الفصل 92 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثاني وتسعون 92 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
14
كلمة
8,676
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الأربعون ((ما قبل الأخير))

في الغرفة الصفية..

مسح مَالك على صفحة وجهه يحاول دفع الإجهاد عنه ونسيان ما حدث بينه وبين سمية مُؤخرا والتركيز في إعطاء مقرر المادة التي يُدَرسها للطلاب..

بدأ يكتب على السبورة الأسئلة قبل أن يشعر بوخزة على ظهره ناتجة عن ضربة قلم ألقي عليه من الخلف.. تلاها مباشرة سماع صوت ضحكات مكتومة من الطلاب!

عضَّ مَالك على شفتيه بغيظ وهو يشد قبضته الممسكة بالقلم اللوحي!

حسنا.. لا ينكر أنه بسبب ما يمر به من مشاكل عاطفية كان نزقًا في الحصة الصيفية وعصبيًا ويرهقهم بالواجبات المنزلية والتمارين كلما أزعجه أحد بكلمة! لكن أبدًا لا يحق لأحد منهم أن يقلل من احترامه ويرميه بالقلم كما حدث منذ لحظات، خاصة أنهم بالمرحلة الثانوية ولم يعودوا أطفالًا..

جحُظت عينا مَالك بخطورة واستدار للطلاب الذين سارعوا بمسح علامات الشماتة والسخرية من وجوهم وادعاء البراء..

ابتسم مَالك بتشنج لهم ابتسامة ما قبل العاصفة.. وقرر أن يتظاهر أنه لم يأبه أن أحدهم ألقى بقوة القلم على ظهره.. فأظهر هدوءً بالغا دون انفعال.. ثم فاجئ طلابه

((كنت أريد كتابة أسئلة مهمة لامتحان الغد للتسهيل عليكم، لكن قررت أن أتراجع وأكلفكم الآن بامتحان مفاجئ آخر غير امتحان الغد.. هيا أخرجوا أوراقكم..))

أصدر جميع الطلاب شهقة مذهولة غير مصدقة، وهمهمات امتعاض وحنق وقبل أن يعترض أحدهم، قال مَالك دون أن تنحسر ابتسامته الشريرة

((هيا يا أعزائي أخرجوا الورقة، كل دقيقة تمر في النقاش أو الصدمة ستخصم من وقت الامتحان))

أخرج الطلاب بقهر وإحباط أوراقًا فارغة بينما جميعهم يتطلعون في وجه الطالب الذي ألقى القلم على مَالك بعدوانية ولوم، فعرف مَالك هوية الطالب المذنب ليصدر صوتا متهكمًا.. لكن لم تكن عنده أي نية لعقابه هو دون الباقي.. فقد كان البقية يغطون فعلته..

حتى أن واحدًا من الطلاب نبهه بفظاظة حانقا

((أستاذ ألم تقل بأنك ستخصم علامة لأي شخص يتحدث لأكثر من دقيقتين باللغة العربية بدلا من الإنجليزية! هيا اخصم علامات لنفسك))

ازدادت ابتسامة مَالك المستفزة اتساعا وهو يقول

((لا أملك دفتر علاماتي، لكن ربما قد أعلم المدير أن يخصم من راتبي دينارا واحدا فقط))

استدار مَالك للسبورة وبدأ يكمل كتابة الأسئلة على السبورة بينما يكتب من خلفه باقي الطلاب بوجوه متكدرة قبل أن يجد نفسه يغمض عينيه وهو يشد على أسنانه معيدا التفكير بما يفعله..

رغم أن الطلاب جميعهم يعرفون أنه لا يتردد في إنزال عقوبات جادة على المخطئ منهم ولا يتهاون في ذلك، إلا أنه لم يكن أبدًا أستاذا لئيمًا.. بل على العكس دائما يحدثهم ككبار ويخبرهم أنه يحترمهم ويثق أنهم مجتهدين ويسمح لهم بما يرفضه باقي المعلمون من حرية تناول الطعام والشراب ويحرص على الاستماع لآرائهم فيما يخص أمور الدراسة أو المدرسة.. ولا يريد الآن أن يفرغ عليهم غضبه بسبب مشاكله العاطفية مع زوجته أو ما مر به من وقت عصيب أثناء احتجاز مَازن.. أطلق نفسًا عميقًا مستغفرًا ثم قال لهم حنو

((هذه هي الأسئلة التي سنناقشها في حصة اليوم من أجل امتحان الغد.. لقد تراجعت عن الامتحان المفاجئ))

=============================

وقفت ياسمين أمام المرآة صامتة، الإعياء واضح عليها، عينيها أحيطت بهالات تعب، العذاب غشي على وجهها لتظهر كوردة ذابلة..

لم ترهقها أي مخاصمة أو مقاطعة لمَازن لها في حياتها بقدر هذه المرة.. ربما لأنها تعرف أنها ستؤدي للفراق لا محالة..

ضجت ملامحها بوجع لا يطاق وآلمها قلبها لفكرة الفراق بل شعرت به يذوب اكتواءً بنيرانه..

رباه كيف ستتكيف مع ألم الاشتياق له وفقده عندما ينفصلا! كيف ستبتعد عنه وهي تشعر أنها مشدودة له وجدانيًا، وموصولة بشرايينه كيانيًا!

فليلة الأمس كانت ليلة أخرى لم تحتضن أهدابها مقلتيها وهي تراه ينام على الأريكة تاركًا إياها تتجرع جراح الوحدة وقسوة العتاب فتحكي دموعها على وسادتها قصة هجران حبيبها وزوجها..

اتجهت نحو الخزانة وألقت رأسها داخل رفوف ملابسه كما تفعل بالعادة عندما تتعلل ببحثها عن شيء داخلها وتكون في حقيقة الأمر تستنشق بقايا عطر رائحته الحاضرة تتسول لذلك الألم بين طيات روحها..

صفعها صوت فتح الباب وانتزعها من هواجسها فالتفتت لتجده مَازن يغلق الباب خلفه ونظراته تنطق بالغضب والحنق..

تنحنحت حنجرتها بحثا عن كلمات تسعفها لمحاورته

((هل تريد شيئا قبل الذهاب لعملك يا مَازن؟))

طالعها باستنكار وتحقير لسؤالها المهتم فتابعت تقول وارتجاف صوتها يعكس تخبطها

((والدك أخبرني أن أسألك ماذا تحب أن تتناول على الغداء نهار اليوم بعد عودتك))

رسم ابتسامة صغيرة يقول كمن يكلم نفسه

((لا أصدق أن والدي هو من أرسلك، لقد تغير))

ازدردت ريقها لتغير دفة الحديث دانية منه

((ربما أساعدهم في صنع الغداء، ماذا تحب أن تأكل؟))

قوّس مَازن حاجبيه ومال بوجهه إليها هادرا بصوتٍ ممتعض رغم انخفاض نبرته

((أتعرفين؟ لم تعد تطاق محاولاتك للتحدث معي كأن لا شيء بيننا..))

