلبت بلايستيشن! وآخر إصدار؟))

لم يكن يعرف إذا كان عليه أن يغضب عليها لأنها بددت كل مدخراتها على لعبة من أجله.. أم يفرح لأنها لو لم تشتريها له لما كان حصل على أخرى مجددا، خاصة وهو يقسو على نفسه حتى لا يعود ويضيع يومه كاملا عليها، فبصعوبة تمكن من التخلص من إدمان البلايستيشن ولو عاد للعلب ولو لدقيقة أخرى سيعود الإدمان له!

وهنا على الفور كان يبعد هدى عن الخزانة ويفرغ رفوفها تباعا من ملابس ياسمين مغمغما بصوتٍ يكتنفه الجدية

((هل أنتِ متأكدة أنها خبأتها هنا؟ دعيني أبحث معك))

في غمرة بحثهما وتقليب رفوف ملابسها وأغراضها استرعى انتباه مَازن سلة مليئة بأدوات متنوعة تخص احتفالا.. فأعتصر عقله يتذكر إذا كان هناك مناسبة نسيها أم لا، لكن لم يطل تفكيره حتى فُتح باب الجناح مرة أخرى من قبل ياسمين على حين غرة..

وهنا تفاجأت هي بهم يعبثان في أغراضها بالخزانة فتساءلت وقد أسرتها الدهشة لمرأى مَازن يخرج ملابسها من رفوف خزانتها

((ما الذي تفعلانه؟))

وعندما انتبهت هدى لنظرات أمها جفلت وخشيت أن تغضب عليها إذا عرفت أنها من وشيت بسر البلايستيشن لوالدها فانتصبت واقفة وقبل أن تغادر همست في أذن والدها المنهك في البحث

((سآتي بوقت لاحق لنبحث عن البلايستيشن في مكان آخر))

وهرولت منصرفة للخارج في حين دمدمت ياسمين بملامح مقهورة تعاتبه وقد تبادر الى ذهنها بأنه يريد منها أن يحزم حقيبة ملابسها لتستعد للرحيل

((لماذا تقوم بإخراج ملابسي من الخزانة! وأمام هدى!))

توقف مَازن عن إفراغ الخزانة من أغراضها والتفت لها يناظرها ببرود وشيء من الترفع.. ورغم حرقة قلبها إلا أنها نصبت جذعها أمامه لمواجهة محتومة وتصلبت لتقول بهدوء رغم تذبذب صوتها

((حسنا أعرف أنك تنتظر مني أن أحزم أمتعتي وأغادر بدون أي مماطلة، ولكن كنت أنتظر أن تنطق بالطلاق أولا..))

مجددا لم يرد عليها، وتحملت ياسمين صمته ونظراته لها لعدة ثوان أخرى موجعة ثم آلمها أكثر تظاهرها بالتماسك فهدرت فيه بدموع أبية ترفض الانهمار

((حسنا ابتعد من أمام الخزانة، أنا من سأخرج ملابسي))

اقتربت بخطواتٍ متثاقلة منه ووقفت أمامه تنتظر أن يبتعد عن الخزانة ويسمح لها هي أن تفرغ ملابسها التي تبقت لكنه ظل ينظر إليها طويلًا بلا تعبير.. وقد كان جمود تعبيره ذاك أبلغ تعبير في حد ذاته لما أراد قوله وفعله بها.. ومع ذلك كان بإمكانه سماع صوت أنفاسها الغير ثابتة، وملاحظة انحناء كتفيها المثقلين وكأنها تحاول تسوية حمل الحزن فوقهما.. تكلم أخيرًا بنبرة قاسية لا تناسب سؤاله

((أين هي البلايستيشن التي اشتريتها؟))

اكتسحها الذهول من سؤاله المباغت والمغاير لما يتحدثان عنه.. هي بالفعل رغم تغلب اعتقادها أنه لن يقبله منها اشترت له البلايستيشن كهدية فراق واعتذار عن ذنبها المعنوي في حقه.. على الأقل هو أضحى أكثر مسؤولية ولن يسمح للبلايستيشن أن تستهلك كل وقته كما في الماضي حيث كان ما إن يبدأ لعبة عليها لا يتركها قبل خمسة وعشرين ساعة متواصلة في اليوم الواحد.. فتمتمت بحاجبين مرفوعين

((كيف عرفت بشأنها؟))

تحركت شفتاه في التواء ابتسامة قاسية وقال بفتور

((عرفت وانتهى الأمر، لقد اشتريتها لي صحيح؟ حسنا الآن عرفت كيف تمشين على الطريق الصحيح لمصالحتي بعد قصك شعرك..))

ازداد ارتفاع حاجبها ذهولا، لوهلة لم تعرف ما ترد عليه فاحتدت نبرته مكررا بجدية ونزق

((أخبريني أين خبأتي البلايستيشن؟ داخل الخزانة؟))

انتابها التوتر لتقول بخفوت وتلعثم

((لا لم اخبأها داخل الخزانة.. ولكن.. ولكن.. ماذا قلت؟ مصالحة؟ هل تعني أن جلبي البلايستيشن هو مبادرة صحيحة نجحت في طريق مصالحتي لك يا مَازن؟ ألن يكون هناك أي طلاق أو فراق؟))

ضاقت عيناه وهما تتأملانها بطريقة غامضة غريبة، قبل أن يرد بنبرةٍ باهتة

((ألم نتفق مهما يحدث لن يرد على لسان أحدنا كلمة "طلاق"! أنتِ لا تلتزمين أبدًا بالاتفاقات))

رفرفت بعينيها حائرة من كلامه وتبعثرت الكلمات في داخلها لكن كان هناك وميض سعادة ينطلق من عينيها البارقتين وقبل أن تكتمل ابتسامتها على ثغرها سارعت تزيلها وتقول متمسكة بالمبادئ

((لكن لن أقبل أن نتصالح ببلايستيشن، أريد أن تنزل عقاب قاسي عليّ، حتى أغفر لنفسي شيئا من ذنبي في سوء ظني بك))

مر طيف متهكم بوجهه من كلامها، وللغريب أنه لم يكن غاضبا عليها أبدًا لسوء ظنها فيه كما لم يلم والده بل لقصها شعرها.. فهو المخطئ الذي لم يتوقف عن وضع نفسه موضع الشبهات أمامهم ويصر على اللهو والمزاح بما لا يليق..

