تحميل رواية قمر الهواري بقلم نور محمد pdf
بقلم نور محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
مرت الأيام والأسابيع على ليلة القبض على صفية وطارق. دوار الهوارية رجعله هدوءه، بس هدوء من نوع مختلف.. هدوء مليان بترقب ومشاعر بتغلي تحت السطح. جرح فارس خف وبقى مجرد ندبة بتفكره كل يوم باللي كان هيخسره. طول الفترة دي، فارس كان بيعامل قمر كأنها ملكة متوجة على عرش الدوار. كان بينفذ كل طلباتها قبل ما تنطقها، عيونه كانت بتراقبها في صمت، نظراته كلها عشق وندم، بس كان محترم مساحتها اللي طلبتها. قمر كانت بتدير شؤون البيت بذكاء ورزانة خلت الجد رضوان يعتمد عليها في حاجات كتير، حتى في حسابات الأراضي، وبقت ه...
رواية قمر الهواري الفصل الأول 1 - بقلم نور محمد
مرت الأيام والأسابيع على ليلة القبض على صفية وطارق. دوار الهوارية رجعله هدوءه، بس هدوء من نوع مختلف.. هدوء مليان بترقب ومشاعر بتغلي تحت السطح.
جرح فارس خف وبقى مجرد ندبة بتفكره كل يوم باللي كان هيخسره. طول الفترة دي، فارس كان بيعامل قمر كأنها ملكة متوجة على عرش الدوار.
كان بينفذ كل طلباتها قبل ما تنطقها، عيونه كانت بتراقبها في صمت، نظراته كلها عشق وندم، بس كان محترم مساحتها اللي طلبتها.
قمر كانت بتدير شؤون البيت بذكاء ورزانة خلت الجد رضوان يعتمد عليها في حاجات كتير، حتى في حسابات الأراضي، وبقت هي الكل في الكل.
ورغم إنهم لسه بيناموا في نفس الجناح، إلا إن المسافة بينهم كانت لسه موجودة. قمر كانت خايفة تسلم قلبها تاني يتجرح، وفارس كان حالف ما يلمس شعرة منها إلا لما تكون هي اللي راضية وطالبة قربه.
في يوم من الأيام، قبل الغروب...
فارس خبط على باب الجناح ودخل. قمر كانت قاعدة على التسريحة بتسرح شعرها الكستنائي الطويل.
أول ما شافته، ارتبكت وحاولت تلم شعرها، بس هو قرب منها بهدوء، مسك إيدها ونزلها براحة، وقال بصوت دافي:
"سيبي شعرك يا قمر.. بيعاند النور وبيخليني أنسى أنا كنت داخل أقول إيه."
قمر وشها أحمر، وبصتله في المراية: "كنت جاي تقول إيه يا فارس؟"
فارس اتنهد وابتسم: "جدي عامل عزومة كبيرة الليلة لكبارات البلد عشان يحتفل برجوع حقه وبراءة ذمتك قدام الكل. وعايزك تلبسي أحلى حاجة عندك.. عايز كل العيون تشوف 'ست الدوار' الحقيقية. السواق مستنيكي تحت، هيوديكي البيوتي سنتر في البندر تجهزي، وهستناكي هناك."
قمر استغربت الاهتمام الزايد، بس هزت راسها بموافقة.
بعد ساعتين، على شط النيل...
قمر نزلت من العربية، كانت متوقعة تلاقي قاعة أفراح أو مكان مليان ناس من كبارات البلد زي ما فارس قال. بس المكان كان هادي تماماً!
شط النيل كان متزين بمئات الشموع والورد الأحمر المفرود على الأرض، وفي النص ترابيزة صغيرة عليها عشا فاخر، ومفيش أي حد في المكان غيره.. فارس.
كان لابس بدلة سودا شيك جداً، ملامحه اللي كانت دايماً قاسية ومغرورة، كانت دلوقتي بتشع نور ولهفة. قرب منها بخطوات بطيئة، وعيونه بتتفحصها بانبهار حقيقي.
قمر كانت لابسة فستان بلون الزمرد الأخضر بيبرز لون عيونها، وشعرها مفرود بحرية، ومن غير نقاب.. كانت آية من الجمال.
"إيه ده يا فارس؟ فين جدي؟ وفين العزومة؟" سألت قمر باستغراب وهي بتبص حواليها.
فارس وقف قدامها، مسك إيديها الاتنين وباسهم برقة، وقال بصوته الرجولي اللي بيدوب الحجر:
"مفيش عزومة يا قمر.. مفيش غيري أنا وإنتي والنيل اللي كان شاهد على غبائي يوم ليلة دخلتنا. اليوم اللي سيبتك فيه ونزلت هنا، وأنا بضحك على نفسي وبكابر إني مش هضعف قدام ست."
قمر افتكرت الليلة دي، عيونها دمعت وبصت في الأرض.
فارس رفع دقنها بصباعه عشان تبصله، وكمل كلامه، بس المرة دي نزل على ركبة واحدة قدامها!
قمر شهقت وحطت إيدها على بوقها من الصدمة: "فارس! إنت بتعمل إيه؟ قوم!"
