الفصل 4 | من 14 فصل

الفصل الرابع

المشاهدات
3
كلمة
1,743
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

رواية قلوب على الهامش الجزء الرابع 4 بقلم يارا علاء الدين قلوب على الهامشرواية قلوب على الهامش الحلقة الرابعة كان صباحًا رماديًا في كلية التجارة، والسماء معلّقة بسُحب ثقيلة توحي بأن المطر قادم لا محالة. الهواء بارد لدرجة تجعل الأنفاس تُرى كخيوط دخان خفيف، تتصاعد من صدور الطلبة وهم يتحركون في الساحة الواسعة ببطء، ملفوفين في معاطفهم الصوفية والكوفيات المتشابكة حول أعناقهم.

هدى كانت تجلس على أحد الدرجات الحجرية القريبة من الكافيتريا، ملتفّة بمعطف ثقيل لونه كحلي، ونظارتها الشمسية التي لا تفارقها حتى في غياب الشمس، مرفوعة فوق شعرها المنسدل. إلى جوارها، جلست سارة، وصديقتان أخريان، يضحكن من شيء ما قيل للتو، بينما يد كل واحدة منهن تحتضن كوبًا بلاستيكيًا من الشاي الساخن. قالت سارة، وهي تهمس بالقرب من أذن هدى: –هتخرجي مع زين انهارده برده؟ ضحكت هدى بخفة، ونظرت إلى أظافرها المطلية بلون رمادي:

–وهو يقدر يستغنى عني ولو يوم واحد. –يابنت المحظوظة ومش أي حد ده زين الناجي. هزّت هدى كتفيها بلا اهتمام ظاهر، لكنها لم تخفِ ابتسامة صغيرة تشكّلت في طرف شفتيها. في تلك اللحظة، كان آدم يجلس على الطرف الآخر من نفس السلم، قريب كفاية ليسمع الحديث، لكنه تظاهر بأنه منشغل بدفتر صغيرة بين يديه. كان يرتدي جاكيت رمادي، وشعره لا يزال مبللًا من بخار المطر الخفيف الذي سقط منذ قليل. رفع رأسه فجأة، ونظر نحو هدى.

شعرت بنظرته، لكنها لم تلتفت فورًا. كأنها توقعت وجوده, أولا تهتم! ثم استدارت نحوه ببطء، وقالت بنبرة باردة: –ازيك؟ ابتسم بود لم يصطنعه: –كويس الحمد لله، إنتِ عاملة إيه؟ –الحمدلله, عندك محاضرات لسه؟ –أه لسه آخر محاضرة. أومأت برأسها, ثم عاد كل منهما إلى صمته، كأنّ ما بينهم كان يجب أن ينتهي عند هذا الحد. وقبل أن يُقال المزيد… رنّ هاتفها, نظرت إليه بسرعة، وابتسمت ابتسامة واسعة: –عن إذنكم بقى, زين وصل.

نهضت وهي تربت على معطفها، ثم عدّلت شعرها قليلًا، وتوجهت بخطى ثابتة نحو بوابة الكلية. سيارة سوداء فخمة كانت تنتظر بالخارج. أضواءها تلمع رغم ضوء النهار، وزجاجها الملوّن يخفي الداخل. فتحت الباب الأمامي، وجلست دون أن تنظر خلفها.

زين شاب يتمتع بهالة من الثقة والجاذبية التي لا تخطئها العين. ملامحه حادة وملفتة، وعيناه تلمعان بذكاء وفطنة، يرتدي قميصًا أسودًا، يلتف حول جسده بتناسق, أما الساعة الفاخرة التي تزين معصمه فهي ليست مجرد أداة لمعرفة الوقت، بل رمزًا لذوقه المترف. خطواته الواثقة وتعبير وجهه المتمرد يجعلان كل من حوله يشعرون بأنه قائد في مجاله، ولا عجب أن كل البنات تجري وراءه، مجذوبات بحضوره وسحره الذي لا يُقاوم. سألها بابتسامة على وجهه:

