الفصل 15 | من 15 فصل

الفصل الخامس عشر

المشاهدات
2
كلمة
3,202
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية قلبي لم يكن لي الجزء الخامس عشر 15 بقلم منة الوكيل قلبي لم يكن ليرواية قلبي لم يكن لي الحلقة الخامسة عشر أدهم وحور اتجمدوا في مكانهم، نظراتهم اتعلقت بكتلة غريبة مرمية على الأرض في آخر الشارع. بصوا لبعض بصدمة أدهم ساب حور وقرب ناحية هند، نزل لمستواها، جس نبضها لقاه ضعيف جداً ومتردد. حور قربت منه وهي ماسكة إيد ابن هند، وقالت بصوت ملهوف: الحالة صعبة يا أدهم.. نطلب الإسعاف أحسن.

أدهم مسح وشه بإيديه اللي كانت بتترعش، وبص للطفل اللي بيعيط بانهيار، ملامحه كانت متشنجة من الضغط، وبصوت مخنوق ومحاولات مستميتة للثبات قال: مش عارف أتصرف.. مش فاهم إيه اللي بيحصل، الست دي والواد ده نزلوا عليا من السما فجأة! عمري ما شوفت الأشكال دي في حياتي، ولا أعرفهم. حور لمست وجع صوته وقالت بنبرة حنونة: اهدى يا أدهم، سيبني أنا أتصرف.. هطلب الإسعاف دلوقتي، خلك أنت مع الولد… وبعدين مشيت بسرعة وهي بتطلع تليفونها.

الطفل بص لأدهم بدموع مكتومة، وبصوت كله رجفة قال: بابا.. هي ماما ممكن تمو..ت؟ أنا مش عايزها تمو..ت.. والنبي صحيها! أدهم غمض عينه بضيق، وحس بوجع في صدره بيزيد، بلع ريقه بصعوبة وقرب من الطفل، حط إيده على شعره وقال بنبرة محاولة تكون قوية بس باين فيها الضعف: مامتك هتكون كويسة يا بطل.. اهدا، ما تعيطش، الراجل ما بيعيطش أبداً، فاهم؟ الطفل رمى نفسه في حضن أدهم بانهيار أكبر: بس أنا مش قادر.. مش عايز أخسرها.. أنقذها يا بابا!

أنت اللي بتلحقنا في كل حاجة.. أنت بطلنا أدهم اتجمد مكانه، كلمة بابا نزلت على قلبه زي الجمر، جسمه اتوتر، وبدأ يتنفس بصعوبة.. حور في اللحظة دي كانت قربت منهم، وشافت أدهم وهو حاضن الطفل بطريقة فيها ألم وحيرة، حست بوجع في قلبها، قطعت اللحظة دي وقالت بصوت هادي: أدهم.. الإسعاف جاية في الطريق، قربوا يوصلوا.

أدهم فجأة بعد الطفل عنه وقام وقف، أخد مسافة بعيدة عشان يداري ارتباكه عن حور، وساب الطفل بيبصله باستغراب وانكسار .. جت الإسعاف وشالوا هند، الطفل كان في إيد حور والإسعاف اتحركت بهند، والطفل كان بيصرخ بجنون وبيحاول يجري وراها. أدهم وقف متجمد، صرخة الواد رجعت فيه ذكريات قديمة؛ شاف نفسه بيصرخ وهو ماسك في إيد أمه.. بدأ ينهج، مسك قلبه بإيده وسند على أقرب حيطة، صوته كان بيخرج بتوهان: قلبي.. قلبي واجعني أوي.

حور لمحت حالته، سابت الطفل وجريت عليه بلهفة: أدهم! مالك؟ فيك إيه يا حبيبي؟ أدهم كان بيحاول ياخد نفسه بصعوبة، ولما شاف الطفل بيجري بعيد، صرخ فيها بحدة: حوشي الواد ده! هيضيع نفسه، الحقيه! حور لفتت وجريت وراه، بس اتكعبلت في طوبة ووقعت على بطنها، وطلعت منها صرخة وجع. أدهم أول ما سمع صوتها، جاله نشاط مفاجئ من الخوف، جري عليها ووقع على ركبه جنبها، وبإيدين بترتعش سندها وقامها نص قومة وقال برعب: حور! أنتي كويسة؟

طمنيني.. ابننا كويس؟ حاسة بحاجة؟ حور بدموع وألم: بطني.. بطني بتوجعني يا أدهم. أدهم بقلق هستيري: لا.. لازم نروح المستشفى حالا نطمن عليه، مش هستنى! حور هزت راسها بدموع: لا لا.. أنا كويسة، ده مجرد مغص.. بالله عليك سيبك مني والحق الواد، الواد هيضيع! أدهم زفر بضيق وقهر: يغور هو وأمه! أنا ما يهمنيش حد في الدنيا غيرك أنتي وابننا.

