#الفصل_الثامن_والستون_الجزء٢
وقد اقترب الوقت لمنتصف الليل ....ختمت سما القرآن الكريم قراءة للمرة الثانية منذ أن أتت لبيت جدها ... وكانت لا تزال تجلس على سجادة الصلاة بعدما أدت صلاة العشاء منذ فترة كبيرة ... جلست بعد القراءة تسبح وبعدها شرد بها الفكر .....
لاحظت أمها الصمت الذي خيم على أبنتها بعدما كانت ترتل الآيات، فصوبت بصرها اتجاه الارض وانتبهت لعينيّ سما الشاردتان للبعيد ... فسألت:
_ مالك يا سمكة ...؟!
تنهدت سما بعمق ثم تحركت وطويت سجادة الصلاة ووضعتها على ظهر مقعد بقرب باب الشرفة ... وأجابت باختصار:
_ مافيش يمّه, أنتي عارفة أني ساعات بسرح كده في حاجات كتير .. مش حاجة معينة يعني.
ضيقت وداد عينيها صوب أبنتها دلالاة أنها تشك بإجابتها ... وقالت :
_ طب عيني في عينك كده ..!
اطلقت سما تنهيدة غارقة بالحيرة ثم جلست قرب أمها وقالت معترفة:
_ مش بعرف أخبي عنك حاجة وحتى مش عايزة أخبي، بس يمّه آسر محيرني أوي ! ... مش عارفة أفهمه خالص !
قالت وداد باهتمام :
_ أزاي قوليلي يمكن افهم وافهمك !
زمت سما شفتيها ببعض الضيق ثم وضحت قائلة:
_ يعني شوية الاقيه مهتم بيا وعنيه مليانة لهفة يشوفني، ويرجع تاني بعيد ومتجنبني خالص وكأني ولا على باله !! .... ببقى خلاص بفكر اراجع حساباتي وانسى اللي فات ... بس تجاهله ليا بيرجعني لنقطة الصفر من تاني !
سألت الأم بتفكير :
_ طب أنتي لما بيهتم بيكي بيكون رد فعلك إيه ؟ ... في الغالب يعني بتعملي إيه ؟
نظرت سما ببعض الحرج لأمها وأجابت بحياء:
_ بصراحة أول رد فعل ليا بكون عايزة أجري من قدامه، بس لما بقف مابعرفش اتكلم وبتكسف .... ولو اتكلمت بتكلم كلام عادي يأما بغير الموضوع كله.
ابتسمت وداد بسخرية وقالت:
_ ومستغربة أنه بيتجاهلك !! ... يابت ده مابقاش خطيبك ! ... وبرضو مش جوزك أوي يعني ...
قالت سما بتعجب :
_ إيه الحيرة دي !! .. اومال هو بقا إيه ؟!
ضحكت وداد للحظات ثم قالت :
_ هو كاتب كتابك ... يعني يقولك كلمة حلوة مافيش مانع تردي برضو بكلمة حلوة، ضحكة حلوة، نظرة حلوة ... خلي عندك دم بقا ! ... والله ما أنتي فالحة...!
وتابعت بسخرية :
_ مش تقوليلي أجري واغير الموضوع ! ... طب ده أنا مخليتش ابوكي يعرف طعم النوم لما سلمت عليه وناديته باسمه وأنا بضحك كده بعد كتب الكتاب ...
أجابت سما بغيظ :
_ ده مش أبويا يمّه ... ده آسر ! ... ضحكة إيه اللي هتسهره الليل دي ؟! ... راعي يمّه أني خيبة وكار الدلع ده مش كاري ! ... ارحمي خيبتي.
ضيق وداد عينيها وهمست بمكر:
_ طب دلعيه باسمه، يعني قوليله يا سي آسر و....
اغتاظت سما وقالت ساخرة مقاطعة:
_ ما أقوله يا تاج راسي بالمرة وارسم حسنة في خدي ! .. مالك يمّه في إيه ؟! ...شوفيلي حاجة تانية ..
