الفصل 10 | من 14 فصل

الفصل العاشر

المشاهدات
1
كلمة
1,579
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

رواية قلوب على الهامش الجزء العاشر 10 بقلم يارا علاء الدين قلوب على الهامشرواية قلوب على الهامش الحلقة العاشرة في المساء، كانت الغرفة هادئة إلا من صوت حركة قلم صفية وهي تُراجع مع ياسين تدريبات اللغة العربية، وضوء الأباجورة يلقي ظلًّا دافئًا على الجدار، فيما البرد يتسلّل من تحت النوافذ بصمت. صفية، بثوبها البيتيّ الكحلي وغطاء رأس بسيط، جلست القرفصاء أمام ياسين على السجادة، وبين يديها كراسة التمارين. قالت

وهي تشير إلى أحد الأسطر: –بص كده على المثال ده، وحاول تطبّق زيه… فاكر إزاي نعرف الفعل الماضي؟ أجاب بتردد: –هو… الفعل اللي حصل وانتهى؟ ابتسمت له، وربتت على كتفه: –برافو يا حبيبي، ممتاز! ثم مال برأسه نحوها، وقال بنبرة متدلّلة: –يا خالتي صفية… أنا تعبت ينفع ألعب بالموبايل شوية, وأكمل؟ رفعت حاجبها، وكأنها تُفكر، ثم قالت بنبرة حانية: –خمس دقايق بس، ماشي؟ ناولته هاتفها، ثم عادت إلى تصحيح بعض التمارين.

بعد دقائق، ساد صمت غريب… لم يكن صمت تركيز، بل صمت اكتشاف. رفعت رأسها، لتجد وجه ياسين قد تغيّر، ينظر للشاشة باستغراب. قالت وهي تقترب منه: –إيه يا حبيبي؟ بتلعب إيه؟ أجاب بتلقائية: –لا، ده في إشعار طالع… دخلني على حاجات مش عارف أطلع منها. تجمّدت يدها الممدودة نحوه، وعيناها ثبتتا على الشاشة. اقتربت أكثر، وسحبت الهاتف بخفة. نقرت على الإشعار…

كان منشورًا رسميًا من صفحة المدير، يبارك لـ يوسف المنشاوي قرب عقد قرانه على رنا الجارحي! قرأت الجملة مرة، ثم أخرى، وكأنها تحاول تأكيد شيء لا تريد تصديقه. أخفضت الهاتف ببطء، وأسندت ظهرها إلى الحائط، فيما كان صوت تنفّسها يعلو ويهبط بثقل خفي. سألها ياسين ببساطة الأطفال: –إنتي تعرفيه يا خالتي؟ نظرت إليه، وأجبرت شفتيها على ابتسامة باهتة: –شُغل… كنا شغالين سوا في المدرسة. ثم نهضت, وتمتمت بصوت لايقوَ على الخروج:

–كفاية مذاكرة انهارده, قوم نام بقى عشان المدرسة الصبح. لم يكن في صوتها انكسار، بل شدّة مفاجئة… وكأنها تحاول أن تشد على نفسها حتى لا تتهاوى. لكن، حين أدار ياسين ظهره، سقط نظرها على الصفحة المطفأة للهاتف… وبداخلها، كان شيء ينطفئ أيضًا. -كان الليل يزحف ببطء فوق المدينة، يكسو الشوارع بلونه الرمادي الثقيل، وفي الزاوية الهادئة من الشقة، جلس نور وحده، يُحدّق في الفراغ كأنما يبحث عن شيء لا يُرى.

كان الصمت يملأ المكان، لا يُسمع فيه سوى أنفاسه العميقة، وأنين قلبٍ لم يزل ينوء بحمل الفقد. مرّ أسبوع على رحيل مريم… أسبوع بلا صوتها، بلا قهوتها، بلا دعواتها التي كانت تتسلل إلى قلبه دون استئذان. فتح خزانتها القديمة، ليس بحثًا عن شيء، بل فرارًا من كل شيء. راح يمرر يده على طيّات الثياب، في حنين مشتعل, حتى سقطت ورقة مطوية من بين إحدى الرفوف، محفورة بخط يدٍ يعرفه أكثر من نفسه.

نور… لوكنت بتقرأ الورقة دي دلوقتي ف ده معناه إني مشيت. تجمّد جسده، وكأن الزمن توقّف. جلس على الأرض، والورقة بين يديه ترتجف، ليس من برودة الجو، بل من حرارة ما تحمله. بدأ يقرأ: يا نور… أو يا ابني، أو يا أغلى ما أهدتني بيه الدنيا.. عارفة إنك بتتألم، وممكن كمان تزعل مني عشان مقولتلكش الحقيقة دي في حياتي، لكني كنت عايزاك تعيش قوي, تعيش وعينك مش مكسورة يابني.

