الفصل 95 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس وتسعون 95 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
15
كلمة
10,158
وقت القراءة
51 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

الفصل الحادي والأربعون ((الأخير))

بعد ثلاث سنوات..

كان مُعاذ بأقصى سعادته لزيارة والده وإخوته في شقته.. جلسوا جميعهم على مقاعدهم حول المنضدة القابعة في الشرفة الواسعة وقد تساقطت أشعة الشمس المشرقة كأنها تتغزل بالأوجه الملقاة عليها بخفة..

طالعوا السًّماء استمتاعا بصفائها وبمنظر الأجواء الخارجية للحي في فترة العصر الرائقة، لاسيما في هذا الحي الهادئ الذي تتواجد فيه شُقة مُعاذ مقارنة بحالة الصًّخب المزعجة بمعظم نواحي المدينة، فتذكرهم بأجواء القرية..

ارتشف مُعاذ من فنجان قهوته ثم تساءل مواكبًا آخر الأخبار

((بالمناسبة يا أبي، ما هي آخر أخبار أهل القرية المجاورة لنا؟ تلك التي قتل ابنهم ابن عشيرة أخرى))

حانت نظرة من الحاج يعقوب له مجيبا

((وماذا سيكون غير إلزامهم بحكم الجلوة بعد الرجوع لقانون منع الجرائم، ذلك القانون الذي يجبر العشيرة كاملة على الانتقال إلى مكان بمحافظة أخرى، بذريعة منع حمام الدّم والثأر الذي سيحدث لو بقي أهل القاتل إلى جوار أهل القتيل))

عقِب مُعاذ على كلام والده مستنكرا

((سيتم ترحيلهم جميعا!؟ ولكن سمعت أن عشيرة القاتل يبلغ عددهم سبعين عائلة، ومجموعهم حوالي ثلاثمائة فرد))

هزًّ يعقوب كتفيه قلة حيلة فهذا ما سيحدث لهم.. لِتشوب نظرات مُعاذ التعاطف والشفقة على حال عشيرة القاتل الذين تحاصرهم عادات عشائرية قميئة.. حيث أنّ عددهم الكبير سيفرض على كل عشر عائلات على الأقل أن تقيم في بيت واحد رجالًا ونساءً دون استثناء.. قديما كانت الخِيم وبيوت الشًّعر تنتقل مع أهلها فلا يجدون مشقة في الجلوة، أما اليوم يوجد من منهم أستاذ جامعي، محامي، مهندس وغيره، فكيف يؤخذ كل هذا الجمع الغفير بذنب أحد أقاربهم الذي لا يعلمون عنه شيئا، في زمن اختلت فيه الموازين ولا يكون للوالد كلمة على ولده!

فلم يجد إلا أن يغمغم بصوته الرخيم

((هذا هو نتاج القسوة والتّجبُّر والظلم، وما اقترفه الفِكر المجتمعي المتعصب الّذي لا ينتسب للدّين بقدر ما ينتسب للعُرف))

عقِب مُؤيد على كلام أخيه وهو يكتف ذراعيه بتحفز

((الجميع يَعي هذا لكن الجميع يُحارب كلمة الحق ويتبّع هوى الباطل، الجميع لا يرَ سوى ذاته المملوءة بالعنصرية الجاهليّة المؤطّرة بقوانين الأعراف العشائرية.. وبعد ذلك يأتي الجميع يبكون من مرارة الواقع ويئنون من قسوة الحياة..))

مطَّ مَازن شفتيه وهو يناظر أخيه مُؤيد وكلماته التي اتسمت بالحكمة والوقار فبدا كأنه حكيم زمانه وهو يتحدث.. رغم أنه هو نفسه أول من يدفن رأسه في الرّمال عندما يتعلّق الأمر بقضاياه الخاصّة فلا نقاش يصلح معه! وهو أيضًا قبل سنوات عند موت ابن يحيى عمه من كان محرك الشّر ومن يوقد في كل شبان القرية نزعة الانتقام لابن عشيرتهم من عشيرة الهنادل.. أما الآن فعندما لم يعد الأمر يتعلق به أو بعائلته أضحى موقفه مختلفًا تمامًا!

فدمدم بنبرةٍ ذات مغزى

((معك حق يا مؤيد، الكثيرون يطالبون بإعادة النظر بمثل هذه الأفعال لكن عندما تصل لشخصه تصبح حقًا له ولا يمكن التنازل عنه أو التهاون فيه، لتظهر ماهيّة الفكر الشّعبي والرّسمي عندنا!))

ضيّق مُؤيد عيناه بشرر إذ فهم أن سهام كلام مَازن موجهة له! وتحت الطاولة دفع قدمه يلكز بقوة شديدة ساق مَازن الذي كتم تأوهًا متألما ثم رفع قدمه يمسد مكان الضربة ويعاتبه بملامحه على عدم تقبله لمزاحه!

غمغم يعقوب بخشونة

((لم يكن ليحدث كل هذا لولا غياب أبسط مظاهر القيم الأخلاقية، وغياب الإنسانية، وغياب العدالة..))

ردَّ مُعاذ ساخطًا وهو يهز رأسه بيأس عن تقصير حكومات متعاقبة ابتلي بها الوطن

((وضف أيضًا، غياب القانون التي تتخذ جانب الصمت رغم المخالفة الصريحة للدستور، فبلادنا مليئة بالجلوات، حتى بات أهل الجنوب يعيشون بالوسط وأهل الشمال بالجنوب، وأهل الوسط بالشمال.. تُدمر البيوت وتُحرق السيارات وتُراق الدماء، وكل هذا لان ابن.. ابن.. ابن عم والده قتل أحد من عشيرة أخرى))

دمدم مَازن متهكمًا على كلام أخيه

((الحكومة تتخذ الصمت!؟ تقصد هم من يلزمون أهل القاتل بالرحيل! وهذا ما يشجع أهل الضحية على التّعنت والإصرار، والإمعان في ترسيخ عادات وتقاليد جاهلية، لم يعد لها وجود إلا في كتب التاريخ القديم))

هنا لم يستطع مُعاذ التعقيب بشيء إلا أن يقول بصوت نابع من النقمة

((السكوت عن الجلوة عار، القاتل يقتل، أما العطوات والجاهات والجلوات فكلها سوالف حصيده لعن الله من وضعها وغيَّر وبدَّل شرع رب العالمين..))

غيَّر مَالك هذه السيرة تمامًا وهو ينتشل هاتفه ويفتح إحدى مواقع التواصل الاجتماعي مقترحا بحماس

((بعيدا عن موضوع الجلوة والثأر.. ما رأيكم بما أننا جميعًا مجتمعون الآن بمكان واحد أن نتواصل مع مُصعب بمكالمة صوت وصورة))

نالت فكرة مَالك استحسان الجميع وقد صبوا اهتمامهم نحوه بينما انتصب مُعاذ ذاهبا للمطبخ ليحضر لهم بعض أطباق التحلية..

.

.

في المطبخ..

لفت شيرين رأسها بوشاح أبيض كعمامة أنيقة ثم وقفت مستندة بظهرها للموقد بينما ترتشف من فنجان قهوتها باسترخاء.. وتمسك الهاتف بيدها الأخرى قريبًا من أذنها بينما تحدث سهر..

