كانت ياسمين ترتب الملابس في رفوف الخزانة عندما شعرت فجأة بيد تمسك بذراعها وبلمح البصر تستدير بكلها بقوة طفيفة، ليحضنها في صدره.. لم يمهلها أن تستوعب حضوره.. لكنها تعلم أنه هو.. من رائحة عطره.. من لمساته..
بتلقائية تامة كانت تلف ذراعيها حوله تحتضنه كما يحتضنها بحب وكأنها لم تره عند مغادرته للعمل صباحا..
تبسّم بهيام وهو يغمر أصابعه في ملمسه مخمنًا أي نوع بلسم شعر استخدمت ليفوح عطره من شعرها الكثيف المُسرح ناعمًا والذي استطال حتى منتصف ظهرها هكذا! فهي غدت تولي شعرها اهتماماَ خاصاَ..
رفعت ياسمين وجهها له وعيناها تشتاقان متعة النظر لحبيبها خفيف الروح والذي صارت لها معه حياة جميلة، ومشاعر منعشة حدّ الإدمان.. فمعه فقط أصبحت تشعر أنها تحيا بعد أن كانت مهمشة، سعيدة بعد أن كانت تعيسة..
قال ينتشلها من بؤرة خواطرها
((سأذهب للاستحمام وأريد أن أخرج على رائحة الغداء الشهية))
ابتسمت له بحنو وهي تعلمه
((إنه جاهز فاستعجل فقط لنأكله بصحبة العائلة))
.
.
وبعد الانتهاء من تناول الغداء بمعيّة العائلة.. دخلت ياسمين لجناحها لتجد مَازن كالعادة أمام البلايستيشن ينافس هدى التي كبرت وأضحت أكثر نضجًا، تهذيبًا.. كانت نحيلة الجسد بشعر داكن وقصة صبيانية، وطول قامة كأكثر سمة واضحة ورثتها من والدها..
فابتسمت بحنو لمرأى الحماس بينهما وهَنا الصغيرة تجلس في حجر والدها وتهتف عاليا مشجعة إيًّاه..
انتبه مَازن لوجودها فحانت نظرة منه اتجاهها ليقول بنبرة دفاعية ونظره مركز على شاشة اللعب أمامه
((لم أجلس سوى ربع ساعة على البلايستيشن))
تقدمت نحوهم لتقول بنبرة مرحة
((وهل قلت كلمة اعتراض! يمكنك اللعب بقدر ما تشاء يا حبيبي))
تنحى تركيز مَازن عن اللعبة قليلا ليناظر ياسمين قائلا بنبرة ذات مغزى
((شكرا لك يا ياسو لأنك أحببتني رغم عيوبك))
ضيّقت عيناها تصحح له بنفس المرح
((تقصد عيوبك أنت؟))
انزلقت شفتاه عن ابتسامة جانبية وهو يرد بثبات
((لا، لا، قصدت فعلا عيوبك أنتِ))
تجهمت ملامحها فجأة له وأخرجت لسانها فردها لها قبل أن يعيد تركيزه للشاشة ويجد هدى على وشك أن تربح.. وفعلا هزمته هزيمة ساحقة ثم قفزت مكانها هاتفة بانتشاء الانتصار..
ضحك عليها قبل أن يرى ابنته هَنا تصفق فرحا لفوز أختها الكبيرة فيدعي العبوس وخيبة الأمل من موالاة صغيرته لفوز أختها، ليندفع عليها بدغدغة مشاكسًا إيّاها وهي تنفجر ضحكا لا تقاومه..
في مشهد كهذا تتغير ملامح ياسمين من الواجمة إلى أخرى تعتريها الحنيًّة والسعادة..
هي وبعد تحمل مَازن المسؤولية تعافى من إدمانه الرهيب منها وبدلا من أن يبقى لساعات طوال أمامها صار لا يتجاوز لعبه ساعة أو ساعتين في اليوم.. فلم قد تكره أن يمارس زوجها مع ابنتيهما أكثر شيء يحبونه طالما أن لعبه يصفي ذهنه وأفكاره ويبعده عن إرهاق العمل في الشركة أو عمله في المزرعة في أيام العطل..
على العكس هي تحاول أن توفر له كل ما فيه راحة له أثناء لعبه فتجلس بجانبه وتطعمه بيدها وتتشارك معه أحاديث كثيرة.. وقد يكون أحيانا صمتًا ناطقًا خاصا بلغة العيون بدل الشفاه في وجود ابنتيهما..
فتحت ياسمين خزانتها وأخرجت ملابسًا تخص الخروج وبدأت تسرح شعرها فالتفتت هَنا لوالدها معقبة ببراءة الأطفال وهي تراه سارح في جمال أمها المبهر وشعرها المسترسل الطويل
((بابا.. ماما شعرها طويل.. أنا وهدى قصير..))