قطبت ياسمين حاجبيها تقول بحزم

((ها أخبرني ماذا تريد أن يكون عقابك؟))

رد مستدعيا ابتسامة غير مرحة

((عشر جلدات على الظهر))

لم تتجاوب معه

((أنا جادة يا مَازن))

زم شفتيه بلامبالاة ثم قال بفتور يصاحبه استفهام

((ماذا تقصدين؟))

أخفضت وجهها متعمدة فرك أصابعها بتوتر ثم همست

((أنزل عليّ أي عقاب لأنه الطريقة الوحيدة التي ستنجح في أن تبدد شيئا من غضبك عليّ وألمك من سوء ظني))

مالت شفتاه مجددا في ابتسامة باهتة وهو يسألها ببلادة

((لا تقلقي على آلامي وأحزاني فأنا يمكنني أن أحولها إلى مزحة وأبددها في لحظة..))

بدأت ياسمين تشعر بالدوار وقد أمسكت رأسها بيدها.. لم يأبه مَازن رغم استغرابه من انكماش ملامحها وكأنها تتألم.. أعطاها ظهره يستدير نحو الخزانة يخرج آخر ما فيها هادرا

((الآن، أخبريني أين وضعت البلايستيشن؟ كم ثمنها؟ سأدفعه لك، فلا بد أنها التهمت كل مدخراتك))

لم تستطيع الوقوف أكثر فمدت يدها نحوه تهمس باسمه شاعرة بوجع رهيب يجتاحها

((مَازن.. ما.. زن))

لم يأبه مَازن في البداية لكن لمسة يدها بظهره سرت كتيار ينبئه بأمر ما، فألتفت نحوها وإدا به يراها تتراخى في وقفتها حتى بدأ جسده يتهاوى.. لا يبدو أنها تدعي ذلك.. فأسرع يتلقفها بين ذراعيه وقد استسلمت للإغماء.. هاله ما رأى وبدأ يناديها بخوف متجردا من أي برود ((ياسمين؟ هل تسمعينني؟ ياسمين ما بك؟))

حملها بين ذراعيه مسرعا نحو السرير ليضعها برفق فيه وأسرع نحو منضدة الزينة ليجلب عطرًا نفاذًا ويتجه به نحو انفها كي تعود لوعيها هامسا

((ياسمين استيقظي))

بقي جالسا بجانبها للحظات بعد أن لاحظ أنها ترفرف بعينيها وهي تحرك رأسها.. آلمه قلبه لحالها وقد كانت تهمهم بكلمات التقطتها أذناه

((مَازن.. لا تتركيني.. مَازن..))

مد يده يلمس وجهها برقة.. فبدأت تفيق وقد فتحت عيناها ليقابلها وجهه المحبب لها.. ابتسمت لرؤيته وهي تلتفت من حولها.. فتكلم بخفوت نابع من توتره

((لقد أغمي عليك، سآخذك للطبيب))

استندت بذراعيها كي تجلس قبالته.. فمال يضع الوسادة من خلفها كي تتكئ عليها.. اقشعرت باقترابه الشديد منها، إلا أنها أجلت صوتها تخبره

((لا داعي لذلك، اعرف سبب الإغماء))

نظر إليها مستريبًا

((تعرفين.. ماذا تقصدين يا ياسمين؟))

وضعت يدها على بطنها تمررها بحنو وهي تناظره بعينين شغوفتين..

كالمنحوتة الحجرية حدق بها مازن بغير استيعاب كأنما ألقت عليه كرةً ثلجية.. ثم ما لبث أن جحظت مقلتاه هاتفًا فيها وقد وضع يده على بطنها

((هل تقصدين ما فهمته؟))

تجمدت ياسمين وبقيت على حالها لوهلة، وكأنها تنتظر منه تفاعلا أو إبداءً لردة فعله أو رأيه عن حملها لترى إذا ما كان عليها أن تؤكد عليه أو تكتمه داخلها بغصة..

أغمض مَازن عينيه وهو يهز رأسه محاولًا أن يجلي تفكيره المشوش ثم ما لبث أن سأل باستهجان عنيف وهو يقبض على أعلى كتفيها

((هل أنتَ حامل يا ياسو؟))

اجتاحها الخوف حقا من ملامحه لكنها اضطرت أن تجيبه فهزت رأسها له بإيجاب فشهق عاليا وتبدلت ملامحه لأخرى تتهلل بالسعادة ليقول مبتهجا وهو يهز كتفيها

((أنتِ حامل يا ياسو أخيرا، أنا لا أصدق أبدًا، أخيرا سنحظى بابن ثاني))

نظرت إليه بعينين كبيرتين بريئتين وهي ترى البهجة تكلل محياه بخبر حملها لتسأله بتردد

((أسعيد بخبر حملي؟ ولكن هكذا ستربط نفسك بي!))