قالت وداد وهي تكتم ضحكتها:
_ قوليله يا سوكا .. لو اعتبره دلع خير وبركة، لو اتنرفز أهو تاخديلك كلمتين يستاهلوا غبائك.
رددت سما اللقب باهتمام وهي تبتسم ... وتعجبت وداد من تفكيرها وقالت بتعجب:
_ إيه ده عجبك ؟!
رددت سما الاسم وهي تبتسم بمرح :
_ سوكا .. سوكا ... حلو سوكا ...
وانخرطت سما بعاصفة من الضحك وهي تتخيل ردة فعله من الغيظ والعصبية.
ثم قاطعهما رنين هاتفها الخاص، وظهر رقمه واسمه على الشاشة بوضوح ، فقالت مبتسمة :
_ أبن حلال وجيت في وقتك ...
وأجابت عليه:
_ الو ؟
ابتسم آسر وهو يفتح باب غرفته ويستعد لنزول حديقة المنزل:
_ ممكن نتكلم شوية في الجنينة يا سمكة ؟
اجابت ببسمة ماكرة:
_ ماشي .. ١٠ دقايق وهنزل، مع السلامة يا سوكا ..
واغلقت الاتصال وهي تضحك ، وشاركتها أمها بدهشة من استجابة أبنتها لنصيحة هزلية لم تقدمها لتنفذ ! ....
******
نظر آسر للهاتف وهو يرفع حاجبيه بدهشة .... ثم قال بتأكيد :
_ لا اكيد سمعت غلط ... آه غلط، اصل لو مش غلط أنا اللي هغلط ! ..
وانتقت سما من ملابسها أجملها، فستان طويل محتشم، ولا يخلو من طابع الأنوثة في تصميماته الرقيقة، كانت تحب ذلك الفستان كثيرًا ، لأنه كان هدية غالية من هدايا العم وجيه الذي قدمهم لها ولشقيقاتها قبل زفافه من ليلى بأيام قليلة ...
وراقبتها الأم في تعجب، ابنتها وكأنها تستعد للذهاب لعطلة وليس مقابلة لا تخطو فيها إلا بضع خطوات لن يصلوا للمائة ! ..
واعتنت سما بمظهرها جيدًا وهي تبتسم لنفسها عبر المرآة بعدما انتهت من تهيئة مظهرها جيدًا، ثم استدارت لتنتقي حذاء مناسب .... ونظرت جيدًا وقالت بتبرم:
_ لازم بعد بكرة واحنا رايحين نجيب لبس الفرح املا دولابي هدوم وشنط وجزم بدل الدوخة والحيرة بتاعت كل يوم دي !!
قالت الأم بتعجب مع سمات نفاد الصبر:
_ عندك شبشبي خُديه، هو أنتي يعني خارجة ! .... صبرني يارب.
قالت سما مبتسمة بمكر وهي تضع خف أنيق بقدميها :
_ واحدة رايحة تقابل جوزها، المفروض تقابله بمريلة المطبخ يعني؟!
ضحكت وداد وتحدثت وكان حديثها يتضمن هُزءاً:
_ لا مايصحش طبعاً ... روحي الكوافير وكملي شياكتك ..
ولم تكترث سما بسخرية أمها بل كتمت ضحكتها بالكاد وهي تفتح الباب وتخرج ...
وفي أثناء مرورها من الدرج للأسفل وجدت الصبي نعناعة يمسك كتاب ويرفعه أمم عينيه وهو يكرر بعض الجمل لحفظها، حتى وجدها بهذا النظهر فضيق عينيه متسائلا بغرابة:
_ رايحة فين يابت السعادي ؟
قالت سما وهي تشير له بتحذير:
_ ما تقوليش يابت تاني، احترمني شوية قدام عيلة جوزي !
رفع الصبي نعناعة حاجبيه دهشة، ثم قال بعدما استفاق :
_ هي مش عيلة جوزك دي عيلتك ولا عقلك جاله حول ! .... ما تقولي رايحة فين وخلصيني !!
مطت سما شفتيها بثقة وقالت :
_ رايحة أقابل جوزي آسر في الجنينة ...
