#الفصل_الثالث_والسبعون_الجزء٢
وبغرفة في بيت العمدة وتحديدًا في ساعة قبل الفجر ....
نهض وجيه منزعجاً من عدم استطاعته النوم وها قد وصل الوقت قرابة الفجر!
ستكون الأيام المقبلة كثيرة المهام والترتيبات للزفاف ولابد أن يريح جسده لبعض الوقت حتى يستطيع التركيز بكافة الأمور .. تنهد بعمق وادرك أن ما يؤرق مضجعه هو اشتياقه لحبيبة القلب ليلى ..
انتبهت جيهان لحركة بالفراش وعندما فتحت عيناها وجدته جالسا ويسند ظهره على وسادة ويبدو شارد الفكر ...
اعتدلت بكسل وانسدل شعرها الأشقر على كتفيها ثم نظرت له بنصف عين وقالت:
_ ارتاح شوية يا وجيه احنا كلها ساعتين ونحضر نفسنا للسفر !
لم يلتفت لها، ولكنه أجاب بتمهل:
_ مش جايلي نوم يا جيهان، نامي أنتي وهبقى أصحيكي.
زمت شفتيها بتنهيدة ثم قالت بشبه اعتذار:
_ أنت زعلان مني عشان محضرتش الحنة ونمت طول النهار صح ؟! .. والله كان عندي صداع فظيع خدتله مسكن ومعرفش نمت أزاي كل الوقت ده ! ..
لم يكن هذا على الأطلاق سبب أرقه!، بل أنه تقريبًا لم ينتبه لوجودها في ساعات النهار بسبب أنشغاله مع العمدة وضيوفه، ولكنه لم يشأ أن يجرح مشاعرها بالحقيقة فقال:
_ اكيد مش هزعل منك بسبب كده !! ... أنا مش عارف ليه حاسس بخنقة ومش مرتاح !
ارجعت جيهان ذلك لوجوده بمكان يعتبر غريب عنه فقالت بتفهم:
_ عشان مش بترتاح غير في بيتك .. احساس طبيعي ، بس حاول تنام حتى لو نص ساعة بس !
رفع وجيه الوسادة من خلف ظهره وتمدد مرة أخرى محاولًا الخلود للنوم، فابتسمت جيهان وهي تغمض عينيها عندما أخذ حديثها على مجمل الجد، وبالصدفة سحب وجيه هاتفه من على منضدة ملاصقة للفراش ليتأكد من الوقت ولكنه اعتدل جالسا فجأة وهو يرى عدد المكالمات الفائتة من رقم مكتبه بالمشفى !! ... لم يطرأ على خاطره شيء سوى ليلى !
فأتصل سريعا على رقمها مباشرة ليطمئن عليها قبل أي شيء، وبتلك الدقيقة كانت ليلى قد خلدت للنوم وتركتها الطبيبة مروة تستريح حتى الصباح دون ازعاج بعدما حدث ... وصدفة دخول أحدى الممرضات انتبهت لاهتزاز الهاتف دون صوت !
وترددت الممرضة في الرد خاصةً وهي ترى رقم وجيه واسمه بخلفية الهاتف ! ... وترددت أكثر في ايقاظ ليلى والطبيبة قد اكدت والزمت بعدم ازعاجها لأي سببًا كان !
فجأبت الممرضة بتوتر وتصاعد قلق وجيه عندما سمع صوتا آخر وهتف :
_ مين معايا ؟!
أجابت الممرضة بعدما عضت على شفتيها قلقا وتوتر :
_ أنا اسفة يا دكتور وجيه اضطريت ارد عليك عشان ممنوع أصحي مدام ليلى، الدكتورة مروة حذرتنا نصحيها بعد اللي حصل.
اتسعت عيناه على آخرهما برجفة مخيفة وقال بصوت جامدا حاد:
_ حصل ايه لليلى ؟!
روت له الممرضة ما أشيع بالمشفى بالساعات الفائتة وأودى بليلى لأن تدخل بنوبة صراخ مجهولة الأسباب ! .. قفز قلب وجيه تقريبًا من الخوف وهو ينهض من الفراش كأنه لمسه صاعق كهربائي .. وصاح:
_ ايه اللي وصلها لكده ؟! اكيد في حاجة حصلت لليلى خلاها تدخل في الحالة دي !
ردت الممرضة بخوف :
_ محدش قدر يعرف اللي حصل خالص، ولا حتى مدام ليلى قالت حاجة !