كان مَازن دائما ما يحث ابنتيه على قص شعرهما لأنه يميل للتجعد ويتعبه عندما تطلب أحداهما منه أن يقوم بتضفيره، على عكس ياسمين التي حقا لا يتخيل أن تقرب المقص من شعرها وتجعله يعيش أسوء كوابيسه!
فاتسعت عيناه بغضب ظاهري أمام هَنا لتذكره أمر قصّ شعر أمها، بغتة اندفع يضمها ويدغدغها بقوة مرة أخرى فتكاد تبكي من فرط الضحك ولا تستطيع هدى المستمتعة معهما تخليصها من والدها..
ابتعد مَازن عن هَنا ما بدأت فعلا تلهث من الضحك جراء دغدغته وقال مدعيا الحزم
((لا يهمني إلا شعر أمكما، وأنا لا يمكن أن أتخيله إلا طويلا))
هزّت ياسمين شعرها بيأس منه قبل أن تعقصه وتقوم بارتداء حجابها وهي تُعلمه
((سأخرج الآن يا قمر الدين، هل تحتاج إلى شيء؟))
بدا مَازن حائرا وقد نسي السبب الذي ستخرج له كما أخبرته في الأمس فتساءل
((إلى أين؟ لتوصيل طلبات الملابس للمرأة التي تعملين معها؟))
ذكرته بهدوء يشوبه الفرح بين طياته
((سأذهب الى صديقتي))
رفع مَازن حاجبيه متذكرا، وقد كان حقا سعيدًا لأن ياسمين استطاعت التواصل مع صديقتها المقربة بعد سنوات من الجفاء والفراق، لأنها أضحت امرأة مختلفة محبوبة واجتماعية ثم قال لها وهو يعتدل واقفا
((سأوصلك بنفسي))
ناظرته بحب متدفق وقالت بدلال
((لا تتعب نفسك..))
اقترب منها يحتضن وجهها النحيف الجميل بيديه هامسا بنبرة مميزة
((تعبك راحة حبيبتي))
بعباءتها السوداء والوشاح يغطي شعرها خرجت ياسمين في الباحة الداخلية للدار واستقلت المقعد الأول للسيارة التي يجلس فيها مَازن.. سيارته الخاصة التي اشتراها بمدخرات مرتبه..
ثم انطلقت السيارة بهم جميعا ليوصل ياسمين لصديقتها في حين أخذا معهما هدى وهنا ليزروا خالهما المحبوب مجيد..
كانت ياسمين حقا سعيدة في هذه اللحظة لأنها استطاعت أن تعيد أواصر السعادة مع صديقتها القديمة.. فصارت تتحمس بين الحين والآخر الالتقاء بها وزيارتها، وقد اكتشفت بعد وقت من العتاب والأحداث التي مرت عليها بأنها ما زالت على حالها، بسيطة، طموحة، كثيرة المزاح والضحك.. فتواعدت معها أن لا تفترقا أبدا، وأن تجددا صداقتهما من جديد وأن يعتبرا البعد الذي حدث لهما في الماضي سوء فهم وانتهى..
=============================
ركنت شيرين سيارتها أمام المكان المنشود.. ترجّلت من السّيارة ورفعت رأسها تستدل بإشارات الطريق المؤدي إلى سجن إصلاحية النساء..
فقبل أسبوعين، بُلّغت بالموافقة وتم تحديد موعد لها لتقديم دورة تدريبية لنزيلات إصلاحية النساء بمحافظة أخرى، يحوي عدة ورشات على مدى أسابيع..
جاءت لها فكرة تقديم برنامج تدريبي للنزيلات عندما تفاجأت الشَّهر المنصرم بمُعاذ يأخذها رفقة ابنيهما الى مهرجان خاص بالثقافة والفنون..
في البداية اندهشت من دعوته تلك لهم فهكذا أماكن لا تستهويه أبدًا لكن عرفت أن سر اصطحابه لهم هناك حتى يأخذهم إلى البازار الخاص بالمهرجان..
وبعد تجولهم داخل البازار عرفت أنه متخصص بعرض منتجات يدوية لنزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل.. حيث خصصت إدارة المهرجان جناحًا لعرض مُنتجاتهم، إسهامًا منها في تقديم الدًّعم ماديًّا والأكثر معنويًا لهذه الفئة..
فظًّلت آنذاك شيرين مع دارين تتجولان بانبهار بالمعرض بين المطرزات والأثواب، والخزفيات والفخاريات، والأثاث الخشبي والمعدني..