قال الصبي بحدة:
_ نفسي اهزقك بس مش لاقي مبرر ! ... القصد ... روحي بس ما تتأخريش ... أنا صاحي لحد الفجر ..
ابتسمت سما ساخرة ومرت حتى الطابق الأرضي ....
********
تسلل يوسف ببطء والشوكة الممزوجة بالحلوى داخل فمه إلى حديقة المنزل ... وضيق عينيه وهو يتوجه صوب آسر الذي يحدث نفسه بتعجب ويردد :
_ لا أكيد ما تقصدنيش بسوكا ، دي معجم النكد اساسا ومالهاش في حاجة من بتاعت البنات دي!
همس يوسف وهو يقف خلفه ويبتلع ما بفمه من حلوى:
_ مين اللي خلاك سوكا يا آسر ؟!!
التفت آسر بدهشة له ثم قال بغيظ :
_ يا أخي كح أو صفر او اعمل أي حاجة هتصرعني !! ... وبعدين أنتي بتيجي منين كده زي المصيبة اللي بطب على البني آدم؟!
عبس وجه يوسف وقال وهو يعطيه طبق حلوى بيده:
_ كنت بعمل حاجة حلوة لحميدة عشان زعلانة أن ريمو مش هنا، فكرت فيك لما لقيتك داخل الجنينة يا جاحد ! .... خد الكيكة دي اتنيل كُلها ..
نظر آسر للطبق الذي نهش أكثر من نصف ما فيه وقال ساخرا :
_ كيكة إيه ما أنت قمت بالواجب يا طفس وكلتها كلها ! ...
واشتد عبوس يوسف حتى وضع الطبق بيد آسر وقال بحدة:
_ تصدق انك فعلا سوكا واللي قالك كده مكدبش ..!
وكاد آسر أن ينفعل على يوسف حتى لاحظ أتيان جاسر وهو مبتسما بهيام، ويمسك هاتفه ويأتي من اتجاه الباب المطل على صالة الرياضة .... واقترب منهما وكأنه بعالما آخر تغرد فيه العصافير وتعلو فيه أصوات تلاطم الأمواج ومعه حبيبته جميلة منسجمان .... فعقد آسر حاجبيه وقال بغيظ:
_ المقابلة دي مبصوص فيها ... حضرتك بتعمل ايه في الجنينة أنت كمان؟!
همس يوسف ليغيظه :
_ بس يا سوكا !
وقف جاسر مبتسما بنظرات يملؤها العاطفة وقال برقة :
_ كنت بكلم القمر في التليفون، لسه سايبها بس وحشتني فروحت مكلمها ... وبعيد عنك بقا لما اخوك تفيض بيه المشاعر بالشكل ده ... حاسس أني بحب كل الناس ... حاسس أني بدأت أحبكوا باين !
كتم آسر عصبيته وقال لهما:
_ طب بعد أذن مشاعرك الفياضة دي عايز أبقى لوحدي في الجنينة ... لو مش هضايق مشاعرك يعني !
ضيق جاسر عينيه وعاد لسابق عهده من الخبث وقال:
_ هي شقيقة القمر مزعلاك ولا إيه؟! ... قول ما تتكسفش ده أنا ممكن أوصي عليك أخليها تنزلك حالا ! ... يابني أنا مسيطر !
رد آسر بسخرية:
_ آه واضح ... ده أنا قولت أنت بالذات مافيش واحدة هتعرف توقعك، ولو حتى وقعت مش هتدلق كده ! ... ده أنت اتاكل عقلك وانتوا لسه على البر !
ابتسم جاسر بخبث شديد وقال:
_ بالهنا والشفا لقلبها يا أخي... أنا يتاكل عقلي بس بمزاجي.
وافقه يوسف وقال:
_ عندك حق، دي جميلة فاضلها طقم حلل وتاخد اقامة في عقل جاسر !! ... وعامل نفسه مسيطر ! ... ده متسيطر عليه ومتسطر على شخصيته معاها بقلم حبر ومش عايز اتكلم بقا...
نظر له جاسر باستهزاء وقال:
_ أما نشوفك يا تنين عصرك !