نغزها شعور الألم البالغ معاودًا الخيبة على هيئتها لأن بالنسبة لها مفاد كلامه أن صبره نفذ وحان موعد الفراق.. ومع ذلك نظرت بعينين معذبتين إلى وجهه تحاول التحلي بالصمود، أما هو فازداد تجهم وجهه بغضب بارد مشيحا بنظره عنها حتى لا يصب عليها جام غضبه المستعر بداخله أكثر.. لكن ولأنه ليس كل يوم يتم أخذ رأيه عما يفضل على وجبة الغداء.. سارع يجيبها بحزم ما إن همت تغادر مسرعة من أمامه

((ياسمين، أخبريهم أن يصنعوا لي على الغداء ورق عنب لعلي أتسمم منه وأموت))

تمتمت بوجيعة عليه

((كفى الله أي شر عنك))

لكنه عاد ينظر لها بترفع آذّى قلبها ثم جهر بصوت أعلى

((ولا تنسي أن تعدي قمر دين مسموم أيضًا، حتى أخلص من هذه الحياة معك، أريده مثلجا وكثير السكر))

غاص قلبها في صدرها وخفت تسارع نبضاته فانسابت شكواها الهامسة

((لا تدعي على نفسك بهذا الشكل، فهذا يؤلمني، وسيؤلم هدى أو عائلتك لو سمعوك))

قاطعها زاجرا إياها بفضاضة

((وما شأنك أنتِ بما أدعو به! هل نسيتِ ما فعلتيه بحقي؟ إذا كنتي نسيتِ فسأذكرك..))

ثم اقترب منها بخطوات متسرعة، يبعد غطاء رأسها بيد وبالأخرى يهوي بشعرها القصير بخفة لا تخلو من الازدراء هادرا بحرقة قلب

((ها.. شعرك الذي لا يتعدى كتفك هو خير دليل عليه))

ثم نظر في عينيها بانفعال مكملا

((إلى الآن لا أصدق عمق الغدر الذي تلقيته منك يا ياسمين.. شعرك! شعرك! حرام.. حرام وموجع ما أعيشه.. ابتعدي عني الآن لأني لا أعرف كيف أستطيع تقبلك بشعرك القصير البشع هذا!))

ساد الصمت بينهما طويلًا ثقيلًا وهو يحدق في رأسها المنكس وتهدل كتفيها خزيا عسيرا وذنبا كبيرا ولسان حاله ينطق بيأس.. فبارح الغرفة كعاصفة هوجاء دون انتظارِ ردٍ منها صافقا خلفه الباب بعنف ارتجت له الجدران.. لتهوى بعنف أرضا تتحصن بذراعيها المحتضنتين لجسدها.. تذرف الدموع المرار لتتحول لنحيب مرير.. تصارع الاختناق الذي يكتم أنفاسها بعد كل عتاب جارح يرميه عليها..

أما هو فظل في الخارج واقفًا عند الباب متجهم الوجه، غاضب منها حدًّ الجحيم.. إنها حقا تتعامل معه كما لو أنها لم تخطئ بحقه وتحرق قلبه على شعرها بدون حتى أن تحاول أن تسترضيه وتطلب السماح منه مع وعد تضمن له فيه عدم تقريبها المقص مجرد تقريب من شعرها!

حسنًا، ربما حاولت مرة أو مرتين بمحاولات باهتة أن تطلب السماح منه وهو من صدها.. لكن لو كانت حقا آسفة ونادمة على قصّ شعرها لم تكن لتستسلم من أول مرة يتعنت فيها.. لقد خيبت ظنه فيها.. هي لا تحبه.. لو أحبته لبذلت كل جهدها لتحاول أن تستسمحه.. فلم يكن قليل ما فعلته.. لقد قصت شعرها! شعرها الذي توسل لها كثيرا ألا تمسه بأي سوء..

ضيق عينيه جنونًا للحظةٍ قبل أن يهمس بحقد

((لا الأفضل ألا تطلبي السماح، فعندما يصل يا ياسمين الأمر لشعرك فلا وألف لا، لا شيء قادر على جعلي أسامحك ولا أظن أن الزمن قادر على شفاء جرحي من فعلتك..))

=============================

أخذ مُؤيد رتيل إلى أحد الأراضي الصحراوية تلك التي اعتاد الذهاب لها مع مُصعب أحيانا ومع أصدقائه أحيانا أخرى لتناول عشاء عربي تراثي والقيادة بدراجاتهم على الكثبان الرملية لإتاحة المكان الحرية لهم في طرقه المفتوحة، وتوفيره إطلالات مذهلة على المنحدرات والواحات الصحراوية..

كان مُؤيد قد استغل فترة ما قبل الظهيرة التي يتأكد من قلة توافد الناس إليها ثم أوقف سيارته ليترجل منها ودعا رتيل لتنضم له.. فأغلقت السيارة بقلب يتراقص وقالت وهي تتمعن النظر فيما حولها والهواء العليل ينعشها

((هل هنا سنقود دراجتك يا مُؤيد؟))

أخرج مُؤيد من صندوق السيارة الخلفي دراجته الضخمة ووضعها أرضا مجيبا

((نعم هنا، هيا اعتليها))

لكن وقبل أن تفعل ألبسها الخوذة ثم طلب منها أن تخلع الحذاء الذي تنتعله.. رفرفت عينيها باستغراب وفعلت ما طلبه لتجده ينكب على ركبته ليلبس قدمها الحذاء الثقيل الخاص بالدراجين بنفسه.. تخضبت الدماء بوجنتيها من تصرفه الرقيق اللبق واهتمامه بسلامتها..

صعد مُؤيد على الدراجة وارتدى خوذته هو ثم شد ظهره بينما يشعر برتيل من الخلف تحتضن عضلاته القوية بذراعيها، لتريح رأسها على ظهره..

شغل محرك الدراجة لبعض الوقت وقد علا الصوت بزمجرة في الأجواء كمن يثبت وجود مصدره، ثم بدأ يقودها بينما رتيل تدريجيا ترخي من نفسها حتى تسرح في درب الاستمتاع أكثر، شاعرة أنها جزء من كل شيء من حولها..

وحتى مؤيد كان يشعر بإحساس الحرية أثناء قيادته الدراجة في الهواء الطلق على عكس قيادة السيارة التي يجد نفسه محتجزًا داخل غرفة معدنية.. وهذا ما جعله أثناء تعرضه لذاك الحادث المؤلم مرتين وإصابة كسر قدمه على إثره أن ينتظر شفاءه بنفاذ الصبر فقط حتى يعود لقيادة دراجته هوايته التي يعشقها..

لكن إحقاقا للحق فهو لم يشعر بمقدار هذه السعادة التي تختلج كيانه وروحه وقلبه على حد سواء قبل هذه المرة.. والسبب أن رتيل معه الآن.. لطالما تمنى أن يقود دراجته مع فتاة أحلامه وتشاركه شغفه في مثل هذا المكان الذي شكل له قصة عشق، وتنبض تفاصيله بالحياة والإلهام حيث قضى فيه أجمل أوقات حياته..