على الجهة الأخرى عند سهر ما إن عَلَت همهمات كايلا ابنة سهر حتى وضعتها داخل حمالة خاصة تضمها على صدرها لتجلس كايلا فيها بينما تلوح بساقيها بتسلية.. قبل أن تعاود وضع الهاتف على أذنها تقول بعفوية

((.. عذرًا.. ها.. إذن هل عائلة زوجك جميعهم عندكم اليوم؟))

وضعت شيرين فنجانها على المائدة الرخامية مع الهاتف بعد أن عدلت خاصية المكالمة للمكبر حتى يتسنى لها وضع الكعك على أطباق بيضاء وهي تجيب سهر

((ليسوا جميعهم، بل والد زوجي وإخوته فقط))

همهمت لها سهر قبل أن تدمدم

((أي بدون زوجاتهم وأطفالهم! لا تبدو علاقتك قوية مع زوجاتهم))

ردت عليها شيرين بصراحة

((علاقتي بهم طيبة، ولكنها أقرب للرسمية، لم أشعر بالانسجام مع أي واحدة منهنَّ، فأكتفي بالتحدث معهن بمواضيع عامة عن الأطفال والبيت عند الالتقاء بهم بالمناسبات))

أطلقت شيرين تنهيدة طويلة قبل أن تتبدل تقاسيم وجهها لحماس مرتقب وتهدر

((إذن يا سهر الليالي علينا أن نلتقي في النادي بعد ساعة أو اثنتين! سأخرج عندما يغادر أهل مُعاذ حتى لا أتركه مشتتا بين الانتباه ليعقوب والانشغال بالضيافة والجلوس مع أهله))

نبهتها سهر برجاء

((أهم شيء أن تحضري يويو من أجل كايلا))

تذمرت بحنق وهي تنفض كفيها من أثر بقايا الكعك

((لا يا سهر لن أحضر يعقوب معي، بل سأتركه مع أبيه مستغلة إجازته اليوم، وأنتِ أيضًا اتركي كايلا عند زوجك، ألا يمكننا ولو مرة في السنة أن نخرج سويا بدون أولادنا كما في الماضي؟))

وقبل أن تسترسل شيرين كان مُعاذ قد دلف للمطبخ فاستعجلت سهر مودعة

((حسنًا يا سهر سأتصل بك قبل نزولي، سلام))

التفتت نحو القادم إليها تتطلع له بحب جارف ينطق من عينيها لطلته الوسيمة بمهابة، والذي يكون زوجها ووالد ابنها فاقتربت منه تلاعب تلابيب قميصه وتتمتم له بابتسامة تشع هياما

((لقد جهزت أطباق الفاكهة والكعك والشاي هنا، سأتأكد من نوم يويو وأبقى حتى تنتهي زيارتهم كي تتاح لك فرصة الجلوس مع أهلك))

ابتسم مُعاذ يبادلها نظرات الحب ثم عقب بصوتٍ مميز

((لا حرمني الله منك ومن وقوفك بجانبي دائما))

لتتسع ابتسامتها على فمها برضًا أنثوي تحمد الله في سّرها على النعيم الذي تعيشه مع مُعاذ منذ زواجها منه..

ابتعدت عنه كي تأخذ قطعة كعك من الصحن وتطعمها له فقضم قضمه منها ثم مسح عن فمه ذرات الكعك.. قبل أن يتذكر بغتة ابنته التي خرجت ويتساءل

((هل أعلمتك دارين متى ستعود من بيت صديقتها؟))

طمأنته شيرين مبتسمة

((لا تقلق، أخبرتها أن تتصل بي أنا لاصطحابها من بيت صديقتها بمجرد أن تنتهي الزيارة))

ثم غمزته بإحدى عينيها هامسة بخصوص سرّهم الصغير

((وسأشتري لاحقا ما تبقى من أجل تلك الحفلة السرّية التي نخطط للقيام بها نحن الاثنين))

شّعت عينا مُعاذ بامتنان ثم تقدم من أطباق الكعك وكاسات الشاي يضعها فوق الصينية هامسا بصوتٍ مبحوح

((فليسعدك الله كما تسعدين دارين يا حبيبتي))

قطبت حاجبيها تقول بعتاب رقيق

((دارين هي ابنتي تمامًا وهذا أقل واجب لي تجاهها.. عزيزي فلا شكر بين الأهل)) =============================

ذات يوم شتوي.. بعد الظهيرة

كانت الريح شديدة وقد زادت تلّبد الغيوم من قتامتها إنذارا ببكائها مطرًا في هذا الجو البارد.. وفي تلك الأثناء كان كل من مَالك وسمية في إحدى المتاجر يكملون جولتهم بتسوق لطيف خاصة لمَالك بعيدا عن أجواء التسوق المرهق الملل التي تخرج الرجل عن شعوره..

اقتنت سمية منامتين تناسب الأولاد برسومات سيارات شرطة على مقاسي يزيد وعبد الله، فهي منذ ولادتها لشغف ابنتهما الصغيرة كما أصّر مَالك على تسميتها رغم رفض والدته، لم تعد تركز في التبضع إلّا لها..

دفع مَالك ثمن المشتريات للبائع وأمسك بحقائب التسوق الكثيرة ليحملها ثم خرجا.. عندها لمح متجرًا مختلفا بمقتنياته ويبدو من واجهته أنه راقٍ جدا..

نبض قلبه فوجد نفسه يضم الأكياس ليمسكها بيد واحدة وبالأخرى يحتضن يد سمية مما جعلها مبتسمة تناظر عينيه الصاخبة بحبٍ فاضح، ثم تُشدد على يده باعتيادية سلسة..

أشار مَالك بعبث إلى ذلك المتجر هامسا

((دعينا نذهب هناك يا حبيبتي))

تطلعت إلى حيث يشير وسرعان ما كسا ملامحها عبوس وحاولت أن تفلت يدها منه متهربة بوجل

((لماذا تريد أن ترافقني إلى هكذا مكان خاص بالنساء!))

ردًّ عليها بحزم زائف وهو يرفض تحرير كفها الناعم

((أنا من سيراك في تلك الملابس لذا من حقي أن أختارها أحيانا))

ظَّلت سمية على رفضها الغريزي لكن لاحقا أعلنت استسلامها تحت إلحاحه..

وداخل المتجر طالع مَالك الذي محتويات المتجر بمتعة بالغة لم يقم بها منذ فترة.. وهي اختيار تلك القمصان الحريرية لها بنفسه كنوع من التغيير والتنويع..

استقر نظره على مجموعة غلالات بطيف من الألوان النابضة بالحياة، فاختار واحدة من بينهن بتصميم جريء مصنوعة من قماش الكشمير الناعم، وما إن طلب من الموظفة أن تحضرها وانتبهت سمية لاختياره حتى جحُظت عيناها وهمست بأذنه بخجل يكاد يذيبها

((لا أرجوك، ليست هذه القطعة، إنها تكاد لا تخفي شيء، لن أستطيع ارتدائها ولا حتى أمام نفسي))

كاد مَالك أن يعترض بحنق لكن توتر صوتها ومناشدة نظراتها الصامتة أن يتفهم خجلها جعلاه يدرك أن هذه القطعة بالذات التي اختارها كانت أكثر جرأة من أي قطعة سبق واشتراها لها.. فابتسم بحنو ثم عاجل الموظفة يخبرها بتهذيب

((حسنا.. لا داعٍ.. سنأتي لاحقا))

عضّت سمية شفتها ثم أطرقت رأسها هامسة بذنب

((هل غضبت مني؟))

لم تنحسر ابتسامته وهو يسحبها خارج المتجر بينما يخبرها بصوت هادئ ثابت

((لا على العكس، شكرا لأنك كنت صريحة معي، لا أريد أن تضغطي على نفسك فقط لتسعديني، إذا ضايقك شيء عليك أن تخبريني))

كان مَالك حقا صادقًا بكلامه فحياته بالسنوات الأخيرة أصبحت أجمل مما كان يحلم، وهو راضٍ بالفعل بما تجود به عليه وتغير سجيتها معه عما كانت عليه قبلا! ولن يكون سعيدًا الآن أن يضغط عليها لتتجاوز حدود قدراتها في تقبل رغباته.. فيكفي أنها تبذل جهدها في الاعتناء بأطفالهما في غيابه، يزيد، عبد الله وشغف وتنهي التزاماتها اليومية، قبل عودته لتجهز له أوقات حالمة رومانسية..

أما سمية رفعت وجهها لتضيّق عينيها بتدقيق في وجه مَالك تتأكد من صدق كلامه وما إن شعرت بذلك حتى انتشت سكينة رهيبة بروحها..

رفعت يدها الى خدّها المشتعل تتلمسه بفرط حمرة الحرج وهي تتّنهد براحة كأنه رفع عن كاهلها همًّا كبيرًا..