ابتسم يوسف بثقة عالية وقال لهما :
_ أنا اسيطر على بلد بحالها ... بس مدكن ! .. عارف أنت الذئب البشري لما يكون خلوق وابن ناس؟! ... اهو ده أنا.
أتت سما وتعجبت من وجود جاسر ويوسف مع آسر .... فشرد بها آسر قليلا بابتسامة من طلتها الملفته ... ثم قال للشباب بكل رقة :
_ بعد أذنكم غوروا دلوقتي ..
همس يوسف لجاسر:
_ هو ماله ؟!
جذبه جاسر وهو يكتم ضحكة وقال بسخرية:
_ تعالى نغور يمكن أبو الهول ينطق !! قال يعني أحنا اللي واقفين في زوره مش عارف يتكلم مننا !!
وابتعد جاسر ويوسف وهما يتشاركان المزاح ... ثم وقفت سما مبتسمة أمام آسر وقد شتت انتباه اناقتها عن أي شيء آخر ... حتى قال :
_ كنتي بتلبسي طرح في البلد جميلة أوي ... كانت بتبقى مغطية لحد نص دراعك كده ...
تبدلت ابتسامة سما للغيظ وقالت :
_ ولسه بلبسها عادي لما بخرج ... بس وأنا في البيت بلبس حاجة أسرع منها شوية في اللف ... وبعدين أنا كنت نازلة ليك يعني مكنتش عارفة أن في حد معاك ... وكمان طرحتي دي برضو طويلة مش قصيرة !
عدل آسر قوله سريعا وقال:
_ لا لا مش اقصد ازعلك ... أنا بس كنت بحب أوي النوع اللي كتتي بتلبسيه في البلد ... فقولت اقولك لكن مش أقصد حاجة والله ...
اجابت سما :
_ فهماك يا سوكا ..
رفع آسر حاجبه بحدة وقد تأكد من ظنه ... فقال بغيظ:
_ إيه بقا سوكا دي ؟! ...
ابتسمت سما وقالت بنظرة خبيثة :
_ قولت ادلعك ... غلطانة يعني ؟!
استفز آسر هدوئها وقال:
_ يعني مالقيتيش غير سوكا ؟! ...
قالت بلا اكتراث:
_ حاضر هدور على دلع غير سوكا .. ولحد ما الاقي هقولك يا سوكا .... سمكة مرات سوكا .. والله حلو ..
واطلقت ضحكة عالية فاغتاظ منها أكثر وقال :
_ لا مش حلو ومش عايز اسمعه تاني ...
صمتت سما وعرفت كيف تستفزه عن طريق المزاح .... ثم قالت :
_ كنت عايز تتكلم معايا في إيه بقا ؟
تنفس آسر بهدوء ثم قال لها بنظرة مليئة بالاشتياق :
_ وحشني الكلام معاكي ... عايز اتكلم وخلاص، هو عيب ؟!
هزت رأسها بالنفي وقالت بلطف:
_ لأ مش عيب ... اتكلم ..
صدمها عندما أخذ يدها بقبضته وسارا جانبا لجنب ... ولكنها لم تبعدها عن يده وسارت معه بأمان وهي تبتسم ... ثم قال :
_ عارفة يا سما ... أنا بفكر من دلوقتي يبقى لينا شقة مستقلة لوحدنا ...
دهشت سما ووقفت قائلة باعتراض:
_ ونسيب أهلنا هنا ونمشي ؟! .... لا مش موافقة ، أنا مقدرش عنهم بعد ما اتجمعنا كلنا ! ...
قال موضحاً رأيه:
_ لا مش أقصد اللي فهمتيه، اقصد أني اشتري شقة تبقى لينا .. يعني لو حبينا نقضي فيها كام يوم كده تمام ... مش اقصد أننا نسيب العيلة تمامًا ... جدي مش هيسمح بكده اصلًا وهيزعل جدًا ....
سارت بجانبه مجددًا وقد فهمت ما يدور بخلده فقالت:
_ لو كده مافيش مشكلة ...
فسألها:
_ متمسكة بجو العيلة أنتي .... ده شيء جميل ..
