رواية قلوب على الهامش الجزء الخامس 5 بقلم يارا علاء الدين قلوب على الهامشرواية قلوب على الهامش الحلقة الخامسة بدأ المطر ينساب على الزجاج في خيوط دقيقة, كأنه يكتب على النوافذ رسائل لا يجرؤ أحد على قراءتها. داخل المكتب الزجاجي الهادئ، جلس نور أمام الحاسوب، لكنه لم يكن ينظر إلى الشاشة، بل إلى انعكاسه عليها. تردّد. أصابعه تلامس الهاتف، ثم تتراجع! مجرد مكالمة شغل… هكذا أقنع نفسه. ضغط زر الاتصال.
–ألو, إزي حضرتك يا آنسة رنا, عاملة إيه دلوقتي؟ ردت بنبرة هادئة متعبة قليلًا: –الحمدلله, كويسة. –الحمد لله… أنا…..، يعني خلصت التصاميم المبدئية اللي اتفقنا عليها، وكنت محتاج رأيك فيها قبل ما نكمل. تابعت بنبرة أخف: –تحب نقعد في كافيه قريب من الفيلا؟ لإني مش هقدرأتحرك كثير. –آه طبعًا، تمام جدًا، اللي يناسب حضرتك. أغلق نور الهاتف، ووضعه على المكتب بهدوء. لكنه ظل ينظر إليه لثوانٍ طويلة… كأنه لا يصدق أنه تحدّث معها فعلاً
كان في نبرتها شيء جديد… دافئ رغم المطر. *** بعد ساعتين, كان الكافيه هادئًا، نوافذه ضبابية من البخار، والهواء مشبع برائحة البن المحمص والفانيليا الدافئة. أضواء خافتة تنعكس على الطاولات الخشبية، والمطر بالخارج لا يزال يهمس على الزجاج كأنه يُنصت هو الآخر. جلس نور على أحد المقاعد القريبة من النافذة، كوب النسكافيه أمامه.
كان يرتبك كلّما نظر إلى الباب، يحاول أن يبدو طبيعيًا، لكن يده لا تكفّ عن تحريك الملعقة في الكوب رغم أنه لم يضف سكرًا. ثم دخلت. رنا، بمعطف رمادي طويل، وشال كحلي ملتف حول رقبتها… شعرها مبلل قليلًا من المطر، ووجهها خالٍ من المبالغة… لكن فيه شيء لا يمكن تجاهله. ابتسمت وهي تضع عصاها بجانب المقعد قبل أن تجلس: –اتأخرت؟ –لأ خالص… أنا لسه واصل من شوية. –حضرتك تحبي تشربي حاجة, ااه صحيح نسيت إننا بنشتغل.
ابتسمت، فأضاء وجهها جمالًا قبل أن تقول: –قلبك أسود أوي. لاحت ابتسامة خفيفة على شفتيه وهو يمد جهازه الحاسوب أمامها: –اتفضلي دي التصاميم, محتاج أعرف رأيك فيها؟ أخذت تحدق فيها قليلًا قبل أن تقول بجدية: –تسلم إيدك يا بشمهندس, التصاميم ممتازة حقيقي, مش محتاجة أي تعديل. تنهد براحة: –الحمدلله مبسوط إنها عجبتك, يعني كده أبلغ المدير بإننا نبدأ في التنفيذ. أومأت برأسها موافقة: –في أقرب وقت. صمتت لحظة قبل أن تردف:
–إنت اللي هتتابع التنفيذ ولا حد تاني؟ –أنا بإذن الله, لو حضرتك معندكيش مانع؟ شعرت ببهجة لم تعرف مصدرها وقالت: –أكيد لأ, أنا ارتاحتلك وبقيت بثق فيك, مش هنسى كمان اللي عملته عشاني, واللى محدش عمله معايا قبل كده. ابتسم بود: –صدقيني أي حد مكاني كان هيعمل كده, أنا معملتش إلا الواجب. ساد الصمت وغرق كل منهما في مشاعره التي ظهرت على إستحياء. كانت النظرات بينهما أثقل من الكلمات.
