الفصل 13 | من 14 فصل

الفصل الثالث عشر

المشاهدات
2
كلمة
1,593
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

رواية قلوب على الهامش الجزء الثالث عشر 13 بقلم يارا علاء الدين قلوب على الهامشرواية قلوب على الهامش الحلقة الثالثة عشر في غرفة التحقيق الصامتة، جلست شهد على الكرسي الخشبي، يداها تتشابكان فوق حجرها، وعيناها لا تجرؤان على النظر في وجه الضابط, بعد بحث طويل دام لأكثر من اسبوعين. صوت المقدم شريف انطلق هادئًا، لكنه لا يخلو من الحزم: –قوليلي بقى يا شهد, إنتي دخلتي الفيلا على زين, لقيتيه بينزف, كمّلتي عليه؟ مش كده؟

شهقت، ثم أطرقت برأسها، وصوتها خرج كمن يعترف بخطيئة العمر: –حضرتك عرفت إزاي؟ ارتفع حاجباه، دون دهشة، وكأنه كان يعلم، ثم قال برفق: –ليه يا شهد؟ تنفست ببطء، ثم همست: –كان بيبتزني… شهور وأنا بسدده من جسمي وكرامتي… وكنت ساكتة! بس يومها… شوفته واقع، بيبصلي بضحكة… ماقدرتش. خلّصت عليه زي ما قتل فيّا كل حاجة. سجّل الاعتراف، ثم نهض من مكانه وقال للجندي الواقف: –استدعيلي الآنسة هدى المنشاوي، فورًا.

بعد أقل من ساعة، كان الثلاثة يجلسون في القاعة الجانبية. الصمت بينهم أثقل من الكلام. دخل المقدم شريف، بيده ملفّ كبير، ووقف أمامهم بثبات. قال وهو ينظر إليهم واحدًا تلو الآخر: –القضية انتهت. التفت له يوسف وقال بصوت متوتر: –يعني إيه خلصت؟ حضرتك وصلت لإيه؟ أجابه بثبات: –اللي قتل زين… بنت من ضحاياه، اسمها شهد عبد الرحمن. دخلت الفيلا بعد ما وقع، وكملت عليه. واعترفت. شهقت هدى، ثم تمتمت: –يعني أنا بريئة؟

قال الضابط وهو يضع الهاتف القديم الخاص بزين على الطاولة: –من اللحظة الأولى، فتشنا تليفونه. لقينا فيه رسايل وصور وابتزازات, لبنات كتير., مشينا وراهم كلهم لحد ماوصلنا لشهد. سأله يوسف مستغربًا: –يعني اللي عمله مع هدى… كان جزء من اللي بيعمله مع الكل؟ أومأ الضابط برأسه: –كلهم كانوا أدوات، واللي حصل في الفيلا مجرد نهاية متأخرة، لراجل مات من زمان بس محدش دفنه. ساد الصمت لحظة، قبل أن يتابع المقدم:

–كان ممكن أي واحدة من البنات تبقى مكان شهد، لكن القدر اختارها. رفع الملف أمامهم، وقال بابتسامة ظهرت على محياه أخيرًا: –مبروك يا آنسة هدى.

–كان الصباح باردًا كأن الليل لم يغادر بعد، والشمس تتسلل بخجل من خلف ستائر ثقيلة تُغطي شبابيك فيلا المنشاوي. في الصالة الواسعة، اجتمع الأربعة حول طاولة الإفطار؛ لبنى هانم توزع نظراتها بين الصحون بعينين شاردتين، هدى تعبث في الأطباق دون تركيز، ويوسف يقلب فنجان القهوة بأطراف أصابعه… أما رؤوف بك، فكان يقرأ الجريدة، كعادته، بصمت ثقيل. وفجأة، انفتح الباب الكبير. دخل نور، بثبات من يعرف الحقيقة أخيرًا.

وقف لحظة عند المدخل، وأخرج من جيبه ظرفًا أبيض، ثم تقدم نحو الطاولة، ووضعه أمام يوسف. قال بصوت هادئ: –نتيجة تحليل الحمض النووي… بتقول إن أنا ابن المنشاوي. تجمّد الزمن. لبنى هانم شهقت بصوت مكتوم، كأن الهواء انفلت من صدرها. هدى نهضت فجأة، تسأل بعينين متسعتين: –إنت متأكد؟ أما يوسف، فكان الوحيد الذي مدّ يده بهدوء، فتح الظرف، وأخرج الورقة… قرأها بعينين ثابتتين، ثم رفع رأسه نحو نور، وقال دون نبرة واضحة: –التحليل… صحيح.