تنهدت سما وقالت :
_ ما هو مش بعد ما اتحرم السنين اللي فاتت دي كلها من لمة العيلة ارجع ابعد عنهما تاني ؟! ... خصوصا أن مافيش سبب يخليني أبعد ... عمي وجدي وبيتمنوا لينا الرضا نرضى ... وولاد عمامي بيعاملونا كويس جدًا وهيتجوزوا أخواتي ... وأخواتي وأمي دول النفس اللي بتنفسه ... يبقى بأي عقل ابعد عنهم عشان اروح اقعد بين اربع حيطان على ما ترجع من شغلك؟!
نظر لها بعمق وقال بصوتٍ هامس:
_ طب وأنا فين من حساباتك ؟! .... يعني لو جاتلي سفرية شغل برا هتنفعني في مستقبلي هترفضي تيجي معايا ؟!
ضاقت سما من دفة الحديث وأجابت بصراحة:
_ ساعتها مش هيبقى البعد بمزاجي .. هاجي معاك بس هتمنى كل يوم ارجع لعيلتي وافرح وسطيهم ... بس بصراحة مش نعيش بعيد ..
وقف أمامها وقال بحنان:
_ وأنا من رأيك ومن نفسي عمري ما هختار ابعد عن عيلتي ... يعني تفتكري بعد ما فهمنا جدنا واتصالحنا وكل شيء بقى تمام ممكن اختار أمشي وابعد عنهم كده بسهولة ؟! ... كل الحكاية بس أني عايز يبقى لينا مساحة خاصة لوحدنا .. كل فترة كده أخدك ونقعد في شقتنا كام يوم ... ونرجع تاني عادي خالص .
كانت تتأمله سما بابتسامة ... ليس لشيء إلا أنه يجمعها بأحلامه ... يمزجها معه في كل خططه الآتية ... يريد أن ينفرد بها ولو لبعض الوقت ... وهذا ما حلمت به طويلا ... يبدو أن قلبه بدأ يدق لها وبها ... أو ربما كان يطرق منذ مدة ولم تلحظ أو تنتبه في غفلة تحديهما بالأيام الماضية... فقالت بموافقة :
_ موافقة طبعا ...
فاقترب منها وقبّل جبينها ولكنه تباطيء في الابتعاد وعينيه تطوفان على وجهها ببطء .. فابتعدت عنه عندما شعرت بالخطر ووجهها أصبح كتلة أحمرار من الحياء .... وخيم الصمت عليهما وهما يسيران مبتسمان بين الزهور والأشجار ...
*********
وعند الساعة التاسعة صباحاً ... كان قد استقبل وجيه الطبيب المتخصص في طب العيون في غرفة ليلى ... ولم يخبرا الصغيرة أن هناك فحص سيحدث ...
شحب وجه ليلى وهي تنظر لوجيه بخوف من معرفة قرار الطبيب ... وصوب وجيه نظرات آمنة وحنونة لها كي تهدأ وتعتبر الأمر ليس إلا فحص روتيني ان لم يفيد فلن يضر أيضا ....
نظر الطبيب بابتسامة للصغيرة التي بالكاد استطاعت ليلى ايقاظها من النوم ولا زال يملأ جفونها النعاس ... فقال لها برقة:
_ تعرفي أن بنوتي شبهك أوي .
ابتسمت الصغيرة لحديث الطبيب، حتى شاكسها الطبيب ومرر يده على رأسها وقال :
_ حتى شعرها لون شعرك بالضبط ..
قالت الصغيرة وقد تحمست :
_ بتعمل ضفيرة زيي كده ؟
أجاب الطبيب عليها مبتسما بحنان:
_ بتعمل ضفيرة زيك برضو ... وريني لون عينك كده .. ؟
شدت الصغيرة جفنيها بأصبعيها كي يتأملهما ظنا منها ببراءة الطلب، ولكنه وضع جهاز به ضوء مشع اتجاه عينيها ودقق النظر ... وقال :
_ حركي عيني كده عشان اتأكد من اللون ؟.
