رواية قلوب على الهامش الجزء الرابع عشر 14 بقلم يارا علاء الدين قلوب على الهامشرواية قلوب على الهامش الحلقة الرابعة عشر في جناح المكتب العلوي من فيلا المنشاوي، كان رؤوف بك واقفًا أمام النافذة الزجاجية، يُدخّن سيجارًا فاخرًا، وعيناه تتأملان حديقة لا يراها. دخل يوسف بهدوء، كأن خطواته كانت تحمل نيةً أثقل من الزمن نفسه. استدار الأب ببطء، وابتسم ابتسامة معتادة:
–كنت هابعتلك يا يوسف.. الجارحي كلمني, عشان نحدد ميعاد الفرح من تاني. قاطعه يوسف لأول مرة، بصوت ثابت لم يعهده فيه: –مافيش فرح يا بابا… ولا جواز من رنا… أنا مش هتجوزها. صمتٌ مشدوه. ثم قال الأب، بعد برهة من الصدمة: –بتقول إيه؟ اقترب يوسف خطوة، ونظر إليه نظرة رجلٍ قرر أن يُشعل نارًا في بيت الخضوع القديم: –بقول إني هاتجوز… بس مش رنا. –أمال مين إن شاء الله؟!
–صفية… مدرسة اللغة العربية في المدرسة اللي كنت شغال فيها المشروع بتاعنا. ضحك رؤوف ضحكة قصيرة، لكنها بلا فرح، وقال وهو يلقي السيجار جانبًا: –إنت إتجننت؟ مدرسة؟ فقيرة؟! مش من مستوانا؟ قال يوسف، بنفس الهدوء الذي يُخفي وراءه عاصفة: –يمكن تكون بالنسبة لحضرتك فقيرة… بس بالنسبالي أنا عمري اللي جاي. –إنت أكيد اتجننت! –لا يا بابا، الجنون الحقيقي إني أعيش طول عمري سلبي, أسكت، أوافق، أبتسم للناس اللي بتشتري وتبيع فيا…
أنا تعبت من الدور ده, أنا من حقي أختار ولو لمرة في حياتي. صمت الأب، لم يُجِب. كأن ابنه قد ألقى في وجهه مرآة لا مفر من النظر إليها. تابع يوسف، وعيناه دامعتان: –أنا آسف يابابا, بس مش هرجع في كلامي. لم يردّ رؤوف فقط أشار بيده في هدوء له ليخرج… كأنها أول مرة ينهزم فيها دون قتال. يوسف أومأ برأسه، ثم استدار وخرج… لا بنصرٍ، بل بحرية. ***
بعد دقائق, في مدرسة الصفا، كانت صفية تقف في فناء المدرسة، ترتّب أوراقها في هدوء، وجهها شاحب، وعيناها تغوصان في حزن صامت، كأن الليل بات فيها رغم أن النهار مشرق. سمعت وقع خطواتٍ مألوفة، رفعت عينيها… فإذا بيوسف يقف أمامها. كان يحمل وردة بيضاء، ونبضًا واضحًا في عينيه. قال بصوتٍ خافت: –يا أستاذة صفية… أنا جاي النهاردة أخد منك ميعاد عشان أتقدملك. شهقت، كأن الهواء لم يجد طريقه لرئتيها، ثم قالت دون أن تلتفت تمامًا:
–حضرتك بتهزر معايا يا أستاذ يوسف؟ اقترب منها، ومد الوردة نحوها: –لا أنا بتكلم بجد, وجد أوي كمان, لو بتتكلمي على خطيبتي فأنا سيبتها. نظرت إليه، وجفناها يرتجفان، ثم همست: –يعني إنت مش بتهزر؟! بكت. لكنها لم تبكِ ألمًا هذه المرة… بل لأن أحدًا أخيرًا رأى فيها أنثى، لا قلبًا على الهامش.
-في صباحٍ هادئ، تخلّت فيه الشمس عن حدّتها، وقف نورإلى جوار يوسف أمام مبنى الأحوال المدنية، والملف الأزرق في يده يُمثّل لحظة لا تُنسى… لحظة انتساب، لا بالدم وحده، بل بالأوراق. دخل الاثنان، سارا بخطى متزنة، وعيناهما تتبادلان نظراتٍ مختلطة، فيها شيء من التأخر… وشيء من البداية. وبعد إتمام التوقيعات والإجراءات، خرج يوسف يُلوّح بنسخة من المستند قائلاً: –من النهاردة… بقيت نور المنشاوي رسميًا أخو يوسف المنشاوي.