حور بصتله بدموع وزعل: يا أدهم حرام عليك.. ده عيل صغير ومامته في المستشفى، ما ينفعش نسيبه لوحده كدا، لازم نلحقه! أدهم زفر بضيق واتصل بالخدامين وهما جم لحد عنده، وقال بنبرة حادة ممزوجة بالتعب: ربيع.. خد رجالتك فوراً، الواد ده جري ناحية الشارع اللي ورا ده، هاتوهلي بسرعة وهاتوه هنا في الفيلا، مش عايزه يروح في داهية.. مفهوم؟

الخدامين اتحركوا بسرعة، وأدهم رجع بص لحور اللي كانت لسه بتمسك بطنها بوجع ووشها باهت. سحبها بحذر وقومها وراح ناحيه الفيلا وقعدها على أقرب دكة في جنينة الفيلا، وبدأ يتفحص وشها بقلق هستيري:حور، قوليلي الحقيقة.. الألم ده جالك منين؟ إنتي خبطتي جامد؟ لازم نتحرك دلوقتي، مش هستنى! حور بدموع وهي بتحاول تطمنه: أنا كويسة يا أدهم.. والله مجرد وقعة، المغص بدأ يهدى. بس حرام عليك، الواد ده لوحده يتوه في الشارع وممكن حد يخطفه

أدهم كان بيتنفس بصعوبة، إيده بتترعش وهو بيلمس شعرها: أنا مابقتش عارف مين اللي بيحاربنا ومين اللي عايز يضرنا.. الست دي ظهرت فجأة، والواد ده بيطالبني وبيني وبين نفسي حاسس بحمل تقيل مش قادره أفسره. في اللحظة دي، رجع ربيع والخدامين ومعاهم الطفل، كان بيعيط بهستيريا ومقاومهم. ربيع بصلهم وهو بيلهث: يا أدهم بيه، الواد كان بيجري بيحاول يلحق عربية الإسعاف.. جبناه زي ما أمرت.

أدهم وقف بتقل، وبص للطفل اللي كان باصص له بنظرة عتاب وكسرة، وقال للخدامين: دخلوه جوه، أدوله مية وأكل لحد ما نشوف الدنيا فيها إيه.. عقبال اما اروح أنا والمدام المستشفي حور مسكت إيد أدهم بإصرار: أدهم، اسمعني.. أنا مش هتحرك أنا كويسه اهو وبطني خفت ..

سليم دخل الفيلا وهو شايل سارة ومسنود عليها، هما الاتنين حالتهم متبهدل، د..مهم سايح من جرو..ح مختلفة، ومنظرهم غرقانين ميه. حور اتصدمت وأدهم، رغم تعبه ووجع قلبه، وقف بصدمة أول ما شاف سليم وسارة بالمنظر ده. سليم حط سارة علي الدكه، وبص لأدهم بنظرات مليانة إنهاك وخوف، صوته طلع مبحوح: أدهم.. كريم..كريم جيه عندي وكان جايب الشله بتاعته وفضلوا يضربوا علينا طل..ق وممكن يهجم علي الفيلا الواد ده ناويها شر..

أدهم عيونه احمرت من الغضب، وصوته طلع مرعب وهو بيجز على سنانه: ابن الـكل..ب ده مش هيجيبها لبر! وحياة أمه لأوريه عذاب ما شافه في حياته، وهخليه يحصل أبوه ويشوف نهايته على إيدي! سليم مسح وشه اللي كان مبلول مية ود..م، وبص لأدهم بحدة وهو بينهج: كريم مابقاش فارق معاه حد خالص.. هجم علينا وكنا هنمو..ت، وسارة اتصابت ومحتاجة دكتور حور قامت ونسيت وجعها خالص، قربت من سارة بقلق وهي بتحاول تسندها: ربيع! هات الشنطة الطبية بسرعة!