أما رتيل فقد كان يغمر قلبها في هذه اللحظة لذة البهجة، وروعة الاكتشاف، وبدأت تعي أن مُؤيد ليس أبدًا كما كانت تظن عنه، بل مختلف تماما، ومميز في اختلافه، خاصة وقد تحرر من معظم تلك الصفات المتزمتة والمتحجرة التي تسكنه.. لقد اكتشفت عالمه لأول مرة وشعرت أنها قريبة منه وشغوفة به.. كأنه ليس زوجها وحسب، بل صديقها منذ الطفولة، وعشيقها منذ الأزل..

طوقته أكثر بذراعيها بينما تسمعه يحكي لها عن بعض مغامراته مع أصدقائه هنا عندما كانوا يتسابقون لتشعر بنفسها تسبح أكثر وأكثر في غمرة الأحاسيس المتصاعدة داخلها، ولم يسبق لها أن اختبرتها، رغم أنها صعدت فوق الدراجة مع غنوة عشرات المرات..

همس مُؤيد لها بعاطفة وهو مستمتع بتطويق ذراعيها حوله من الخلف بقوة

((مستمتع أنا بالوقت الذي أقضيه معك ومشاركتك لي الشغف يا فتاة أحلامي))

ذهلت رتيل بأنفاس متقطعة من كلماته في هذه الأجواء المثيرة للدهشة، ثم همست له بصوتٍ سكنه الشغف والحب لأول مرة

((وأنا أحبك أكثر، يا فتى أحلامي..))

ظلا يثرثران.. يتغازلان.. كبطلين أطلا من كتاب للقصص الأسطورية..

تغير كليا معها بمجرد أن سمح لها أن تدخل عالمه الخاص.. وقد فتح لها غرفه المغلقة في عقله وكشف لها عن رغباته الخفية، بعد أن شجعته أن يخبرها بكل ما يحدث في خياله الجامح ويشاركها إياه..

تنفست رتيل الصعداء وبعض خصلات الشعر الشاردة من حجابها تتطاير في الهواء الطلق ثم تراخت ذراعيها من حول مُؤيد وتدريجيا فردتهم حتى صاروا على مستوى أفقي، ثم أغمضت عينيها كالطير الذي يحلق في الأفق ويطير في الأجواء بجناحين مبتعدا عن كل ما حوله.. رباه ما أحلاه شعور الحرية..

وما إن فتحتهما بعد لحظات حتى نزعت الخوذة عنها ليقطع عليها مُؤيد هذه الحالة الحالمة هاتفا

((لا أريد أن أفسد عليك تجربتك لحالة الفروسية الرومانسية الهوليوودية، ولكن أعيدي الخوذة فوق رأسك))

اعترضت له بدلال

((هل هي ضرورية يا مُؤيد؟ لأني كنت أجربها مع غنوة بدون أي سترات واقية وخوذ))

نطقت أمر غنوة عفويا بلا شعور أو انتباه منها، وبوضع آخر كانت سيرة غنوة لتكدر الأجواء بينهما وتفسد سعادتهما، ويبدأ الاثنين باستحضار ذكريات من سيرة الماضي وإعادة صفحات العتاب والمواجهات والاتهامات لبعضهما.. لذا ارتأى مُؤيد الآن أن يتقبل فقط حقيقة أن غنوة كانت جزء من حياة زوجته ولسنوات أحب ذلك أو لا.. فانتزع نفسه من صخب أفكاره وهتف فيها بحزم وهو يقلل من سرعة الدراجة

((لا يا رتيل، عندما تعتلين الدراجة النارية يجب عليك أن تسيري وفق معايير الأمن والسلامة، فإن لم نلم بهذه النصائح والمعايير سوف تتحول هذه الدراجة لنا من هواية إلى وحش يحصد أرواحنا ويؤذينا))

أوقف دراجته تدريجيا ثم نظر للخلف من فوق كتفه لوجهها الذي يستبد الاستغراب به لكلماته..

فمالا تعرفه رتيل أنه وإن كان معروف عنه الرعونة والتهور إلا أنه في مسألة الدراجة يتعامل معها بحكمة وتروي، فلا يقودها إلا بطرق مفتوحة بعيدا عن الأزمات المرورية أو مزاحمة سائقين غيره..

تنحنح يجلي صوته ثم سألها بخشونة

((هل سبق لكِ أن قدتِ الدراجة بنفسك أنتِ؟))

تملكتها الدهشة من سؤاله وأجابت بخفوت

((لا غنوة من كانت تقودها وأنا أجلس خلفها دائما، مثل الآن))

لوح برأسه لها وترجل من دراجته هادرا

((حسنا جربي الآن أنتِ القيادة وأنا سأجلس خلفك))

صدمت رتيل من دعوته وفي نفس الوقت التمع في عينيها المتسعتين حماسٍ لم يظهر على محياها قبلًا، تكاد تختنق من فرط السعادة الخالصة التي تلتمسها وهي تجد نفسها تقوم لتجلس في المقدمة..

ازدردت ريقها من كومة المشاعر المتخمة التي تغشاها وهي تمسك بذراعي الدراجة.. ولا تدري من أين جاءها المزاج لتناكفه من بين ضحكاتها

((لماذا ستجعلني أقود بك! ما الذي حصل معك ليجعلك يائسا من الحياة وراغبا في التخلص منها!))

إلا أن مُؤيد على ما يبدو أخذ مزاحها بجدية حتى أنه صمت لدقيقة قبل أن يقول بصوتٍ واجم

((حسنا معك حق، انزلي منها واجلسي في الخلف))

صرخت رتيل معترضة وتشبثت بكل ما أوتيت قوة بمكانها على القيادة متوسلة ألا يتراجع عن كلامه

((لا، لا، لا كنت أمزح دعني أجرب قيادتها..))

وقف مُؤيد متخصرا يتنحنح مجددا قبل أن يتنازل ويوافق، لكن قبلا علمها كيفية تشغيلها، فأمسك بيدها وضغط بأصابعها فوق الأزرار يشرح لها..

وهي بلهفة ممزوجة بالتركيز كانت تصغي لإرشاداته..

أحكمت وضع الخوذة فوق رأسها، ثم شغلت محرك الدراجة كيفما قال..

ارتج جسدها بشعور منتشي عندما ضج صوت المحرك وبدأت الدراجة تهتز ثم تتحرك ببطء في البداية، قبل أن تنطلق وتزداد سرعتها شيئًا فشيئًا، حتى أنها لا إراديا من فرط الحماس صرخت عاليا ويديها تمسكان بالدراجة بارتجاف

((إنها تعمل، سأتحرك.. يــــــــاه))

وأثناء القيادة تحكمت بارتجافها أكثر واستجمعت قوتها من جديد وهي تحافظ على وتيرة سرعة الدراجة التي بدأت تشق طريقها لتسأله كطفلة بانبهارها وشغفها

((فقط عليّ أن أقود هكذا؟ كيف أميل للاتجاه الأخر؟))

برشاقة وقف مُؤيد خلفها من مكانه ومال فوقها يمسك بكلتا ذراعيّ الدراجة فوق كفيها الناعمتين منبها

((أديري المقود في هذا الاتجاه، أرأيتِ بكل سهولة ويسر!))