دخلا إحدى المطاعم ذات التصميم الأنيق والطابع الحميمي ثم جلس الاثنان بجانب بعضهما، فقام بإحاطتها بذراعه إلى صدره برفق آسر، فتنفست عطره تنتشي به في قربه، لكن سرعان ما جلس الاثنان باعتدال ما إن أحضر النادل الأطباق التي طلباها..

وبعد مرور وقت شعرت سمية بمَالك منكسًا رأسه يحرك الشوكة بطبقة دون أن يركز في تناول الطعام أو حتى يبادلها الحديث بتركيز.. فترققت ملامحها بحزن مدركة أنها كَسَرت بخاطره عندما رفضت شراء تلك القطعة التي نالت إعجابه أيّما إعجاب!

هي تدرك أن قصده من شراء تلك الغلالة هو رغبته بتجريبها تصاميم جديدة يتمنى رؤيتها بها في اللحظات الخاصة بينهما، لكنها لا تتناسب مع مزاجها وتكشف الكثير من عيوب جسدها الذي مرَّ بالحمل لعدة مرات ولم يعد برشاقة الماضي..

لكن فجأة قطبت حاجبيها بعزم وانتصبت واقفة.. تمسك حقيبتها لتقول بهدوء يكتنف صوتها المصمم

((مَالك سأذهب إلى مكان ما لدقائق وأعود))

غادرت المكان، بغير اكتراث منه أو استفهام الى أين تريد الذهاب بالتحديد، عائدة لذاك المتجر..

حسنا قد لا تكون تلك القطعة التي اختارها مَالك مناسبة لها لكن ستشتري واحدة أخرى من بين القطع التي أعجبته وملائمة أكثر لقوامها وتخفي عيوب جسدها.. المهم ألا ينام الليلة وفي خاطره شيء!

فمَالك عوضها من صميم قلبه.. وأبدل ذلّها بعز.. وأكرمها حبًا، وحنانًا.. وبذل جهده مع عائلته ليتقبلوها كابنة لهم وهذا ما جعلها تسرف في خدمتهم لكي تهنئ بالانتماء لعائلته حتى شعرت معه هو فقط أنها ولدت من جديد بدون أي ماضٍ قاسٍ أو ذكريات مريرة..

تفحصت القطع في ذاك المتجر وابتاعت واحدة تليق عليها بلون رومانسي حالم بدرجة فاتحة ومشرقة من الشيفون البالغ الرقة المزدان.. وبعدما أتمت مهمتها عادت سريعا للمطعم وما إن انتبه مَالك لقدومها حتى عاتبها بغير رضا إذ كان يظن أنها ذاهبة لدورة المياه

((لقد تأخرتِ، والمشكلة أنك تركتِ هاتفك هنا على الطاولة))

كانت تلهث بخفوت لتعود لتجلس بجانبه وجسدها يرتجف بردًا بينما الأمطار في الخارج بدأت بالهطول بالفعل.. فاعتذرت له مبتسمة بنشوة السعادة التي سرت بخبث بريء داخلها

((لم أنتبه.. عذرا عزيزي))

زمّ مَالك شفتيه بحيرة من كم البشاشة المرتسمة على وجهها.. فما سببها!؟ وأين كانت وماذا فعلت!؟

وصلها تساؤلاته غير المنطوقة فاتسعت ابتسامتها بلا مقاومة لكنها لم تكن مستعدة أن تبددها له الآن!

أمسكت بذراعه تتكئ عليها وفي قلبها زقزقة صغيرة طوال اليوم مترقبة لنظرات وجهه عندما يعرف ما ابتاعته.. فإذا كانت بفطرتها تعرف كيف تظل أفضل زوجة وأم طوال النهار.. مَالك علَّمها كيف تكون أجمل معشوقة ساحرة بالليل..

=============================

غامت زاهية في مداعبة حفيداتها الثلاث، هُدى وشقيقتها الصغرى هَنا وابنة مَالك شغف فلم يعد يسكن معها رفقة زوجها الحاج في هذا القصر الضخم إلا ابنيها مَالك ومَازن وعائلتاهما.. لطالما كانت تعتقد أنها قد تتحمل سكن أي أحد من أولادها بعيدا عن هذا القصر إلا التوأم، ورغم أنهما الاثنين فعلًا من بقيا يقطنان هنا ولم يغادرا إلا أنها في أوقات كثيرة تشعر بالأسى يتسلل الى قلبها وتحس بسعادتها منقوصة.. ليت مُصعب يعود من الخارج ويسكن معهم.. ويَدعُ مُعاذ ومُؤيد رفقة زوجاتهم وأولادهم يسكنون هنا، فكم هو موحش افتقاد لمة العائلة..

كانت الأمطار تهطل بغزارة حين وصل لمسامعها صوت ركن إحدى سيارتهم في المصف ورياح عاتية تتلاعب بأغصان الأشجار التي تحف خارج القصر.. لا بد أن زوجها يعقوب قد عاد من حفل زواج نجوم من ذاك الفلاح الأرمل الذي يعيل ابنا وبنتا..

لقد أصروا أن يقيموا لها حفلا بمضافة العشيرة غير أبهين لسوء الأحوال الجوية!

وبمجرد أن أحست بدلوف زوجها حتى وجهت كلامها بحنو لهدى التي أضحت بنتا ناضجة ومهذبة

((اذهبي يا هدى مع الصغيرتين للخارج))

أمسكت هدى يد شقيقتها الصغرى وابنة عمها تقودهما للخارج وهي تلقي السلام على جدها الذي قبلهم ثلاثتهنَّ عند دخوله الغرفة قبل أن يجلس مقابل زوجته ململمًا عباءته حوله ثم قال باستياء

((هل يعقل أن أذهب لحفل عقد قران نجوم ولا يحضر أحد من أولادي معي! أخفضتم هامتي أمام أهل القرية))

تكَّدر وجه زاهية عند إتيانه بسيرة نجوم مرسلة لزوجها تعابير الخذلان منه.. ألا يكفي أنها بالكاد تماسكت غيظها وهي تسمع صخب العرس الذي أقيم بالمضيفة القريبة من قصرهم حيث رافقه أصوات الأعيرة النارية مختلطة بأصوات أهازيج الرجال وزغاريد وأغاني نسوة القرية! فغمغمت بامتعاض

((والله يا حاج أمسك نفسي بشق الأنفس عن معاتبتك لذهابك لعقد قران نجوم، بسببها كاد أن يزج بمَازن بسجن مؤبد.. حسبي الله ونعم الوكيل فيها هي وأمها))

رفع يعقوب إحدى حاجبيه مغيرًا هذا النقاش العقيم

((هل وصلك كلام من النسوة اللاتي يزرنك أن أم نجوم قد خرجت مؤخرا من السجن بعد قضاء محكوميتها؟))

نطقت ملامح وجه زوجته بالجواب بينما تضيف متمتمه والغيظ يلتهمها رغم تمَالك نفسها

((عرّضت حياة ابنتها للخطر أثناء إنجابها، وتسترت على جريمة ابن أختها، وعبثت بالأدلة، واتهمت ابني باطلًا وشهدت زورا ثم تسجن فقط ثلاث سنوات! هزلت، لا والأنكى أنها جاءت بنفسها هنا عندي))

عاد يسألها مستنكرا بعبوس

((جاءت هنا عندك؟))

ردت عليه بانفعال لم يخفت من الحادثة التي تسببت بها نجوم لابنها مَازن قبل سنوات

((نعم جاءت تلك المنحطة لبيتي تتوسل لي أن أعيد الأواصر بينها وبين ابنتها التي قاطعتها تماما منذ سجنها، فطردتها من البيت وأمرت من فيه ألا يسمحوا لقدمها أن تخط عتبة أملاكنا))

ثم أشاحت بوجهها للجانب تسترسل بغضب متقد

((وكأني سأطيق رؤيتها هي وابنتها! ناكرتا الجميل))

أطلق يعقوب نفسا عميقا وبدأ يحرك مسبحته.. قد يكون يوافق زوجته فيما يخص منال، أما نجوم فرغم كل ما فعلته بحكم صغر سنها وقلة خبرتها مع ابنه مَازن، إلا أنه يشفق عليها ويدعا الله كثيرًا أن تجد في زوجها الأمان والسند فهي وحيدة لا أحد لها ليمسح دمعها، وفاقدة لكل شيء يمت إلى الحب والعطف والحنان والرعاية بصلة.. وبحاجة لمن يخفف من وقع ما تعيشه وهول الفاجعات التي مرت بها..