وقد سعدت بالفكرة خاصة عندما أخبرها مُعاذ بأنه علِم أنّ إدارة سجن النساء ذاك الذي أمضت فيه فترة سجنها، تعمل إدارته حاليًا على إطلاق متجر إلكتروني يعتبر الأول من نوعه لعرض منتجات النزيلات وتسويقها، وهو في مراحله النهائية لحين الاتفاق مع شركات الدفع الإلكتروني والتوصيل.. لتأمين عودة النزيل لحياته الطبيعية كعنصر فعال قادر على الإنتاجية، ودمجه بسهولة داخل المجتمع..
ومن هنا جاءت فكرة حثّ مُعاذ لها في التطوع بتقديم دورات تدريبية في سجن النساء هذا ولو أنه مختلف عن الذي قضت فيه أشهرًا صعبة عندما كانت نزيلة..
فإدارة الإصلاحية يقومون باستدعاء من يمكنهم الارتقاء بمستوى النزيلات بالدورات وورشات العمل وهي من دون منازع ستكون مناسبة لهذه المهمة.. فإذا ذهبت هناك وقدمت ما لديها على أحسن وجه وقتها فقط تستطيع أن تقول بأنها تجاوزت تجربة السجن تلك فيما مضى..
عادت شيرين للواقع وهي تأخذ نفسًا عميقًا ثم أوصدت باب السيارة وأكملت خطاها في طريقها المؤدي للسجن..
عند أول حاجز أمن كان الاستقبال لشيرين رائعا بعد اطلاع حارس الأمن على هويتها مرفقة باستدعائها، فاستبشرت وبدأت أعصابها تسترخي وتوترها يقل، رغم عتابها على مُعاذ لأنه رفض الحضور معها تاركًا إيّاها تجابه التجربة لوحدها وتخوضها لأول مرة كمتطوعة في السجن لا نزيلة!
دخلت شيرين إلى مبنى الإدارة في الداخل، وتمت إجراءًت الدخول الأمنية بكل سلاسة وعملية فضلًا عن عبارات الدعم والتشجيع من طرف موظفات السجن اللاّتي التقت بِهنَّ، وهذا المتعارف منهن لأي أحد يتعاملنَ معه من خارج السجن..
جاء وقت اللقاء، ودخلت النزيلات واحدة تِلْوَ الأخرى..
بدأت دقات قلب شيرين تتزايد بقلق من ألا تتمكن أن تقدم الأفضل لهن، خاصة ووجوه النزيلات تحمل علامات استفهام، وفي انتظار ما ستقدمه..
بدأ تمرين التعارف الذي من المفترض أن يكسر الجليد، ويضيف شيئًا من الألفة بين المشاركات وبينها.. ثم اتجهت شيرين لاستخدام مخزونها من الخبرات والمهارات، واستخرجت أفضل ما لديها للتعامل مع الموقف، وحولت بطريقة ما المفردات اللغوية لتناسب مستواهن الثقافي، وتشّدهن وتدفعهن إلى المشاركة، وجرت الدورة بكل سلاسة إلى نهايتها!
وفي نهاية الدورة، حصدت شيرين من النزيلات كلمات عرفان وامتنان قيمة، جعلتها تشعر بالفخر والإيجابية بما قدمته..
خرجت شيرين بعد إغلاق بوابة السجن فوقفت تتنفس بعمق هائل وشعور لا يوصف تملكها بخوض هذه التجربة الفريدة.. لحظتها لقد شعرت حقا بعد خروجها من السجن بأنها لم تعد تتحسس من تجربة دخولها السجن السابقة الأليمة!
تألقت ابتسامة على ثغرها وسارت إلى حيثما تركن سيارتها وما إن اقتربت حتى تفاجأت بمُعاذ يقف بمحاذاة السيارة بعد وصوله بسيارة أجرة إلى هنا ينتظر خروجها ليعودا معا للمنزل..
بدأت تتسع ابتسامتها ويتهلل وجهها بحماس لرؤيته..
ترك مُعاذ لعينيّه حرية النظر بشغف وحب عليها حتى هرولت هي باتجاهه لترتمي عليه بقوة جعلته يرتد للخلف وهو يضحك بعذوبة.. قبل أن يضمها بحنو إليه ثم يربت على ظهرها بوداعة..