يا دادة، هاتي مية دافية وملايات نضيفه.. إنتي كويسة يا حبيبتي؟ حاسة بإيه؟ سارة كانت بتترعش وبتحاول تداري وجعها: بحاول أكون كويسة.. مش قادرة بجد. حور طمنتها بصوت حنون: اهدي خالص، هتكوني كويسة.. متقلقيش. سليم قرب منهم والخوف مالي عيونه: يا أدهم، لازم دكتور، حالتها بتسوق والد..م مش بيقف! أدهم وقف قدامهم، بيفكر بضيق وحيرة، ورد بحزم: دكتور؟

مش هينفع.. أنا مش ضامن مين اللي بره، ومستني أي حد فينا يطلع عشان يغدروا بيه.. مش هعرض حياة حد فيكم للخطر بسبب الزفت اللي ربنا بلاني بيه ده. سارة بصت لأدهم بتعب وخوف: كريم مش هيسكت، أنت عارفه كويس.. لو عرف إننا هنا، هيحر..ق الفيلا بمن فيها، ده أخويا وأنا عارفة غله. أدهم لف وشّه ناحية الباب، وعيونه بتلمع بتحدي،

وقال بصوت واطي ومرعب: يولعها.. خليه ييجي، ده أنا كنت مستني اللحظة اللي يقرر فيها يواجهني في بيتي، عشان أدفـ..نه وأخلص منه ومن ألاعيبه للأبد. بص لسليم وقال: انت هتكون جنبي ونجهز الاسلـ..حه وربيع يوزع الرجالة على كل المداخل و اقفل أبواب الفيلا كلها، وشغّل نظام الحماية.. حور، خدي سارة فوق حاولي تعالجيها، ومحدش فيكم يخرج من الأوضة مهما سمعتوا صوت بره. سليم بصلة بوجع: أنا جاهز، بس أنت.. أنت مش قادر توقف على رجلك يا أدهم.

أدهم وقال بابتسامة باهتة ومرعبة: أنا لسه عندي طاقة احار..ب اخوك مش اى حد يكسـ..ره سارة قامت مع حور، اللي بصت لأدهم بقلق قبل ما تطلع هي وسارة الأوضة فوق. وبره في الجنينة، أدهم جهز الأسلـ..حة وقعد مع سليم، والرجالة محاوطين الفيلا كلها ومأمنين المداخل. فوق في الأوضة، حور كانت بتعالج جر..ح سارة، فسارة بصتلها بتعب وقالت: هو إنتي اسمك حور؟ ممكن نتعرف على بعض؟

حور ابتسمت وقالت: أكيد طبعاً.. إنتي سارة، وأنا شوفتك هنا مع سليم قبل كده، طلع بيحب من ورانا ومخبي ممكن تقوليلي حبيته بعض ازاي ! سارة ابتسمت بوجع ومرارة، وصوتها كان واهن ومتقطع: من زمان أوي يا حور.. من وقت ما كان حسابات أهلنا لسه مفتوحة. يومها كنت لسه ببدأ حياتي وبشتغل مع سليم في الشركة، وقتها كانت شركه أبويا وأبو سليم وأدهم كيان واحد، والكل كان بيثق في بعض ثقة عمياء.

أخدت نفس بصعوبة وكملت: أبويا.. كان بيلعبها صح ومن ورا ضهر الكل. خطط وضحك على أبو سليم وأدهم بصفقة مشبوهة، استغل ثقتهم ووقعهم في فخ الديون. الشركة اللي كانوا بنينها شقى عمرهم انهارت في يوم وليلة، وأدهم وسليم وعمو احمد وعياله لقوا نفسهم مديونين بمبالغ جامده، والكل اتهمهم بالتقصير والسرقة. حور كانت بتسمع وهي مش مصدقة، وسألت بذهول: كل ده حصل بسبب أبوكي؟

سارة هزت راسها بدموع: للأسف أيوه. وفي وسط المعمعة دي، وسط الخراب والاجتماعات اللي مكنتش بتخلص، بدأت قصتي مع سليم. كنت بشوفه وهو بيتحارب وبيحاول يلم شتات نفسه، كنت بشوف نظرة الانكسار في عينه وهو بيشوف تعب أبوه بيضيع.. بدأنا نتقرب من بعض، سليم كان الوحيد اللي بيشوف فيا سارة البنت اللي بتكره طمع أبوها عشان كنت ضده دايما أنه يعمل كدا، مش مجرد بنت العدو. حبنا اتولد في وسط الرماد، وكنا بنخاف نعلن عنه لأن الظروف كانت أقوى مننا، كان حبنا سر في وسط عالم كله خيانة وقولنا مش هنقول لحد ..لحد لما الدنيا تهدي وقعدنا اربع سنين علي الحال ده .