تصاعد منحنى الإثارة عندما صارت تتمايل بها والهواء المنعش يتطاير حولها ويضربها من كل جانب في تجربة لا تقدر فيها على وصف مشاعرها، فاحتضنها مُؤيد من الخلف يقول من بين ضحكاته عليها

((هل أحببت ذلك؟))

صرخت عاليا بملء صوتها

((نعم أنا سعيدة جدًّا..))

عقد مُؤيد حاجبيه قليلا عندما تنبه لوجود رجال أخرين في المنطقة فهدر فيها بشيء من الخشونة

((اخفضي صوتك، هناك أناس غيرنا في هذا المكان))

بنشوة لا تزال تتلبسها هتفت بعلو صوتها

((لا أستطيع السيطرة على نفسي، أنا سعيدة كما لم أسعد يوما))

طبطب فوق كتفها يزمجر بها

((إذن أوقفي الدراجة سنعود للبيت..))

همست له ملهوفة باعتراض

((لا، لا، لا عودة الآن، سأسكت تماما))

ثم رفعت إحدى يديها عن ذراع الدراجة واستدارت بجسدها نصف استدارة له تشير بأصابعها فوق ثغرها إلى إشارة "إغلاق سحاب الفم" مما جعل الدراجة تميل للجهة الأخرى بغتة..

صرخ الاثنان ومال مُؤيد للأمام يمسكها بدلا عنها بيده، وما إن استعادا توازنهما وهما يلهثان، حتى صدح من الاثنين ضحكة صاخبة من القلب..

عادت رتيل تأخذ زمام القيادة تزيد من سرعة الدراجة النارية هادرة

((رباه كم هو شعور منعش ولذيذ قيادة هذه الدراجة))

مال مُؤيد إلى أذنها هادرا حتى تسمعه من بين صوت المحرك العالي ومشاعره تتدفق من أعماق قلبه

((هل تظنين أن ركوب هذه الدراجة رائع؟ إنها لا شيء مقارنة بالتزلج على الرمال الحمراء، أو قيادة السيارات ذات الدفع الرباعي فوق الكثبان الرملية..))

كان الانبهار لا زال مسيطرا عليها وهي تهدر فيه

((إذن همتك في أن تجعلني أجرب كل شيء))

وهو لم يتوانى عن وعدها بتجريب كل شيء معه قبل أن يلثم كتفها.. فرتيل.. هي فتاة أحلامه.. هي قطار العمر الذي لحقه بآخر اللحظات.. هي حبيبته وعشيقته وزوجته وأم أولاده ومن يخاف عليها من أي عيون أن تسترق لمحات من جمال أنوثتها الوحشي..

أما هي فكانت ترسم له مكانا في قلبها الذي خفق له أخيرا بصوته ورائحته وكلماته وفي دفئ احتضانه لها.. هو المستحيل، والأحلام التي باتت الآن واقعها..

=============================

في غرفة المعيشة..

حيث العائلة كلها مجتمعة حول مائدة الطعام..

راقبت زاهية كنتها ياسمين وانتبهت كيف تجلس متباعدة عن مَازن فاجتاحها الضيق.. هل هي متخاصمة معه بسبب صراخها عليها في ذلك اليوم واتهامها بقسوة أنها سبب ما يتعرض له ابنها؟

قطبت زاهية حاجبيها تحث نفسها على استرضاءها، لا لشيء إلا من أجل سعادة مَازن، فعند غضب أو حزن ياسمين لا تصب مشاعرها السلبية على أحد إلا هو..

أما يعقوب فلم يكف بفعل غير معهود به بين الثانية والأخرى عن وضع الطعام في طبق مَازن وحثه على تناول المزيد بحنو تجلى على ملامح وجهه التي أنهكها العمر وما حدث مؤخرا.. فالأيام السابقة كانت عصيبة عليه وهو يتذكر فيها كل ماضيه مع أبنائه، وبالذات مَازن فيجد نفسه مثقلا بالذنب تجاهه.. إذ أنه مع مَازن لا يذكر بأنه كان له ولو مرة الحضن الدافئ الذي يشع حبا وعفوية وأصالة.. فكانت علاقتهما كأب وابن مليئة بالتشنجات والصدامات خاصة فيما يتعلق بصراع الأجيال واختلاف الأفكار والطباع.. على عكس والدته التي كانت له الملجأ إذا قسى هو أو الحياة عليه، فأفرطت في تدليله وسعت لتلبية كل مطالبه، وإذا ما أخطأ وحاول هو معاقبته كانت أول المبادرين للدفاع عنه..

والان لا يجد أمامه أن يفعله تجاه مَازن إلا أن يعوضه ولو أن ما بقي لا يكفي لتعويض كل شيء!

وفى غمرة اهتمامه بمَازن انتبه لمُصعب ينتهي من طبقه فحثه بحزم أن يعبئه مرة أخرى..

حاول مُصعب بلطف وتهذيب الرفض معللا شبعه لكن هنا انتفضت والدته بلهفة تقوم هي بتعبئة طبقه وطبق لنورين أيضًا.. فهي وزوجها يصران على عائلة مُصعب منذ إعلان سفرهم تناول الغداء والعشاء في بيتهم كل يوم مهما كانت الظروف..

ضج هاتف مَالك فأمسكه ليجد أنها رسالة من سمية..

عقد حاجبيه مستغربا انسحابها قبل قليل من مائدة الطعام وصعودها لجناحهم قبل أن تأكل بشكل كافي وطلبها من نعمة الاهتمام بعبد الله.. وفكر بأن عليه أن يحاول أن تعود علاقته بها كالسابق، يكفي أنه للآن لم يشكرها على صنعيها مع توأمه، فكما أخبرته أمه سمية كانت من دفعت نجوم على الاعتراف بكل شيء وتسريع خروج مَازن قبل صدور نتيجة التحليل..

فتح مَالك الرسالة وسرعان ما تلونت ملامحه بالصدمة لمحتوى هذه الرسالة الجريئة التي تطالبه فيها بالصعود إلى فوق.. كان محتواها حقا جريء ووقح حتى أنه يشك أن هناك من سرق هاتف زوجته!

تجرع من كوب الماء دفعة واحدة ثم تمتم بكلمات واهية مفادها أنه شبع وبحاجة إلى الصعود لجناحه للراحة والنوم..

.

.

زينت سمية جزءً من شعرها اللامع بحلية فضية من فوق وتركته ينسدل بحرية على كتفيها.. وضعت أحمر شفاه بلون أحمر قانٍ كلمسة أخيرة على وجهها.. ثم وقفت أمام المرآة تناظر نفسها، ووجهها متألق بنضارته الطبيعية وتبرجها المتقن..