كاد وجيه أن يهتف ويتحدث ويصيح، ولكنه تذكر مرضها وأنها محتمل أن تكون قد نسيت تمامًا ما حدث، فزفر بيأس وانهى الاتصال وهو يتنفس بعصبية شديدة وغضب يجعله يود لو يهشم كل ما بالغرفة !
راقبته جيهان بعينان ثابتتان تراقبان أنفعاله و هلعه الذي لا تراه إلا فيما يخص ليلى ! ... وقبل أن تتحدث معه وجدته يبدل ملابسه بأقصى سرعة فسألته بغرابة:
_ بتعمل ايه ؟!
أجاب وهو منشغل بارتدائه الملابس الذي جهزتها له جيهان قبيل النوم للأستعداد للسفر مبكرًا :
_ راجع القاهرة دلوقتي .
لم تتعجب جيهان ولم يهتز بعقلها رفة تعجب واحدة ! ... يكفي أن يذكر اسم ليلى بأقل خطر حتى تجده بهذه الحالة من الهلع والخوف ! .. فصمتت ولم تجادله، ربما اعتادت على الأمر، وربما رضخت بحقيقة أن كثرة الجدال لا فائدة منه ولا طائل!
ورغم سرعته القياسية في استعداده للسفر ولكنه بدا مهندماً ومرتبا ونظيفا كعادته دائمًا، فسألها وهو يأخذ هاتفه ومفاتيح سيارته من على المنضدة:
_ مش هتيجي معايا ؟
تنهدت بثبات ثم قالت :
_ لأ هرجع مع العيلة، عشان حتى اسلم على العمدة ومراته واتأسفلهم على غيابي امبارح ... توصل بالسلامة.
قال بإيجاز قبل أن يخرج :
_ ما تقلقيش حد عليا، قوليلهم طلبوه في المستشفى ضروري واضطر يسافر.
أومأت جيهان بالموافقة، وحالما خرج من الغرفة عادت ممددة ومدثرة بالفراش الدافئ غير مكترثة لأي شيء ... فأن كانت تحمل لليلى الاعتذار لما فعلته، فأنها لا تكترث لأكثر من ذلك ... وشعرت بموجة من الفتور لكل شيء حولها ... شيء كالصقيع أصاب مشاعرها كليًا ...
*******
وبالصباح الباكر ... تحديدًا عند الساعة الثامنة والنصف صباحا.
دق الهاتف الخلوى لمكتب فرحة فأجابت برسمية :
_ مع حضرتك ...
قال زايد بصوت يبدو به رنة حادة ومنفعلة :
_ تعاليلي المكتب حالًا يا فرحة
سألت وهي منهمكة في انتهاء بعض الملفات :
_ طب ثواني هجيب دفتر المواعيد والملف اللي ..
قاطعها زايد بصوت حانق:
_ مش عايز دفاتر ولا ملفات وقولتلك تعاليلي دلوقتي !
تركت فرحة ما بيدها وقد سمرتها لهجته الحادة التي تعلن عن خطأ فادح لربما فعلته ! ... فقالت بتوتر:
_ طب ثواني ..
ونهضت وبعقلها عدة اسئلة ومخاوف وترقب من اوصله لأن يتحدث هكذا !
ودخلت المكتب وكان ينتظرها عند مقدمة مكتبه مباشرةً وبعينيه نظرات انقضاض ! ... يكن عدواني أكثر من اللازم عندما يغضب هذا الرجل الغامض !
وتركت الباب مفتوحا على مصراعيه قصدا وكعادتها ، ثم وقفت امامه على بعد خطوات وقالت:
_ ايه اللي حصل وخلاك تكلمني كده ؟!
تنفس زايد بعصبية شديدة ظهرت بانتفاخ عروق رقبته الطويلة جدًا، ثم رماها بنظرات مختلطة بين العتاب والغضب والتساؤل وقال:
_ قولتلك ما توقفيش مع هيثم صح ولا لأ ؟!
أجابت بثبات وثقة:
_ حصل بس انا ما واقفتش معاه تاني من آخر مرة!
أطرق زايد بقبضته على المكتب بعصبية وقال:
_ كان واقف معاكي النهاردة الصبح بيكلمك ... ما تكذبيش !
زمت فرحة شفتيها بعصبية من ارتفاع صوته وصب عصبيته عليها دون توضيح الأمر فردت بعصبية :
_ انا مش كذابة لو سمحت! ... المرتين اللي لقتني واقفة معاه مكنوش بقصد اني اكلمه! ، يعني أول مرة هو اللي جالي في الحفلة وسألني على فادي، تاني مرة هو برضو اللي جالي وقالي على حكاية سالي ، وعشان المفروض ان الموضوع ده يهمني كان لازم أعرف مين هي سالي دي ! ... والنهاردة ما وقفتش معاه هو اللي قرب مني وحاول يكلمني بس مشيت وما سبتلوش أي فرصة ... وبعدين هو أنا متراقبة ولا إيه ؟!