سكتت لحظة، وعيونها لمعت بالخوف وهي بتفتكر: لحد ما جه اليوم اللي اتكشفنا فيه. كريم أخويا عرف موضوع جوازنا ده من قريب بس، مكنش عنده فكرة خالص إني كنت بروح لسليم من وراهم بقالي كتير زي ما قولتلك. كنا خايفين نواجههم، والله سليم كان ناوي يعلن كل حاجة، بس كان عايز يعمل ده بالتدريج، مش خبط لزق زي ما عرفتوا بالحقيقة! حور

ضمت إيد سارة بحنية وقالت: يا حبيبتي متلوميش نفسك، الحب وسط النا.ر دي رزق.. سليم كان معاه حق يمشي بالراحة، اللي بتواجهوهم دول ناس معندهاش رحمة. الأهم دلوقتي إنكم هنا في أمان، ارتاحي عشان جرو..حك تلم وهتبقي كويسه أن شاء الله.. في الجنينة، كان التوتر سيد الموقف. أدهم لاحظ سليم وهو بيغفل وعينه بتغمض من كتر التعب والجرو..ح اللي في جسمه،

هز كتفه وقاله بحدة محببة: قوم يا عم أنت، روح ارتاح شوية.. أنا صاحي وهخلي بالي من المكان، مش هيعدي ديب من قدامي. سليم حاول يفتح عينه بالعافية وقال بصوت مجهد: لا يا عم.. أنا صاحي وزي الفل، سيبني جنبك، لو حصل حاجة هنبقى لبعض. أدهم أصر عليه بنبرة حازمة: بقولك قوم! لو حصل هجوم وأنت بالمنظر ده مش هتعرف تتحرك.. اطلع ارتاح، أنا موجود ومحدش هيقدر يلمس الفيلا.

سليم استسلم أخيراً وقام بتثاقل، طلع فوق وخبط على الأوضة اللي فيها حور وسارة. حور فتحت الباب، ولما شافت سليم حالته صعبة، قالت بسرعة: حمد لله على سلامتك يا سليم.. ارتاحوا أنتوا، أنا هروح أشوف أدهم تحت وأجيبله قهوة وأطمنه. سليم دخل وقفل الباب وراه، قرب من سارة اللي كانت قاعدة على السرير، ووقع في حضـ..نها وهو بيأوه من ألم جروحه. سارة مسحت على شعره بحب وقالت بقلق:سليم؟ سيبت أدهم أخوك لوحده ليه وهو تعبان؟ سليم غمض

عينه بتعب وقال بصوت مخنوق: مش قادر يا سارة.. جسمي مهدود وعايز أنام، أدهم أصر عليا أطلع. سارة بصتله بأسف وقالت: يا حبيبي ميصحش.. هو برضه تعبان ومصاب، كان المفروض تفضل جنبه، مش حلوة في حقكم تسيبوه لوحده في وقت زي ده. سليم ابتسم ابتسامة خفيفة وهو بيشد سارة لحضنه، وقال بصوت واطي ومبحوح: يا بنتي سيبك من أدهم، ده حديد.. ده لو رصا..صة جت فيه هي اللي هتتكـ..سر! وبعدين أنا مش مأمن على روحي غير هنا، في حضنك أنتي.

سارة ضحكت بخفة وقالت: بجد؟ يعني سيبت الحديد اللي تحت ده وجيت تهرب عندي؟ سليم بصلها بنظرة كلها حب ومسح على وشها بإيده، وقال: مفيش حاجة توجعني وأنا جنبك.. أنتي اللي بتهوني عليا كل القر..ف اللي شفناه. أصل لو قعدت تحت همو..ت من التعب وأدهم هيقعد يزعقلي، فقلت أطلع أخد حقي في شوية حنان.. أه صحيح، نسيت! إنتي كويسة؟ جرو..حك لسه بتوجعك؟ سارة ابتسمت بوجع: أنا كويسة يا حبيبي، المهم أنت ترتاح. سليم اتنهد

