الخاتمة
بعد مرور ما يقارب سنة..
بعدما عادت دارين من بيت صديقتها ارتقت درجات سلم البناية التي تقبع فيها شقتهم.. تسرع في ارتقاء الدرجات في منتهى السعادة والنشاط..
رغم أن والدها وزوجته تظاهروا أنهم اليوم لن يحتفلوا بعيد ميلادها مثل كل سنة لأنها ستحتفل به مع صديقاتها في بيت إحداهنًّ اليوم إلا أنها تعرف ما يخططون له..
تنحنحت دارين أمام باب منزلهم تلتقط أنفاسها قبل أن تخرج المفتاح وتفتحه..
وسرعان ما صدحت أصوات المفرقعات والتهاني عليها من قبل والدها وشيرين فور أن حطت قدمها عتبة الصالة..
أصابت دارين دهشة مزيفة قبل أن تظهر عينيها شعاعا من الامتنان وتقول بعتاب ظاهري وهي تتأمل الزينة في الأرجاء من بالونات هوائية وشرائط الأعياد الملونة والزهور
((أتعبتم أنفسكم!؟لما لم تخبروني كي أساعدكم))
تأمل مُعاذ بوجه ابنته الحبيبة التي ستغدو فتاة جامعية وبرزت في وجهها ملامح مرسومة بطريقة تعطيها خيلاء ورفعة.. صغيرته التي لا عُدم صوتها ولا خلا منها المكان ولا عُدمت نظرتها وعساها ذخرًا له طول الزمان.. ثم ابتسم بحنو واقترب منها بقامته الفارعة يعانقها ويقول بعاطفة أبوية وهو يضع كفه فوق كتفها
((غاليتي وقرة عيني، مصدر فخري كل عام وأنت بخير ومثابرة في دراستك، وتحقيق كل النجاح في تطلعاتك المستقبلية))
رفعت دارين وجهها لوالدها بعينين دامعتين تطفح منهما نظرات الاعتزاز والسعادة وهي تتأمل وجهه.. وتلك الخصلات الفضية التي زينت ذقنه وشعره جعلته مثال الهيبة والوقار.. ثم قالت له بصوتٍ مبحوح وهي ترفع كفه لثغرها وتقبلها
((سأصل دائما للتوفيق طالما دعواتك تلحقني))
اتسعت ابتسامة مُعاذ مرتاحًا قبل أن يخرج من جيب كنزته ظرفا ويعطيه لها بسلاسة مرددا
((مرة أخرى كل عام وأنتِ بخير))
فتحت دارين بلهفة الظرف لتجده يحتوي مبلغا ماليا لتشتري ما تحب من هدايا، لكن المبلغ المالي كان هذه المرة أكثر من أي مرة فرفعت حاجبيها متعجبة.. ثم وضعت الظرف جانبًا ورفعت ذراعيها تحيط والدها متسائلة بشقاوة
((هل هذا يا أبي تعويض لأنك لم تسمح لي الذهاب لرحلة الجامعة مع أصدقائي؟ لأني بصراحة لم أعد غاضبة منك، فبعد تفكير عميق وجدت أني لم أكن لأذهب حتى لو وافقت أنتَ))
قطب مُعاذ حاجبيه ليقول بنبرة أقرب للأبوية الحازمة مع ابنته صعبة المراس أحيانا
((اسكتي يا بنت ولا تجلبي سيرة تلك الرحلة، هل جننت لأسمح لك بالذهاب لرحلة مختلطة لخارج البلاد لأسبوع كامل!))
مطت دارين شفتيها متذمرة وهي تدرك أن والده يخفي خلف كلامه الرزين على الدوام حنان وروح أبوية طيبة
((ولكني أخبرتك بعد تفكير حكيم لم أكن لأذهب لها))
زوت شفتا مُعاذ عن ابتسامة جانبية ثم عاد يلف كتفيها ليزرعها تحت جناحه بغريزة أبوية وهو يطبع قبلة عميقة أعلى رأسها ثم قال بصوت رخيم دافئ
((هذا لأنك ابنتي الرائعة))
استقرت ابتسامة واسعة مُكللة بالفرح والسعادة التي تغمر قلبها على شفتا دارين وهي تميل رأسها على صدره وتغمض عينيها شاعرة بالحماية والدفء..
أضحت علاقتها بأبيها متينة جدًّا وصارت أكثر تعلقا به وتعتبره بطلها والرجل المثالي في حياتها..
ومهما أحبت أحد أعمامها فلا يمكن لأحدهم أن تفوق مكانته عندها مكانة أبيها..
فعلاقتهما كأب وابنة ليست صلة دم واسم وحسب بل مبنية على التفاهم والثقة، فهو يعاملها على أساس أنها إنسانة مستوعبة لأمور الحياة، ولم يسبق وأن فرض رأيه عليّها.. يكون معها لينًا، حنونًا، ودودًا.. والصديق الذي يشاركها في أمورها ويقدم لها النصح بطريقة ودية متفهمًا لا متسلطًا تنفر منه..