قبّل كلتا وجنتيها هاتفا والفرح يشع من عينيه

((أكاد أنفجر من السعادة التي تعتريني في هذه اللحظة، بأي شهر الآن أنتِ؟))

بدأ يرتجف جسدها فرحة مماثلة له فأجابت

((في الشهر الثالث))

السعادة المجنونة التي اجتاحته أبقت القليل من عقله ليفكر بحوار لهما من الماضي ثم يعاتبها بحنو

((إذن كنت تعرفين بحملك ذاك اليوم، لما لم تخبريني!؟))

نكست وجهها بذنب واعتذرت

((نعم، ومنذ وقتها كنت أخطط لأفاجئك به بطريقة مميزة لا بمثل هذه الظروف السيئة، جلبت زينة وبالونات لأعد حفلا صغيرا بيننا الاثنين أعلمك فيه بحملي..))

بترت كلامها وقد انفلتت منها شهقة عندما حملها بغتة بين ذراعيه يدور بها في الغرفة..

لم يطل بدورانه بها مراعاة لحالها ثم جلس على السرير وأجلسها على حجره يمطرها بقبلات صغيرة تغرق وجهها الذي عادت له حيويته، كتعبير عما يضمره صدره من كلمات حتى أحست بنفسها تطير من السعادة التي تنتابها وتنفرج عنها ضحكات من القلب..

ضمها لصدره هامسا

((لننسى كل شيء ونحتفل بقدوم هذا الطفل، ومعنا وقت طويل سيستطيل شعرك فيه وينسيني ألم قصك إياه))

ألصقت أنفها في تجويف عنقه تستنشق رائحته التي كانت تتخيلها طوال الأسبوع، فالفتات الذي تجود به ملابسه عليها لم تكن تكفيها..

لترد دون أن تقاوم دموعها المتجمعة في عينيها شاعرة بوهن وضعف رهيبين

((حبيبي.. لن أفعل أمرا أندم عليه مرة أخرى ويخص ملكيتك))

ثم انهمرت دموعها لتردف بأنفاس متقطعة

((هل سامحتني حقا؟))

كانت تتنفس بصعوبة بل تشعر بألم نابض في صدرها لشدة ما تركت لمشاعرها العنان دون قيود..

حاولت دفعه بكفها برفق لتناظر وجهه المحبب لقلبها، فاحتضن وجهها بكفه وراح يتلمس عبراتها بإبهامه هامسا بشجن

((ساعات الخوف التي عشتها والذعر من دخول السجن جعلتني أفكر أني لا أريد شيئا من الحياة إلا أن أعود لأحضان عائلتي))

تمتمت له مبتسمة وعيناها تذوبان حبًا له وتعلقًا به

((سأكون لك يا مَازن قلبا يحبك وعقلا يفهمك))

ابتسم لها بحب جارف من عينيه وهدر بمرح

((يسلم لي قلبك وعقلك حبيبتي.. فقط دلليني، وعوضيني، ولا تتوقفي عن ذلك))

ردت على الفور بلهفة

((أبدًا، أبدًا، أبدًا لن أتوقف عن تدليلك))

كانت تهز رأسها نفيًا ببطء والدموع تنساب على وجنتيها بنعومةٍ دون أن تفقد ابتسامتها فوق ثغرها.. وسرعان ما عاد يبثها عاطفته الثائرة بعد جفاء مرير وتحل محل الكلمات الأفعال.. فتستجيب بكل الحب الذي تضمره في قلبها له.. وفقط هنا عرفت أن حياتها مع مَازن هي م تجعلها أنثى قوية.. وهو من تريد قضاء عمرها معه بسبب إدراكه السليم تسامحه ومرحه الكبيران..

=============================

في مجلس النساء.. ارتشفت زاهية من فنجان قهوة ثم قالت لرتيل بنبرة رائقة ودودة

((أنا سعيدة يا رتيل أن علاقتنا عادت كالسابق، ولو أني أعتب عليك لقلة زيارتك لنا، لا تأتين هنا إلا مرة في الشهر! لا تتحجي بمُؤيد فهو يأتي لزيارتنا دائما بلا انقطاع))

لم يكن عتاب زاهية مبالغا به في حديثها فرغم أنها تصالحت مع رتيل وعادت تزورها وتجلس معها إلا أن الأخرى تغيرت تمامًا معها، فمثلا عندما تحدثها بشيء تتظاهر بعدم الانتباه لها، وعندما توجه تعليماتها نحو أمر معين تتجاهله تماما وتفعل عكسه وتقول بأنها لم تسمعها جيدًا حينما قالت ذلك، وعندما تخبرها بالشيء تقول لها بعد فترة أنها نسيت ذاك الأمر، وعندما ترشدها بنصيحة تقول بأنها لا تتبع إلا أمر الأطباء، وهكذا.. بل حتى أنها عندما تستقبلها في بيتها لا يكون الاستقبال بحفاوة.. ومرة تركتها جالسة مع مُؤيد وتعذرت بحاجتها للنوم..

لكن مع ذلك ارتأت تمريره ومعاملة رتيل وكأن لا شيء اختلف.. ربما.. ربما يعود كل شيء كسابق عهده بعد مرور وقت أطول.. ففي نهاية المطاف هي تريد أن تكون علاقتها دافئة مع جميع زوجات أبنائها..