وهو بيغمض عينه من الإرهاق: خلاص بقا، كفاية كلام.. نامي أنتي كمان وارتاحي، محتاجين نجمع طاقة عشان اللي جاي.. نامي يا حبيبتي، تصبحي على خير. حور مشيت بخطوات هادية ناحية الجنينة، والقهوة في إيدها، لحد ما شافت أدهم قاعد على الدكة ومريح راسه لورا، كأن التعب خلاص نال منه. قربت منه بحذر، وفجأة أدهم حس بحركة، فتح عينه بسرعة وعدل قعدته، وبص لها بضيق واضح: مش قولتلك متخرجيش من أوضتك؟ إيه اللي جابك هنا؟! حور عضت شفايفها

بتوتر وهي بتقدم له القهوة: أنا.. أنا بس قولت أجيبلك قهوة تفوق نفسك بيها، الجو بره مش مطمن وأنت محتاج تركز. أدهم أخد القهوة منها، بس عيونه كانت لسه حادة ومراقبة المكان: خلاص روحي بقا علي اوضتك شكرا علي القهوه .. حور قعدت جنبه بدموع محبوسة: بس أنا مش هيغمض لي جفن وأنت لوحدك.. مش هقدر أسيبك لوحدك زفر أدهم بنفاذ صبر : حور، أنا مش عيل صغير عشان أخاف على نفسي.. ده وقت خـ..طر، اتفضلي على أوضتك ومتكسر..يش كلامي!

بصتله حور بحزن وانكسار: هو أنت لسه زعلان مني يا أدهم؟ ده إحنا من لحظة كنا كويسين.. ليه القسو..ة دي دلوقتي؟ أدهم بص عليها وخد نفس طويل، ملامحه اللي كانت متشنجة بدأت تلين شوية قدام نظرات حور المكسورة، حط فنجان القهوة على الطاولة اللي جنبه، ومد إيده مسح على شعره بضيق وقال بنبرة أهدى بس لسه حازمة: يا حور.. أنا مش زعلان ، أنا خايف من القرف اللي بيحصل لينا ده. إنتي فاكرة إن وجودك جنبي هنا في الجنينة بيطمن قلبي؟

بالعكس، كل ثانية بتعدي وإنتي هنا، بحس إن قلبي في إيدي. كريم مش إنسان طبيعي، وأنا عارف إنه أن ممكن يجي الفيلا، وأي حركة غلط ممكن تكلفنا حياتنا. حور قربت منه أكتر، واتكلمت بصوت فيه عتاب رقيق: وأنا وجودي فوق في الأوضة لوحدي بيخلي أفكاري تقتـ..لني. أنا شوفتك وأنت بتتعذب، شوفتك وأنت شايل مسؤوليتنا، وشايلة همك أنت كمان.. ليه عايزني أكون بعيدة؟

أدهم سكت للحظة، عينيه التايهة نزلت على الأرض بملامح منقبضة، وحور انتهزت الفرصة ونامت برأسها على رجله، قالت بصوت مليان حب: أنا عارفة إن الوضع صعب، بس بجد وحشتني.. ليه سليم فوق مع سارة وأنت قاعد هنا لوحدك؟ خلينا سوا، وجودك جنبي هو الوحيد اللي بيطمني وبيهون عليا. أدهم حافظ على بروده الظاهري، بس ملامحه لانت غصب عنه، تنهد وقال بجمود حاوَل يداري بيه قلقه: براحتك خليكي.. المهم بطنك كويسة؟ لسه بتوجعك من الوقعة؟

حور ابتسمت بحنان، سحبت إيده وحطتها على بطنها بهدوء وقالت: حس بإيدك.. هتحس بحركته دلوقتي وتتأكد إنه كويس ومفيش حاجة تقلق. أدهم حس بحركة الجنين تحت إيده، ابتسامة خفيفة ومريرة اترسمت على شفايفه، وقال بنبرة فيها لمحة هزار رغم غيظه المكتوم: شكله طالع هيغلبني زي أمه بالظبط.. ده لو طلع شقي ومجنو..ن كده، أنا هدعي تيجي بنت أهدا وتسمع الكلام. حور كشرت بدلع وقالت وهي بتبص له بعتاب: بنت؟ أهدى؟

ده أنت لو جالك بنت هتطلع أشقى مننا كلنا! وبعدين ليه بتقول كده؟ أنا عملتلك إيه لكل ده؟ أدهم ضحك ضحكة خفيفة، ولأول مرة من فترة طويلة، ملامحه المرعبة هديت وبانت فيها ملامح الأب الحنون، وهو حاطت إيده على بطنها وبدأ يحس بحركات البيبي، وقال بابتسامة دافئة: عملتي إيه؟ قولي معملتيش ايه .. لو طلع شبهك في العند ده، أنا هعتزل الشغل كله وأقعد أربي امه واربيه .. حور لمست وجهه بإيدها وقالت بحب: يعني أنا موحشتكش؟!