قبلت كتفيه بسعادة ثم نظرت إليه بحب متدفق وابتسامتها ثابتة لا تتزحزح لتقول
((كيف فعلتها وجئت هنا!؟))
ظل مبتسما وذراعيه تحوطانها برقة ثم قال وهو يوجهها الى السيارة
((قلت في نفسي عليّ أن أقود عنك لأنك ستكونين متعبة بعد الانتهاء))
اتخذ مُعاذ مكانه خلف المقود بينما جلست الى جواره ترفع حاجبيها بتلاعب وهي ترد عليه
((فقط جئت لتقود عني سيارتي للبيت؟))
شغل محرك سيارته وطالعها بعبث
((وربما من أجل قضاء بعض الوقت الخاص بنا في أحد الأماكن المميزة قبل أن نعود للبيت، متأكد أنك قمت قبل قليل بعمل جيد تستحقين عليه مكافأة))
ضحكت على كلامه متيقظة من الفخر المتوهج بعينيه المحدقتين بها، والاعتزاز بما فعلته فنجاحها نجاح له بالنسبة إليه.. لطالما دعمها على تحقيق أهدافها الشخصية والمهنية، كما منحها حريّة التصرف، والوثوق بقراراتها والاعتماد عليها، ووجهها بعبارات ترفع من عزيمتها وتحثّها على التقدم أكثر..
=============================
مكان عمل مُؤيد..
استعاذ مُؤيد بالله من الشيطان الرجيم يزفر حانقًا كي لا يفقد ما تبقى من صبره ويحافظ على لباقته مع هذه العميلة النزقة الجالسة أمامه والتي لم تتوقف عن الحديث والتساؤل مرارا وتكرار عن أمور تافهة أو طلبات غير ممكنة وكأنها تحاول خلق حديث معه من العدم..
مسح يديه بوجهه بتململ يحاول إخفاء ضيقه وامتعاضه ثم حافظ على ابتسامته الباردة ولهجته الجافة وهو يقول
((أنا أتفهم حاجتك للاستعجال بالطلبية، ولكن بيننا موعد محدد ثابت في الأسبوع القادم، ولن أستطيع تقديمه))
كانت عينا العميلة الشابة لا تفارقان النظر في مُؤيد وهي تلوك العلكة بتغنج بغير تركيز مأخوذة بلهجته الريفية! لكنها تداركت نفسها وسارعت تقول بدلال رخيص وهي تتلاعب بخصلة من شعرها من تحت الوشاح الخفيف الذي تلفه حول رأسها
((وأنا أتفهم كلامك، ولكني مندوبة الشركة العميلة الدائمة لديكم، ألا يشفع لنا هذا أن تستعجلوا بالطلبية وتأتي في نهاية هذا الأسبوع))
تطلع مُؤيد بنظره إلى ساعة يده للمرة المئة قبل أن يقول بكلمات رتيبة محفوظة وهو يجاهد التحكم في نفسه
((سأعمل على ذلك، لكن لن أعدكم))
مطت العميلة شفتيها بعبوس متدلل بحركة ذات مغزى وقالت بصوتٍ خالطه طرقعة العلكة بفمها
((يبدو أن سؤالي لك باستعجالي الطلبية قد أثار استياءك، ما كانت طلبية التي تفسد علاقة شركتنا بأفضل موزع لنا في المدينة!))
كان مُؤيد قد فاض كيله من تطويلها السيرة ودلالها ذاك الذي يثير في نفسه الغثيان.. خاصة وأن مزاجه معكر من عمل اليوم الطويل المتعب، ومع ذلك تحامل على نفسه ورد عليها ببرود ومهنية تحمل بعض الخشونة
((أي استياء هذا!؟ كل الود والاحترام لشركتكم))
بقيت تتجاهل ضجره منها وتدعي السّذاجة وهي تقول له بعبث شقي
((إذن هل يمكن أن أطلب فنجاة قهوة ريثما نناقش بعض الأمور بشأن الموعد القادم؟))
انفلت لجام صبر مُؤيد هنا فها هي تعود لتتحدث عن نفس سيرة تقديم الموعد وكأنها لم تحصل منه على إجابة.. ورغما عنه خرجت نبرته المستنكرة
((ماذا بقي لنناقشه عن الموعد؟ لقد تحدثنا عن كل شيء عدة مرات))
تخضب وجه العميلة بالحرج من عدم لباقته معها وقالت بحنق عندما عاد يناظر ساعة يده
((هل حان موعد مغادرتك العمل؟ يبدو أنني أؤخرك))
وقبل أن يرد رأى زوجته رتيل تقف عند باب مكتبة تناظره بتحفظ فاستقام واقفا وتجاوز العميلة يخطو نحو الباب قائلًا
((رتيل كيف حضرت؟))
اتسعت عينا العميلة بذهول وهي تناظر تلك المرأة الحامل التي اقترب مُؤيد منها! يمسك يدها بحميمية أظهرت لها بأنها تكون ذو قرابة.. وطريقة استقباله واقترابه الشديد منها تبين أنها ليست سوى زوجته!!