ما حدث لمَازن أجّل ما كانت تخطط لفعله أمام مَالك.. زوجها الذي لطالما رأته جذاب المظهر وكامل الرجولة.. والآن حان الوقت لترى نفسها هي فاتنة ومغرية ورائعة..

ظلت تردد هذه الكلمات على نفسها حتى تصدقها.. ثم عادت بذهن متيقظ لتذكر كل ما لمّح به مَالك من قبل ولم تلتقطه لتقرر بأنها ستتحرر من كل تلك الأدوار المكررة والمفاهيم الخاطئة التي تلبستها سابقا.. وستغوص في أعماقه وما يرغب به لكن لا يتجرأ على مشاركته كله لها..

إنه يريد منها أن تكون مندفعة في الحب وجريئة وهذا ما ستكونه من أجله هو! عليها أن تجعله يرى أن روحها تهفو إلى حميميته.. فهو لن يشعر بالسعادة بوصالها إلا إذا شعرت هي بها..

فتح مَالك باب جناحه وخلع معطفه مغمغما بتجهم

((ما هذه الرسالة التي أرسلتها لي؟))

خرجت سمية له من الحمام المرفق للغرفة بمظهرها الذي أخذت وقتا طويلا وهي تتأنق فيه.. مِمَّا جعل ذهوله يتفجر من أعماقه لمرآها.. وجاهد ليلتقط أنفاسه وأفلتت عيناه من سيطرته فهامتا بحرارة من وجهها لعنقها ثم لامست جمال قدها تحت الغلالة.. نظراته كانت مسلطة بنهم داخلي عليها وتوق رجولي حاد لم يراوده منذ مدة.. ومع ذلك تمَالك نفسه وحرارته المشتعلة التي تقارعه، وحاول أن يظل متباعدا في مشاعره..

ما إن أحست سمية به يهم بالاستدارة كأنه يريد أن يبعد تأثيرها عنه.. حتى اندفعت نحوه وطوقته بذراعيها من الخلف ثم شبكت أصابع يديها تحت صدره هامسة بشجاعة وصلابة

((مجرد رسالة عبرت فيها عن حبي لك يا مَالك))

ابتلعت ريقها بصعوبة بينما يلتزم هو بوقفته المتحفزة معترضا.. فلا يقدر على جزم مشاعره وما يجب عليه أن يشعر نحوها الآن وبين الضعف والغضب، كانت مشاعره تغلي على مرجل مشتعل.. وبالكاد يحافظ على الباقي من سلامه العقلي..

بشق الأنفس وضع قناعا محنكا لرجل صبور وقال بصوتٍ مبحوح

((ما هذا الذي تفعلينه! أخبرتك سابقا أني لا أريد أن تتصنعي حبا أو شيئا لا تشعرين بالرغبة به))

لكنها تابعت تقول بنفس الهمس مبتسمة فحبها له يستحق المحاولة حتى إن صدّها أو جرحها

((أحبك بحجم حبك لي بل أكثر، سأتمسك بك ولن أرضخ لابتعادك ولن أستسلم له))

تسمرت قدماه بمكانهما ورغم أن كل ذرة في جسده كانت تصرخ بعد غزلها هذا أن يستسلم لها إلا أنه أغمض عينيه للحظات ثم قال بصوتٍ متشنج

((سمية أنا جاد، توقفي عما تفعلينه، لم تصرين على إغضابي بفعل أشياء تكرهيها أنتِ..))

تحرر منها بقوة واستدار لها يناظر تلك البشاشة التي لازمتها خلال الوقت المنصرم تحديدا وبشكل مدمر لأعصابه

((سمية أنا جاد..))

مالت نحوه وارتفعت فوق مشط قدميها ثم احتجزت وجهه بكفيها هامسة بعاطفة ثقيلة

((لا أريد التوقف، أحب أن أقوم بأشياء أكرهها ولا أرغب بها، مثل التغزل بك.. ومثل تقبيلك..))

ثم بترت كلامها فجأة عندما واعدت شفتيها ثغره بقبلة أودعتها كل قلبها..

فاجأه الأمر، لكن حرارة لمساتها وقبلتها أفقدته السيطرة، ولم تمضي لحظات حتى بدأ يطوقها.. إنها تستعبده بصوتها وتأسره كالمخمور..

أسندت جبينها على جبينه وعيناها في عينيه تدرسان استجابته لما أبدته.. ثم همست له بتسلية رغم أنفاسهما المقطوعة

((أنا جادة بحبي لفعل أشياء أكرهها ولا أطيقها معك))

مزاحها الغريب حفز كل خلاياه إليها خاصة عندما أفرجت عن ضحكة مبحوحة في نهاية حديثها على دعابتها له وحمرة تلبستها من رأسها إلى أخمص قدميها..

غمغم لها بصوتٍ خافت ورغبته فيها تشتعل بجنون

((ما الذي تريدينه الآن؟))

كانت كلها تهفو إليه، وكأنها تريد أن تقتطع من روحها وتبثها لروحه..

ابتلعت ريقها وهتفت بتعثر أمام عينيه الحاملتين لظل من الرغبة الصارخة

((أريد لحظات من الحب الجنوني والعاطفة المتقدة))

تسارعت دقات فؤادها لتسترسل لمرأى الدماء الهادرة في عروقه البارزة

((لا أريد منك أن تفعل شيئا واترك نفسك لي لأكتشفك..))

ذابت مقاومته لحرارة عاطفتها ليهمس باسمها باعتراض واهٍ.. لكن تكسرت كل حواجز خجلها بفعل عشقها له لتتحرر من أوهامها باندفاع عاطفي موجه له حتى ينال كل الدلال الذي كان يطالب به بطريقة أطاحت بقلبه وعقله.. تُردد على مسامعه ما يؤكد له مدى حاجتها إلى وجوده في حياتها.. حريصة على أن تُشعِرهُ بقبولها نحوه دون تحفظ أو قلق مما لا تجيده وتفعله لأول مرة..

=============================

في غرفة المعيشة.. وبعد انتهاء وجبة الطعام غادر الجميع وبقيت ياسمين تجلس على الأريكة تقوم بحياكة الصوف وفي نفس الوقت تطلع بعينين تفضي تأثرا إلى حماها الجالس أمام التلفاز بينما يسمح لمَازن أن يريح رأسه على حجره رغم أن هذه الحركة لم يكن يقوم بها مَازن إلا مع أمه وكان والده دائما ما يزجره ويخبره أن يتوقف عن إتعابها ويتصرف كراشد مسؤول..

لكن تبدل هذا الشعور إلى بؤس.. إنها منذ أيام تتحاشي التحدث معه أو الانفراد معه، ربما حتى لا ينتبه لوجودها ويتذكر أن عليه التخلص منها.. لكن في نفس الوقت تجد نفسها مسيرة لا مخيرة التواجد في أي مكان يمكث فيه، حتى تتأكد إذا ما كان يحتاج شيئا منها، أو ربما حتى تشبع عينيها وقلبها من حضوره بقدر الإمكان قبل الانفصال عنه..