أدهم بص في عيونها بتعب، وحاول يهرب من نظرتها وقال بصوت دافي ومبُحوح: أنا تعبان وعايز أنام.. اطلعي على أوضتك يا حور. حور قربت أكتر وقالت بإصرار: أنا آسفة، مش هسمع كلامك في دي. أدهم ابتسم بسخرية وهو بيلمح لمعة التحدي في عينيها، وقال بصوت واطي ومبحوح: وهو من أمتي بتسمعي كلامي أصلاً؟ دايماً بتسمعي نفسك.. كأنك بتعاقبيني على خوفي عليكي. حور قربت أكتر، لدرجة إن أنفاسها اختلطت بأنفاسه، وقالت

بصوت رقيق ونبرة كلها دلال: مش بعاقبك.. أنا بختار أكون جنبك، حتى لو في عز الحر..ب. أنت اللي موحشني، ملامحك اللي بحبها دي.. وحشني أدهم اللي بيحسسني بالأمان وسط الخوف.

نظرات أدهم اتحولت فجأة؛ التعب اللي كان في عينيه بدأ يمتزج برغبة دفينة، ووقعه في سحرها خلاه ينسى للحظة كل الغضب والتوتر. حور، بجرأة غير متوقعة، مالت عليه وبصت في عيونه لحظة قبل ما تقرب وبدأت تبو..سه في شفايفه ببطء ورقة، وكأنها بتمسح بلمستها كل تعب الليالي اللي فاتت.

أدهم في البداية قاوم، ملامحه كانت متصلبة، بس قلبه اللي كان ملهوف عليها خان جموده. بدأ يتوه معاها، إيده اللي كانت مفرودة على الدكة اتحركت تلقائياً لمست ظهرها وضمتها ليه بقوة، كأنه بيحاول يداريها عن العالم كله في حضنه. رغم الغصة اللي في قلبه والخنقة اللي حاسس بيها من الأحداث، إلا إن وجودها بين إيديه كان الملاذ الوحيد اللي بيخليه يتنفس.

بعد لحظات من الهدوء اللي اتخلله نبضات قلبهم المتسارعة، أدهم بعد عنها ببطء، أنفاسه كانت مسموعة. بص للرجالة اللي منتشرة في الجنينة، ورفع صوته بنبرة حادة وقوية عشان يقطع اللحظة ويرجع للواقع: ربيع! سمعتني؟ العين على السور.. أي حركة مشبوهة، أي ظل يتحرك، متستنوش أمري.. اتعاملوا فوراً! رد عليه ربيع بصوت جهوري: علم وينفذ يا أدهم بيه!

أدهم رجع بص لحور اللي كانت لسه بتتنفس بصعوبة، ابتسم لها ابتسامة نادرة، المرة دي كانت حقيقية، مسح على خدها وقال بصوت واطي: بلاش تخليني أضعف أكتر من كده يا حور انتي مش قدي. بس دلوقتي.. مفيش حاجة تهمني غير إني أطمن عليكي. حور مالت عليه برقة، ولمست دقنه بأصابعها بدلال، وقالت

بنبرة ناعمة مليانة أنوثة: وانا عاوزاك.. أنا كلي ملكك أنت وبس يا أدهم، حضنك ده هو بيتي الوحيد، ومكاني اللي بحس فيه إني بأمان من العالم كله.. خليك معايا، متبعدش عني.

كلماتها دي كانت بمثابة شرارة أشعلت كل حاجة جوه أدهم، قلبه اللي كان بيحاول يربطه بالحديد بدأ يدق بعنف لدرجة إنه حس بوجع في صدره من كتر الرغبة والشوق. نظراته بدأت تتحول، البرود اللي كان متحصن وراه تلاشت تماماً وحل محله لهيب من الاحتياج، وبص لها نظرة تملك خلت أنفاسها هي كمان تتسارع.