ضيق زايد عينيه بلمعة حادة ظهرت فيهما وقال:
_ هيثم اللي قالك على موضوع سالي !! ... حسام خبى عني الحكاية دي مع أني كنت شاكك !
لم تدرك فرحة أنها تفوهت بأمر كانت تريد تجنبه لكي لا يزداد الخلاف بين زايد وهيثم، ولكن بالآخير هي مطالبة بتوضيح موقفها الحقيقي ولابد أن تفعل ذلك ... فقالت :
_ حسام محبش يوقع بينكم، وأظن ده مش بقصد أنه يخبي ! ... وأظن برضو أني لفت نظرك أني مابحبش عصبيتك دي من غير ما تفهم وتسمع ردي ! ... أنت مش بتشوف نفسك لما بتكون عصبي بتبقى عامل أزاي ؟!
وخرجت من المكتب وتركته يقف متوترا بضيق، ها هو فعلها مجددًا واغضبها دون أن يترك لها مساحة التحدث !
*********
جلست فرحة على مقعدها بغيظ، ولكن بعد لحظة نمت ابتسامة على شفتيها، رغم كامل عصبيته وغضبه ولكنه لا يقاطعها ويتركها تقول ما تقول، واعترفت سرا أنها تحب تلك النظرة القلقة والمتربكة عندما يشعر بأنه تسرع في الحكم عليها ويختاله الشعور بالندم ..
ثم عادت لرشدها واستأنفت عملها حتى لم تمر دقيقة وكان يخرج من مكتبه والارتباك والأسف مرسوما على صفحة وجهه.
أخفت ابتسامتها بصعوبة شديدة خاصةً وهي تراه يحمحم منقيًا صوته قبل بدء الاعتذار ... هذا الرجل بهيبته ومكانته ورعب الموظفين منه يقف امامها مرتبكاً لا يجد مدخل مناسب لبدء الحديث ! ... على قدر التسلية في الأمر .. على قدر محبتها حتى للمشاكل بينهما وطريقته في الاعتذار !
قال فجأة وكأنه يرمي الكلمات :
_ أنا أسف يا فرحة ...
أطرف عيناه بارتباك عندما نظرت له، وهنا تقسم أنها ودت لو تضحك على نظراته التي بدت كالطفل الخائف من ردة فعل والديه ، فقالت وقد اشاحت عيناها عنه بثبات:
_ مش المفروض أني كدابة ! ... حضرتك بتتأسف ليه ؟!
وكان مضمون ردها عتاب ومع كثيرا من الغضب والضيق ، فقال بأسف حقيقي :
_ لا أنتي مش كدابة، ومش بحب اسمع منك كلمة حضرتك دي ! ... مافيش واحدة بتقول لخطيبها حضرتك !
تنفست بعمق وكم رغبت في أن توضح له كل شيء يفعله ويغضبها، ولكن استحت أن تفعل ذلك فكان أجابتها الصمت ! ... وهذا أكثر رد فعل لها يقلقه ويخيفه فقال بتوتر:
_ ساكته ليه ؟!
أجابت بجفاء وهي تتظاهر بقراءة أحدى الملفات :
_ ساكتة عشان بشتغل !
سحب الملف من يدها ووضعه على المكتب بحدة ثم قال :
_ سيبي الشغل دلوقتي المهم أنتي ! ... أنا عارف أني عصبي ، وعارف أني ساعات بغلط وبقول كلام يضايقك ، بس أنتي مخدتيش بالك سبب ده كله ايه ؟
نهضت بعصبية حقيقية ووقفت امامه وقالت :
_ عشان مش واثق فيا !
اومأ رأسع رافضا وأوضح حقيقة الأمر وهو يصوب لها أجمل نظراته:
_ عشان بغير عليكي ! ... مش عايز مخلوق غيري يكلمك ويتعامل معاكي ! ... مشاعر خوف وغيرة مش عارف اسيطر عليهم ... أنا كنت بقدر أسيطر على أعنف درجة وصلت فيها للعصبية ... بس معاكي مابقدرش ! ... بفقد السيطرة تمامًا !
خفق قلبها بسرعة مرعبة، وحاولت أن لا تنظر له بتلك اللحظة تحديدًا، فرفعت سماعة الهاتف الخلوي وضغطت على عدة أرقام فسألها زايد بتعجب وحيرة :
_ بتتصلي بمين ؟!