ضحك نور، لكنه ما لبث أن سكت، وألقى نظرة خفيفة إلى الأرض، ثم قال بصوت متردد لكنه صادق: –يوسف… كنت عايز أقولك حاجة. –قول يا أخويا. –بخصوص رنا. –رنا؟! مالها؟ –أنا كنت… يعني… حبيتها, غصب عني والله, وكنت ناوي أبعد تمامًا وخصوصًا بعد ماعرفت إنك أخويا, متزعلش مني. ضحك يوسف، ضحكة هادئة، ثم ربت على كتف نور قائلاً: –إنتَ فعلاً أخويا…بس تحب تسمع المفاجأة؟ رفع نور حاجبيه بدهشة، فقال يوسف بابتسامة عريضة: –رنا أناعمري ما حبيتها.
–إيه؟! –أيوه… الجوازة دي كانت قرار من قرارات أبويا… لكن قلبي كان في حتة تانية. –بتتكلم بجد؟ يعني بتحب حد تاني؟ نظر يوسف أمامه، وصوته يلين: –فيه مدرسة لغة عربية… اسمها صفية, هي دي اللي خدت قلبي. شهق نور، ثم ضحك، ثم اقترب منه وعانقه بقوة، وقال بصوت خافت: –شكرًا… شكرًا عشان ريّحت قلبي, هروح أقولها, معندكش مانع صح؟ أومأ برأسه موافقًا. انفصل نور عن يوسف وهو يبتسم، ثم فجأة ركض بعيدًا، يخرج هاتفه، يكتب شيئًا… ثم يتوقف.
ويهمس بفرح: -حتى لو مردتيش عليا أنا عارف هلاقيكي فين. انطلق إلى الكافيه المجاور لفيلتها… الكافيه الذي شهد بداية دفء لم يكتمل. دخل بخطوات متلهفة، يبحث بعينيه… حتى رآها. كانت رنا تجلس إلى طاولتهما السابقة، تنظر من النافذة بصمت، ويدها تُقلّب الملعقة في كوب قهوتها الباردة، كأنها تحرّك الوقت الذي لا يمرّ. اقترب منها، نبضه يسبق خطواته، قلبه يُسرع قبل أن يصل. وقبل أن ترفع عينيها، كان قد جلس أمامها.
رفعت بصرها ببطء، صُدمت، ثم فتحت فمها لتتكلم، لكنه سبقها، وقال بصوت متهدّج يقطعه الصدق: –أنا آسف يا رنا… آسف إني خذلتك مرتين. سكتت، تتأمل وجهه الذي بات أكثر تعبًا… وأكثر صدقًا. عيناه تلمعان بندمٍ لم يكن زائفًا، ثم أردف: –أنا رايح لباباكِ… أتقدملك رسمي. شهقت، وكأن قلبها لم يتحمل حجم المفاجأة… وضعت يدها على فمها، ثم ابتسمت، ابتسامة ناعمة خرجت من عمقٍ موجوع. قالت بخفوت: –يعني… مش هتمشي تاني؟ قال بحنانه
السابق الذي افتقدته: –عمري. ضحكت، دمعة صغيرة جرت على خدها، وهمست: –وأنا عمري ما كنت عايزة غيرك. في الخارج، بدأت السماء تتلون بدرجات الغروب، كأن الحياة قررت أن تُمهّد لولادة جديدة… لا علاقة لها بالماضي، ولا بالحسابات، فقط… بالحب. الختام
كان المساء قد ارتدى حلته الأجمل، والسماء تنثُر ضوء نجومها كأنها تُبارك ليلةً خُصِّصت للفرح وحده. على ضفاف قصرٍ فاخر تحوّل بلمساتٍ ناعمة إلى قاعةٍ تُشبه الحلم، تجمّع الأهل والأحباب، والأنوار تتراقص على أنغام موسيقى كلاسيكية هادئة، تنساب كما النسيم بين الأرواح.
القاعة فسيحة، سقفها يتلألأ بثريات كريستالية تتدلّى كأحلام معلّقة، والجدران مُزدانة بورودٍ بيضاء وذهبية. طاولات دائرية نُسّقت حول منصة مرتفعة تتوسط القاعة، حيث جلس العرسان الثلاثة، كأنهم نجمات ثلاث أضاءت سماء هذا المساء المهيب.
كانت رنا أول العرائس ظهورًا، ترتدي فستانًا من الحرير العاجي، ينسدل بانسيابية على جسدها الرشيق، تُزيّنه تطريزات دقيقة عند الأكتاف والخصر، مع حجاب محتشم متناسق مزين بخيوط ذهبية دقيقة تعانق وجهها بهدوء، وتزينه وردة بيضاء واحدة على جانب الرأس. إلى جوارها كان نور، يرتدي بذلة سوداء فاخرة، قميص أبيض ناصع وربطة عنق رمادية داكنة، يقف بثبات رجل اختار حبيبته مرتين، وابتسم لها كأن كل ما مضى صار خلفه بلا مرارة.