ساد الصمت مجددًا، حتى تكلم أخيرًا من لم يتكلم بعد. رؤوف بك المنشاوي، وضع جريدته جانبًا، ثم اعتدل في جلسته، ونظر إلى الجميع نظرة ثقيلة، كأنها تُحضّرهم لزلزال قادم. قال بصوت خافت، كأن كل كلمة تخرج منه تُنزَع من روحه: –ايوة هو ابني! صرخت لبنى هانم: –رؤوف! إنت بتقول إيه؟! قال دون أن ينظر إليها: –اللي سمعتوه هو الحقيقة… من أكثرمن عشرين سنة، كنت متجوز السكرتيرة بتاعتي… جواز رسمي، بس في السر. خفض رأسه قليلًا،

ثم تابع بصوت أعمق: –ولما حَمَلت، حاولت أسيطر ع الوضع… لكن الولادة جات فجأة، وماتت وهي بتولد. كنت هتجنن… مش بس من موتها، لكن من الفضيحة اللي كانت هتقلب الدنيا. هدى وضعت يدها على فمها، لا تصدق ما تسمعه. أما يوسف، فظل واقفًا، جامد الملامح، كأن قطعة من الجليد ذابت داخله فجأة. قال رؤوف بك، وعيناه تبتعدان عن أي وجه: –بعت واحد من رجالتنا… ياخد الطفل، يبعده… يرميه في أي مكان، وينهي الموضوع. ثم تمتم:

–ما توقعتش… إنه يفضل عايش. لبنى نهضت، تترنح وكأن الأرض خانتها: –ودفنت ده سنين؟! ممثل بارع! نور وقف ثابتًا، لم يصرخ، لم ينهَر، فقط قال بصوت متهدّج: –الحمدلله إنه جواز رسمي. رؤوف رفع عينيه إليه، وقال بصوت نادم: –ماكانش المفروض أسيبك… بس الخوف… الخوف خلى قلبي حجر. قال يوسف، وهو يطوي الورقة ببطء: –واضح إن البيت ده… أكبر من كل الحكايات اللي كنا فاكرين إننا نعرفها عنه. هدى، نظرت له وقالت بصوت خافت: –يعني انت أخويا؟!

أجاب نور، دون أن يلتفت: –ورغم كل اللي حصل… أنا مش جاي آخد حاجة… أنا جاي أثبت نسبي بس. وانتهى اليوم. لا بنهاية، بل ببداية صدعٍ لن يُرمم بسهولة… بين جدران فيلا، لم تكن يومًا كما بدت.

-وفي اليوم التالي, كانت الشمس قد مالت قليلًا نحو الغروب، تلقي خيوطًا ذهبية على واجهة فيلا المنشاوي، كأنها تُبارك هدوءًا طال انتظاره. داخل الصالة الرحبة، جلس المنشاوي إلى جانب لبنى هانم, بينهما هدى تتصفح هاتفها، ساكنة الملامح، لكن في عينيها بريق صغير يحاول أن يولد من جديد. دقّ جرس الباب. تقدمت الخادمة لتفتحه، ثم عادت تقول: –الأستاذ آدم الجارحي.

دخل آدم بخطوات واثقة، يرتدي قميصًا أزرق بسيطًا، يحمل في يده ظرفًا صغيرًا، وعيناه تشعّان بالهدوء. وقف أمامهم، ثم قال بصوت ثابت: –مساء الخير يا رؤوف باشا, مساء الخير يا لبنى هانم. أومأ الاثنان برأسهما بتحية هادئة، وردّ رؤوف بنبرة حذرة: –مساء النور يا آدم… اتفضل. لم يجلس. بل أخرج الظرف، وقدّمه إليه قائلاً: –قبل ما أتكلم، كنت حابب حضرتك تشوف ده بنفسك.

فتح رؤوف الظرف، فإذا بطباعة حديثة لعدة أخبار منشورة على المواقع الإلكترونية، وكلها تحمل عنوانًا موحدًا: تكذيب رسمي لما تم تداوله بشأن الآنسة هدى المنشاوي… وبلاغ قانوني ضد مروجي الشائعة. اتسعت عينا لبنى، ونظرت لآدم بدهشة صامتة، بينما قال هو: –بعد اللي حصل، كان لازم أردّ اعتبارها… كلمت الإعلام, ووسائل التواصل, وتم سحب كل المحتوى المسيء خلال 24 ساعة. ثم التفت نحو هدى، وقال بنظرة عميقة:

–يمكن ماعرفتش أوقف اللي حصل، لكن حاولت أصلح اللي جاي. قالت هدى بصوت خافت، وفي عينيها دمعة خجولة: –شكراً يا آدم… مش علشان دافعت عني وبس… لكن علشان صدقتني. ثم استدار آدم إلى والدها، وتقدم خطوة، كأنما يستعيد عهداً نسيه الزمن، وقال بجدية لا تخلُ من التوتر: –أنا جايلك النهاردة ياعمي… طالب إيد الآنسة هدى. ساد الصمت لحظة. وضع المنشاوي الأوراق جانبًا، ونظر إلى وجهه نظرة فاحصة، ثم قال بصوت عميق: –يعني هتقدر تحافظ عليها؟

ابتسم آدم لأول مرة، وقال: –في عينيا ياعمي. نظرت لبنى إلى هدى، ثم أمسكت بيدها، وقالت برقة لم تعهدها: –إيه رأيك ياهدى؟ رفعت هدى عينيها إلى آدم، ثم إلى والدها، وقالت بثقة ناعمة: –اللي تشوفوه. ابتسم رؤوف، ومسح على كتف ابنته، ثم قال بصوت دافئ: –بس الجواز بعد ما تخلص الكلية… اتفقنا؟ أومأ آدم بفرح: –اتفقنا… علت الوجوه ابتسامات دافئة، وخفّت ظلال الأيام السابقة, كأن دفءَ هذه اللحظة قد ذاب فيها كل ما كان يؤلم.