اجابت بابتسامة وهي تنظر بعيدة عنه:
_ بالبوفيه، هخليهم يبعتولك كوكتيل العصير اللي بتحبه ... عايز ساندوتشات ؟ .. هطلبلك ساندوتشات.
قالت ذلك دون أن تنتظر رأيه حتى وراقبها بابتسامة محبة وهي تتحدث مع عامل البوفيه، وادرك أنها تنهي الخلاف عند هذه النقطة ولا تريد النقاش فيه مرةً اخرى .... فقال بابتسامة واسعة بعدما اغلقت الاتصال:
_ طب مش تستني لما ارد ؟!
قالت مبتسمة لنفسها :
_ مش مهم ترد ... المهم تاكل.
فضحك على ردها ملء فمه، واخفت تأثرها بصوته وظهور غمازتيه مجددًا ! ... وعاد أدراجه للمكتب بعد دقائق قليلة وهو يحتفظ بابتسامته ...
وبعد دقائق دخلت فرحة وبيدها كوكتيل العصير الطازج والاطعمة الخفيفة .... فوجدته يفتح خزانته ثم التفت لها وهو يضع شيء بداخل الخزانة دون أن ينظر له ... فكانت عينيه توجهتا اليها مرحبة .... ثم اغلق زايد خزانته وكتب الرقم السري أمام فرحة بمنتهى الثقة .... فقالت:
_ أنت متعود تقفل الخزنة بالرقم السري قدام أي حد كده ؟!
ابتسم بمزاح وأجاب :
_ لا طبعا، بس أنتي مش أي حد !! ... وبعدين هو أنتي ناسية هتكوني مين ؟! ...
ابتسمت بخفة وأشارت للعصير والطعام قائلة بحزم :
_ أفطر وبعدين أشتغل ...
وابتسم ابتسامه واسعة ولم ينكر أنه يحب تلك اللافته منها، الاهتمام والمحبة الصادقة هو ما يحتاجة بالحياة لكي يتجاوز مجنته القديمة، وبعدها يستطيع أن يكون أسرة ويكن أبا لا تثقل كاهله العقد والأمراض النفسية ..
وخرجت فرحة من مكتبه سريعا، وضم قلبها شعور هادئ لطيف ومتفائل بالآت وحياتها معه.
فأن كان يبدو للجميع ذلك الرجل الغامض الذي اعترف بذكائه الكثيرون في ادارة الأعمال والمكاسب التجارية الضخمة في سنواتٍ قليلة ... فأنه بالنسبة لها الحبيب ورفيق العمر الذي فتح لها وحدها صفحة شخصيته الحقيقية وصفاء قلبه ..
*********
تجاوزت الساعة العاشرة صباحاً ....
وفتحت ليلى عيناها على قبلة وجيه على جبينها، فنظرت له ودمعت عيناها بنظرة وكأنها تسرد له ما حدث ... فسحبها قليلا من مكانها الى صدره وحاوطها بذراعيه بحماية وأمان هامسا:
_ مافيش حاجة ما تقلقيش يا حبيبتي ...
تمسكت ليلى بيديها الاثنان الملفوفة حول خصره بقوة كي تتأكد أنه هنا أخيرًا ... فقالت بصوتٍ خائف :
_ مكنتش قلقانة، كنت مرعوبة ... مش عارفة ليه جوايا كل الخوف ده فجأة كده !
تحدث من بين أسنانه المصرورة من ضغط قلقه عليها:
_ صدقيني مافيش أي حاجة، أنتي اغمى عليكي وغالبًا بسبب الحمل، ففكرتي أن حصل حاجة من اللي كانت بتحصلك قبل كده !
ابتلعت ليلى ريقها باضطراب وتوتر شديد، ثم فجأة رفعت رأسها ونظرت لعيناه قائلة:
_ أنت رجعت من السفر عشاني ! ... الممرضة قالتلي أنها ردت عليك بليل ! ...
قبّل رأسها قببلة حنونة هادئة وهمس مجيبًا:
_ سيبتهم في البلد وسافرت الفجر والله، مابقتش عارف سايق أزاي العربية ! ... بس مستحيل كنت أعرف باللي حصلك وأبقى هادي ! ... أنا لو بيني وبينك بلاد العالم كلها هوصلك يعني هوصلك ..
ابتسمت ليلى بأمان تام وهي تغمض عينيها على صدره وهمست قائلة :
_ أنا كده كويسة ...