كتمت رتيل زفرة في داخلها وتصنعت ابتسامة لحماتها

((سأحاول عندما يأتي لزيارتكم أن أرافقه أكثر))

أمسكت زاهية علبة مشغولات الخياطة الباهظة التي اشترتها لياسمين لتهديها لها اليوم ثم عبرت لرتيل بما يجول بخاطرها

((سأذهب لرؤية ياسمين، لقد كنت قاسية معها جدًّا بفترة القبض على مَازن، وحملتها الذنب كاملا، عليّ أن أصحح موقفي حتى لا تنكد على ابني، خاصة وأنها حامل))

تطاير شرر قادح من عينا رتيل وهي ترى حرص حماتها على استرضاء ياسمين.. إنها لا تذكر يوما أنها أساءت لواحدة من زوجات أولادها كما أساءت لها عندما علمت بخطئها بزيارات غنوة رغم أنها الوحيدة من بينهن جميعا من خدمتها طوال سنوات زواجها بكل تفاني وإخلاص.. وهذا ما دفعها أن تقرر أن تظل باردة في تعاملها مع حماتها المتسلطة.. التي لم تنسى للآن كيف في الماضي لم يرف لها جفن إلا عندما نغصت عليها حياتها وضغطت على مُؤيد من أجل مسألة الزواج.. بالتأكيد هي لا تحاول اتخاذها كند، فهي أولا وأخيرا والدة زوجها وينبغي احترامها، لكن أبدًا لن تتهاون بعد الآن معها، ولن تعود لتعاملها بنفس التفاني والمحبة كما الماضي بل ستدافع بكل ما تملكه عن منزلها وبيتها وهدوء سرها مع عائلتها الصغيرة.. ولن تفكر أبدًا أن تحكي لها خصوصياتها مع مُؤيد أو تشكي لها حاله إذا ما أخطأ، ليس لأن حماة كزاهية لن تقف معها إلى صفها فحسب بل لأنها ستقوم بإلقاء اللوم عليها فقط، وستكون بمثابة الثغرة التي ستنفذ منها إلى حياتها في المدينة ويصبح لها الصلاحيات للتحكم فيها مثلما تشاء، فمهما بدت لها حنونة وودودة وتريد مصلحتها كما تزعم، إلا أنها لا يمكن أن تؤثر مصلحة زوجة ابنها على مصلحة أحد أبنائها..

جاء فهد بغتة لغرفة المعيشة وبدا وكأنه يريد سؤال أمه عن شيء لكن ما إن رأى جدته حتى تجهم وجهه الطفولي واستدار ليعود أدراجه لولا أن أستوقفه صوت جدته المستاء الذاهل

((فهد، توقف مكانك))

قطب حاجبيه والتفت لها بينما تعاتبه بقلب مجروح

((كيف تدخل هنا وتخرج من دون أن تسلم على جدتك))

حدجته رتيل بغضب موبخه

((عيب عليك يا فهد، أين احترامك لجدتك؟))

ازدادت تقطيبه حاجبي فهد واقترب من جدته هادرا بوجوم

((أنا آسف، السلام عليكم يا جدتي))

تحشرج صوت زاهية وقالت بصوتٍ مطعم بالألم

((ما هذا السلام البارد واللهجة الفاترة، حتى أخاك مثلك لا يسلم عليّ بحرارة في كل مرة تأتون إلى هنا))

بدا فهد غاضبا وهو يميل هامسا لأمه

((أمي هل نسيت ما فعلته جدتي بنا في غيابك عنا؟ إذا نَسِيت فنحن لم ننسى))

اتسعت عينا رتيل لذكره موضوعا لا يصح في هكذا وقت ومكان.. بينما كان الألم يشعُّ من كل جلد زاهية في هذه اللحظة وهي تردد بحشرجة

((رباه هل تحقد عليّ يا فهد أنتَ وأخيك؟ أحفادي يا رتيل يحقدون عليّ))

كانت نبرة زاهية المعذبة لا تشبه شيئا من هدوئها أو وقارها، بل كانت في الواقع نبرة ترتجف بالكثير من المشاعر المتداخلة المتألمة.. حتى أنها ندمت كثيرًا على تلك الأيام العصيبة التي مرت على أحفادها بسبب ضغطها على مُؤيد الزواج بفترة انفصاله عن رتيل..

بينما رتيل لكزت ابنها هامسة بتهديد

((فهد أيها الشقي كم مرة سنتحدث في هذا الموضوع؟ سيقولون بأني من حرضتك عليها ولم أحسن تربيتك.. تبقى جدتك مهما فعلت آنذاك، جدتك ليست الوحيدة كذلك فجميع كبار السن على هذا الحال))

ظلت تعابير فهد في حالة تشنج بينما تطلعت رتيل بهيئة معتذرة لحماتها

((عمتي إنه مجرد طفل، لا يعرف ما يقوله))

لكن ولأن زاهية تعرف براءة الأطفال وصراحتهم وأن ما في قلبهم على لسانهم آلمها أكثر فشعرت بغصة مسننة تحوم في حلقها! لكن مع ذلك تحاملت على الألم الذي يجتاحها وأخرجت من إحدى أجرار الطاولة بقربها مغلفات حلوى لتقول له بحنو فياض

((تعال يا فهد، خبئ هذه الحلوى في جيبك، حصتك وحصة باسم))

كانت زاهية تعبئ جيوب فهد بسخاء وحنانٍ لم يعهده بها معه ثم رفعت كلتا يديها الدافئتين تحتضن وجهه الصغير وتقول بنبرة أقرب للرجاء

((أنتَ حفيدي الحبيب فلا أتحمل أن تكُّن لي أي مشاعر بغض))

ساوره شيء من تأنيب الضمير فنكس عينيه هامسا

((أنا أعتذر لما قلته يا جدتي، لم أقصد ذلك..))

لثمت زاهية جبين فهد عدة مرات قبل أن ينصرف من الغرفة ويذهب إلى حيث يزيد وفهد يأخذون قسط راحة من اللعب بكرة القدم..