–تحبي تروحي فين؟ –أي حتة معاك حلوة. انطلقت السيارة ببطء، تاركة خلفها نظرات آدم التي كانت تتبعهم! اسندت رأسها للخلف وهي تسحب نفسًا عميقًا. رائحة الجو الممطر امتزجت بعطر رجالي قوي، فيه لمسة فانيليا، وطابع غامض… يشبه صاحبه. ألقى زين نظرة سريعة عليها، وهو يعدّل المرآة الجانبية ثم قال بنبرة خفيفة: –مش ناوية نروح شقتي بقى عشان نبقى براحتنا بدل الأماكن العامة المزعجة دي؟ نظرت إليه بثبات، ثم رفعت حاجبيها: –إنت بتهزر؟

ما إنت عارف إن المبدأ ده مرفوض! ضحك زين وهو يضغط على دواسة البنزين بخفة: –مفيش مشكلة يا دودو, المهم أنا انهارده محضرلك حتة خروجة تجنن. لفت وجهها نحوه بحماس طفولي: –قول بسرعة. قال زين، وهو يشغّل التكييف على درجة دافئة: –اتقلي وهتعرفي كل حاجة. ثم مدّ يده، وأخرج من الجيب الجانبي ظرفًا صغيرًا: دي دعوة لبارتي في الفيلا يوم الجمعة والشلة كلها هتكون موجودة, بس المفاجآت الشهر ده غير الشهر اللي فات خالص. أخذت الدعوة منه بفرح،

ثم قالت وهي تنظر فيها: –ناويين تخترعوا إيه المرة دي كمان, مش كفاية الكوارث بتاعت كل شهر. أطلق ضحكة قصيرة ثم قال بثقة: –مفاجآة هتعجبك أوي. اتسعت ابتسامتها, لكن داخل قلبها، كان هناك شيء يتحرك… لا تعرف هل هو تحذير؟ أم مجرد فضول؟ -كانت السماء لا تزال ملبّدة بالسُحب الرمادية، والهواء مشبّع برائحة المطر العالق على أوراق الشجر، حين توقفت سيارة يوسف المنشاوي أمام بوابة فيلا الجارحي.

هبطت رنا من السيارة ببطء، تستند على عصا خفيفة ناولها لها الطبيب بعد تركيب الجبيرة، وحقيبة يدها تتأرجح بتعب واضح من كتفها المصاب. يوسف ترجل معها، يفتح لها الباب الحديدي الخارجي بنفسه، للمرة الأولى دون أن يستدعي حارس الفيلا أو السائق. سألها: –هتقدري تمشي لوحدك؟ ردّت دون أن تنظر إليه: –اه. فتحت الخادمة الباب من الداخل، وارتبكت قليلًا حين رأت الجبيرة والعصا. –أهلاً آنسة رنا… ألف سلامة على حضرتك… إيه اللي حصل؟

قبل أن ترد رنا، كان صوت والدتها، ميسون هانم، ينزل من أعلى الدرج، هادئًا، معتادًا، بلا أي لهفة: –خير, إيه اللي حصل يا رنا؟ رفعت رنا عينيها نحو أمها، تنتظر أن تراها تهبط بسرعة، أو تمد يدها لمساعدتها… لكن لا شيء من هذا حدث. ردّت، بصوت متهدّج: –حادثة بسيطة. ظهر والدها في الصالة، يطالعها من فوق الجريدة: –والرجل اللي عمل كده سيبته يايوسف؟ قال يوسف بهدوء: –متقلقش يا عمي, كله تحت السيطرة.

نظر سليم الجارحي إلى يوسف، ثم إلى ابنته، وقال بنفس النبرة التي يستعملها حين يناقش صفقة خاسرة: –ابقي خلي بالك بعد كده, كفاية استهتار! ردّت رنا، وهي تنزع شالها بعصبية: –متقلقش يا سليم باشا مش هتتكرر. رمقها بنظرة حادة, دون أن يرد. تقدمت ميسون بخطوات باردة، مدت يدها نحو حقيبة ابنتها: –روحي ارتاحي شوية… وبلاش دراما. رنا لم ترد. لم تبكِ. لم تعلّق. فقط نظرت إلى يوسف، كأنها تقول له بنظرة واحدة: –هذه عائلتي!