وشاركها ابتسامتها رغم اضطراب قلبه من ما آل وما وصلت إليه ! ... يبدو أن الأيام لا زالت تخبئ بعض الأمور !
فسأل بهدوء:
_ ريمو فين ؟!
أجابت ليلى بصوت كسول وكأنها بدأت تتيه بغفوة على صدره:
_ أيسل جتلها من ساعة وبيلعبوا في الجنينة ومروة معاهم ..
تنهد بارتياح وظل على وضعيته لوقتٍ طويل حتى نامت ليلى بالفعل ،فوضع رأسها بهدوء على الوسادة وجلس بجانبها بارياحية وظل ينظر لها بمحبة تخطت حدود العقل ...
*********
وقبل آذان العصر بقليل عائدة عائلة الزيان للمنزل في القاهرة ....
وتفاجئت جيهان برغبة المربية العجوز بالمنزل وهي تريد التحدث معها على انفراد !
فقالت جيهان بتعجب بعدما ابتعدت عن الفتيات :
_ قوليلي بقا في ايه ؟!
اجابت المربية العجوز :
_ في بنت جت هنا مرتين وبتسأل على الدكتور آسر ومصممة تشوفه ! ... المرة التانية لما جت ومالقيتهوش موجود فضلت تزعق وتشتم وتهدد وتقول انهم مرتبطين ببعض! ... شكلها تعرفه معرفة شخصية يا ست جيهان ! ... اسمها ريهام الدهبي.
دهشت جيهان من الأمر وخاصة لمعرفتها بأن آسر تحديدًا من بين شباب العائلة جميعهم أكثر تعقلاً وأخلاقاً وتحفظاً أيضا ..... فقالت بحيرة :
_ طب ما تقوليش لحد الموضوع ده نهائي ، ولو البنت دي جت تاني هنا قوليلي فورًا ... خلي بالك !
فهمت المربية أن جيهان تخاف على موقف سما أن علمت بالأمر .... وذهبت عائدة لعملها، وترددت جيهان بالذهاب والتحدث مع آسر خاصة أن علاقتها بالجميع سطحية جدًا لا تتعدى تحية المساء والصباح !
ولكن أن حدثت مشكلة بسبب الفتاة المجهولة هذه فستندم أنها لم تتدخل بالأمر ...فعزمت على التحدث معه ...
فخرجت للرواق الواسع وشاهدت آسر يذهب للحديقة كعادته، ويبدو أن هذا كلمة السر لكي تتبعه سما أيضاً..... ولكنها لن تجد فرصة أنسب من هذه للحديث خاصة أن سما مشغولة مع الفتيات بغرفة أمهن ....
وبالحديقة ...
وبينما هو جالساً يقرأ كتاب رفع رأسه بابتسامة ظنا منه أن صاحبة الخطوات ما هي إلا زوجته المستقبلية سما !
ولكنه تفاجأ بزوجة عمه التي تقترب وبعينيها قصد التوجه له خصيصاً !!
وقف عندما اقتربت من مجلسه ووقفت أمامه، ثم دخلت بالموضوع مباشرة وقالت :
_ في بنت جت سألت عنك أكتر من مرة وبتقول أنها تعرفك وعلى علاقة بيك !
صدم آسر وبعدها شحب وجهه من التوتر ، ففهمت جيهان أن تلك الفتاة ليست كاذبة في ادعائها أذن ! ... ورد آسر ببطء :
_ ريهام !
شعرت جيهان بسخط وضيق شديد منه ولكنها قالت بهدوء :
_ آه هي ريهام دي، بص يا آسر يمكن أنا ماليش ادخل في حياتك .. بس بما أني ست فهقدر أشرحلك احساس سما لو وصلها حاجة زي دي .... لو محلتش الموضوع ده وناهيته هتكسر ثقة سما فيك بشكل صعب يتصلح بعدين ... أي حاجة هتحاول تتجاهلها دلوقتي هتدفع تمنها بعدين ... ياريت تفكر في كلامي .
تركته جيهان متخبطا بأفكاره وذهبت لحرس البوابة الكبيرة الخارجية وقالت لهم :
_ مافيش مخلوق غريب يدخل بدون أذن مني أو من دكتور وجيه شخصيًا.... مفهوم ؟
ونفذوا حراسة البوابة أمرها على الفور وبدأووا يحاوطون البوابة من جميع الجهات بأحكام
وهكذا وضعت جيهان بعض الاحتياطات لكي لا تتسلل تلك الفتاة وتسبب كارثة من المحتمل أنها تضرب بالزفاف المنتظر بعد ساعات معدودة عرض الحائط !