انتشل نفسه من جب دوامات التفكير متسائلا

((أين هو مَالك؟ اليوم إجازته ولم أره منذ الصباح، لم يحضر العرس معي وترك مَازن يعمل في الحديقة لوحده يغرق نفسه في الوحل والطين تحت الأمطار))

تململت زاهية مكانها وهي ترد

((لقد ذهب مع زوجته للتسوق، دعهم يحظون ببعض الوقت سويًا، حتى سمية المسكينة بحاجة لبعض الراحة بعيدا عن صخب الأطفال))

شابت نظرات يعقوب بعض التسلية خاصة وأن الليل قد حلّ ولم يعد ابنه بعد لكنه ناغش زوجته معقبا

((هل هذه هي زاهية من تهتم بمزاج زوجة ابنها! أكاد لا أصدق))

قطبت زاهية حاجبيها وردت

((ولماذا لا تصدق؟ سمية خير الكنّة لنا))

ابتسم يعقوب بتلك الهبة الوقورة وقال

((ها أنا أرى أنه لم يندم أحد من زواج مَالك بسمية، خاصة هما، الحمد الله))

كان يعقوب حقا مبهورًا لحظتها من زوجته والتغير الرهيب الذي طرأ عليها خلال فترة زواج مَالك وسمية خاصة أنها كانت من أكثر المعارضين على إتمام زواجهما ورفضها لسمية لأنها لا تليق بابنها لا سنًا، ولا فكرًا ولا حالة اجتماعية، فتمتم باستحسان

((حمدًا لله على راحة بالهما.. ربي يديمها عليهما))

إلاّ أن زاهية زادت من إبهاره وهي ترد عليه بصدق

((عليّ أن أعترف أن نجاح هذا الزواج، حتى الآن.. يعود لسمية في المقام الأول، فهي بشخصيتها من استطاعت جعله يشعر أنه رجل البيت وحاميه، وفي الوقت نفسه تحاول جاهدة أن تحافظ على جمالها وشبابها لتبدو دائما متألقة فتسعد نفسها وزوجها.. أنا لست ناقمة عليها، لكن من يدري ماذا سيحدث مستقبلا!))

غمغم الحاج مُتنهدا بخفوت ((آه.. أنتنَّ النساء يصعب فهمكن فكيف السَّبيل لإرضائكنًّ حقًا))

=============================

في الصباح الباكر..

لكزت سمية بلطف ابنها المتمدد تحت لحافه الثقيل تحُثه

((إنها السادسة والنصف، استيقظ يا يزيد لمدرستك، يكفيك نومًا))

همس يزيد شبه النائم ووقع المطر المنهمر في الخارج على نافذة غرفته يتناهى إلى سمعه

((أمي إنها تمطر، معظم طلاب صفي قالوا بأنهم سيتغيبون اليوم))

ترققت ملامحها تطالع الجو المكفهر الماطر في الخارج من زجاج نافذته لتمتم بأسى

((معك حق الجو عاصف في الخارج، أنا خائفة عليك))

لكن جاءها الصوت القاطع من مَالك الذي توغل لداخل غرفة يزيد يوقظه بخشونة

((لو أخذ كل طلاب المدرسة إجازة اليوم لن أسمح لك أن تتغيب عن المدرسة متعللا بحالة الطقس في الخارج، أنا سأوصلك بسيارتي لباب المدرسة وأعيدك!))

اعتدل يزيد جالسا بعبوس يزيح غطاءه عن بدنه بسخط من والده الصارم، ثم ناظر والدته يستغيثها أن تقنع والده بأن يسمح له أن يتغيب لكنها طالعته بقلة حيلة فهي لا تقوى على مخالفة رأيه..

تهدّل كتفا يزيد وأعلن استسلامه تاركا فراشه للاغتسال..

وقفت سمية بعدها قائمة تساعد مَالك المشغول بإغلاق أزرار قميصه قبل أن تشب على رؤوس قدميها تقبل كلا من وجنتيه تلثمه حبًا ومودةً كما هي معتادة قبل خروجه للعمل..

تودعه بقبلة وتستقبله بقبلة وتفاجئه إن كان شاردا أو مستغرقا في شيء بقبلة..

ثم همست له بصوتٍ أنثوي رقيق

((انتبه على نفسك أنتَ ويزيد))

ليرد لها غيثا من القبلات الجارفة قبل أن يقطع ما يفعله صوت يزيد الحانق

((ماذا تفعلان هنا!؟ لا يعقل أن أطرق الباب حتى قبل دخولي لغرفتي))

جفلا الاثنان مبتعدان عن بعضهما بارتباك وحرج وقد ادعى مَالك هندمة ثيابه، فقالت سمية متغضنة الجبين

((كنت أعطي والدك احتياط قبلات تكفيه حتى رجوعه للبيت، تعال لأعطيك أنتَ..))

وسارعت تحضن ابنها تنوي أن تقبل كل إنش من وجهه إلا أنه ابتعد عنها صارخًا بدرامية مسرحية

((لا.. لا.. لا.. أنا حقا مكتفي من القبلات..))

ضحكت سمية بخفوت عليه لكن حدقت بوجه ابنها بحب للحظات قبل أن تبارح الغرفة مدركة أنَّ عليها أن تكون هي ومَالك أكثر حذرًا بتصرفاتهم الحميمية أمامه فقد أضحى بِكرها مُراهقا على مشارف الثالثة عشر.. له نفس طولها تماما، واخشوشن صوته وبدأ خط شاربه بالظهور.. وكثير من سمات والده تتوضح عليه..

حثَّ مَالك ابنه أن يرتدي ملابسه بسرعة قبل أن يغادر هو الآخر، لكن صدح صوت هاتفه بإشعار وصول رسالة..

استغرب عندما رأى أن مرسل الرسالة هو سمية التي كانت هنا قبل ثوان فقطٍ.. لكن ما أثار استهجانه بعدها محتوى الرسالة بصورة لإحدى الغِلالات التي رآها في المتجر مرفقة بكلمات منها تشكو شدة اشتياقها له والذي سيتفاقم أثناء انتظارها عودته من العمل..

تصاعدت حرارته وبدأ يهمس لنفسه لاهثًا من شدة اتقاد عاطفته واستثارة حواسه فجأة

((ولكن.. ولكن قلت بأنك لا يمكن أن ترتدي هكذا أمور! تبا يا سمية، كيف سأركز في عملي؟ لماذا أرسلتها الآن، ألم تستطيعي الانتظار حتى ينتهي موعد دوامي على الأقل!))

وكالمغيب وجد نفسه يطلب رقم زميله في المدرسة ويخبره بصوتٍ جاهد أن يكون حازمًا

((ها.. هل تتوقع أن الطلاب سيغيب معظمهم اليوم؟))

وصله صوت الزميل يقول بصوتٍ متكاسل خامل

((نعم، نعم سيفعلون يا مَالك، سآخذ اليوم إجازة، ستنتهي السنة وكشف إجازاتي كامل لم أستخدمه إلى الآن))

كان مَالك يهز ساقه بتوتر عندما وافقه بصوتٍ أجش قليلا

((وأنا أيضًا كشف إجازاتي لا زال كاملًا، أعتقد في جو كهذا لن يأتي أحد من الطلاب فلا ضرر لو أخذنا إجازة))

وعلى الفور أغلق الخط منصرفا من غرفة ابنه إلى جناحه ويغمره إحساس منتشي لتنفرج شفتا يزيد عن ضحكة شقية متأصلة فيه.. ويقفز مكانه وهو يلوح بقبضته بانتصار فرح لأنه سيتغيب عن المدرسة اليوم..