أعطى فهد حصة باسم من الحلوى له، وعندما عرض على يزيد أن يأخذ من حصته رفض الآخر بلطف هادرا بعفوية

((جدتي تعطيني دائما من هذه الحلوى حتى صرت أشعر بالتخمة من مجرد رؤيتها))

ضيق فهد عينيه بحنق، لا يصدق أن جدته تعطي يزيد كما هائلا من الحلوى دائما له بل وحصص تساوي ضعف حصته هو وباسم معا منها! لكنه تنهد بعمق، فليس وكأن يزيد له ذنب أنه الحفيد المفضل لجدته، وحاول أن يؤكد على نفسه أن سبب غرامها به إخفاء حقيقته في الماضي عنها لا لأنه ابن عمه مَالك..

بدد كل هذه الأفكار والنظرات من وجهه وطالع بعينيه الفاتحتين الصافيتين ابن عمه المشتاق له منذ آخر زيارة لهم، ليشعر بشيء من النقاء منسابًا بالسعادة والسلام يمنحه له فيناكفه

((إذن أمك ستنجب أخًا آخر لك بعد عبد الله! أنا أغبطك))

مسد يزيد مؤخرة عنقه بشيء من الخجل واحمرار يكسو وجنتيه

((لا أدري! قد تكون بنتا، سأكون سعيدا بكل الأحوال))

ثم لم يستطع منع الحماس أن يستفيض من وجهه الذي تغمره السعادة وهو يشجعه

((لماذا لا تخبر والدك أن تعود للسكن هنا، بعد أن اعتدت رؤيتك في المدرسة وهنا لم أعد أراك لا أنتَ ولا باسم إلا بضع مرات بالشهر))

هنا تدخل باسم ليقول بنبرة قاطعة

((السكن هناك في المدينة أفضل من هنا بكثير، كلنا مرتاحون وخاصة أمي، أخبر أنتَ والدك أن يستأجر بيت بقرب بيتنا هناك))

تراجع وجه يزيد للخلف غير مستحسنا هذه الفكرة

((لا، لا أريد، أحب قريتنا كثيرًا ولا أتمنى أن أغادرها في يوم من الأيام..))

أمسك فهد كتفي يزيد يعاود الاقتراح عليه بلهفة

((إذن انضم لنفس النادي الذي نذهب له أنا وباسم أسبوعيا))

اتسعت عينا يزيد المتلألئتين معقبا

((أتحمس جدًّا عندما تخبرني ماذا تفعل في النادي))

ابتسم فهد له وقال ((هناك الكثير من الأولاد الذين يسكنون في القرى يذهبون إليه، الحافلة تقلهم إلى بيوتهم ولا يواجهون أي مشاكل بالمواصلات))

رد عليه يزيد بتصميم يشوبه الفرح

((سأخبر أبي إذن أن يسجلني به، هكذا سأراك في نهاية كل أسبوع))

.

.

بعد ساعتين.. وبعد أن عادت رتيل مع زوجها لبيتهم ارتدت له بنطالا بسيطا وقميصا بحمالات عريضة تظهر بطنها كلما رفعت يديها قليلًا.. صففت شعرها على جانب واحد، ووضعت زينة وجه خفيفة جدًّا.. على مظهرها أن يكون بسيطا وغير متكلف إذ أنها لا تريد أن تظهر أمامه كامرأة فجة أو سافرة بطريقة يمقتها..

على هذه الليلة أن تكون لطيفة على عواطف قلب مُؤيد.. فهو لا يحب منها أن تتصرف بإغراء وجرأة أو ترتدي ملابس فاضحة أمامه حتى لو أعجبه الأمر بمرات قليلة..

رغم كل شيء عليها أن تتقبل طبيعة مُؤيد وتناقضاته وغيرته ومزاجه في المرأة! هذا طبعه وعليها تقبله ومحاولة أن يكون هو في الغالب المبادر وتكتفي من جهتها أن تظهر له الاهتمام والتجاوب.. ثم هي تعرف بثقتها العالية بنفسها أنها ودون جهد وعفوية تكون امرأة مغوية، ولا تحتاج لما يزيدها..

حينما توغل مُؤيد غرفة النوم سارعت تطفئ الإنارة ولم تترك إلا الأباجور مشتعلا بنوره الساحر دون أن تنظر إليه.. بدأ مُؤيد يغير ملابسه وهو ينظر لها باكتراث إذ أنها تنجح في إبقائه دائما في حالة ترقب وتحفز كيف ستبدو له في كل يوم وليلة.. ثم سألها بعفوية

((هل العشاء جاهز؟))

ردت عليه بتريث حتى تساعده في نزع ملابسه

((سأضعه بعد أن يستيقظ الولدان من قيلولتهم!))

استلقى مُؤيد على السرير وهو لا يزال يطالع زوجته بمزيجها الأخاذ من الأنوثة الطاغية والقوة الجذابة ثم طبطب بيده على المكان القريب منه يدعوها للجلوس بجانبه.. فابتسمت بنعومة واستلقت بجانبه فشدها له وهو يحاوط كتفها بذراعه..

بدأت بمداعبة كفه بإبهامها كما يحب وتتحدث وتطلعه على ما يجري من حوله وتسرد عليه ما يهمه من الأخبار التي وصلتها.. وهو فقط يستمع لها في وقتهم الخاص الذي خصصاه لهما لساعة أو اثنتين في كل يوم.. فيعيشان فيه بعالم مختلف ومميز حيث يتعامل فيه معها كحبيبة وصديقة يتبادلان الضحك والكلام وتتحرر علاقتهما من أي قيود تقليدية تثقل كاهلها!