************
ومرت الساعات المتبقية حتى يوم الزفاف ....
وحجز وجيه لزوجتيه غرفتين منفصلتين بنفس الفندق الفخم الذي ستقام فيه حفلة العرس ... وهذا للاستعداد دون الخوف من إحداث عطلة أو تأخير مفاجئ....
وكانت وداد أم البنات ترافق بناتها بصالون التجميل مع زوجة أخيها العمدة ... وكأن الصحة دبت بجسدها اليوم واصبحت كالطائر المحلق بحرية بين الاغصان ...
أما ليلى فقد تفهم الجميع حالتها بالآونة الاخيرة خاصةً بعد معرفتهم بظروف حملها وافاقة والدها من الغيبوبة ... وجيهان لم تريد أن تفرض على الفتيات وجودها معهن وعلاقتها بهن سطحية لأبعد حد ...
وبغرفة ليلى ....
دلف وجيه بحلته السوداء الانيقة، وطلّته التي خطفت نظر ليلى، فكأن الحفلة المقامة حاليًا وتنتظر وصول العرائس هي حفلة عرسه هو !
وقف أمامها بابتسامة واثقة وهو مدرك مدى اعجابها بمظهره وقال وهو يقترب منها مأخوذا بردائها الوردي الطويل :
_ مكنش لازم تبقي حلوة أوي كده النهاردة ! ...
ابتسمت بدلال وقالت :
_ أنا حلوة طول الوقت !
وضحكت بمرح حتى فوجئت أنه يأخذها بضمة قوية فجأة ... فأشارت له لينتبه ان الصغيرة جالسة على أطراف الفراش وتحاول جاهدة ارتداء حذائها قائلة بتأفف:
_ لبسيني الجزمة ياماما بقا كنافتي زمانه وصل ..
ضحك وجيه عاليًا وشاركته ليلى ثم ذهب اليها وساعدها في ارتداء الحذاء ورفعها قائلا باعجاب شديد من ردائها الذي هو نفس رداء أمها ولكن بنسخة أصغر حجماً :
_ قمر زي مامتك بالضبط ....
ارتفعت ضحكات الصغيرة وهمست لوجيه قائلة:
_ جاسر قالي أن هو ويوسف ورعد وآسر هيشيلوني النهاردة في الفرح وهقطع التورته.
أكد وجيه قائلا :
_ ايوة هما قالولي كده ..
سألت الصغيرة باهتمام بليغ:
_ عزمت أيسل صاحبتي ...
ضحكت ليلى على حديث أبنتها فرد وجيه مبديًا اهتمام ليس أقل من اهتمامها :
_ وأنا كمان عزمتها، أزاي ما أعزمش أيسل صديقة أميرتي ريمو ؟!
فرحت الصغيرة فرحة عارمة ولفت يدها حول عنقه بضحكة واسعة ... فرفعها وجيه على ذراعه وترك الذراع الآخر لليلى حتى تتأبطه وخرجوا من الغرفة بموجة شديدة من الضحك المت بهم ..
**********
وبعد نصف ساعة اعلنت قاعة العرس الضخمة وصول الثنائيات الأربع بزفة فخمة ...
ونظرت جيهان لوجيه بشرود، فقد أتى إليها ممازحا وضاحكا أيضا ... ولكنها تدرك في قرارة نفسها أن النسخة الاصلية من الابتسامة وكل شيء ملك ليلى فقط !
وان كان يحاول أن لا يظلمها وتقدر له ذلك ... ولكنها أصبحت ترى الحقيقة الآن ... والحقيقة أنها لم تكن تشعر حياله إلا بأنه منقذها من الوحدة والخوف ! ...
نظر الجد رشدي للحوريات الاربعة بالرداء الأبيض وترقرقت الدموع من عينيه فرحة وسعادة ... كان الفتيات أشد جمالاً مما يظن !
فقد تمسك كل شاب من الشباب الأربع بزوجته بقوة وكأنه خائف أن يأخذها أحد منه !
بدأ أن الجميع سعيد وبقمة السعادة أيضاً .... اللهم إلا سما الذي يبدو أن خجلها وعزلتها لم يتركاها اليوم أيضاً....!
************
ظل جاسر ينظر لجميلة بنظرات عنيفة من العشق ثم همس لها بشيء جعلها تنظر له بمزيج من الارتباك والتحذير بأن لا ينفذ ما يدور بخاطره ..... فغمز لها بمكر وابتسامة واسعة وهمس لها مجددًا بشيء جعلها تنظر الجهة الأخرى وتغرق بموجة من الضحك!