أما صفية، فقد بدت كأنها خارجة من روايةٍ قديمة… ترتدي فستانًا رقيقًا، من التُل الأبيض المائل للعاج، بأكمام طويلة, وحجاب طويل ينسدل برقة على رأسها، تزينه من الجانب باقة من زهور الياسمين، كأنها لمسة من نقاء روحها. إلى جوارها وقف يوسف، يرتدي بذلة بيضاء أنيقة، يزين جيب سترته وردة ذهبية صغيرة، وعيناه لا تفارق صفية كأنها كنز عثر عليه أخيرًا، وقرر ألا يُفلت يده عنه مرة أخرى.
هدى، العروس الثالثة، لم تكن عروسًا كاملة… بل عروسًا تُمهّد لحلمٍ جميل. ارتدت فستانًا من الستان الوردي الفاتح، بتصميم بسيط ومحتشم، يليق بفتاة لاتزال على أعتاب الحياة. وقد ارتدت حجابًا ناعمًا بلونٍ ورديٍّ هادئ، وعيناها تلمعان بمرح طفوليٍّ كأنها تذوق الفرح للمرة الأولى. إلى جوارها جلس آدم، ببذلة رمادية أنيقة، ونظرة صادقة تحمل عهداً صامتاً، أن هذه الخطوبة ما هي إلا بداية لعمرٍ يُبنى بالتؤدة والحب.
منصة العرس امتلأت بالوجوه المألوفة. كانت ميسون ولبنى تجلسان في الصف الأمامي، كلٌّ منهما تراقب العرائس بنظرات امتزج فيها الدمع بالفخر. لبنى التي لم تستوعب الحقيقة بسهولة… بل قاومتها بكل ما أوتيت من كبرياء. لكن الحقيقة كانت أثقل من أن تُنكر، والسنين مضت بما فيها. ما جعلها تُذعن في النهاية لم يكن ضعفًا، ولا رضا عمّا جرى… بل لأن نور نفسه لم يترك لها مجالًا آخر.
حضوره كان مختلفًا، يحمل من الطيبة ما يكسر أشدّ الجدران صلابة، ويذكّرها بأن الذنب لم يكن ذنبه. قبلت الأمر في صمت، لا لأنها سامحت، بل لأنها أدركت أن لا سبيل آخر… وأن هذا الابن، مهما كان مجيئه، صار حقيقة لا يمكن محوها. أما سليم الجارحي فجلس صامتًا ، كأن قلبه أخيرًا هدأ بعد ضجيج طويل. جلس إلى جواره رؤوف المنشاوي, وربت على كتفه بابتسامة هادئة، وقال: –أخيرًا فرحنا بيهم.
لحظتها، حسّ بدفء غريب يتسلل لقلبه، وابتسم من أعماق روحه، لأول مرة من زمن طويل. في الزاوية اليمنى، جلست معلمات من مدرسة صفية, يصفّقن بخجل وسعادة، وبعضهن يهمسن بدهشة: –صفية جميلة أوي النهاردة. ومن جهة أخرى، حضر فريق شركة أركان، يتبادلون التهاني مع نور، ومديره هاني يُربّت على كتفه قائلاً: –مبروك يانور, ربنا يسعدكم. الموسيقى تعلو تدريجيًا، ثم تخفت، ويبدأ المذيع يُعلن: –نحتفل
الليلة بقصص حب صادقة: رنا ونور، يوسف وصفية، وهدى وآدم. قصص جمعت بين أشخاص اختاروا إن هما يسيروا في دروب الحياة مع بعض, لكلّ منهم قصة، ولكن اللي جمعهم رغبتهم إنهم يكملوا الطريق بقلبٍ واحد. بدأت رقصة العرسان، خطواتٌ واثقة تتداخل مع لحنٍ يشبههم: بسيط، صادق، دون تكلّف. كان الحب في تلك الليلة لا يُقال… بل يُرى. في دمعةٍ ناعمة على خدّ أب، في نظرةٍ صامتة بين حبيبين، وفي يدٍ تُمسك يدًا أخرى كأنها الوعد الأخير.
هكذا أُسدلت ستارة الحكاية، لا على نهاية، بل على ثلاث بدايات… كلٌّ منها كُتب بالحب، واستُكمل بالاختيار، ولم يبقَ سوى أن تمضي الحياة، كما يشتهيها من أخلص النية. والقلوب التي طالما ظنّها الجميع على الهامش، هي ذاتها التي كتبت السطر الأخير، بصوتها، ودمعها، وإصرارها. لم تنل كل شيء، لكنها نالت حقّها في أن تُرى. وهذا وحده… كافٍ ليبدأ فصلٌ جديد، بفهمٍ مختلف، وقلوب لم تعد تنكسر في صمت.
لم يعودوا ظلالًا لحكايات غيرهم، بل صاروا هم النور الذي يسطع في حكاياتهم. وانطفأت الأضواء الأخيرة، لكن القلوب… ظلت مُضيئة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!