حاد مُؤيد بنظراته عن زوجته إلى العميلة الشابة ليقول بهدوء وهو يخرج هاتفه من جيب بنطاله
((إذن يا آنسة سأزودك برقم أحد مساعديّ لتستفسري منه عن باقي أسئلتك بشأن الطلبية، فكما خمنتِ قد حان موعد مغادرتي العمل))
أطبقت العميلة الشابة فكيها وهي ترد بحدة
((لا، لا داعي لقد عرفت ما أحتاجه عن الطلبية!))
ثم ترجلت واقفة من مكانها تسحب حقيبتها بغلظة وتغادر المكتب بخيبة أمل واضحة..
بقوة أمسكت رتيل يد مُؤيد ترفعها نحو وجهه ولامست بسبابتها بنصره الأيسر هامسة من بين أسنانها
((لماذا لا ترتدي خاتم الزواج يا مُؤيد!؟))
إذ لطالما حثته أن يرتدي محبس الزواج ليس لأن الخاتم ذلك الرمز المعنوي الجميل الذي يربط بين الزوجين فقط بل لأنه يظهر لمحيطه بأنه أسير امرأة واحدة.. أسيرها!
فلاحت ابتسامة الخلابة على ثغره وناغشها
((أنا لم أرتدي في حياتي خاتم زواجنا إلا نادرًا فأنا إنسان عملي، حتى أني نسيت أين وضعته آخر مرة))
كان محقا بكلامه فهو لطالما اعتبر ارتداء محبس الزواج مجرد عادة اجتماعية خاصة بالنّساء لا معنى لها من وجهة نظره.. كما أن ارتداءه يشعره بعدم الارتياح لأنه غير معتاد على وضع شيء في أصابعه، ومتطلبات عمله تضطره في كثير من الأحيان إلى لبس قفازات بشكل دائم بحيث يصبح فيه الخاتم عائقًا..
بالنسبة لرتيل التي أصبحت أكثر عاطفية ومتقلبة المزاج في مرحلة الحمل، لم تتحمل سخريته فأفلتت يده بعنف تزجره
((لا تقنعني هذه الحجج التافهة))
تنهدت لترفع كفها بعفوية إلى بطنها تمسدها وقلبها يدق بقوة غضبًا من تلك الفتاة الشابة التي كانت تحاول مغازلته أو بالأحرى إغراءه! واسترسلت بغضب متقد
((سأشتري لك واحدا بنفسي وسترتديه رغما عنك!))
انفجر مُؤيد ضاحكًا من غيرة زوجته عليه المفضوحة فهتفت به بحنق
((توقف عن الضحك))
توقف فعلا ثم حرك كفه ليلامس بطنها التي تزداد كبرا مع الوقت ويضيف بحرارة
((صدقيني ولا أي امرأة قادرة على إغرائي غيرك أنتِ))
ابتلعت رتيل ريقها واحمرت وجنتيها لأنه عرّى باطنها ومخاوفها وشعرت برغبة في لكم وجهه الوسيم المغتر بنفسه!
شمخت بذقنها وقد ارتدت رداء الكبرياء الذي يليق بها
((طبعا فقد رميتك بسحري وسحري نافذ المفعول!))
ثم لم تستطع كتم زمام غيرتها أكثر فاستدارت تنوي المغادرة مبتعدة عنه ولكنه أمسك ذراعها يحاول سحبها نحوه.. فقاومته بتمنع لتتملص من ذراعيه..
فحاوطها من كتفيها قائلًا والابتسامة تأبى مفارقة ثغره
((هيا للسيارة، لن أدعك تبقين واقفة وأنتِ بهذه الحالة))
أخذت نفسا عميقا تلتمع عيناها بالسعادة تحدق فيه
((لطف منك عزيزي..))
وقبل أن تكمل مازحها في طريقها نحو الخارج متسائلا باهتمام
((ها.. كيف كانت زيارتك لابنة خالتك؟ عن ماذا تحدثتما؟))
هنا هي من كانت قد جلجلت ضحكتها تحت نظراته الحانقة قبل أن يعاود الابتسام مجددا..
أمسكت رتيل ببطنها كأنها تخشى سقوط طفلها خلال ضحكها.. فمُؤيد هو الأخر غيرته عليها مفضوحة!
رغم أنه يقاوم نفسه بشق الأنفس لإعطائها حريتها إلا أنها تدرك أنه من داخله يغار عليها من أي وقت خاص بها تقضيه بعيدا عنه.. فردت عليه بدون إسهاب
((العديد من الأمور طبعا من بينها حول الأزواج..))
أومأ مُؤيد يبدي اهتمامه بالإصغاء لها وهو يشيح بنظراته بعيدًا عن عينيها إلى حيث يركن سيارته..