رغم أن كل منهما يعرف أنه يسير في الاتجاه الخاطيء! -خرجت مريم من المنزل بعد أن توجه نور لعمله, كانت تمشي بخطى سريعة كعادتها، وهي تمسك بطرف الشال بيد، واليد الأخرى تتكور داخل المعطف كأنها تخفي شيئًا… أو تحتضن شيئًا مكسورًا. وصلت المستشفى، وقلّبت نظرها في الوجوه، كلّها مستعجلة، تعبة، لكن هي وحدها كانت تشعر أن الزمن لا يمر! قالت اسمها لممرضة الاستقبال بصوت خافت، وتبعت الإشارة إلى غرفة الطبيب, الذي سألها بدوره:
–حضرتك عملتي الأشعة والتحاليل اللي طلبناها؟ أومأت بصمت، وناولته الأوراق من الحقيبة. ظل يقرأ، يطوي ورقة، ويفتح أخرى… ثم قال، بنفس النبرة التي يستخدمها الأطباء حين يعرفون أن ما سيقولونه سيفتح بابًا لا يمكن إغلاقه: –فيه كانسر، للأسف في مرحلة متقدمة شوية. لم تقل شيئًا. لم تسأله, لكن عينيها اتسعت لحظة، كأنها كانت تعلم! أكمل، يحاول أن يبدو مطمئنًا: –بإذن الله الدنيا تتحسن مع الكيماوي, بس لازم نبدأ فورًا. قالت بنبرة
ثابتة أكثر من اللازم: –وهيبقى فيه أمل؟ قال بيقين: –الأمل موجود بإذن الله. ردّت وهي تنهض: –الأعمار بيد الله, كل واحد مكتوبله يومه مش هيتقدم ولا هيتأخر. قال الطبيب بهدوء، كأنه سمع هذه الجمل من قبل: –خلي عندك يقين في ربنا, ومتيأسيش. قاطعته بابتسامة بها تعب عمرها كله: –ونعم بالله, تفتكرني زعلانة؟ والله أبدًا ده ربنا حبيبي, ومشوفتش منه إلا الخير, عن إذنك.
خرجت من الغرفة ببطء، مشيت في الممرات والبخار يخرج من فمها في كل نفس، لكنه ليس من البرد, بل من الخوف! في هذه اللحظة لم تخف على نفسها بل عليه, أن تتركه وحيدًا في هذه الحياة, بعد أن كانت حياته كلها, لم تخشى لقاء ربها, بل تمنته, وهنيئًا لها أن تلقاه صابرة محتسبة راضية بقضائه. وبعد الكثير من الأفكار التي ألحت عليها, قررت أخيرًا أن تفعل ماكنت تؤجله لسنين! -كانت الشمس قد غابت منذ ساعة، لكن المدينة لم تلبس ليلها بعد،
السماء رمادية كأنها خجلت من أن تمطر، والهواء البارد يمرّ كصفعة خفيفة على الخد. هدى كانت ترتجف، رغم أن معطفها الثقيل يغطيها. توقفت سيارتها عند بوابة الفيلا، في حي راقٍ على أطراف المدينة. نظرت إلى المدخل… الفيلا ضخمة، نوافذها معتمة، ولا أثر لصوت أو ضجيج حفلة. أخرجت هاتفها، كادت أن تهاتفه, لكنها لم تنتظر كثيرًا، الباب انفتح فجأة… وظهر زين، بنفس الابتسامة الواثقة، بقميصه الأبيض، والعطر الذي يسبق خطاه. حدجها بنظرات غريبة:
–دايمًا بتيجي في وقتك مظبوط. ابتسمت بتوتر وهي تنظر حولها: –فين الناس؟ هي الحفلة لسه مبدأتش ولا إيه؟ مش قولت هتبدأ 6؟ اقترب منها وهو يشير للداخل: –كلهم جايين، بس أنتي أول واحدة وصلتي, تعالى ارتاحي لحد ما نبدأ. ترددت للحظة… ثم دخلت. كان الممر طويلًا، الإضاءة خافتة، والمكان هاديء بشكل غير طبيعي. أغلق الباب خلفها بهدوء… ثم التفت نحوها، وجهه تغير, اقترب منها ببطء: –إيه رأيك في الفيلا المرة دي مش أحسن من المرة اللي فاتت؟
قالت وهي ترجع خطوة للخلف: –اه, أحسن فعلًا. لكنه اقترب أكثر، وأمسك بذراعها، كانت يده باردة… وقاسية. –زين مالك فيه إيه؟ سيبني! صوتها خرج مرتعشًا، لكنها حاولت أن تبدو قوية. همس في أذنها بصوت مرعب، وابتسامة مقززة: –ابقى غبي لو سيبتك المرة دي, ده أنا مستني اللحظة دي من زمان. دفعها برفق نحو الحائط… يداه تطوقانها… وعيناه مليئتان بنار شيطانية. سيبني يا زين, عشان خاطري ليه بتعمل كده؟ سيبني! صرخت، وبدأت تدفعه بكل قوتها.