أما هو، فابتسم ابتسامة مجاملة، وقال: –أنا هابقى أطمن عليكِ بكرة… تصبحوا على خير. خرج من البيت, يفكر قليلًا, ويسأل نفسه: –ماهذا الجفاء؟ أهكذا تُعامل رنا؟ وليس في أي وقت بل أشد الأوقات احتياجًا للرحمة, لكنها لم تنلها. صمت للحظة قبل أن يجد الرد تلقائيًا: –إنها سلبية, هي من رضيت بذلك, فلا تستحق غيره!

-كانت شمس الظهيرة تتسلل بخجل عبر زجاج النوافذ، ترسم خطوطًا ذهبية على الأرضية القديمة للممر، كأنها تراقب بخفة كل من يعبر المكان. في تلك اللحظة، كانت صفية تسير بخطى ثابتة، تمسك بعددٍ من الأوراق المثبتة بمشبك صدئ، وعقلها غارق في بحر من الأفكار المتراكمة. حين بلغت باب الإدارة، توقّفت لحظة، رتّبت أنفاسها، ثم طرقت الطرقات الثلاث المعتادة. جاءها صوت المدير، كعادته جافًا سريعًا: –اتفضل.

دفعت الباب برفق، ودخلت… ولم يكن في حسبانها أن تراه. كان يوسف جالسًا، كتفاه مرتخيتان قليلًا، وعيناه تتبعان حركتها دون أن يُظهر دهشة. كان وسيم الملامح وذو حضور قوي. يرتدي بذلة داكنة أنيقة وقميصًا أبيض ناصعًا، مع ربطة عنق رفيعة وحذاء جلدي مصقول. عيونه تحمل ثقة هادئة، وحركاته تنم عن هيبة وجاذبية طبيعية تجذب الأنظار. تجمّدت خطواتها للحظة خاطفة، لكنها أخفت ارتباكها سريعًا بابتسامة قصيرة. قال المدير، وهو يُقلب أوراقًا

أمامه: –إحنا ابتدينا نجهّز للمبادرة الجديدة مع الإدارة التعليمية… وهيبقى في شغل على المحتوى مع فريق التطوير، اللي على رأسهم الأستاذ يوسف. لم تُجب، أومأت برأسها، في انتظار التفاصيل. قال يوسف بصوت خفيض، لكن يحمل نبرة هادئة غريبة عنها: –احنا محتاجين نحط خطة تدريبية للمعلمين، وحضرتك هتكوني مسئولة عنها… فهنحتاج نشتغل سوا كتير شوية الفترة الجاية.

نظرت إليه، لم يكن صوته كما عهدته، ولا نظراته تلك النظرات الحادة. شيءٌ ما قد تغيّر. قالت، وهي تعدّل حافة الورقة بين يديها: –مفيش مشكلة… حضرتك بلغني بالتفاصيل، ونتفق على الخطوات بإذن الله. قال المدير بنبرة جدية: –خدي رقم أستاذ يوسف عشان تنظموا الأمر ده يا أستاذة صفية, أنا رشحتك لإنك من المتميزات عندنا في المدرسة, وعارف إنك هتكوني على قدر من المسئولية. ساد الصمت برهة، وكأن الهواء نفسه انتظر ردة فعلها.

أخرج يوسف هاتفه من جيبه، ومدّه ناحيتها، وهو يقول بنبرة تحمل شيئًا من المزاح الخفيف: –قولي رقمك, صحيح, اسجله أستاذ صفية لغة؟ لم تستطع منع الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها، لكنها خفضت نظرها للحظة، ثم قالت: –صفية جابر. دوّن الرقم بصمت، وأرسل لها رسالة فورية. رنّ هاتفها برسالة قصيرة: –ده رقمي, يوسف تطوير. رفعت عينيها إليه، صادفت نظرة سريعة، غير مقصودة، لكنها محمّلة بتساؤلات غير منطوقة. همس، وهو ينظر بعيدًا كأنه

يحاول تخفيف وطأة الموقف: –إن شاء الله الشغل ده يبقى بداية كويسة, والمدرسة تتنقل نقلة تانية. لم ترد. فقط أومأت برأسها بخفة، ثم استدارت تغادر، وصوت خطواتها يتلاشى شيئًا فشيئًا في الممر الطويل. لكنها لم تكن كما دخلت. كانت تحمل بين جنباتها شيئًا صغيرًا… ربما لمحة من فضول، أو رعشة خفيفة في قلبٍ ظنّته قد صار هادئًا للأبد.