حتى أخبرته بغتة

((أخبرني عن عملك قليلا، كيف هو هذه الأيام؟))

هز كتفيه وهو يقول ببعض الملل

((عملي طويل ولا تغير فيه))

مالت نحوه على مهل دون أن تحيد بعينيها عنه وقبلت وجنته هادرة بعبث

((لدي طريقة تزيل تعبك؟ ها.. ماذا قلت؟))

برقت عيناه بتجاوب واضح وانحدرت عيناه إلى شفتيها واستطاعت أن تلمح اهتزاز حدقتيه واحتقان اللون رغبة.. فضحكت ضحكة قصيرة عذبة وهي تخفض وجهها، لكن مُؤيد لم يتجاوب مع ضحكتها بل غير دفة الحديث هادرًا بهدوء مخادع

((لقد عرفت أن كلتا زوجتا أخي مَالك ومَازن حاملان))

أومأت له رتيل وعقبت بتكاسل

((كنت أعرف سابقا بشأن سمية، مبارك لهما))

انقلبت ملامحه للاستياء واحتج

((مبارك! فقط مبارك! ولماذا لا تحملين أنتِ أيضًا يا هانم؟ ماذا ينقصك؟ والله عيب في حقي أن يكون لشقيقيّ أطفال أكثر مني، كم بات عمر باسم؟ ألم يحن الوقت لابن ثالث!))

تصلبت عينيها قائلة وهي تعتدل جالسة على السرير

((مُؤيد إنجاب الأطفال ليس وسيلة لإثبات الرجولة والفحولة، وإذا كانت هذه هي فكرتك عن الأطفال فأنا لست مسؤولة عن تحقيق أحلامك))

قطب حاجبيه بقوة وتساءل

((ما الذي تقصدينه؟))

كتفت رتيل ذراعيها وقالت دون مواراة

((أقصد أني الوحيدة التي أتولى شؤون أولادي من كل النواحي، وبصراحة قدراتي لا تسمح بطفل ثالث، هذه حدود طاقتي، لو كنت تساعدني في تربيتهم لما اعترضت))

سخر مُؤيد بتهكم ساخط

((أساعدك؟ كيف أساعدك؟ هل تريدين أن أترك عملي واجلس أنا لأذاكر للأطفال وأطعمهم وأتسوق لهم!))

صححت له وهي ترفع إحدى حاجبيها

((كنت أقصد أن تساعدني في تربيتهم أيضا.. يعني صرت تقبل وتسمح لباسم وفهد الاختلاط بأولاد الجيران والذهاب للنوادي، وتصحبهم معك للخارج، ولكن لا أراك تحاول أن تعتبرهما كأصدقاء لك فتحاورهم وتستفسر عن مشاغلهم سواء في الدراسة أم ما يهتمون بفعله))

زمّت شفتيها ثم غمغمت مردفه

((يزيد شخصيته أقوى من شخصية ابنك لأن له أب يعتبره كصديق يستمد القوة والأزر منه))

شد خصلة من شعرها هاتفًا وعيناه تبرقان بالغضب

((لا تقارنيني بمَالك! أنا لم أخفي وجود أولادي على الأقل سبع سنوات!))

هزت كتفيها وقالت

((نعم أعرف أنه ليس مثالًا لأب مثالي يحتذى به، ولكن خذ يا أخي منه الأمور الجيدة..))

لوى فمه بابتسامة وسخر ((حسنًا يا أختي))

تغنجت رتيل بكتفها لترمي شعرها الطويل على وجهها وكانت راضية تماما عما جرت عليه محادثتهما..

=============================

في منزل عائلة نورين..

كانت ريحانة والدة نورين في المطبخ بينما مُصعب وابنتها وحفيدتها على طاولة الطعام يأكلون من الأطباق الشهية التي أعدتها لهم، لا تصدق أنه هذه هي آخر دعوة قبل سفرهم، حتى لو كان سفرهم مؤقتا، لكن يظل ابتعادهم أمرا محزنا، خاصة وهي الآن تستذكر كل الذكريات الجميلة التي عاشتها منذ قدومهم للبيت.. إنها منذ الأيام السابقة وهي تبتهل وتناجي الله من أعماق قلبها أن يحفظهم في سفرهم في كُل خطوةِ يخطوها، ويعودوا إلى البلاد سالمين بلا أي شر..

رفعت نورين وجهها تراقب تحركات والدتها المحمومة في أرجاء المطبخ، رغم أنهم جميعا يكادون يختنقون من فرط ما ألحت بإصرار ميؤوس منه عليهم أن يأكلوه.. فانتصبت واقفة ثم اتجهت لأمها تجبرها على الجلوس معهم على الطاولة

((أمي يكفي، لقد امتلأت بطوننا رغم أننا سنذهب بعد قليل لعائلة مُصعب وهناك سيجبروننا أيضًا على الأكل في الحفلة الصغيرة التي سيقيمونها))

ابتسمت ريحانة بضعف وطبطبت فوق يد ابنتها وشرعت تأكل من الطعام الذي أعدته، ولكن لم يمنعها هذا أكثر من مرة من إعداد لقمة لتسدها في فمها فلم يكن من نورين إلا أن تمضغها مبتسمة..