لكنه كان أقوى… وأكثر إصرارًا. اصرخي زي ما انتي عايزة، مافيش حد هنا، ولا حد هيسمعك, اليوم ده بتاعنا أنا وإنتي وبس! وفجأة… انكسر الباب بصوت مدوّي! اندفع آدم كالعاصفة… عيناه مشتعلة، وصدره يعلو ويهبط بغضب مجنون. إبعد عنها يا ……… صوته كان كالطلقة. نظر زين نحوه، ضاحكًا ببرود: إنت مين؟! وعايز إيه, اطلع برة يابني. لكن آدم لم يرد… لكمة في وجهه، تبعتها أخرى في صدره، حتى ارتطم زين بالحائط، ووقع أرضًا.
هدى وقفت مذهولة، ودموعها تملأ وجهها، لا تصرخ… فقط تنظر. أمسك آدم بيدها برفق, خرج بها من الفيلا، دون أن تنظر خلفها، وهو يفتح باب عربته ويجلسها، ثم دار المحرك… وانطلقا في صمت. كان وجهها شاحبًا، ودموعها تسيل بصمت. قال وهو يقود، صوته منخفض لكن ثابت: –سمعتك بتتكلمي عن الحفلة من شوية, مرتاحتش للموضوع, قولت أمشي وراكي! نظرت إليه، وعيناها تهتزّان: –أنا مكنتش أعرف… أنا كنت فاكرة…. هو قالي إن فيه حفلة.
ردّ دون أن ينظر لها، لكن نبرته كانت تنزف قهرًا: –ربنا لطف. أما هي فأغلقت عينيها، وأسندت رأسها على الزجاج، بينما المطر، الذي أخيرًا بدأ يسقط، غطّى النافذة بصوت خفيف… يشبه بكاء قلبها. بعد دقائق كانت قد وصلت للفيلا, عندما كفكفت دموعها بيدها, وهي تفتح الباب, دون أن تجد كلامًا تقوله, لكنه قطع الصمت قائلًا: –العربية هجبهالك هنا, ونقفل الموضوع ده تمامًا.
انعقد لسانها عن الرد لكنها أومأت برأسها, وانصرفت مسرعة تخجل من النظر في عينيه أكثر من ذلك. لكنه لم ينطلق إلا بعد أن اطمأن على دخولها, ثم ضغط على البنزين بقوة يفرغ بها غضبه! عادت هدى إلى غرفتها، تجرّ قدميها جرًّا كأنما كل خطوة تُثقلها الذكرى، وتُلسعها مرارة اللوم. أغلقت الباب خلفها بهدوء، لكن قلبها كان يصرخ… أنفاسها متقطعة، ويدها المرتعشة تمسح دموعًا لا تنقطع!
جلست على طرف السرير، تنظر إلى نفسها في المرآة، وكأنها ترى غريبة لا تشبهها. همست بصوت مخنوق: –زين؟ ليه؟ ليه يعمل فيا كده؟ ده أنا حبيته؟ كانت تشعر باهتزازٍ داخلي لا يشبه غضبًا، ولا يشبه خوفًا… بل هو أقرب إلى انكسارٍ صغير في قلبٍ ظنّته منيعًا. وضعت يدها على صدرها، همست: –إزاي خدعك بسهولة؟ طلع بيمثل عشان ياخد اللي عايزه زي المسلسلات!
ابتسمت ابتسامة لا فرح فيها، ونهضت تغسل وجهها لتمحو معه أثر تلك الذكرى, ثم تذكرته, هذا الملاك الذي أنقذها من كارثة أوشكت أن تُدمرحياتها. كيف كان قريبًا لهذا الحد دون أن تراه, هل يجب أن تشكره الآن؟ أم أنها سقطت من عينه بعد ماحدث؟ خسرتِ كل شيء يا هدى! جلست على طرف السرير، تحدق في الهاتف… ثم وضعته جانبًا دون أن تتصل في الناحية الأخرى، كانت أنوار الشوارع تنعكس على الزجاج الأمامي لسيارة آدم، وهو يقودها بلا اتجاه.
ضرب المقود بيده، وقال بصوتٍ خافت: –غبية يا هدى! هزّ رأسه بقوة، كأنه يحاول طرد فكرة مزعجة، ثم أطلق زفيرًا عميقًا وقال: –هي أصلَا مش شايفاك حتى لو كنت شهم معاها, بلاش تتعلق بحبل دايب! أطلق ضحكة قصيرة، بلا طرافة، وقال: –أظن آن الآوان إني أخد القرار اللي كنت خايف منه. ضغط على دواسة البنزين فجأة، وانطلقت السيارة بعنف!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!