لطالما ألقت عائلة والدها اللوم على أبيها بسبب تخبطها وسوء تصرفها في حياتها وعدم استقرارها، فقد كان والدها بنظر عائلته أب مقصر معها يعطي جل وقته لعمله ويهملها تاركا إياها منبوذة في قصر عائلتها، وكتعويض عن هذا يتساهل معها ويترك العنان لها ولا ينصحها أو يرشدها لما في مصلحتها ويترك لها حرية الاختيار بتقاعس وبدون متابعة منه!
إلا أن هذا غير صحيح فوالدها أب متوازن يضع بعين الاعتبار المراحل التي تمر فيها ويقدر حبها للحرية فيعطيها لها كما الاستقلالية ضمن قوانين وحدود لتثبت ذاتها وتزداد ثقتها بنفسها.. مراعيا الجانب العاطفي فيها كون والدتها توفت في صغرها فضلا عن عدم نضجها من ناحية التجارب فيتعاطى على تعليمها بالسماح لها باختبار الأمور بنفسها لتدرك من خلالها الصواب والخطأ.. وكله ضمن الحدود..
وبالنهاية هي تعلم أنه مع تعاظم وتشابك أمور الحياة العصرية المعقدة لن تجد رجلا يحميها أكثر من والدها، خاصة وهو ينتهج في تربيته وتعامله معها شرع الله.. فيكفي أن شخصيتها هذه نابعة من الدلال الذي غداه فيها بإسراف ومن ثقته المفرطة فيها منذ صغره..
أما شيرين التي كانت تشهد هذا المشهد العاطفي بين الأب وابنته لامس قلبها وابتسمت لهما.. علاقتهما علاقة وطيدة لا تشوبها شائبة، علاقة حب مقدس بين الأب والابنة..
بمجرد أن ابتعدت دارين عن والدها قليلا حتى تقدمت منها شيرين بحماس تمد لها هدية بغلاف مميز قائلة
((كل عام وأنتِ بخير يا دارين يا ألطف من الورد))
ابتسمت دارين برقة لها.. إذ أنها تعرف أنها هي من تولت وانغمست بإعداد هذه الحفلة في اليومين الأخيرين والتخطيط الجاد والسري لكل لوازم عيد ميلادها من زينة وأطعمة ومشروبات..
تناولت دارين منها هديتها تفتحها لتجدها عبارة عن حذاءٌ رياضي متين من علامتها المفضلة فتمتمت لها بكلمات الامتنان فليس من المهم أن تكون الهدية غالية بقدر معناها وتجسيدها لاهتمامها بها وما يروق لها..
شعرت فجأة دارين بكائن صغيرة يلامس قدمها مغمغما باسمها كما ينطقه هو بسنه الصغير
((رين.. رين.. رين))
فانفرجت عنها ضحكات حلوة قائلة بمرح
((يا عيون رين يا يويو الصغير))
ثم انخفضت لتحمل أخيها يعقوب والنظر للكيس اللطيف الذي يمسكه يعقوب بيديه هاتفة
((هل هذه الهدية لي يا يويو؟ أنا متأكدة أني سأحب هذه الهدية دونا عن الكل))
ناغشتها شيرين بما يشبه الدعابة
((هكذا إذن، بعتي هدايانا لأجل عيون يويو الصغير؟))
لاعبت دارين بأناملها أنف يعقوب هادرة ببهجة
((كله فداء شقيقي الصغير الحبيب))
عَلَت همهمات السعادة على كلامها متفهمين حبها ليعقوب وتعلقها به، فدارين كانت ليعقوب الأم الثانية وليست مجرد أخت وهي من تتولى الاهتمام به في فترات عطلها وتنزهه وتذهب به للبقالة لشراء الحلوى.. وهو بالمقابل لا يكف عن تقليدها والبحث عنها إذا غابت أو ذهبت لجامعتها..
ثم اجتمعوا جميعا حول الطاولة التي تحتضن قالب الحلوى الضخم المزين وبدأوا يُغنون لها بأصواتٍ مُتفاوتة أغنية عيد ميلادها.. فشعرت دارين بهذه اللحظات الأفضل في يومها.. وبمثابة دفعة جديدة من النشاط والطاقة والحيوية.. تعطيها قوة للمواصلة والمثابرة على المذاكرة من جديد..
=============================
جاء فصل الصيف بكل ما يحمله من روائح جميلة.. وكان وقتها يصادف عيد الأضحى.. حيث النّحر والسّكاكين مخضّبة بدماء الأضاحي والبخور الفائح كما هو معهود في قصر الكانز يعبق في الفضاء يلاحق الأمنيات والأحلام ويطاردها أين ما ذهبت..
اجتمعت عائلة الكانز جميعهم مع زوجاتهم وأولادهم في مزرعة البركة التي قضوا ليلة الأمس فيها يتسامرون.. حيث هي أجمل البساتين التي يمتلكونها ومليئة بالثمار والأشجار الخضراء والأزهار الخلابة الملونة، ويقع النهر بالقرب منها..