-كان اليوم رماديًا، لا شمس فيه ولا مطر. فقط هواء بارد يتسلل من بين نوافذ الشقة القديمة، يمرّ على أطراف مريم المرتجفة وهي تجلس أمام ماكينة الخياطة، في محاولة يائسة لإنهاء قطعة زبونة، لكن عينيها لم تعدا قادرتين على التركيز، ويديها خذلتاها أكثر من مرة.

ثم، فجأة، اجتاحها دوارٌ حاد. شعرت وكأن جدران الغرفة تميل، والصوت من حولها يتحول إلى همهمة باهتة. وضعت يدها على صدرها، حيث وخزٌ مألوف بدأ يستيقظ، لكن هذه المرة كان أشد… أعمق. ارتخت رقبتها قليلًا، ثم أغمضت عينيها للحظة، ظنّت أنها قصيرة، لكنها لم تدرك كم مر من الوقت حتى سمعت طرقًا على الباب. فتحت الباب بصعوبة، وعلى وجهها ابتسامة باهتة، تحاول أن تُخفي الوجع. كانت جارتها ناهد التي رفعت حاجبيها بدهشة فور ما رأتها:

–وشك أصفر أوي… إيه ده؟ إنتي تعبانة؟ قالت بصوت مبحوح: –لا لا… شوية دوخة بس. متقلقيش لكن ناهد لم تقتنع، وضعت يدها على جبهتها، ثم أمسكت بذراعها قائلة: –غيري هدومك… هنروح المستشفى. بلاش لعب عيال. ورغم اعتراض مريم الخافت، كانت قد وصلت إلى النقطة التي لم تعد فيها تملك الرفض. في رواق المستشفى الحكومي البسيطة التي تجاور منزلهم, كان هناك ضوء أبيض باهت، رائحة مطهّرات، وساعة حائط تكاد تتوقف.

جلست على السرير, راحت تُحدّق في الأرض بينما الممرض يملأ بياناتها. أُدخِلت إلى غرفة الكشف بعد دقائق، حيث التقاها طبيب خمسيني، ملامحه مرهقة، لكن صوته كان هادئًا. فحصها، سألها عن التاريخ الصحي، ضغط الدم، الوزن الذي نقص بشكل ملحوظ… ثم طلب تحاليل دم وأشعة صدر مبدئية. قال بصوت رخيم: –هنطلب شوية فحوصات… فيه مؤشرات محتاج نطمن عليها أكتر. احتمال نحتاج أشعة تانية بعد كده. همست بقلق واضح: –حضرتك شاكك في إيه يادكتور؟ ابتسم بود:

–مفيش حاجة مؤكدة دلوقتي. بس الأحسن نكمل تحاليلنا الأول… ما نستعجلش في الحكم. أومأت برأسها، لكنها شعرت بالبرد يتسلل إلى داخلها أكثر من أي وقت مضى… كأن قلبها بدأ يعرف ما يخبئه الجسد، لكنه يرفض أن يصدق. خرجت من غرفة الفحص، وناهد ما زالت تنتظرها في الخارج، واقفة كالصخر، ممسكة بكيس صغير من العصير. اقتربت منها مسرعة, سألتها والقلق يعتريها: –قالك إيه؟ طمنيني؟ مافيش… شوية أنيميا بس, محتاجة أكل كويس.

لكن داخلها، كان شيءٌ آخر ينهار بهدوء. ولأول مرة، شعرت مريم أن الزمن أصبح ضيقًا… أضيق من خيط الإبرة الذي أفلت منها صباحًا. لم يصلها باقي كلمات ناهد التي أصرت أن تُعد لها طعامًا من المرق واللحم, حتى تستعيد عافيتها, لكنها شردت بعيدًا, والأسئلة تتقاذف لذهنها واحدًا تلو الآخر, دون إجابة!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...