فجأة، وبحركة خاطفة ومباغتة، قام أدهم وشالها بين إيديه بقوة، كأنها أغلى ما يملك وأخطر حاجة لازم يخبيها. حور شهقت بخفة واتعلقت في رقبته، وشها اتدفن في رقبته بخجل وفرحة. وهو بدأ يمشي بيها ناحية الفيلا بخطوات واثقة، رغم التوتر اللي في الجو. وهو داخل بيها من باب الفيلا، ألقى نظرة حادة على رجاله اللي كانوا واقفين، بمعنى ممنوع أي حد يرفع عينه ودخل بيها بهدوء بدأ يطلع السلم بخطوات واثقة، وهو مش قادر يشيل عينه من عليها،

همس بصوت مبحوح ومغري:محدش في الدنيا دي ليه حق يلمح خيالك وأنتي معايا.. أنتي ملكي أنا وبس، والنهاردة مفيش قوة على الأرض هتبعدك عني. حور ابتسمت بدلال وقربت منه أكتر، لدرجة إن أنفاسهم بقت واحدة، وقالت بصوت ناعم: وأنا مش عايزة أكون غير معاك.. أدهم، أنا… في اللحظة اللي كان أدهم بيخطو فيها نص السلم، والجو مشحون بمشاعرهم، فجأة.. الفيلا كلها غرقت في ضلمة دامسة ومفاجئة. النور مش بس قطع، ده كأن الحياة سُحبت من المكان

حور اتوترت جداً وشعور الخوف اتملك منها، اتشبثت في رقبته بقوة وقالت بصوت مهزوز: أدهم.. حاسب هنقع، نزلني.. نزلني أرجوك! أدهم حاول يطمنها رغم استغرابه من انقطاع النور المفاجئ، ضحك بخفة عشان يكسر توترها وقال بصوت واثق ومبحوح: في إيه يا حور؟ مالك؟ النور قطع عادي وجاي تاني، اهدي يا حبيبتي. حور مكنتش شايفة قدامها، زادت في تشبثها بيه وقالت برعب:لا والنبي نزلني، أنا مش شايفة حاجة، هنقع بجد!

أدهم ضحك أكتر وهو بيضمها ليه بحماية، وقال بكلمات دوبت خوفها لحظياً: يا ستي اهدي.. أنا شايف بيكي، إنتي اللي منورة عليا، ومستحيل أخليكي تقعي وأنا شايلك. وفي اللحظة دي، وبالضبط وهو بيحاول يكمل طلوع السلم بالإحساس في العتمة، قطـ..ع سكون الليل صوت خبط عنيف ومريب على باب الفيلا الرئيسي. أدهم اتفاجئ من الخبطة، ورجله خانته في خطوة غير محسوبة وهو بيحاول يلف بجسمه.

فقد توازنه تماماً، ومن غير تفكير، أدهم لف بجسمه في الهواء عشان يخلي جسمه هو المصد والمكان اللي تقع عليه حور، فضل حاضنها بقوة وهو بيسقطوا على درجات السلم الرخامية. وقعوا الاتنين مع بعض، وأدهم اتأوه بألم حاد لما ظهره اصطدم بحرف الرخامة، لكنه رغم الوجع، كان كل همه إن حور ما يلمسهاش سوء، فضل محاوطها بكتفه وذراعه. حور بتتحسس وجهه بدموع وصوت مرتجف: حبيبي.. أنت كويس؟ طمني أرجوك! أدهم يتأوه

بألم مكتوم ويحاول طمأنتها: أنا بخير اهدي.. إنتي؟ فيكي أي وجع؟ حور بتوتر وارتجاف: لا..لا انا كويسه من بره الباب، سمعوا صوت ربيع وكلمات الرجالة بلهجة متوترة وزعيق: أدهم بيه! أدهم بيه! سامعنا؟ النور قطع عن الفيلا كلها وفي عربيات غريبة محاصرة السور من برا.. أدهم بيه أنت بخير؟!! الحقنا بيرمو علينا نار من برا!!!!

حور كانت بتنهج برعب وهي لسه في حضنه على السلم، وأدهم اتصلب مكانه، ملامحه اتحولت من الحنان للجدية القاسية في ثانية واحدة وووو

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...