تركت ما بين يديها ما إن رأت نفاذ رقائق البطاطا من الكيس الذي يحمله، وسارعت بلهفة تحضر كيسًا آخر تمده له.. فرفع مَازن عينين واجمتين لها ثم سحب الكيس منها بفظاظة لم يلاحظها والده حيث كان مُصوبا نظره على التلفاز ففاضت عينا ياسمين بالدموع..

تهدل كتفاها متراجعة فأخذت سلة مشغولاتها لتغادر ململمة بقاياها الجريحة الغرفة بخطوات مستعجلة..

بعد خروجها أطفأ يعقوب التلفاز من جهاز التحكم عن بعد مما جعل مَازن ينتصب جالسا وينظر لوالده شاعرا أنه يريد الحديث معه..

أخذ يعقوب نفسا عميقا ثم وضع عينيه المتعبتين بعيني ولده يبادره بعتاب حاني تأخر وقته

((بني لماذا لم تخبرني بما كانت تحاول منال فعله لك مع ابنتها قبل أشهر!))

ازدرد مَازن ريقه لذكر سيرة نجوم ومنال تلك التي يريد بعد ما حدث أن تندثر تماما من ذهنه، ثم أجاب بهدوء

((لم أشأ فضحها، وظننت أنها ستندم بل لن تتجرأ على تكرار ما فعلته، لم أكن أعرف شيئا بشأن ذاك المخطط الإجرامي، بل وحتى أنها حامل))

تغضن جبين يعقوب واحتد بصرامة

((ولكنك أخبرت توأمك، فلماذا لم تخبرني أنا والدك! لم أكن لأسكت على تواجد امرأة فاسقة مثلها تحت سقف منزلي))

كان هناك امتعاض بالغ في نفس يعقوب تجاه ابنه، ليس لأنه أخبر توأمه عن محاولات منال الدنيئة فقط.. بل لأن زوجته في الأمس أخبرته أنها فتحت موضوع السوار الذهبي أيضًا مع مَازن وأخبرها أن هذا السوار أهداه لمنال لا ابنتها مقابل تعبها في تحضير دعوة أصدقائه، ولم يخبره هو..

رد مَازن بصوتٍ فيه بحة

((لم أظن أنك ستصدقني، بل خشيت أن تثور عليّ متهما إياي بقذف عِرض فتاة بريئة، فأنا لا احمل أي دليل على كلامي))

انكسرت نظرات يعقوب وهو يرى بوضوح كيف أنه لم يمثل لابنه أي أمان عاطفي أو شعور بالحماية.. فقال بصوتٍ مجهد يثقله ذنبه بحق ابنه

((حسنا أعترف أني لم أكن لأتقبل ما تقوله بسهولة، لكن مع ذلك لم يكن عليك إخفاء مثل هكذا أمر عني، لأنك لو فعلت ذلك كنت على الأقل لأحكم عقلي وأربط الأمور ببعضها لأصل للحقيقة بعدما أخذك الضابط من بيتنا))

ظل الهدوء يكتنف ملامح مَازن والصمت يعم المكان حتى قال أخيرا وهو يهز كتفيه ببساطة

((حسنا معك حق، لقد أخطأت، كان عليّ إخبارك))

ازداد الألم المتجلي من ملامح يعقوب وتحرك بؤبؤي عينيه.. فأرخى أجفانه الساخنة بدموع أبية ثم أطبقهما بقوة ليقول بصوت ضعيف معذب ولسانه يتعجل كي لا يوقفه صوت تمزق قلبه

((مَازن لا أحد هنا مخطئ بحق الآخر غيري أنا، لقد ضربت أسوء مثال للأبوة معك))

اتسعت عينا مَازن ليسارع النفي

((لا يا أبي لا تقل ذلك، أنا المخطئ دائما..))

أطبق يعقوب عينيه للحظات.. ودوامات عقله تتصارع بإحساس الأبوة المعذب.. كان دائما يلوم زوجته على تدليل مَازن ومنعه من معاقبته وبالتالي إفساد منظومته التربوية وكسر قواعده كأب.. ورغم عدم اتفاقه تماما مع زوجته إلا أنه الآن فقط عرف أن العلاقة التي تأتي بإطار عاطفي كبير، هي التي تظفر وتعلق في قلوب الأبناء.. ربما لو كان أرق بمعاملته لمَازن ولم يحمل في طيات كلماته له توبيخا أو تهديدا، لكان قبل أي شيء منه وأعتبره الأمان وصمامه..

فتح يعقوب عينيه واحتجز كفي ابنه هادرًا

((حبي لك يا مَازن أنتَ وإخوتك هو حب غير مشروط، وكان يجدر بي أن أفعل تجاهك أنتَ خاصة ما يجعلك تشعره دون أن أخبرك بهذا!))

ابتسم مَازن بدفء لوالده ثم وضع يده خلف رقبته، كعادته حينما ينتابه الإحراج، كطفل صغير أضاع الكلمات..

سحبه يعقوب وضمه بكل قوته التي لا زال يحتفظ بها حتى أن مَازن أنّ من الضغط على عظامه، لكن قلب يعقوب كان في صحوة نبضاته وحمية الأبوة هادرا

((أريدك أن تعرف من الآن أنك لست ابني وامتداد طبيعي لاسمي وحسب، بل أيضًا فخر حياتي، وبالمقابل أريد أن أشعر أني أمثل لك الأمان والانتماء))

تسللت ابتسامة جميلة لشفتي مازن فأغمض عينيه متأثرا بعلاقة الابن والوالد التي يحظى بها في هذه اللحظة مشوبة بالاطمئنان.. قبل أن يبتعد والده ويبدأ سؤاله عن أحواله في وظيفته الجديدة..

=============================

بعد مدة شدد مَالك من ذراعيه المحكمتين حول سمية ثم لثم مقدمة رأسها مرة بعد مرة.. كأنه ما يزال لا يصدق ما حدث قبل قليل.. لا أبدًا لم يكن مجرد حدث بل أكثر من ذلك بما ظفره منها من مشاعر وعاطفة.. لقد عرضت نفسها عليه، دون أي كلمات مبطنة أو تلميحات مرتبكة.. فحتى في أحلامه الأكثر جموحا ما كان ليتصورها أن تكون بكل هذه الروعة والدفء في آن واحد..

أراحت هي رأسها على صدره تلاعب خصلات شعره المموجة نزولا إلى ندبة رقبته والأحاسيس تغمرها.. فما وصلت له اختصر سنوات عذابها الطويلة سواء بزواجها الأول أو الثاني وجعلها تصل للرضا..

عادت لواقعها وصوت خفقات قلبه كان صاخبا.. متناغما مع أنفاسه الغير مستقرة.. بينما يهمس لها وملامحه الوسيمة تفيض رقة

((ألهذه الدرجة تحبيني، أين كان هذا الحب من أعوام!))