أما هي فكانت سعيدة حقًا للوقت الذي تقضيه بين الحين والآخر مع ابنة خالتها، فالأمر لا يقتصر معها على قضاء وقتا ترفيهيا معها وحسب، بل يمكنها أن تبوح لها عما يحدث معها أو يجول بخاطرها.. فالحقيقة ورغم أنها أضحت أكثر انفتاحًا مع مُؤيد وعلاقتهما شهدت تحسنا كبيرا، إلا أنها وحتى الآن لا تستطيع أن تبوح له بكل شيء.. فمثلًا في إحدى المرات أخبرته عن تعرضها للمعاكسة في الهاتف فانفجر صارخا بوجهها بعصبية واهتاج وأصرّ بعنجهية أن يلاحق الرقم ويلجأ للشرطة الإلكترونية لاتخاذ كافة الإجراءات القانونية دون هوادة بحق المعاكس الذي اتضح أنه مراهق عابث..
فمُؤيد للآن يجد صعوبة في التحكم بعصبيته وثورانه عند الغضب! وليس بمقدوره أحيانًا أن يقيم الأمور بميزان العقل الراجح أو يتمتع بحكمة كافية.. على عكس ابنة خالتها التي تخبرها بكل شيء وتتناول التفاصيل معها بكل هدوء وروية..
.
.
بعد ساعتين..
داخل منزل مُؤيد الذي اشتراه منذ معرفته بحمل رتيل وكان أوسع بكثير من تلك الشقة السابقة الضيقة التي كانوا يقطنون فيها..
دلف مُؤيد متهدل الكتفين إلى غرفة نومه وكان على هيئة يرثى لها بوجه متعب وجبين متعرق.. جلس على طرف السرير وهو يلكز كتف رتيل المتمددة ليقول بإجهاد
((لقد أنهيت جز العشب، تشذيب الأشجار، كما أخذت السيارة إلى مركز الصيانة لاستبدال كشاف الإضاءة المكسور، وأعدت الولدين من النادي.. وكل هذا دون أن أتناول طعام الغداء، لذا أريد عشاء فخما مكافأة على مهامي الكثيرة!))
لكن رتيل وبسبب الحمل فقد صار صعبا عليها حتى الحركة أو الالتفاف بجسدها، فهي أغلب اليوم تعاني التعب هي الأخرى..
فتحت عينيها بتكاسل تدفع عن نفسها النعاس دفعًا لتقول بصوتٍ خامل
((أي عشاء هذا!؟ ألا ترى وضعي! إنًّ الحمل ينهكني ونمت مباشرة بعد عودتنا من الخارج))
انقلبت ملامح مُؤيد بحنق وشعور الإرهاق يستشري في كامل خلايا جسده كأنياب تنهشه فدمدم بصوتٍ يائسٍ
((إذن تريدين مني أن أموت جوعا!))
حاولت رتيل الطلب منه برقة وبعينين تجاهد في فتحهما
((الأولاد أكلوا في النادي لذا أطلب أي شيء من الخارج لنا، فنحن لم نأكل أي شيء جاهز منذ وقت))
تذمر لها مُؤيد بامتعاض
((ولكن لا أحب أكل الخارج، أريد أن آكل طعاما من يديك))
عاتبته باقتضاب وهي تتكئ على مسند السرير خلفها
((مُؤيد أنا متعبة حقا، لماذا لا تشعر بي!؟))
صمت بوجه متجهم فشعرت بالذنب يعتريها إذ أنها في أشهر حملها الأخير أضحت تطلب الطعام جاهزا في معظم الأيام.. فابتعدت عنه تتحرك لتقوم من السرير لتقول بوداعة
((انتظر نصف ساعة وسأعد لك أكثر المأكولات سريعة التحضير التي تحبها))
تراخى وجه مُؤيد من ردة فعلها هذه وما إن غادرت السرير حتى شعر بتأنيب الضمير وهو يراها تتهادى في مشيتها وتستند بالحائط من شدة التعب.. وتمنى لو أنه يقوم بمساعدتها إلا أنه كان هو الآخر متعبا من العمل في الخارج.. فوجد صوته يصدح عاليا
((حبيبتي لا تعدي شيئا، سأطلب من المطعم، أرغب حقا بتجربة الطعام الهندي من المطعم الموجود في نهاية الحي))
سرعان ما قدم نحوه ولداه يهرولان عند سماع هتافه.. فاقترب فهد يلهث بحماس
((هل نذهب معك لإحضار الأكل؟ حقًا أشفق على حال أمي..))
وأكمل باسم يردد
((أعطنا النقود وسنقوم بإحضار ما ترغبون فيه، أمي تستحق أن ترتاح..))