أكمل ارتداء كنزة الصوف المنزلية التي خلعها وناظر الجو العاصف من النافذة والأمطار الغريزة مشفقا على أيّ طالب لا يملك أمًا رائعة وحكيمة مثل أمه تنجح في دفع والده السماح له بالتغيّب.. قبل أن يعود ليدفن نفسه تحت بطانيته يكمل نومه الشّهي ولا يستيقظ إلا بعد قُرابة الساعتين..

ليجد أن السماء لا زالت تمطر والأجواء بالخارج لازالت ترتعد بردا يناقض انتشاء الدفء في الداخل..

كانت والدته قد أعدت له شطيرة خفيفة كإفطار بما أن الجميع يفضل أن يتناوله في غرفته..

فتح حاسوبه الشخصي متمطيا بكسل لذيذ ليعبث بأنامله ينقر لوحة المفاتيح لبدء إحدى الألعاب القتالية الرائجة فى هذا الجيل مع فهد وأصدقاء آخرين مشتركين بينهم..

تفاجئ بشقيقه الأصغر عبد الله يطرق باب غرفته ثم يتقدم منه بخطوات حذرة جدا ممسكا بكأس شاي دافئ ويخبره بكلمات متعثرة

((مـاما.. أخبرتني أن أعطي هذه.. لك.. يزيد..))

اتسعت ابتسامة يزيد ملئ وجهه ليأخذ الكأس من شقيقه الصغير ثم يضعه على المنضدة الملاصقة لسريره.. ولم ينسَ أن يقرصه من كلتا وجنتيه المكتنزتين اللتين تؤكلان أكلا.. قبل أن يحمله ليجلس بجانبه ويشاركه الحماس في اللعب هادرًا

((هيا عبد الله العب معي))

ابتسمت سمية التي كانت تقف عند عتبة الباب متخمة بمشاعر الأمومة وهي ترى يزيد ينجح في تنمية مشاعر المسؤولية تجاه أخيه.. فهو من يرعاه في غيابهما ويحنو عليه ويدرسه أيضًا..

أغمضت عينيها تأخذ نفسا عميقا.. لقد تفرغت أخيرا لتصعد فوق لرجلها الذي ينتظرها على أحَّر من الجمر في جناحهما فبالكاد تركها تكمل إنجاز أعمالها الصباحية.. فتحت عينيها لتشع شعلة صغيرة من الثقة لتشرق بشرتها توردا مُثيرا، كزهرة أصابها ندى الصباح بالانتعاش، وتتألق ابتسامتها وهي ترتقي درجات السُلم إلى فوق..

=============================

منزل فايد والد سهر..

أطلقت سهر زفيرًا ضجرًا ثم تمّطت مكانها بإنهاك وقالت متذمرة من كومة الأوراق الحسابية المبعثرة فوق المنضدة والتي كان يشرحها والدها لها

((أبي أشعر أني لا يمكن أن أتأقلم مع هذا العمل، أنا لا أصلح أن أكون خليفتك في تجارتك أو خليفة أحد آخر، لماذا لم تطلب من قُصي أن يعمل عندك منذ زواجنا حتى يستلمه عنك بعد تقاعدك!))

رمى فايد القلم بيده فوق الطاولة بفظاظة وهتف بعصبية من استهانة ابنته التي لا تأخذ شيئًا على محمل جدية في الحياة

((ولماذا قد أجعل قُصي خليفتي في تجارتي هذه بدلا منك!؟ بماذا يزيد هو عنك!؟ اتركيه في حاله وفي عمله، وركزي في أعمال عائلتك، ليس عندنا ابنة غيرك))

تغضن جبين سهر بالضّيق، فخفتت حدة انفعال فايد يحث نفسه على التحلي بصبر جميل فابنته عاشت لأكثر من ثلاث عقود حياة مليئة باللّهو معدومة للمسؤولية ولن يكون عليها سهلًا الآن التأقلم مع جدية العمل والتزاماته التي ستُلقى على عاتقها عندما تصبح المسؤولة عن تجارته والموظفين عنده.. فاكتنفت نبرته الهدوء وهو يقول بحكمة عاقل

((أنا لا اطلب منك يا سهر أن تقومي بأمر خارق يحتاج منك خبرة سنوات، أريد فقط منك أن تدركي الأمور الأساسية في إدارة عملي حتى لا يتلاعب أي موظف هنا في العمل الذي سترثيه منا، لقد نجح قُصي وتحول من رجل لا يفهم شيئًا في أمور الحياة والعمل الى مهندس قدير له مكانته، وخلال سنوات قليلة، فلماذا لا تتعلمين منه؟ قُصي ليس بأفضل منكِ بشيء))

أومأت سهر لوالدها موافقة إيًّاه مما جعله يربت بخفة فوق كتف ابنته مشيدا بقوة

((ابنة جيدة أنتِ يا سهر))

شقت ابتسامة على شفتيها.. تزامُنًا مع دخول والدتها التي تحمل كايلا فتضعها أمام فايد.. لتنطفئ نظرة التعب في عينيه وتحل مكانها نظرة حنان ولهفة وهو يداعب مع زوجته حفيدتهما الوحيدة باستمتاع..

لمعت نظرات سهر بحنو متمنية أن تجلب طفلًا آخر، فقط من أجل والديها رغم أنها لم تشعر هي أو قُصي بحاجة لإنجاب غير كايلا فهي تملأ حياتهما بهجةً..

ما لبثت أن صممت أن تفعل ذلك إذا شاء الله وتنجب ابنًا آخر يضفي صخبًا وصراخًا على الأجواء كلما جاءت لزيارة منزل عائلتها الهادئ رغم كل المعاناة والتعب اللذين تشعر بهما يرافقانها في تربية وحيدتها.. فمنذ إنجابها لكايلا وهي تشعر أن حياتها لم تعد لها ولا لأنشطتها الخاصة بها، خصوصا أنها ترفض طلب نقودا لاستئجار مربية من والديها حتى لا تُصغر شأن قُصي وراتبه المتواضع أمامهما.. فكايلا ترهقها طوال النهار، وتمتص طاقتها بجعلها تجري خلف متطلباتها ورعايتها المتعبة، لينتهي الحال بها مجرد أم بائسة ومرهقة طوال الوقت، لا تجد وقتًا للترفيه عن نفسها، فتملؤها المشاعر السلبية عن ذاتها..

حتى أنها أحيانا تفكر أن ترمي بكل إحباطاتها على قُصي، فليس هذه هي الحياة الزوجية التي صورها لها طوال فترة خطبتهما.. قبل أن تتراجع مدركة أنها كما تعاني في تربية كايلا ومجالستها طوال النهار فهو يعاني الآخر في الخارج في عمله ليوفر لها مستوى معيشي ورفاهية مقبولة فلا يتم اتهامه من قبل والدتها أنه تزوجها حتى يعوض حياة الترف التي فقدها بسب عمه..

ففي نهاية المطاف قُصي يشقى ويتعب في الخارج ويتعرض للإذلال والتوبيخ أحيانا من مدير عمله عند أي خطأ أو تقاعس.. إنها تعرف أنه لا يريد منها أن تعرف حرجه بكل ما يقاسيه على نقيض ما يخبرها عن فخره بنفسه كمهندس صار ذو مكانة.. وعلى كل حال الحياة ليست دائما مكانا للهو والسفر والاستمتاع بملذاتها فقط، وقٌصي لديه من الهم ما يكفيه، لذا هي حقا تحاول جاهدة ألا تشغله بهمومها في تربية ابنتهما بعد عودته من عمله وتساعده على تجاوز صعوبة الواقع ببعض الدعم والمودة..

.

.

أصّر والدا سهر على جعل كايلا تنام عندهم الليلة فأظهرت سهر لهما حُزنًا مصطنعا لأن ابنتها الحبيبة والوحيدة ستنام بعيدة عن أحضانها الليلة ثم ودعتهما مهرولة للخارج قبل أن يغيرا رأيهما وهي تخطط أن تقضي وقتًا مميزا مع قصي هذه الليلة..