حركت الصغيرة عينيها ولم تعتقد شيء آخر أكثر مما قاله الطبيب، ثم ابتعد وهو يقول لها :
_ نفس لون عينك برضو ، هبقى اجيبهالك تلعب معاكي ... هتبقوا كأنكم أخوات توأم ...
فرحت الصغيرة وقالت وهي تصفق بيديها :
_ أختي ... جيبهالي النهاردة ..
فحص الطبيب تقارير الأشعة الماضية ، ثم دقق النظر في الأشعة الذي أجراها وجيه على الصغيرة منذ أيام بحيلة أخرى حتى لا تحزن بمعرفة أنها ستظل هكذا ...
تنهد الطبيب بقوة ثم قال لها قبل أن يخرج :
_ حاضر هخلي مامتها تجيبها تقعد معاكي ... هي اسمها أيسل ..
ونظر لوجيه قائلًا :
_ بعد أذنك يا دكتور ممكن نتكلم شوية ..
سقطت دمعة من عين ليلى وقد ادركت ما يخفيه الطبيب ....
وخرج وجيه معه خارج الغرفة .... حيث قال الطبيب بأسف :
_ كان المفروص الفحص يكون ادق من كده بس عشان نفسية البنت رضيت باقتراحك ...بس كل الأشعة بتاعتها القديمة والجديدة ما تدنيش أي طريق لعلاجها ... أنا اسف يا دكتور وجيه .... كان نفسي أطمنك بس الحالة فعلا ميئوس منها، وأي عمليات مش هيكون لها أي فايدة غير ارهاق البنت وخلاص ... خصوصا أن اللي سبب فقدان بصرها تسمم اكسجيني في الحضانة بعد ولادتها مباشرةً، وفات كتير أوي على علاجها... أنا أسف ...
ازدرد وجيه ريقه بمرارة ثم قال راضٍ بقضاء الله:
_ أنت عملت اللي عليك يا دكتور ما تتأسفش ... ده قضاء ربنا وراضيين بيه الحمد لله ..
قال الطبيب بلطف:
_ فقدان البصر مش نهاية المطاف، في نماذج كتير جدًا ناجحين وعلماء وكتاب ومشهورين من فاقدي البصر ... والأكيد أن الانسان بيبتلى ابتلاء مالوش يد فيه ربنا بيفتحله أبواب تانية يقدر يعيش منها وفيها .. مع كل إبتلاء منحة.
قال وجيه وقد لطف حديث الطبيب حدة المرارة :
_ ونعم بالله ...
وعندما استدار الطبيب وابتعد انتبه وجيه أن ليلى تقف بمدخل الغرفة تنظر لهما في دموع صامته، تنهد وتوجه لها، ثم ودون أن يتحدث أخذها من يدها بلمسة حنونة وألقى نظرة سريعة على الصغيرة التي تاهت بالنوم مجددًا ... ثم قال لليلى :
_ تعالي معايا المكتب بتاعي يا ليلى ..
واجهشت ليلى بالبكاء وهي تسير معه ... فقد سمعت اعتذار الطبيب له ونظرات الأسف بعينيه ... حتى دخل وجيه مكتبه وادخلها ثم اغلق الباب عليهما ....
ووقفت ليلى تضع يدها على فمها وتبكِ بعنف ... فضمها بحنان مواسيًا :
_ ربنا موجود ... يبقى دايمًا في أمل ..
قالت ليلى وهي تنخرط ببكاء شديد رغم توقعها النتيجة سابقا :
_ خايفة عليها من الناس والزمن، خايفة عليها اسيبها في يوم ومكنش موجودة ... الناس مابترحمش يا وجيه وبنتي ضعيفة ..
رغم حنان لمسته لكنه قال بحدة معترضا على حديثها :
_ ريميه مش ضعيفة ولا هي لوحدها ولا هتكون لوحدها!! ... ومش عايزك تتكلمي كده تاني يا ليلى ... ريميه وسطنا كلنا .. كلنا بنموت في الهوا اللي بتتنفسه ... ده حتى أبويا اتعلق بيها اكتر مني انا شخصياً ... كلنا بنحبها وكلنا جنبها ... الضعف بيبقى من شخصية الانسان وفكره مش من نظره أبدًا ...