-في صباحٍ ثقيل الظلال، كان الهدوء يسود فيلا الجارحي، كأن الجدران تسترق السمع لشيء على وشك أن يُقال للمرة الأولى دون خوف. في غرفة المكتب، جلس سليم الجارحي خلف مكتبه الفاخر، يراجع بعض الأوراق، حين دخلت رنا بخطى هادئة، لكنها ثابتة. رفع بصره إليها، وابتسم ابتسامة ضيقة، ثم أشار إلى المقعد أمامه. قال بصوته المعتاد، الصارم الواثق:

–كلمت رؤوف المنشاوي من شوية… اتفقنا نعمل الفرح من جديد، بس على مستوى أعلى. لازم الناس تنسى المهزلة اللي حصلت، ونرجّع اسم الجارحي زي ما كان. سكت لحظة، وكأنّه يمنحها فرصة لتفرح، أو على الأقل تُبدي امتنانًا، لكنها لم تتكلم. رفع حاجبه، وقال وهو يضع الورقة جانبًا: –في إيه يا رنا؟ مفرحتيش يعني؟ تقدّمت خطوة للأمام، نظرت إليه نظرة طويلة، ثم قالت بهدوءٍ لا يقل عن الزلزال وقعًا: –لا يا بابا… مش هتجوز يوسف.

ارتسم الذهول على وجهه، كأن أحدهم ألقى عليه ماءً باردًا فجأة. –إيه؟ بتقولي إيه؟! –بقولك مش هتجوزه… مش عايزة أعيش في تمثيلية تانية، ولا أكمل حياة مش بتاعتي. نهض من مكانه دفعة واحدة، وصوته ارتفع لأول مرة منذ سنوات: –إنتي اتجننتي؟! إنتِ إزاي تقوليلي لأ؟ وبعد إيه؟ نظرت إليه بثبات، وأجابت دون أن ترفع صوتها: –أنا إنسانة، وآن الأوان أختار. –تختاري؟! من إمتى؟! –من اللحظة اللي عرفت فيها إن السكوت ضعف، وإني مش صفقة من صفقاتكم!

صدمه الرد، وارتبك صمته، ثم قال بصوت مختنق بالغضب: –مين اللي لعب في دماغك؟ إنتِ إزاي تكلميني كده يابنت؟ –أنا فوقت أخيرًا يمكن متأخر بس فوقت! ثم استدارت، وتركت وراءها صدى الكلمات يتردد في الجدران، وخرجت من الفيلا، لا تلتفت، لا تضعف، كأنها تحررت من قيدٍ قديم. *** في شركة أركان، كان نور جالسًا أمام مكتبه، يقلب في ملفٍ أمامه، حين سمع الباب يُفتح فجأة. دخلت رنا، ملامحها مجهدة، لكن في عينيها نار لا تنطفئ.

قالت وهي تتنفس بسرعة: –أنا جاية أقولك حاجة… مش هستنى أكتر من كده. رفع عينيه إليها بقلق، نهض من مكانه وهو يقترب: –خير يا رنا؟! –تتجوزني؟ تجمّدت اللحظة، وكأن الزمن توقف لبرهة. تابعت بصوت متماسك، رغم الارتجاف في صدرها: -من أول لحظة معاك حسّيت بالأمان، وأنا خلاص مش ههرب تاني. نظر إليها نور، عيناه امتلأتا بصراعٍ لا يحتمل، ثم قال بصوت ثقيل: –رنا… في حاجة لازم تعرفيها قبل أي حاجة. –إيه؟! تنفس ببطء، ثم قال:

–أنا… ابن رؤوف المنشاوي. يعني… سكت لحظة، ثم أكمل: –يعني يوسف أخويا. ثم قص عليها قصته, بداية من موت مريم لنتيجة تحليل الحمض النووي! انهار كل شيء في ملامحها في لحظة، كأنها تلقت طعنة في صدرها لا في قلبها فقط. تراجعت خطوة، نظرت إليه بذهول، وعيناها ترمشان في محاولة لاستيعاب الصدمة: –يعني, إنت بتبعدني تاني يا نور! –مقدرش آخد خطيبة أخويا يا رنا… حتى لو كنت ب……..

وضعت يدها على فمها، كأنها تمنع شهقة حارقة، ثم استدارت، وخرجت من مكتبه بخطوات مترنحة… مرة أخرى، تشعر أن قلبها تفتت… لا من خيانة، بل من الحقيقة. خرجت إلى الشارع، والسماء كانت تمطر خفيفًا… كأنها تبكي بدلًا منها، لكنها هذه المرة لم تركض، بل مشت بثقل من عرف أن الحب وحده لا يكفي، وأن القدر أحيانًا… له رأي آخر!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...