وقال بابتسامة واسعة رسمت على وجهه منذ دخوله لقاعة العرس:
_ ياسلام على كمية البنات اللي هتنتحر النهاردة !
مطت جميلة شفتيها بسخرية وقالت :
_ الحقهم قبل ما يعملوا في نفسهم حاجة ! ...
رد ضاحكا :
_ اللي يموت يموت واللي يعيش يعيش والبقاء للبيوتيفول !
أنتي اللي انا شايف عيالي شبهي وشبهك !
كتمت جميلة ضحكتها بالكاد وهي تبادل الضيوف نظرات المهنئة ....
**********
_ شيكولاته حياتي ... يا قلب الفطير ..
ظلت حميدة ساهمة للحظات بمحاولة فهم كلماته التي وكأنها مغمورة بصينية مليئة بالطعام والحلوى ... ثم قالت بعبوس :
_ ده كلام بذمتك ! .... ايه قلب الفطير دي؟!
قال مؤكدا:
_ أحلى حته في الفطيرة قلبها ! ... سيبك من ده كله ، يخربيت طعامتك يا حميدة !
ضحكت حميدة رغما عنها وقالت :
_ ريحة الطبيخ وصلالي من كلامك مهما حاولت ! ... خليك رومانسي اكتر من كده يا يوسف ده النهاردة ليلة العمر ، ليه مصمم تخليها ليلة طبيخ العمر؟!
قال بنظرة ماكرة :
_ اوك جدًا، نقلب بقا على يوسف الخبيث اللي أنتي مش قد خبثه ...
ضحكت حميدة بقوة عندما غمز لها بتلك الطريقة المضحكة ..
**********
لم يحيد رعد عينيه عن وجه رضوى المتألق بجمال آخاذ ... فهمست له بتحذير:
_ الناس بتبصلنا ، سلم على الناس .. !
رد رعد غير مكترث بالجميع سواها :
_ ما طبيعي يبوصلنا ! ... مش أنا عريس وانتي عروسة ؟!
ازداد وجه رضوى احمرارا وحياء ، واستغلت فرصة أن أحدى المدعوات تلوح لهما فابتسمت لها..... ولكنها في الحقيقة تبتسم لما همس به لها بعد ذلك ....
وفجأة وجدت نفسها بين ذراعيه برقصة بطيئة جدًا لم يسمح فيها رعد أو أيا من الشباب الثلاث بأن يجعل زوجته ترقص أمام الضيوف ....
********
تعجب آسر من الجمود الذي نزل على رأس سما فجأة ! ... اصطحبها باكرًا لصالون التجميل وكانت بقمة رقتها وقتذاك !
حتى أنه اعتقد أن اليوم سينتهي أي خلاف بينهما !
ولكن على نقيض اعتقاده وظنونه اصبحت جامدة وبالكاد تحرك رأسها بالتحية للضيوف ....
حتى أنه حاول التحدث معها ولكنها لم تجيب علي أي كلمة وكأنها ليست هنا !!!
وفجأة ظهر وجه ريهام الذهبي من بين الضيوف ضاحكا .. وغمزت له بنظرة انتصار وشماته ، ولم يكن سوى احتمال وحيد يفسر موقف سما منه اليوم .... فهم ما حدث ... وادرك ما سيحدث ، وتنفس بزفرة حارة ثقيلة، ثم نهض وأخذها بقوة الى تلك الرقصة البطيئة جدًا، وابدت سما بعض الاعتراض والاستياء الواضح ... ولكنه حاوطها بذراعيه مقتربا اليها ... وقالت بصوت يتضح به البكاء:
_ كداب وكدبت عليا وغشتني ! ... عمري ما هسامحك ابدًا !
لم يقاطعها بل ظل يسمعها ويده تشتد على خصرها بتملك ، وعندما صمتت همس لها بنظرة بها رجاء :
_ لما نبقى لوحدنا هنتكلم وأفهمك كل حاجة ... مش قدام الناس !
رفعت رأسها له ولولا تسليط الانظار عليهما لكانت ركضت من هنا فورًا ....
وبعد دقائق من انتهاء الرقصة البطيئة تجمع الشباب الأربعة وأخذوا الصغيرة ريميه التي ضحكت عاليًا عندما حملوها إلى تورته العرس المرتفعة ... وبمساعدتهم استطاعت الصغيرة قطع الحلوى لأول قطعة ودوت الأكف بالتصفيق الحار بعدها ... وبدت الصغيرة سعيدة جدًا فركضت اليها أيسل صارخة بضحكات مشجعة ... ثم اخذت ريميه بضمة شديدة بعدما انتهت مهمة تقطيع الحلوى ....