حيث أُتيحت لها فرصة على طبق من ذهب لترتاح من كايلا ومشاكستها.. ستهمس في أذنه عن اشتياقها العارم له وتنسيه تعب عمله في النهار..

ركنت سيارتها أمام الفيلا ثم اتجهت نحوها لتفتح الباب وتفاجئ بوجود ضيف عندهم! دلفت لغرفة الضيوف لتجد أن هذا الزائر ما هو إلا والدة قصي.. ألقت عليها السلام بتهذيب وبعد دقائق معهما استأذنت منها لتعد لها شرابا دافئا.. لم تتأخر كثيرا في تقديم الصينية أمام حماتها روزانا التي كانت تخرج أوراقا مختومة من ظرف فخم..

تطلعت سهر لقُصي باستفهام ليبدده لها قائلا بصوت يكتنفه الجدية

((تعالي يا سهر وانظري ما تعرضه أمي عليّ))

عقدت سهر ما بين حاجبيها بعدم فهم ليستطرد قصي بنبرة مبحوحة تشي بسعادة متفجرة في داخله

((هذه الأوراق هي ملكية مكتب هندسي صغير مسجل باسمها ستنقله لإسمي لأبدأ العمل فيه))

أشرقت ملامح سهر بفرحة وهتفت غير مصدقة من باب الفرج الذي انفتح على قُصي

((هل ما يقوله قُصي صحيح يا حماتي؟))

ابتسمت روزانا بأناقة ثم قالت بنبرتها المخملية المترفعة

((لقد راقبتك جيدا خلال ثلاث سنوات المنصرمات يا قُصي، جديتك في العمل داخل المكتب الذي تعمل لصالحه، والآن فقط وجدت الفرصة سانحة لأطلعك عن أمر هذا المكتب الهندسي، سأسجله باسمك ولكن ستعمل فيه كمهندس عادي، وسترتقي درجة تلوى الدرجة بجهدك ومؤهلاتك قبل أن يكون بإمكانك إدارته كاملا))

اندفع قصي نحو أمه يحتضنها بكل قوته هاتفا

((أحبك يا أمي، أحبك، أحبك جدًّا، أخيرا غدوت تتصرفين كأم حقيقية لا عدوة لي))

ابتعد قُصي عن أمه الواجمة وهي تسوي خصلات شعرها التي أفسدها ابنه في خضم عناقه الممتن، ثم عادت تبتسم بنفس اللباقة المتأصلة بها ثم تشمخ هادرة بتلك النبرة المتكلفة

‏((قُصي عليك أن تدرك أن الناس من حولك خاصة عمك ليسوا أعداءك بالضرورة ولم يتفقوا على كرهك ونبذك، إنّما هم يعيشون لمصلحتهم قبل أن يفكروا بوجودك من الأساس))

رفرف قصي بعينيه ولم يكن قد خطر على باله أن ينظر للأمر من هذه الزاوية، لكن لم يكن يهتم لشيء إلا ببهجته العارمة بملكية المكتب الهندسي.. أما روزانا فمن منطلق دهائها لم تكن لتعطي قُصي هذا المكتب الهندسي بدون أن يمتهن هذه الوظيفة قط حتى لا تخسره! ولو لم يثابر قُصي في عمله ويكتسب الخبرة المطلوبة كمهندس لم يكن ليحلم أن تطلعه عن وجود هذا المكتب أساسا!

مالت روزانا تعدل هندام ابنها وتقول بنبرة بطيئة

((أنتَ الآن تستحق يا بش مهندس هذا المكتب أن يكون لك، فلتبهرنا بقدراتك))

ازدرد قُصي ريقه ثم قال بنبرة مغلفة بالامتنان

((سأفعل يا أمي.. وسترين بنفسك))

أشادت روزانا عليه بهدوء أنيق

((أحسنت بُني، بدأت الآن تسير في الطريق الصحيح، الآن أنتَ جاهز لتستحوذ معنا على شركة القاني تدريجيا واستعادة حقكم فيه كاملا))

قطب قصي حاجبيه باسترابة

((لم أفهم يا أمي!؟ من تقصدين بكلمة "معنا"؟))

انزلقت شفتا روزانا بابتسامة جانبية وهي تقول بكلام يبطن بذكاء ملفت منها لكن مستتر بخبث

((قصدي واضح يا قصي، أنا وأنتم أولادي الثلاثة علينا أن نعمل على السيطرة على كل إنش من شركات القاني لنستعيد حقنا في امتلاكها كلها كاملة، عمك فارس مريض قلب، أدعو الله ليل نهار أن يقرب أجله ويريحنا منه، وحتى ذلك علينا أن نكون مستعدين لهذه اللحظة، بالتصرف بذكاء وهدوء من تحت الطاولة))

بدت الخطة مُرضية جدًّا في عقل روزانا وهي تكمل بحماسها بينما تشبك أصابع كفيها ببعضهم

((ولا تقلق بشأن ذلك الدّخيل يوسف جرو عمك فأنا أعرف سرّه بمسألة إدمانه وبلمح البصر أستطيع أن اكشفها أمام كل أصحاب أسهم شركات القاني وطرده من مركزه الكبير شرّ طردة، فلا يمكن لوضيع أصل مثله أن يبقى في تلك المكانة في الشركة طويلا))

كانت نظرات روزانا مشعة حقا بالخبث وهي تتأمل بصبر المخطط الذي تعّده ليوسف وغيره ممن يقف بطريق أولادها نحو تسلم إدارة الشركة..

دمدم قُصي من بين أسنانه بسخط

((ألا زلتي مُصرة جدًا حول مسألة إدمانه كذريعة لطرده من الشركة!؟))

تحت نظرات سهر المستهجنة التي لم تكن تدرك شيئًا عن تعقيدات عائلة قُصي، تجهم وجهه ثم أكمل يضع حدًا لطمع والدته الذي يحجبها عن العديد من الحقائق التي تخصه معه

((أمي توقفي عن هذه الترهات، توقفي عن اتهام يوسف كذبًا وزورًا بالإدمان، إنه أكثر فطنة منَا جميعا، ثم بأي حق تريدين أن نمتلك أنا وإخوتي فقط شركات القاني؟ أنسيت أن لعمي فارس أولادًا من صلبه لهم الحق في ورثته حتى لو كانت صِلاتهم منقطعة منذ سنوات طوال؟))

عبست روزانا لأن ابنها الأبله قصي لا يعرف شيئا عن يوسف الذي يضاهيها مكرًا ويظنه طيبا لمجرد مسكنته وتذلله أمامهم.. لكن قصي أمسك بكفه الخشن يد والدته ليتابع بعتاب

((توقفي يا أمي عن خططك الشريرة ولا تنجرفي نحو قاع الطمع.. أنا سأكتفي بأخذ هذا المكتب الهندسي وأعمل على تنميته وتطويره راضيًا بأن يكون نصيبي من ثروة عائلة القاني وتعويضًا عن أموال أبي التي نهبها عمي منا))

انتصبت روزانا واقفة بحدة وهي تنفض يده عنها بنفور من قناعته.. وكانت تريد الاعتراض على تفكيره هذا لكن ولأنها عرفت مسبقا أنه سيكون عبثا فقط، أطلقت زمجرة خافتة تكتمها بشق الأنفس لتهدر بعدها بغيظ

((حسنا، حسنا يا قصي، ابقَ كسولًا وقنوعا هكذا واستمتع بهذا الفتات البسيط الذي تقتاته من ثروة عائلة القاني، وفي آخر المطاف تعالي عندي لتنوح أمامي كالنساء وتطالبني أن أستعيد مَالك الذي سرقه عمك الشرير منك مستغلًا يُتمك.. سلام))

واستدارت بكُليتها بكبرياء تنتصب هامتها بعلياء رغم كبر عمرها قبل أن يهتف قصي مناديا إياها يعترضها بذراعيه لتقف مكانها ((أمي..))