ونظر لعينيها الباكيتان وقال بحنان:
_ أنتي مريتي بالضعف رغم أن ربنا أنعم عليكي بالبصر ، وأنا مريت بنفس الضعف ده مقاومتهوش بالبصر يعني!... مسيرها تكبر وتتأكدي من كلامي ... وتعرفي أن اللي كنتي فكراها ضعيفة دي هتبقى أقوى شخصية في عيلة الزيان بحالها ... دي بنتي يا ليلى وانا مسؤول عنها وعن وعدي ده ليكي ... وقريب أوي هقدملها في مدرسة خاصة اخترتها مخصوص بعد بحث كتير ..
نسم وعدها لطائف الأمن بداخلها .. ولو بعض الشيء ولكن قل خوفها .. وظلت تسند رأسها على صدره حتى هدأت تمامًا ..
*******
وعلى عكس الأمس ...
أتت فرحة للعمل بهذا اليوم متأخرة ما يزيد عن الساعة والنصف ... وحينما دخلت وجدت "ديمة" منكبة في عملها، ولكن عندما دخلت فرحة رفعت ديمة رأسها وقالت بسخرية:
_ ما بدري ...؟!!
ابتلعت فرحة سخريتها بهدوء وقالت باعتذار:
_ معلش والله بس سهرت شوية امبارح ومكنتش عارفة أنام وصحيت متأخر غصب عني ...
احتد صوت ديمة أكثر وقالت :
_ عارفة مستر زايد سأل عنك كام مرة وبسببك اتعصب عليا على الصبح ؟!
راق فرحة سؤال زايد عنها وأخفت ابتسامتها حتى قالت لديمة باعتذار حقيقي :
_ خلاص بقا أسفة حقك عليا يا ستي ...
تنفست ديمة بعصبية ثم قالت بشيء من السخرية والاستهزاء وهي تعود للاوراق بيدها من جديد :
_ قال يعني بقيتي مهمة يا فرحة ! ... اللي يشوف كده ما يقولش أن شغل امبارح اغلبه مستنيني أخلصه ! ... يوم واحد بس غيبته الشغل اتعطل كله ! ..
وهنا بدأت فرحة تضيق من سرب الكلمات اللاذعة التي تصوبها ديمة بوجهها ... أن تأخرت بعض الشيء فقد اعتذرت! ..
وحتى أن تأخرها وهي لا زالت تتدرب لن يضيق ديمة لهذا الأمر ..! .. وعصبية زايد عليها لن تصل ابدًا للأهانة فلما تفعل كل هذا؟! ...
جلست وهي تزفر بحدة ، ثم تذكرت الكتب الثلاث وقررت وضع أحدهم في المكتب بعدما أتممته قراءة بالليلة الفائتة ... وهذا ما جعلها تتأخر في النوم، ولكنها شعرت بالحرج بأن تفصح بذلك ... وما أن كادت تنتهي من وضع الكتاب برف الكتب حتى فُتح باب مكتب زايد وهي تواليه ظهره ...
وعلى قدر التوتر الذي اقتحمها الآن على قدر الابتسامة الواسعة التي ظهرت على ثغرها وحمدت وقفتها أمام المكتبة كي لا يرها أحد...
وسمعت أنفاسه المتسارعة دلالاة العصبية وكتم الغيظ، ولا تعرف لما أرادت أن تضحك بقوة !! ...
وظلت واقفة تنظر بكتاب آخر ومتظاهرة بقراءة مقدمته حتى يذهب زايد داخل مكتبه ولا يتواجهان ...
فسمعته يقول بنبرة صوت تخللها الغضب مع طيف سخرية :
_ ما صباح الخير يا سيادة المديرة؟! أسفين يعني لو كنا قلقناكي !
كتمت فرحة ضحكتها والتفتت عندما استطاعت التماسك وبيدها الكتاب تخفي نصف وجهها بيه .. وقالت وكأن ليس بالأمر شيء :
_ صباح النور يا مستر ..