أنا أمك أه بس مش أمك اللي خلفتك, أمك اللي عاشت حياتها كلها ليك, أنا واحدة فقدت كل حاجة, وربنا عوضها بيك. أنا لقيتك وإنت حتة لحمة حمرا, أهلك كانوا عايزين يخلصوا منك, بس ربنا رزقني بيك, كنت أكبر هدية ونعمة في حياتي, كنت بتعيط جامد أوي, وأول ماضميتك لصدري, الحياة رجعتلي من تاني, وإنت نمت عشان حسيت بالأمان.

وقتها قررت أكمل حياتي كلها عشانك وبس, سميتك نور لإنك نورت دنيتي, كنت ابني فعلًا, ما الأم اللي بتربي مش اللي بتخلف, وطبعًا كان لازم أسجلك زي أي طفل في الدنيا. وقتها لجأت لصاحبتي كانت شغّالة في مكتب الصحة، ساعدتني أزوّر ورقك، حطّيتلك اسم أب وهمي، قلتلهم ده جوزي اللي سافر ومحدش يعرفله طريق. محدش سأل، محدش فتش، وعدّى الموضوع. أيوة يا نور أنا عمري ما اتجوزت! إنت كنت عيلتي كلها.

عارفة يا نور… عارفة إنه كان حرام، وعارفة إنه ما ينفعش تعيش معايا، بس مافيش حاجة في الدنيا دي كلها كانت قادرة تفرقني عنك. كنت حتة مني، كنت أنفاسي… ما قدرتش أبعد، ما قدرتش أقولك حاجة… كنت بقول لنفسي كل يوم: استغفري ربنا، يمكن يغفر لك.

بس لما عرفت إني عندي المرض إياه, خبيت عنك, قولت أكمل قراري اللي خدته من زمان, إنك تعيش مبسوط طول مانا عايشة, صحيح الدكتور قال إن ليه علاج كيماوي, بس إنت عارف الكيماوي ده هيوقعلي شعري, يرضيك؟ وبعدين كله بقدر الله يابني.

في درج الدولاب بتاعي في الرف اللي فوق خالص, اللي مكنتش بطوله وكنت بناديك تجيبلي اللي عايزاه منه, هتلاقي علبة معدنية صغيرة، فيها الإسورة اللي كانت في إيدك يوم ما لقيتك, فيها اسم المستشفى, واليوم اللي اتولدت فيه, دور وراه يابني عشان توصل لأهلك, إوعى تعيش لوحدك, واستحلفك بالله يابني, تسامحني, أنا عمري ماكان قصدي أزعلك أبدًا. أمّك، مريم.

لم يشعر نور بالدمعة وهي تنزلق على وجنته، بل لم يشعر بنفسه حين سقطت الورقة من يده، وراح يحدّق في السقف كأن الغرفة كادت أن تطبق عليه. ارتجف صدره، وارتعش صوته وهو يهمس لنفسه: معقول؟ نهض بتثاقل، وفتح الدولاب كما أوصته. مدّ يده المرتجفة، وسحب العلبة الصغيرة. فتحها ببطء… فبانت الإسورة. قطعة بلاستيكية قديمة، باهتة، مكتوب عليها: ” مستشفى دار الفؤاد التخصصي –1999 –الطفل رقم 347″

ظل ينظر إليها طويلًا، كأنها مفتاح لحياة أخرى لا يعرفها. ثم جلس على الأرض مجددًا، ودفن وجهه بين يديه، وانهار باكيًا… لا كطفل، ولا كرجل، بل كقلبٍ تهشّم فوق ركام من الأسرار. في تلك اللحظة، لم يعد نور كما كان. كان إنسانًا وُلِدَ مرتين… مرّة بين يدي امرأة لم تنجبه، لكنها أحبّته كما يحب القلب من يظن أنه نجاته. ومرّة بين يدي الحقيقة، وهي تشقّ صدره لتقول له: ابدأ من جديد.

-كان الليل قد أوشك على الانتصاف، والبيت يغطّ في هدوء مشوب بشيءٍ ثقيل، أشبه بالاحتقان المختبئ خلف جدران أنيقة. في غرفتها، جلست هدى على طرف السرير، متكوّرة كطفلة أضناها الخوف. عينان شاردتان، ذابلتان، بلا بريق، وشعر منسدل بعشوائية على وجهها الشاحب، وثياب منزليّة ارتدتها دون اكتراث. يديها ترتجفان دون سبب ظاهر، وأنفاسها تتقطع كأنها تهرب من شيءٍ لا يُرى. كان كل شيء فيها مختلفًا، كأنها خرجت من جسدها ولم تعد إليه بعد. وفجأة…

انفتح الباب بهدوء، ودخلت لبنى هانم، أمها، بأناقتها المعهودة، وعطرها الفاخر الذي سبق خطواتها. توقّفت لحظة عند الباب، حدّقت بابنتها بنظرة متفحصة، ثم قالت بلهجة رتيبة: –هدى… صاحية؟ لم تجب هدى، فقط رفعت عينيها ببطء نحوها، محاولة أن تتماسك، فابتسمت ابتسامة واهنة: –اه. تقدّمت خطوة، وعقدت ذراعيها أمام صدرها، وقالت بنبرة أقرب للدهشة: –مالك؟ وشك شاحب كده ليه؟ إنتِ عيانة؟ سارعت هدى تمسح وجهها بكمّ قميصها، ثم نهضت ببطء، وقالت:

–لا، الامتحانات بس, والواحد بيطبق على المذاكرة. صمتت الأم لحظة، ثم تنحنحت، كأنما قررت تجاهل ما لاحظته، وقالت بنبرة عملية: –على كل حال، بكرة هنبعت المقاسات بتاع الفساتين للمصمّمة في باريس، معندناش وقت كبير, اختاري الموديل قبل الضهر, سامعة؟ هدى ابتلعت ريقها بصعوبة، وكأن الكلمة ذاتها –الفستان –كانت تخنقها، ثم قالت بصوت مرتجف قليلاً: –حاضر.

اقتربت منها لبنى، ورفعت خصلة شعر سقطت على وجهها، تمعّنت في ملامحها أكثر، ثم سألتها، هذه المرة بصوت أخفض: –إنتِ كويسة مش كده؟ ارتعشت عين هدى، لكنّها شدّت على شفتيها بقوة، ثم قالت بصوت لا يشبه صوتها: –زى الفل يا أم العريس. لم تقتنع الأم، لكنها لم تُرد أن تبدأ نقاشًا لا تريده! اكتفت بهزّة رأس قصيرة، ثم استدارت قائلة: –إيه أم العريس دي, إتكلمي بإسلوب أحسن من كده يا بنت. وخرجت، تُغلق الباب خلفها بصوت خفيف.

بقيت هدى واقفة، ترمش بعينيها الجافتين، ثم همست لنفسها: –بخير؟ وانهارت على الأريكة الصغيرة، تضمّ جسدها، كأنها تحاول الاحتماء من العالم… ومن نفسها. -كان الصباح باردًا كعادته، والشمس تحاول التسلل عبر النوافذ المتربة، لكنها بدت عاجزة عن تبديد غشاوة الحزن التي خيّمت على وجه صفية.

في الطابق الثاني من المدرسة، حيث الممرّات تعجّ بخطى الطلبة وأصواتهم المتداخلة، كانت صفية تسير ببطء، حاملة بعض الأوراق، بعينين شاردتين كأنما تنظر من خلال الأشياء، لا إليها. منذ أن قرأت الخبر مساء الأمس… لم تعد تشعر بثبات الأرض تحت قدميها. ذلك الاسم… يوسف المنشاوي، محفور في صدرها، لكنّه الآن يُزفُّ إلى امرأة أخرى!

توقفت عند نهاية الممر، تتأمل الزهور البنفسجية التي تسلقت حائط الفناء، ثم تنهدت بعمق، كأنها تطرد شيئًا أثقل من الهواء. قطع شرودها صوت المدير، الأستاذ محسن، الذي خرج من إحدى الفصول، يبتسم بارتياح ويبدو عليه النشاط المعتاد. قال وهو يراها تقف: –صباح الخير يا أستاذة صفية، إيه الأخبار؟ أجابت بهدوء حاولت أن تُثبّت فيه نبرتها: –صباح الخير يا أستاذ محسن… تمام الحمدلله. تابع المدير بنبرة عادية:

–أستاذ يوسف اعتذر عن استكمال الإشراف، قال إنه مشغول اليومين دول عشان فرحه. توقف لحظة، كأنه ينتظر ردة فعل، لكنها لم تُبدِ شيئًا. فقط رمشت مرة، ثم قالت بهدوء: –ألف مبروك, ربنا يسعدهم. أكمل، غير مدرك لما يدور خلف سكونها: –المشروع كمله زميل ليه اسمه كريم… شاب كويس، وبإذن الله يكمل على خير. أومأت برأسها، وهمّت أن تنصرف، لكنه أضاف، وكأن الأمر لا بد أن يُقال:

–على فكرة، يوسف عزمني على فرحه, دعوة عامة للمدرسة كلها, وإتفقنا نروح كلنا بإذن الله. ثم ابتسم بلطف: –أتمنى أشوفك هناك. قالت صفية، بصوت ثابت رغم كل ما في داخلها: –إن شاء الله هحاول… ابتسم وهو يتحرك: –حاولي، الجو هيكون جميل, وعشان ميزعلش مننا. لم ترد وسارت نحو السلم دون أن تشعر بخطواتها. كانت الأصوات من حولها تتلاشى، كأنها تتحرّك داخل زجاجة مغلقة. وفي أعماقها…

لم يكن الألم صاخبًا، بل صامتًا، يقطر شيئًا فشيئًا، مثل ماء ينهش صخرة دون صوت. قالت في نفسها: لم يكن لي… ولم يعد! لكنها، رغم كل شيء، رفعت رأسها، وضبطت خطواتها، كمن قرر أن يُكمل الطريق… ولو بقلبٍ مكسور.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...