زرعت ابتسامة على شفتيها متأملة أن يكون كلامها قد حرَك فيه حَمِيته وغيَر رأيَه ليكمل قصي مبتسمًا

((لم تشربي الشاي الذي ستعده سهر لك، لا يمكنك الذهاب دون أن نضيّفك))

طحنت ضروسها بغيظ ثم طرقت بعنف الأرض بكعب حذائها قبل أن تغادر بغضب أربد داخل الغرفة..

تطلع كل من قصي وسهر في بعضهما بحيرة من غضب أمه المستعر قبل أن يجفلا بفزع عندما صفقت باب الفيلا عاليّا وهي تغادر للخارج..

قالت سهر بعد ذلك بوجه طلق تدعمه

((لا تهتم عزيزي، سوف تسترجع هدوءها ورضاها عنك في النهاية))

ثم أكملت بنبرة عابثة

((كايلا بقيت عند أمي، سأجهز لك الليلة أمسية أجمل من الخيال))

التمعت عيناه بالسعادة وبدأ يعد معها التراس ليسهرا عليه بما أن الليلة ستكون هادئة بدون أيّ هطول متوقع للأمطار..

أشعلا المدفأة المصممة لتوزع الدفء في كل الاتجاهات ثم جلسا على مساند قديمة هناك ولم يكن شيء يضاهي صوت الحطب وهو يحترق متأججا بينما النار تبعث الدفء في نفسيهما..

بدا الجو لطيفا رغم البرودة في الخارج، والقمر منيرا، وكانت سهر قد طلبت طعاما جاهزا.. عندما وصلت الشحنة فتح قصي علب الطعام لها وبدأ يطعمها قطع الدجاج.. ليقول فجأة بصوتٍ شجن

((رغم أن هذه الفيلا كانت مقر عائلتي بفترات الصيف وكنا نقضي أشهرًا طويلة كل سنة إلا أن أول مرة أمضيت وقتا لطيفا على التراس ورأيته كبقعة مميزة جميلة كانت معك أنتِ))

تألقت ابتسامة جميلة على شفتي سهر تبادله الأحاسيس الهائمة التي تبدع في إظهارها له فتسلب لبه..

منذ زواجه منها وهو يعيش حقا أجمل لحظات حياته، شاعرًا أنه امتلك الدنيا بما فيها، يستلذ بقربها ويهيم بوجودها.. فهي له كالنبع كلما اشتهى نهل منها..

دائما ما كانت أمه مصرة على أن حبه لسهر فقط لجمالها وسرعان ما سيزول انبهاره بها عاجلًا أم آجلًا.. لكن مالا تعرفه أنه حتى لو كان جمال سهر وهوايتهما المشتركة هما من أسباب انجذابه لها في البداية.. يبقى سبب حبه لها المتأصل في قلبه والعميق هو أنه وجد في سهر ما كان يفتقده في نفسه..

هي لم تكن فتاة أديبة وراقية وهادئة يومًا.. لكنها في المقابل شخصية عملية ونشيطة وتضج بالتحدي.. فعلى الرغم من أنها ابنة رجلٍ ثريٍ جدًا إلا أنها سبق وعملت في العديد من الأماكن منذ أن بلغت سن العشرين.. ليست كفتيات مجتمع أمه، ليست من نوع الفتيات التي تهتم كثيرًا بملابسها فغالبًا ما ترتدي ملابس عملية ثمنها في متناول اليد.. شعرها دائمًا على طبيعته لا ترهق نفسها بتصفيفات معقدة.. وجهها دائمًا خالي من مستحضرات التجميل فجمالها رباني.. ورغم كل ذلك ثقتها بنفسها هي الطابع الأقوى الذي يهيمن على الهيئة النهائية لها..

ضبطته سهر مستمر بالنظر لها بتلك النظرة المتفحصة المبهورة فانفرجت منها ضحكة خافتة تلكز ذراعه بذراعها لينتبه لها، فضمها له يهمس لها بمزيد من الغزل والحب..

=============================

في مكان آخر في العالم.. حيث الأجواء صيفية..

يعيش مُصعب ونورين.. وحان وقت إجازتهم بعد انتهاء أيام صعبة ومرهقة من الاختبارات والأبحاث..

انطلقوا بعد إحضار بعض الأطعمة والمشروبات إلى بيت كبير على الشاطئ استأجره مُصعب ليومين..

أغمضت نورين عينيها والنسيم الخفيف يلامس صفحة وجهها.. بل الحقيقة أن كل شيء في الأجواء كان رائعا ويمنح الراحة للنفس.. الهواء المنعش، الشمس الساطعة، السماء الزرقاء، ومنظر البحر الرائع الذي انعكست عليه أشعة الشمس.. حتى أنها التقطت العديد من الصور لهذه المناظر الطبيعية كما تفعل كلما رأت منظرًا خلابًا..

بمجرد أن وصلوا لبيت الشاطئ ارتدوا ملابس السباحة وبدأوا يسبحون في المياه الصافية.. حتى ملك الصغيرة التي لم يتجاوز سنها الأربعة سنوات كانت سباحة ماهرة كسمكة صغيرة، كما يدأب مُصعب تسميتها فهي تعشق السباحة كأمها التي غدى لقبها هو السمكة الكبيرة..

مرَّ وقت لم يكن بالقليل عليهم وهم يعومون داخل المياه الزرقاء الدافئة ويلعبون بكرة المياه ويضحكون بصخب عندما خرج مُصعب من البحر إلى الشاطئ وقدميه تنغرز بحبيبات الشاطئ فتدخل بين أصابعه، ثم غيَّر ملابسه إلى أخرى جافة واستقر مع أغراض الشواء تحت شجرة مظللة..

منذ قدومهم إلى هذا البلد للدراسة وهو يحاول ألا يبخل عليهم في الخروج والتنزه في العطل والمناسبات وقضاء أوقات لا تنسى.. فقاموا خلال الثلاث سنوات بجانب الدراسة بالكثير من الرحلات الاستكشافية خارج المدينة التي يقطنون فيها والتعرف على تقاليد هذا البلد الذي يعيشون فيه، والاستمتاع بمأكولاتهم وحضور مهرجاناتهم وشراء الهدايا التذكارية الشعبية.. حتى غدوا يعرفون جيدًا ثقافة وأسلوب حياة جديدين.. فالسّكان المحليون ودودون ومضيافون، والمطاعم مفتوحة حتى وقت متأخر من الليل حيث توجد عائلات بأكملها تتناول الطعام، كذا المنتجعات المعروفة المنتشرة بكثرة في أرجاء البلاد، لديها نوادي للأطفال فتظل ابنتهما ملك مستمعة وسعيدة..

بعد فترة وجيزة هتف مُصعب عاليا إلى حيث نورين مستقرة هي وملك في البحر لكن لم يبدو أنهما انتبها له.. فتقدم من البحر لهما وهنا لاحت نظرة من نورين تبتسم بمرح وهي تلوح له وتسبح باتجاهه.. مال يمد يده لها يساعدها على الخروج من البحر فتمسكت بكفها بقوة.. تساءل مُصعب فيما يشبه الدعابة وهو ينظر باتجاه ملك

((ها قد أطلت السمكة الكبيرة، أين هي سمكتي الصغيرة؟))

هتفت نورين خلفها بصوتٍ يضج مرحا من بين ضحكاتها المفعمة بالمتعة

((سمكتي الصغيرة.. هيا.. تعالي))

سبحت ملك باتجاه أمها وكأنها حورية بحر تسبح خلال بحر من حلوى غزل البنات وما إن اقتربت منها حتى قفزت باتجاهها فالتقطت نورين ابنتها ورفعتها تدور بها على الشاطئ مغمورتين بالمياه

((سمكتي الجميلة محظوظة لأنها تعرف السباحة في هذا العمر، أنا لم أتعلمها إلا بعد زواجي بأبيك))

لحقت نورين زوجها إلى الشجرة حيث موقد الشواء قد التهب فيه الفحم وتصاعدت منه الرائحة المنعشة..