أجابته بعاطفة متدفقة

((لطالما كنت حبيبتي وأغلى من سكن حبه في صميم قلبي وعزف بحروفه أوتار روحي وعقلي، وحتى الآن لا زلت أجمل نور تلألأ وأنار ظلمة دربي وحياتي..))

تأوه أحاط بقلبه جراء سماعه غزلها بجرأة لم يعهدها بها، فزاد من تطويقها هادرا

((أريد أن تستمري بهذا الانفتاح التي من شأنها جلب مزيد من الرضا لكلانا، أحبك أن تبادري أنتِ بالكلام، أن تتبعيني وتطلبيني وتجعليني مثار اهتمامك))

رفعت عينيها تهمس بصوتٍ عذب ((مَالك..))

قطب حاجبيه برقه هامسا

((يا عيون مَالك..))

تعلقت نظرته بنظراتها بطريقة جعلته يصمت لتجيبه باختناق وطيف من الحزن يزور عينيها

((قد يخيل لأي أحد كوني امرأة ناضجة أتمتع بالخبرة ولا أخشى أن أطلب من رجلي ما أريد، لكن هذا غير صحيح، أنتَ لا تعرف ما بذلته من جهد لأتحرر من خجلي الذي يعيق ما تريده، وأتعامل معك بهذا الانفتاح))

رفعت يديها تتشبث بكتفيه ترتجي منه التفهم وتستطرد بصوتٍ مجروح مطعم بالألم

((أنا بحكم تربيتي وثقافتي المحدودة وقلة اطلاعي لم أعرف كيف أرضيك، لكني أحبك كما لم أحب أحدا من قبل.. أريد أن تكون معي مستقبلا أكثر صبرا وصراحة، فأنت.. أنتَ تعاملت معي بقسوة وسوء ظن بدل أن تمسك بيدي وتقودني إلى ما تريده.. لم تكن أبدًا مراعيا لي..))

انخلع قلبه من مكانه وأثقله تأنيب الضمير خاصة وهو يواجه لمعان عينيها بنظرة شبه محطمة موجوعة.. لا يصدق كيف تعامل بمنتهى القسوة رغم أن ما يضيرها يضيره، وما يؤذيها يؤذيه!

وهي لم ترحم قلبه بينما تتابع عتابها الحزين الرقيق له

((أنا ترعرعت يا مَالك على الصمت والحياء والخوف والتردد بهذه الأمور، وأنت تعرف ذلك))

أحس مَالك بالغصة تسد حلقه فسعل قبل أن يتحشرج صوته هامسا

((إذن تدربي الآن على تعبيرك عن حبي، فكري بي دائما ودعيني احتل قلبك وعقلك وضعيني في مقدمة أولوياتك كما أفعل بالضبط معك، والا فكبريائي الذي لم أكن أعلم بوجوده في علاقتنا سيتلاشى إن بقيت من أبادر وأعبر عن مكنوناتي تجاهك..))

رسمت ابتسامة حلوة وسط دموعها المتعلقة بعينيها مهمهمه

((حسنا سأفعل، سأكون دوما جنيتك الساحرة هكذا))

كانت ابتسامتها بمثابة شعلة أنارت قلبه فوجد نفسه يبادلها الابتسامة رغم تذبذبها ثم يغير دفة الحديث هادرا بشيء من التلاعب

((ولكن.. ما الذي غيرك هكذا فجأة؟ من أين الجرأة لك لتقولي مثل هذه الكلمات!))

توردت في خجل وأجابت وهي تميل بوجهها له بدلال

((جاذبيتك هي ما جعلتني أذوب بك!))

رفع حاجبيه بذهول حقيقي يأسره منها ليتمتم

((ليالي بسيطة غيرتك! وهناك سر..))

تعلقت برقبته وقالت مبدية عذوبة ونبرة موشحة بالشجن

((لا أمزح إن قلت بأني قررت أن أستثمر جاذبيتك تلك في تطوير مشاعري نحوك))

رفع حاجبيه هامسا بذهول لا ينتهي من أجوبتها الليلة

((أنا هكذا سأغتر..))

ضحكا الاثنان ضحكة مدوية ودفن وجهه في شعرها مستنشقًا عطرها بشغف

((أنتِ جميلة.. جدًّا..))

ثم ابتعد قليلا.. ليعقب أخيرا وهو يلامس غلالتها

((كما أن ما ترتدينه يخطف الأنفاس، ولكن لا أذكر أني جلبته لك))

أسبلت أهدابها قليلا واتسعت ابتسامتها برضا أنثى ممتلئة بالثقة من إعجاب زوجها بها.. ثم طالعته تقول

((لقد اشتريت اليوم من السوق عشر غلالات حريرية، وكل قطعة لا تشبه سابقتها بشيء..))

اتسعت عيناه بشكل أثار ضحكها وسرعان ما قال بترقب ملهوف

((إذن دعيني أراهم وأقيمهم.. الآن))

عادت للخلف تميل رأسها برقة تتلاعب بنظراتها ما بين تبختر وشقاوة وشعرها الأسود اللامع يتأرجح ثم قالت

((لا، غير مسموح لك أن ترى أكثر من قميص واحد في الليلة الواحدة))

ثم أعقبت بضحكة عذبه تدلل عليه فزمّ شفتيه بحنق واضح ثم همهم لها محذرا وهو يلامس ظاهر يدها

((هكذا سيظل تفكيري طوال اليوم منحصر فضولا بما هو شكل الغلالة الذي سترتدينها لي في الليل!))

قالت وهي ترمش بعينيها بإغراء مفتعل

((وهذا هو المطلوب! لا أريد أن أخرج من تفكيرك أنا أيضًا))

مال ناحية خدها يلثمه قبل أن يهمس قرب أذنها بشغف

((ما جاء هذا اليوم الذي تخرجين فيه من تفكيري، مهما حدث لم أكن لأقدر على التباعد أكثر عنك))

ثم عاد يطوقها فهي لطالما كانت كندبته الظاهرة في رقبته، قد تؤلمه أحيانا لكن مهما يحدث تظل جزء منه لا يتلاشى رغم مرور السنين عليها..

هي من سكنت قلبه، وهي من رجف لها كل كيانه، وهي من تشتاق لها كل خفقة من قلبه!

=============================

في إحدى القرى القابعة في إحدى الدول الأفريقية المعروفة بمناخها الجاف والحار، الذي يساهم في قلة المياه وزيادة انتشار تلوث المياه وقلتها.. كان قصي يتواجد مع سهر وتحديدا بأعالي جبال ريف القرية.. تتراءى أمامه الأجساد الصغيرة عن بعد وهي تتحرّك بنشاط، شبيهة بنقاط قاتمة تتنقّل على رقعة ناصعة..

حانت منه نظرة إلى سهر التي كانت تمسك الجهاز اللوحي بينما تتألق ابتسامة دافئة على وجهها وهي تقرأ رسالة وصلتها منذ وقت والآن فقط استطاعت أن تفتحها بعد أن وصلت لأعلى الجبل حيث تتواجد إشارة إنترنت..