ثم ركض يوسف إلى جده وعمه وجيه وزوجتيه ووداد أم الفتيات وبقية عائلة العمدة إلى حلوى العرس، وبدأ يطعمهم قطعا منها.. فضمه جده بابتسامة سعيدة وأخذهم جميعهم بين ذراعيه وبدأت الدموع تتساقط مجدددًا ....
قال الصبي نعناعة بضحكة :
_ مش هتوحشوني لأني هبقى معاكم اصلا ! ...
فانتشرت موجة من الضحك بين الجميع وبدأت الليلة تنتهي والضيوف يرحلون بالتدريج .... حتى انتهت حفلة العرس واستعد كل عريس يأخذ عروسه بسيارته حتى المنزل الذي سيقيمون فيه جميعهم ليومين فقط، ثم يذهب كل ثنائي لشهر العسل بعد ذلك ........
**********
وبمرور الوقت وصل الجميع إلى المنزل المزين بالاضواء والسعادة وأخذ جاسر زوجته جميلة أولًا إلى الجناح الذي أعد لهما خصيصاً ....
وتعثرت جميلة بعض الشيء بالفستان الثقيل وهي تصعد الدرجات ... فحملها جاسر على ذراعيه ولاحظ مدى الثقل فقال :
_ ايه الوزن ده ؟! ... أنتي تقلتي في العشا امبارح ولا ايه ؟!
هزت قدميها بمرح وهي على ذراعيه ضاحكة وقالت بسخرية:
_ اومال استاذ جيم وبتشيل حديد وعامل نفسك كابتن الكباتن !! ....
قال بعدما رفع حاجباه بغيظ:
_ أنا اشيلك وأشيل اتنين معاكي كمان ... مستغرب بس !
ضحكت جميلة باستفزاز لتغيظه فنظر لها بنظرة ضيقة ، وعندما وقف أمام باب الجناح أنزلها بابتسامة واسعة عندما لاحظ توترها وقال :
_ من اللحظة دي مافيش طولة لسان تاني خلاص ، من اللحظة دي اللي أقوله يتنفذ ...
ابتلعت جميلة ريقها وبدا ريقها يجف تدريجيًا من الخوف .... فحملها جاسر مرة أخرى للداخل بعدما فتح الباب واضاء مصباح الغرفة الواسعة المؤثثة بأفخم الأثاث الحديث ....
انزلها وذهب ليغلق الباب المفتوح على مصراعيه فوجدها تركض لباب غرفة أخرى على بعدُ خطوات ... وسرعان ما اغلقت جميلة الباب خلفها فأطرق جاسر على الباب بعصبية :
_ ده اللي هو إيه يعني مش فاهم ؟!
اجابت جميلة من الداخل :
_هغير وهتوضا عشان اصلي العشا ...
صمت للحظة ثم قال بموافقة :
_ نصلي العشا ... ماشي ...
خرجت جميلة بعدما بدلت فستان زفافها إلى اسدال للصلاة وقد توضأت .... نظر لها جاسر بعدما توضأ أيضا وبدأ في الصلأة ....
وانتهيا بعد دقائق شعرت جميلة أنهم أسرع عشر دقائق قد مروا عليها بحياتها !
انتفضت واقفة قبل أن ينهض لها واسرعت نحو الطعام المرتب على طاولة فاخرة، فسأل جاسر بعصبية مجددًا :
_ معلش أنا غبي .... ايه في ايه ؟!
رفعت رأسها نحوه وقالت ببساطة :
_ هتعشا ... ايه ما اتعشاش ؟!
نظر لها صامتا ثم رد بموافقة :
_ نتعشا ...ماشي ...
وبدا الجو مملوء بالتوتر، ورغم عدم شهيتها للطعام ولكنها أرادت اضاعة الوقت عل خوفها يقل بعض الشيء ....
وكان عكسها تماما قد تناول طعامه بنهم .... وكتم ضحكته كلما راقبها توترها وقلقها الزائد والغير مبرر !
وقفت جميلة فجأة واستعدت للركض ولكن هذه المرة كان جاسر مستعدا لها ومنعها قبل أن تغلق باب الغرفة الأخرى عليها فصاحت :
_ عايز ايه بقا ؟! ... أمشي .
هز جاسر رأسه ضاحكا وقال بمنتهى الاستفزاز :
_ المرادي لأ ... مش ماشي ..
*********
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
نزلته وحذفته ودي أول مرة تحصل ياريت زي ما تعبت في كتابته تقدروني بالتفاعل
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!