قامت ملك ونورين بتغيير ملابسهما وبعفوية أخرجت نورين هاتفها لتلقط صورة لملك وهي تحثها على الابتسامة ليأتيها صوت مُصعب المنبه فسارعت تقاطعه قائلة بكلمات رتيبة تحفظها عن ظهر قلب

((لا تقلق، سأرسلها لأمي فقط))

قال مُصعب عاقد الحاجبين وهو يبدأ بتجهيز أسياخ الشواء ويضغطها بقوة ومهارة بعد تتبيلها

((أحسنت، إيّاك أن ترسلي أي صور لعائلتي، حتى لا يقولوا بأننا سافرنا للسياحة لا للدراسة))

ضحكت نورين عاليًا بصفاء على كلامه المعتاد كلما رآها تلتقط صورًا لملك لتعقب

((لا تبالغ، صدقني لا أحد يتمنى لك الفرح والسعادة مثل عائلتك))

تذمّر لها مُصعب مبررا بدفاعية

((أعرف ذلك، أنا فقط لا أحب أن يضغطوا عليّ ويلحوا على عودتنا معتقدين أننا هنا للاستجمام لا للدراسة))

أعدت نورين السلطة الخضراء.. بينما نضجت أسياخ اللحم على الجمر ليبدأ مُصعب يعد لهم شطائر المشاوي..

في أثناء تناولهم وجباتهم رفع مُصعب شوكة كانت على طبق جانبي فجأة مباغتًا نورين يقول

((وضعت على قطع اللحم هذه بهاراتك المفضلة))

لمعت عينا نورين بلهفة ومدت يدها لتأخذ الشوكة منه إلا أنه سحبها، وأشار إلى رغبته في إطعامها بنفسه، فامتثلت له وأكلت من يديه ونظرات الحب تتلألأ بعينيها..

عفريتته تعشق تدليله وإطعامه بيدها حتى لو كان بمكان عام وإشعاره بأنه أمير فلا يستطيع ألا يفعل ذلك في المقابل..

وبعد الانتهاء من الطعام ذهبا الاثنين لمساعدة ملك في جمع الأصداف ثم قاموا ببناء قلعة رملية بالغرامة، وأثناء قيامهم بذلك رأوا سلطعونًا صغيرًا جميلًا يمشي على الرّمال فعلَّم مُصعب ملك عن ماهية هذا الحيوان وحيوانات أخرى تعيش في الشاطئ..

كانوا متعبين بعد القيام بكل هذه النشاطات إلا أنهم جميعا شعروا بسعادة غامرة والتقطت نورين لها مع عائلتها الصغيرة صورا كثيرة.. تمشوا على الشاطئ لمدة طويلة وعند غروب الشمس جلسوا يشاهدون قرص الشمس يختفي بالأفق بينما تطاير الأمواج..

وبعد استرخائهم لوقت طويل أمام هذه المنظر البديع ذهبت ملك الصغيرة بصنارتها اللطيفة لتجلس بالقرب من والديها عند الشاطئ للاصطياد، في كل مرة يأتون هنا تمر ساعات وتفشل في اصطياد شيء لكن شعرت بإحساسها الطفولي البريء أن هذه المرة ستنجح!

قالت نورين فجأة لمُصعب بصوتٍ مفعم بالحماس

((لا أصدق أني بعد سنة سأنال درجة الدكتوراة في دراستي، سأُدرس في إحدى الجامعات القريبة عندنا وأصبح الدكتورة المهندسة نورين الهنادل))

ابتسم زوجها يومئ لها فهو أكمل رسالة الماجستير وأرتأى أن يتوقف عند هذا الحد وما يدفعه للبقاء هنا هو حتى تستكمل نورين دراستها..

حانت منه نظرة لها قائلا بعبث

((هذا فقط أمام الناس، لكن بالنسبة لي ستظلين العفريتة نورين وسمكتي الكبيرة والدة سمكتي الصغيرة ملك))

صدح منها ضحكة صاخبة على كلامه، إذ أنه ومنذ قدومهم هنا قام بتسجيلها في نادي سباحة حتى تمارس هوايتها المحببة في السباحة وليس أي نادي بل واحد كبير، من أرقى ما يكون، ماءه نظيف ومعقّم بالكلور، وتراقبه امرأة مهمتها الحفاظ على سلامة من في المسبح، وعلى الزاوية توجد آلة للعصير والبسكوت والأطعمة المغلّفة..

لكن لمعت عيناها ببريق ملفت لتقول بصوتٍ محمل بذكريات الحنين للماضي التي تجتاح قلبها بين الفينة والأخرى

((صحيح أني سجلت بواحد من أكبر نوادي السباحة منذ قدومنا إلى هنا، وتجربة السباحة فيه لا تُنسى، ومن شأن مشاعر السعادة التي تغمرني فيه أن تكون أجمل ذكريات سباحة في حياتي، إلا أنها لن تكون بقدر المشاعر التي غمرتني عندما زرنا أنا وأنت مزرعة البركة لأول مرة))

حتى أنها تذكر في ذلك المشهد كيف بقيت تحدق بمُصعب طويلا وتتساءل كيف يمكن أن تكون شخصيته بكل هذا التناقض..

كيف يمكن لرجل أن يكون بارد المشاعر وينبعث منه الدفء.. حازم في تصرفاته ويعاملها بحنان.. يظهر الجفاء ويتفاعل باهتمام.. غاضب وهادئ.. ساكن وثائر.. والثابت فيه شهامته، نبله، ودماثة خلقه!

فلم تستطع رغم تخوفها وعدم تأقلمها في المكان ألّا تتصرف بطيبة صادقة وعفوية معه..

أما هو فامتلأ قلبه بالحنين لهذه الذكرى، وامتلأت نظراته بالشجن يواجه وجهها متسائلا بصوتٍ مبحوح

((هل تشتاقين للقرية؟))

أرخت أجفانها وهي تجيب بصوتٍ أجش

((نعم أشتاق لقريتينا جدًّا))

لا تنكر نورين أنهم يعيشون هنا في أجمل المدن المتطوّرة ذات الشوارع النظيفة.. والبنايات اللّامعة.. والمراكز التجارية العملاقة.. والمطاعم المتنوعة.. ومع بشر من مختلف الأعراق والثقافات.. لكن في نهاية اليوم تدرك أنها مهما أحبت هذه الأماكن وانبهرت بها فلا أجمل من تلك الأيام التي قضتها في قريتها وقرية مُصعب بعد زواجها منه.. حيث تركت أثرها الأجمل في روحها وترسخت من الدَّاخل بالحب والنقاء والضحك اللاَّمحدود.. فكانت تصحو في الصباح الباكر على رائحة الخبز الصاعدة من التنانير الموقودة بالحطب وسعف النخيل.. وتذوّق حليب الأغنام مع صوت العصافير العذب في الأجواء..

ما أجمل قريتها وطبيعتها! وما أشد صلتها بقلبها!

ظلوا جالسين على الشاطئ لوقت متأخر يتجاذبون الكلام والذكريات البعيدة وهم يأكلون وجبات خفيفة كالبيتزا بالجبن وفطائر اللحم الشهية أمام رؤية مشهد بديع لمجموعة نجوم درب التبانة وقد وعدهنَّ مُصعب بأخذهم في الغد إلى القارب الزجاجي، ليتمكنوا من رؤية الأسماك الملونة المختلفة الرائعة وأنواع كثيرة من الحيوانات المائية والتصوير معها..

وعندما بدأ الجو يزداد برودة هتف صوت مُصعب في ابنته

((أيتها السمكة الصغيرة لنعد لبيت الشاطئ))

أومأت ملك بطاعة تتثاءب وقد بدأ يداعبها النعاس وقبل أن تقف شعرت بسحب على عمودها فتراجعت للخلف وعلقت السمكة في المسند.. فبدأت تحاول جذبها من الماء مدركة أنها سمكة كبيرة وهي تصرخ بحماس..

ساعدة مصعب في إخراجها والتقطت نورين لهما صورة وهم يمسكون بالسمكة قبل أن يرمياها في الماء، ويعودوا إلى منزل الشاطئ حيث داخله يغمر كل واحد منهم نفسه في حوض الاستحمام الحار..

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...