همهم مُؤيد ثم رمقهما بسخط هاتفا
((حلًّت عليكما الشفقة فجأة! أين كنتما حينما كنت أطلبكما لتساعداني في مهام الحديقة))
ثم أردف وهو يجز على أسنانه
((اغربا عن وجهي.. قبل أن أقول شيئا خاطئا))
تراجع كل من فهد وباسم دون خوف يغادران الغرفة، لكن لم يأسر فهد جملته متهكما على والده
((لقد صرت حساسًا يا أبي كأنك أنت الحامل لا أمي))
ثم ما لبث أن علت ضحكتهما وهما يهربان معا في الرواق..
.
.
ليلا..
وضعت رتيل على وجهها قناعا طبيعيا مغذيا وبعض الزيوت والكريمات المعطرة على فروة شعرها وبدأت تدعكها نعومة.. ثم وضعت مرطبا خاصا بالعيون وبدأت تمسد منطقة ما تحت العين برفق..
استرخت براحة متمددة في المغطس الحار الذي صنعته لها بعد أن ملأته بالزيوت العطرية المنعشة والروائح الجميلة التي تضفي لنفسها حيوية، وتخلصها من كل إرهاق الحمل الذي يتعبها فهي في أواخره..
بعدما انتهت ارتدت قميص نوم "محتشم" من النوع الذي يناسب ذوق مُؤيد.. وقد نثرت عطرا فواحًا على معصميها وخلف أذنيها..
سمعت طرقا خفيفا على الباب قبل أن يدلف مُؤيد للداخل.. فقالت برواق عذب
((سأحضر لك ملابسك التي سترتديها صباحًا))
وفعلا فتحت خزانته تنتقي له أكثر من قميص حتى يختار ما يميل لارتدائه غدا بينما ارتمى على السرير يضجع عليه..
تمددت رتيل بجانبه وقبلت رأسه حتى يستنشق رائحة عطرها ثم سألته بدلال
((هل أبدو جميلة الآن؟))
أجابها مُؤيد بنبرة ناعسة دون أن يفتح عينيه المغمضتين
((نعم عزيزتي))
قطبت حاجبيها وتذمرت بخفوت عابس
((لا يبدو وكأنك نظرت لوجهي))
تثائب بنعاس مثقل ثم أولاها ظهره هامسًا بخمول
((من دون أن أنظر إليك أعرف أنك جميلة))
ظلت على انزعاجها وهزت إحدى كتفيها هادرة
((لا أشعر أنك تقولها بصدق))
فتح عينيه واستدار لها نصف استدارة مستنكرا
((وماذا أفعل إذن؟ هل تريدين مني مثلا أن اجلس وأتأمل وجهك وأشعرك بذهولي حتى تصدقي أنك جميلة))
لكزت كتفه وردت عليه
((نعم أريدك أن تفعل ذلك، ألست جميلة وأستحق منك أن تراني بانبهار؟))
زفر مُؤيد باستياء وعلت نبرته قليلا هاتفا يعاود مناغشتها على عكس ما يفعل أحيانا
((نعم جميلة لكن مهما غيرتي في وجهك وتجملت سيبقى وجهك مألوفا عليّ، أقوم بحلاقة ذقني أسبوعيًا ومع ذلك لم أطلب منك يوما أن تشيدي بوسامتي بينما تتسمر عيناك بذهول عليه.. لم أطلب هذا لأنه ليس من المنطقي))
أغلظت نظراتها بحنق ثم عقبت
((أنتَ فعلا جلف قاسي، لا تعرف كيف تتحدث مع النساء))
كان متفهما في النهاية أن المرأة الحامل مزاجية وتتأثر بأبسط الأسباب فهي ومنذ حملها وهي ترغب بشدّة منه هو سماع كلمات الحب الدافئة، وعبارات الغزل العميقة، والاعتراف الصريح بالوقوع في حبها، وسبب حبه لها، وحجم هذا الحب، وكلمات المدح والثناء بشكلٍ عام، وتعداد صفاتها الحسنة، وذكر ميزاتها الشخصيّة.. وكل هذا ضد سجيته وشخصيته الكتومة في هكذا أمور لا يحب كثيرًا التعبير عنها..
لكن حانت منه نظرة بعينيه الناعستين ليحدق بوجهها العابس والخالي من أي تبرج يعطي نفسه دقيقة لتأملها..