ما إن تحركت سهر بالشاشة للأسفل وظهرت صورة المرسل حتى اتسعت عينا قصي ببريق وغمغم

((يا إلهي هل هذه نور! كيف حالها لم أتحدث معها منذ وقت طويل))

أعادت سهر الجهاز اللوحي لحقيبتها وردت

((أخبرتني عن مدرستها التي عادت للدراسة على مقاعدها وعن عملها في المكتبة، إنها تحبه جدًّا))

أطلق قصي تنهيدة طويلة ودمدم بابتسامة تتناقض مع ما يلفّ المشهد حوله من عبوس

((أتمنى الأفضل لها))

ثم مال برأسه لسهر يقول وهو يدقق النظر ليستشف حقيقة شعورها

((هل أنتِ سعيدة يا سهر الآن؟ كانت هذه هي أول إجازة طويلة آخذها منذ زواجنا ليتسنى لنا فيها السفر، وأشعر أنه لم يكن عليّها أن تكون إلى هنا مع أخي سامر))

أراحت قلبه عندما ردت بصوتٍ صادق رغم ما يشوبه من حزن

((لا على العكس، رغم أن هذه هي أول مرة أسافر مع أحد للتطوع إلا أني أشعر بسعادة لم أشعرها يوما))

أومأ قصي لها، إذ كانت هذه هي المرة الأولى له أيضًا في سفر من هذا النوع.. حيث أخيه الذي يصغره سامر ألح عليه عند قدوم إجازته أن يرافقه هو وزوجته بسفره المعتاد إلى أفريقيا، وهو تحت وطأة ضغوطه خضع له من باب التغيير على شرط موافقة سهر، فيكفي أنه لم يفِ بكلامه لها بتخصيص مال ووقت لسفر دائم بعد زواجهما ولم يتمكن قبل اليوم من السفر معها..

وهكذا انطلقوا منذ عدة أيام في سفر برفقة سامر ومتطوعين أخرين في حملة أقامتها هيئة الإغاثة الإنسانية لحفر عدة آبار في هذه القرية النائية لحصول الساكنين هنا على فرص استعمال المياه الصالحة للشرب والاستعمال..

للآن لا يصدق أن الناس هنا يكافحون للبقاء على قيد الحياة حيث يضطرون لقطع مئات الكيلومترات من أجل الحصول على الماء والذي قد يحتوي على الأوبئة التي تسببها الميكروبات المختلفة وتؤدي إلى وفاة مئات الألاف منهم بنسبة تفوق الوفيات للأسباب الأخرى هنا بما فيها الحروب والنزاعات..

ازداد الحزن المتجلي على ملامحه وداهمه إحساس بالاختناق وهو يعاود النظر للأسفل لتلك الظهور المقوّسة والسواعد النحيلة التي تعمل على آلات الحفر والتكسير ومعظمهن من النساء والفتيات الصغار.. رغم أن هذه المهنة شاقة ومضنية لا تليق بتلك الأجساد الصغيرة التي تنوء تحت ثقل الحجارة، في عمل يعتبر حكرا على الرجال.. لكنهن لتحصيل رزقهم وكسب بضع فرنكات يضطررن إلى اقتلاع الكتل الصخرية والحجارة ويفتّتنها..

وجد نفسه يتمتم بمأساة تقبض على قلبه لحالهن

((لم أتحمل أنا الرجل صاحب العضلات الذي عاش معظم حياته في النوادي الرياضية العمل كعامل البناء إلا لستة أشهر، وكنت سأتركه في كل الأحوال حتى لو لم أجد فرصة لديهم في شهادة تخصصي كمهندس.. فكيف بحال هؤلاء النساء والأطفال!))

اتكأت سهر بوجنتها فوق قبضتها تشاركه الحزن والقهر على حال الناس هنا..

عمّ صمت كئيب بينهما لدقائق أثناءه غام تفكير قصي في أموال عمه فارس القاني..

لقد قام هو وسهر بالمساهمة بالتبرع للحملة من أجل آبار جديدة لكن يظل هذا المبلغ لا شيء.. أما عمه فلو أخرج زكاة أمواله الذي بحوزته وقدم به مشروعات تنموية صغيرة مثل فتح بقالات أو تقديم مكائن خياطة أو إقامة مزارع سمكية تدر دخلًا للناس لما بقي فقير هنا في هذه القرى الأفريقية ولإنتشلهم من البؤس..

انزلقت شفتاه بابتسامة ساخرة.. لم الابتعاد كثيرًا؟ فعمه لم يفكر يوما أن يقوم بالتبرع لفقراء بلاده قط حتى يتبرع لفقراء خارج بلاده!

وهنا شعر قصي بالشفقة لا النقمة على عمه الستيني الذي اختار زينة الحياة الدنيا التي صرفت أبصاره عن اللذة الحقيقية التي تحف بها المشاق والمكاره.. فأكل حق يتيم وحق الموظفين الذين يقدر عددهم بالآلاف في شركاته..

انتشلته سهر من جب أفكاره هادرة

((عائلتك المتمثلة بأمك أو أخيك مهووسون بالقيام بالأمور الخيرية سواء داخل البلاد أو خارجها))

أخرج قصي صوتا بليدا قبل أن يعقب

((لكن شتان بين أمي التي تعشق الوقوف أمام فلاشات آلات التصوير، والجلوس خلف شاشات الإعلام وإلقاء خطب الاستهلاك الإعلامي.. وبين سامر الذي يعشق حفنات الغبار وهي تتطاير في لحظة حفر بئر ارتوازي لفقراء يحتضرون بسبب شربة ماء! فهو يعمل بصمت وإتقان واستمرار من أجل أجر الله تعالى، وعلى عكس أمي لم يفكر ولو مرة بتصوير نفسه بأعماله الخيرية ونشرها لحظة بلحظة، أمي لو أهدت محتاجا قطعة خبز لأهانت إنسانيته بالتصوير معه ومع عائلته وجيران الحي حتى تبرز إعلاميًا!))

قطبت سهر حاجبيها تتساءل

((إذا كان مغرم بالتطوع فلماذا لم يدعوك قبل هذه المرة لمشاركة الأشخاص الذي يذهبون معهم هنا! خاصة أنكما الاثنان تشتركان بحب السفر تماما))

ضحك قليلا قبل أن يرد بشرود

((هو بالفعل دائما ما كان يلح عليّ السفر معه للتطوع، ولكن أنا من كنت أرفض رفضا قطعيا معللا أني لا أملك إلا حياة واحدة أرفض تضييعها على التطوع في قرى نائية في أفريقيا وبدلا من ذلك أساهم في تبرعات مالية بحسب قدرتي.. ولكن أنا الآن نادم.. بشدة))

نعم هو نادم بشدة، فهو الآن وسط هذه القرية والبشر الذين يقتلهم الجوع والفقر والجهل يشعر بسعادة ما كان ليشعرها لو سافر مع سهر إلى إحدى الدول الأوروبية لغاية الاستجمام..

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...