لكن ريحانة لم تتوقف بل بدأت بين اللحظة والأخرى تقوم بغمس الخبز في الطبق وإعداد لقمة أخرى بأناملها ولكن لمُصعب الذي لم يقدر إلا أن يطيعها ويفتح فمه لينار وجهها بالفرحة، وتسرع في إعداد قطعة أخرى تناوله إياها ثم تتبعها بأخرى حتى أوقف أناملها الممتدة هامسا برجاء وتهذيب

((أنا أشعر بالتخمة يا عمتي، يكفي، لم تأكلي شيئا))

لكن ريحانة لم تستسلم بل ظلت تمد أناملها له وهي تقول بلهفة ممزوجة بالدفء

((بل أكلت يا بني، المهم أنتَ))

أطاعها مرة أخرى تحت إلحاحها أيضًا لكنه أسرع يوقف حركتها حين وجد أنها تستعد لإعداد قطعة أخرى له معترضا بما يشبه البكاء الدرامي

((والله شبعت يا عمة، يكفي!))

ضمت ريحانة شفتيها أسفا تتوقف حركة أناملها بإحباط لم يحتمله هو، ليشرع فورا فى إعداد قطعة من الطعام يقربها إلى فمها هادرا برقة

((كلي شيئا أنتِ يا عمة، أنتِ بمقام أمي))

التمعت عينا نورين بسعادة وغبطة، إذ لم تتخيل يوما أن تكون علاقة من ستتزوجه متينة لهذا الحد مع والديها، حتى والدها لم يكن يريد الخروج لعمله والبقاء هنا لتودعيهم لولا أن استحلفه مُصعب ألا يتوانى عن الذهاب لعمله من أجلهم!

انتبهت نورين لأمها تتوسل مُصعب بصوتٍ باكي وهي تتشبث بذراعه

((أرجوك اهتم يا مُصعب بابنتي وحفيدتي وضعهم في عينيك هناك، ليس لدي ابنة غيرها))

احتضن مُصعب كلتا يدا أمها بكفه وهو يطمئنها بدفء

((لا تقلقي يا حماتي العزيزة))

ثم لثم جبينها يزيد في بث الطمأنينة فيها.. بينما أمها تمسك ملك الصغيرة وتداعبها للمرة الأخيرة قبل السفر..

لقد زار مُصعب سابقا أصدقائه وزملائه ليكون آخر العهد بينهم كلمة طيبة ودعوة صادقة، وهناك من أقاربه البعيدين من اتصل للسلام عليهم وإعلامهم بسفره.. والان اجتمعوا في قصر الكانز حيث أصر إخوته أن يقوموا بحفل صغير قبل مغادرتهم.. حيث غمر الجميع مُصعب بالحب والعاطفة ومشاعر الإخوة الصادقة حتى تحشرج صوته من فرط التأثر..

وفي نهاية الحفل ودع مُصعب كل إخوته وذهب يوصله مُعاذ برفقة والديه فقط للمطار.. وعندما حان وقت حضور طائرته رفعت نورين حقيبتها خلف ظهرها وحملت ملك جيدا بينما وضع مُصعب الحقيبتين فوق أرضية المطار المصقولة يستعد لجرهم هادرا

((ها قد حان وقت طيارتي، إلى اللقاء جميعا))

ولكن قبل أن يستدير هتفت أمه فيه بصوتٍ متحشرج

((انتظر يا مُصعب، عانقني قبل أن تغادر))

لاحت ابتسامة حنو على ثغر مُصعب دانيًا من والدته يعانقها فيما يعقب مُعاذ فيما يشبه الدعابة

((أمي هذا العناق العاشر الذي تغمريه لمُصعب))

أطبقت زاهية عينيها بقوة، وتطويقها له كان قويا للغاية.. ترتعد لا تتحمل فكرة غيابه..

طال الأمر بهما لدقائق حتى خشيت نورين رغم تأثرها بالمشهد أن يفوتهم موعد الرحلة والركاب بدأوا الصعود للطائرة بالفعل..

حاول يعقوب ردع زوجته بصوتٍ مبحوح وقد تأثر لرؤيتها في هذا الحزن الموجوع

((يكفي يا زاهية، يكفي عناقا))

أخذت دموع زاهية تهطل وتسيل وهي تهمس بشهقات أقرب للأنين يكاد وجعها على سفر مُصعب ينحر قلبها

((دعني يا حاج، دعني أودعه في لحظاته الأخيرة قبل السفر))

ونفس الشيء كان مُصعب يشدد من احتضانها مغمغما

((دعني يا أبي أشبع منها قبل أن تقلع الطائرة))

وبصعوبة أبعد مُصعب وجهه قليلا عنها وطبع شفتيه على جبهتها برفق ثم أحاط وجهها المبلل بكفه مُدللًا وكأنما يحادث ابنته الصغيرة لا أمه العجوز

((سيمر الوقت سريعا يا أمي وسأعود أنا وزوجتي وملك))

همست زاهية بصوتٍ مختنق وهي تريح يدها فوق قلبها كي تهدئ من خفقاته المتوجعة

((الكلام سهل يا مُصعب، لكن ماذا سأفعل به عندما تغادر وتبتعد عنا لسنين!))

أوشكت زاهية أن يغمى عليها من فرط حزنها على سفر مُصعب، وانعقد لسان يعقوب من حال زوجته لكنه تحامل وحثها على تحرير مُصعب رغم ألم قلبه

((قلت لك يا زاهية سأفرض عليه القدوم هنا كل سنة))

تطلعت زاهية لزوجها فاقدة للسيطرة ليتأجج صوتها

((وهل ستغني هذه الأيام القليلة عنه طوال باقي أيام السنة يا حاج، افرض عليه إلغاء السفر وحسب))

عقد مُعاذ حاجبيه وهو يرى أن هذا الموقف يأخذ منحنى آخر غير متوقع خاصة وأن النداء على ركوب الطائرة التي اقترب موعد إقلاعها يصدح حاليا..

أمسك مُصعب ذراع والدته يستنكر كلامها برفق ولين

((أمي ماذا تقولين! كيف ألغي رحلتي فجأة..))