إنها حقا جذابة بجمالها الوحشي البري.. بشعرها الطويل المنثور.. لطالما كانت لها تلك الهالة من سحر الانجذاب ككائن خرافي أتى من قصص الأساطير.. فوجد نفسه يهمس بلا شعور
((أنتِ حقا جميلة يا رتيل))
قالها يرسم ابتسامة خلابة ثم عاد للنوم فترققت ملامحها ملاحظة تعبه حقا خاصة بعد تخمته من الطعام الذي أكله.. فرغم أنه أراد أن يطلب من المطعم الهندي بعض الوجبات الخفيفة التي يميل المرء أن يسميها عشاء.. انتهى الأمر به بطلب الكثير من المقبلات والسلطات والسمك المقلي والمشوي والأرز وصدور دجاج محمرة ومسلوقة وشرائح لحم وبضع قطع من البقلاوة، يتبعها مزيد من الحلويات والعصير وقطعتين من الكعك..
زحفت له تميل إلى أذنه هامسة بصوتٍ ساحر
((لقد كان يومك في العمل طويلا ومرهقا، ما رأيك أن أطبق فن حركات المساج الذي تعلمته مؤخرا؟))
فتح عينيه متحفزا لكلماتها وشعر برغبة متدفقة لأن يفيق جسده من حالة الخمول المسيطرة عليه وتفكك عضلاته من تيبسها بحيوية تحت لمسات أناملها الساحرة فرفع رأسه لها يرد عليها بنفس الهمس
((إذا كان هذا فلا بأس))
وتبادل الاثنان تلك الابتسامة المميزة..
إنه لا يزال منذ سنوات يعيش في مرحلة اكتشافها.. يظل يرمقها بنظرات الإعجاب، ويختلس الوقت من عمله ليعود للمنزل مبكرا ويقضي الوقت معها.. وإذا ما تعذر عليه العودة من العمل باكرًا يُعلمها بذلك متأسفًا.. واتسم سلوكه بتصرفات شهمة، ونبل خلق، أضحى لطيفا ولبقًا في كل تعاملاته معها.. كأنه يخجل أن يشعرها بفشله في إنجازه للمهام المنوط بها أو الظهور أمامها بشكل غير جذاب لأنه يريد أن يكون فتى أحلامها كما هي فتاة أحلامها..
وهي تبادله العشق من كل قلبها.. تنتظر لقاؤها به في نهاية كل يوم بفارغ الصبر حيث يعيشان في عالمهما الخاص ويرويان ظمأهما وحاجتهما للحب..
((إذن بعد أن أضع حملي هل سنذهب إلى ذاك المكان الذي أخبرتني عنه؟))
قالتها رتيل وهي تمرر أناملها فوق ذراعه، فرد على الفور
((بالتأكيد لقد وعدتك..))
ثم بدا مترددًا والإحراج يكسو وجهه وهو يردف
((ولكن رتيل.. هل أطلب منك أمرا؟ أعني..))
شاب صوتها الهدوء وهي تقاطع تلعثمه مبتسمة
((لا تقلق، أعرف أنك لا تريد أحدًا من العائلة أو الأقارب أن يعرف إلى أين سنذهب، لا داعي لتنبيهي مجددا، هل سبق وأفشيت أي شيء من أسرارنا سويا؟ أنا حتى متكتمة أكثر منك))
أبهجه كالعادة تسهيلها الأمر عليه وتقبلها ما يريده برحابة صدر.. فهو يفضل للغاية ممارسة حياته الخاصة دون خجل بعيدا عن أنظار عائلته أو أقاربه وأصدقائه..
أغمضت عينيها تطلق تأوها مكتوما، عندما شعرت بركلة الجنين بداخلها مما جعلها تمسد بطنها بكفها برفق كي تهدئ من حركته ثم قالت بصوتٍ مبحوح
((هل تعرف أني أشعر بقليل من خيبة الأمل لأن الجنين في أحشائي ذكر! كنت أريده بنتًا أعاملها كصديقة لي!))
ضيق مُؤيد الذي كان يحدق برتيل عينيه وران الصمت بينهما لدقيقة وكأنه يدرس شيئا ما قبل أن يقول ببطء
((وأنا أيضًا كنت أريد بنتا لا صبيا ثالثا، وكنت أريدها نسخة من جمال وقوة أمها حتى أحبها وأدللها أكثر من أخويها))
أبعدت رتيل رأسها عنه تحدق فيه بذهول مرفرفة بعينيها كأنها تتأكد أن من قال هذا الغزل الرقيق الذي أطرب أذنها بخفة هو مُؤيد زوجها الجلف! وسرعان ما عانقته هامسة بحب متدفق ووجنتيها تضجان احمرارا
((أنا أحبك يا أجمل زوج في العالم))
غمغم وهو يحني رأسه ليطبع على وجنتها قبلة شغوفة
((وأنا أيضًا أحبك يا رتيلي))
=============================
انتهى الفصل
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!