وهنا رفعت نظرها له فوجدته يتطلع بها بغيظ شديد ويبدو أنه لاحظ ابتسامتها التي تخفي نوبة من الضحك .... فأشار لها بنظرة حادة تهديدية لكي تتبعه على المكتب ... ودخل مكتبه تاركا الباب مفتوح قليلا ... فدخلت فرحة بوجه لا تعابير له، وشعرت بوجوب عودتها لحدتها القديمة معه ..
وعندما شرعت بالدخول ووقفت أمامه لاحظت دخان السجائر المعبأ بالمكتب .. وهو يعود ويشعل سيجارة باسلوب عصبي ويضعها بفمه .. فقالت باستياء حقيقي :
_ أزاي قاعد والمكتب مليان دخان بالشكل ده !! ... وبعدين هو أنت طلعت بتشرب سجاير ؟! مخدتش بالي قبل كده !
زم شفتيه بعصبية وهو ينظر لها ثم تحدث بغيظ شديد من بين اسنانه:
_ فكرت أنك مش جاية، لا اتصلتي ولا اعتذرتي ... فكرتك سيبتي الشغل وصرفتي نظر! ..
وابتسمت سرًا لنفسها ولكنها ظهرت ثابته تنظر للكتاب بيدها ... فقالت :
_ كنت مشغولة بكتاب من اللي خدتهم امبارح وسهرت عليه ... قومت متأخر غصب عني أنا اسفة ...
ضيق عينيه عليها بنظرة غاضبة ثم اطفأ السيجارة من يده وقال لها وهو يشير لمكتبة الكتب الخاصة بمكتبه:
_ طب بصي للمكتبة دي كده ..
التفتت فرحة للمكتبه فوجدت رزمة مصطفة ومرتفعة على بعضها ... وتعجب قائلة :
_ دي كتب !
فقال بغيظ ولمحة من المزاح:
_ اومال ساندويتشات !
عبس هها بينما بداخلها كانت تنخرط بالضحك ... فعاد قائلا باهتمام :
_ جبتلك كتب كتير ، لنفس الكتاب اللي بتقريلهم ... شوفيهم كده وقوليلي رأيك ..
قالت باستفسار وتعجب:
_ اشتريتهم ليا أنا ...؟!
هز رأسه بالايجاب دون أن ينطق ... فقالت بحسم :
_ بس انا مش عايزة كتب .. ومش هاخدهم ..
عاد بظهره للمكتب باسترخاء وقال بمكر :
_ خلاص حطيهم في المكتبة اللي برا ... مكتبتي مليانة ..
نظرت فرحة لكمية الكتب وقالت بضيق وعبوس :
_ هشيل كل ده ! ..
ابتسم رغما وقال :
_ هبعت حد يطلعهم ... بس ما تتأخريش تاني ، ولو حصل اي ظرف اتصلي بيا طمنيني .. ومش هشرب سجاير وأنتي هنا ...
قالت باستغراب ولكنها قصدت استفزازه:
_ واتصل بحضرتك ليه لما ممكن اتصل بـ ديمة ؟!
صمت وهو ينظر بحدة كأنه يكتم بداخله كلمات غاضبة ... ثم قال :
_ تمام أنتي صح... فطرتي ولا نسيتي ؟!
اجابت فرحة دون أن تدرك :
_ طب وأنت مالك يا كابتن.. ؟!
وضعت يدها على فمها بعد ما قالته، ثم وجدت نفسها تكتم ضحكة ظهرت للتو ..... وركضت من المكتب بعد ذلك ....
ظل زايد ينظر لها بصمت حتى نظر للأوراق وانطلقت ضحكة على شفتيه ..
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
__________________
ده الجزء التاني من الحلقة ٦٨ ولكن خليته بحجم فصل .... معلش اللي عطلني عن النزول بليل هو النت لأن الشبكة سيئة جدًا عندنا في اسكندرية بسبب المطرة .... ورجائي انكم تدعوا للكاتبة شيماء فرح بالرحمة والمغفرة لأنها اتوفت بالأمس 💔
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!