لكن زاهية ألحت عليه بنبرة تقطّع القلب

((أنا جادة يا مُصعب، لن أتحمل البقاء بعيدة عن مَلَك أيضًا، يوجد هنا الكثير من الجامعات التي ستتيح لك إكمال الماجستير هنا في البلاد، لا تغادر، بالكاد أتحمل مكوثك في بيت غير بيتنا فكيف سأستوعب فكرة سفرك لسنوات))

اهتزت حدقتا مُصعب ونكس وجهه الذي يضج ألما بينما زاهية ترفع يدها لتلامس وجنته تكرر رجائها عليه

((يا حبيبي ألغي فكرة السفر وأبقى هنا))

حاول يعقوب أن يحثها برفق وتعاطف

((زاهية لا تضغطي على الولد، حان وقت إقلاع طيارته، ألم توافقي على سفره مسبقا!))

ردت عليه هاتفة بوجيعة متأكدة من أن لا أحد فيهم شاعرا بعذابها أو بأمومتها

((بالله عليك يا حاج أقنعه أن يلغي السفر، بالله عليك..))

أغمض يعقوب جفنيه يستحي من دمعة أبت أن تغفله وتهطل من التأثر وألم لحظة الفراق.. ارتجاف صوت زوجته يذبح قلبه، إذ أنه كان السبب بعيشها فترة مؤلمة عندما شجع مَازن للسفر للخارج ثم ألزمه البقاء هناك، وها هو يجعل زوجته تعيش الألم مرة ثانية بالسماح لمُصعب بالمغادرة.. ففتح عينيه يهتف بحزم لمُصعب رغم تذبذب صوته

((مُصعب ابقي هنا، لن ينتهي العالم لو لم تدرس في الخارج، وزوجتك دعها تبحث عن تخصص آخر متاح هنا لتدرسه ووعد عليّ أن أتكلف بكل قرش ستدفعونه، نحن بلغنا من العمر ما لا يسمح لنا بافتقادك كثيرًا))

جحظت عينا نورين وأسرتها الصدمة كما مُعاذ، أما مُصعب ففغر شفتيه ثم اعترض بعدم استحسان لما قاله والده ((ولكن يا أبي..))

لوح يعقوب بيده يحسم النقاش

((اعذرني يا مُصعب، لا يهون عليّنا ابتعادك، يمكنك السكن ببيتك بدلا من السكن عندنا ولكن بدون سفر..))

تأثر مُصعب بصوتٍ والده النادر فوجد نفسه يبتسم بشحوب واقعا تحت تأثير العدول عن السفر، مؤكدا

((حسنا أبي، لن نسافر سنبقى هنا))

ازدادت الصدمة على وجهي نورين ومُعاذ، وما إن صدح صوت النداء الأخير لطائرة مُصعب حتى لكزه مُعاذ هاتفا بخشونة

((هل جننت يا مُصعب! اسكت، اسكت، طيارتك ستقلع هيا معي..))

اعترض مُصعب معترضا بصوته المتحشرج

((ولكني لا أتحمل دموع أمي وأبي..))

قاطعه مُعاذ ناهرًا إياه وهو يجره من مرفقه مبتعدا

((امشي، امشي، ستدعي علينا جميعا عند غياب تأثرك من هذا المشهد العاطفي بعدما تفوتك الطائرة))

تطلع مُصعب عاقد الحاجبين بوجع لوالدته المتألمة بينما يسحبه مُعاذ للخلف وهو يجر الحقيبتين ونورين تحمل الطفلة وتحاول إدراكهما حتى انفصلت يد أمه المتعلقة بكف مُصعب شيئا فشيئا.. فمسحت زاهية بالمنديل دموعها ولأنها لم تكن تريد أن يكون المشهد الأخير بينها وبين مُصعب مشبعا بالألم وجدت نفسها تبتسم رغم الوجع وترفع يدها مودعة إياه هاتفة

((سأتضرع لربي أن يحفظك يا مُصعب ويردك لحضني سالم غانما، أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه))

وشيئا فشيئا بدأ ثغر مُصعب يرسم ابتسامة ثم يلوح لها قبل أن يستدير للخلف ويساعد مُعاذ في مسك حقائبه..

مالت نورين بصغيرتها نحو مُعاذ التي شعرت أنه يريد تقبيلها ففعل ثم قال لأخيه مربتا فوق ظهره بخشونة

((اهتم بعائلتك الصغيرة جيدا يا مُصعب، السلام عليكم))

تنحنح مُصعب يجلي صوته المبحوح ثم ودع أخيه بامتنان.. فعاد مُعاذ لوالديه متمنيا أنه لم يحضرهما معه فلحظات الوداع قبل السفر صعبة، وجعلت الجميع ينتابه مشاعر متضاربة ومتشحة بالدموع والرجاء بإلغاء السفر.. وهناك وقف بجانب أمه التي عادت للبكاء بينما يطبطب على ظهرها زوجها، فلفتها مُعاذ بعتاب رقيق على أنَّه لم يكن عليها أن تودع مُصعب بالدموع، بل بالابتسامة والبشاشة وتهوين الأمر عليه وإشعاره أنَّه سيعود لهم سالمًا مُعافى، مبينا أن ذلك من شأنه أن يرفع معنوياته، وبالتالي يغادر وقلبه مليء بالإيمان والأمل..

فأومأت زاهية له مستشعرة خطأها لتقول بصوتٍ متهدج من البكاء ورافعة يديها للسماء

((حرسه الله ورعاه وكلل مسيرته العلمية والأدبية بالنجاح الدائم والمستمر))

=============================

انتهى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...