لم تكن أشعة الشمس قوية بعد والسماء الصافية في هذا الوقت الباكر حيث الهواء العليل ينعش النفس..
وقف الحاج يعقوب بجبّته البيضاء يجوب بعينيه البستان بإحساس الدّار والحنين قبل أن يلتفت لابنه مُعاذ هادرا بهدوء يكتنف صوته
((متى ستصل طائرة مُصعب يا مُعاذ؟ حتى نذهب لأخذه هو وعائلته من المطار))
التفت مُعاذ لوالده مبتسما وقال وهو يصبّره
((اتصلت به قبل دقائق وأخبرني أن طائرته ستقلع قريبا.. لازال أمامه بضع ساعات قبل أن يصل للوطن))
كان الجميع متفهمين اشتياق الحاج والحاجة لمُصعب.. ابنهما القريب البعيد بحضن الغربة..
لقد اشتاقا له ولملامحه الرجولية ويدعوان له بعد كل صلاة، خاصة أمهم.. فمُصعب دائما يتجول ويتسامر في مهجتها ويكبر في فكرها، وهو يشق طريقه ومستقبله بثبات في ذاك البلد الغريب عن تقاليدهم، فقد فرطت هي فيه إلى الغربة من أجل العلم والنّجاح المنشود، واستودعته الله الذي لا تضيع ودائعه بشرط ألا يمكث هناك مدة طويلة كما فعل مَازن..
.
.
أقلعت الطائرة فقبضت نورين الجالسة بمقعد مجاور لمُصعب ذراعه بشدة كي تبدد توترها المصاحب لها عند الإقلاع..
أمسك مُصعب ذراعها يشد على كفها مؤازرا فتطلعت له ممتنة بحب متدفق ليبادلها الابتسام..
التفتت نورين لابنتهما النائمة بجانبها بإرهاق تعوض نوم ليلة الأمس التي أمضتها تساعدها في حزم حقائبهم كلها لتميل نحوها تلثم جبينها بعاطفة أموية ثم مسدت خصلاتها بكفها الناعم..
أما مُصعب فانشغل تفكيره قليلا.. فمُعاذ أعلمه أن والداه مع أحد إخوته سيستقبلونه في المطار حين وصوله المطار.. متأكدا من أن لحظة لقائه بعائلته بعد أن رجع من غُربته بشكل نهائي سيكون أشبه بالحلم الجميل الذي ستبقى كل تفاصيله محفورة في ذاكرته، مهما مرت أعوام طويلة..
كان يزورهم بشكل سنوي ويحرص وقت المغادرة أن يحث والديه على عدم الإتيان معه إلى المطار حتى يختصر على نفسه وعليهم مشاعر الفراق والحزن ومراعاة لحالتهم الصحية والنفسية..
وبالمقابل والديه حرصا طوال السنوات الماضية أن يرسلا له رسائل وبخط اليد مصممين على أنها أصدق من هذا التّواصل الإلكتروني عبر الشاشات والنقر على اللوحات.. فيشعر أن دعواتهم لله بأن يحفظه ويسدد خطاه في غربته أينما ذهب..
في النهاية سفره لم يكن هروبا من بلد نشأ داخلها وفيها أهله وأصحابه.. من المستحيل أن ينسى بلده، فهي لم تبذره في أرضها لينمو في أرض غيرها.. هو فقط أخذ ما فيه الكفاية من العلم وبنى له المستقبل الذي يتمناه.. وها هو هنا ليعود ويرد لبلاده الجميل بعمله وعلمه..
انتشلته زوجته من جب أفكاره العميق هامسة
((هل أخبرت والداك بحملي؟))
برقت عيناه وهو يناظر وجهها الممتلئ بالعاطفة ثم بعفوية انتقلت يده فوق بطنها التي بدأت بالبروز بفعل الحمل ثم أجابها بنفس الهمس ((لا لم أفعل بعد))
توردت وجنتيها وهي ترخي أجفانها في خفر لتهدر وهي تضع يدها فوق كفه ((سينذهلان عند معرفتهما))
هز مُصعب رأسه وقد بدا بقمة الانشراح وهو يقول
((بالتأكيد سيفعلان، لطالما ظنت أمي أن أحد زوجتي التوأمين مَالك أو مَازن من ستحمل بتوأم، ولم تتخيل أن تكوني أنتِ))
رفعت وجهها له تقول
((نعم ولكن التوأم هما صبي وبنت على غرار شقيقيك التوأم، لكن كله خير إن شاء الله، وأنا أظل أدعو الله دائما أن يحفظك لي ولا يبعدني عنك أنت وأبنائنا))
ابتسم على كلامها ثم قال بصوتٍ يضج عاطفة
((صدقيني حتى لو أردت أن أبتعد عنك فسأعود إليك، لأني أرى فيك المنفى والوطن))
طفح التأثر منها فانبجس الحب من مقلتيها بينما تنطق متحشرجةً
((وأنا كذلك حبيبي))
حافظا على عناق الأعين لترفع يدها مستقرة على موضع قلبه ثم تسترسل
((في قلبك وطني ومنفاي..))
=============================
تمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!