فارس طلع من جيب البدلة علبة قطيفة صغيرة، فتحها، وكان فيها خاتم ألماسة بيخطف العين، وقال بصوت فيه كل الصدق والرجاء:
"يوم ما لبستك دبلتي أول مرة، لبستهالك بغرور وعمى قلب. كنت غبي، حكمت عليكي بكلام الناس وبمظاهر كدابة. بس إنتي عاقبتيني صح.. كبرياءك كسرني، وعقلك أبهرني، وحنيتك وقت ما كنت مصاب خلتني أتأكد إني من غيرك ولا حاجة."
الدموع نزلت من عيون قمر، بس المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع فرحة كانت مستنياها من سنين.
فارس كمل وهو بيبص في عينيها:
"أنا فارس الهواري، اللي عمره ما انحنى لمخلوق، راكع قدامك وبطلب منك تبدأي معايا صفحة جديدة. تقبلي تتجوزيني يا قمر؟ جواز حقيقي، مش على الورق، جواز يتكتب بدمي قبل حبري.. تقبلي تكوني نور عيني وست قلبي ودوار الهوارية؟"
قمر مكنتش قادرة تتكلم من العياط. كل الجليد اللي كان على قلبها داب، كل الوجع اتبخر مع كل كلمة قالها.
نزلت على ركبها قدامه في الأرض، ومسكت وشه بين إيديها الاتنين، وقالت وسط دموعها وابتسامتها:
"أنا بحبك من وإحنا عيال بنجري في الجنينة يا فارس.. عمري ما كرهتك حتى وإنت بتجرحني. كنت بستنى اللحظة دي من يوم ما وعيت على الدنيا. موافقة.. موافقة أكون ليك طول العمر."
فارس ضحك ضحكة طالعة من أعماق قلبه، لبسها الخاتم في إيدها، وقام وقف وشدها لحضنه. شالها ولف بيها وسط الشموع والنيل، وضحكاتهم ملت المكان وعوضتهم عن كل دمعة نزلوها.
بعد مرور عام كامل...
الدوار كله كان متزين بالأنوار، طبل ومزمار بلدي في كل مكان. العمدة "رضوان الهواري" كان قاعد على كرسيه الكبير بيضحك ويهزر مع الرجالة، وبيوزع الشربات واللحمة على أهل البلد كلهم.
فوق في جناح العرسان، فارس كان واقف شايل بين إيديه طفل صغير لسه مولود، بيبصله بحنية الدنيا كلها.
قمر كانت نايمة على السرير، وشها مرهق بس منور بابتسامة رضا.
فارس قرب منها، باس راسها ونام جنبها، وهو بيهمس للطفل:
"نورت الدنيا يا 'رضوان' الصغير.. هتكبر وتبقى سيد الرجالة، بس إياك تطلع غبي ومغرور زي أبوك زمان.. خليك واعي زي أمك، ست البنات اللي علمتني إن الجمال الحقيقي في الروح والعقل، وإن النقاب اللي كانت لابساه مكنش بيخفي عيب.. ده كان بيحرس كنز الهوارية."
قمر سندت راسها على كتفه بحب، وابتسمت وهي بتبص لعيلتها الصغيرة، وقالت بهمس:
"أنا يا إنت يا ليل الزيان.. فاكر الكلمة دي؟"
فارس ضحك وضمها أكتر: "فاكر.. بس دلوقتي مفيش يا أنا يا إنتي.. دلوقتي بقينا 'إحنا'، ولآخر العمر."
تمت
رواية قمر الهواري الفصل الثاني 2 - بقلم نور محمد
مد إيده المرتعشة ببطء،رفع النقاب الأسود من على وشها،وكأنه خايف يشوف أبشع حاجة في الدنيا... وفجأة، إيده وقفت في الهوا، وعينيه وسعت بذهول وصدمة ألجمت لسانه. رجع خطوتين لورا وهو بياخد نفسه بصعوبة، وقال بصوت مهزوز مكسور فيه كل غروره:
"إنتي... إنتي إزاي كده؟"
قمر رفعت راسها بكبرياء وثقة، عيونها الخضرا الصافية اللي بتلمع زي الغابات بصتله بتحدي وثبات:
"اللي هو إزاي يا ابن عمي؟ قصدك قمر بنت عمك اللي اتغصبت على جوازها؟ ولا قمر 'المعيوبة' اللي بتداري وشها في نقاب عشان خايفة الناس تشوف قُبحها... زي ما قولت لصحابك وسمعتك ووداني؟"
قرب منها فارس كأنه مسحور، نسي كل غضبه، نسي رفضه للجوازة دي، عيونه كانت بتتفحص ملامحها؛ بشرتها البيضا الصافية، حبات النمش الرقيقة اللي مزينة أنفها، وشعرها الكستنائي اللي نازل كأنه شلال على كتافها. قال بصوت ضايع:
"إنتي إزاي بالجمال ده يا قمر؟ أنا... أنا مكنتش أعرف إنك..."
قاطعته بابتسامة سخرية باردة طعنته في رجولته:
"للأسف يا فارس بيه، إنت حكمت بالمظاهر وبكلام الناس. وعموماً متقلقش، كلامك اللي قولته قبل ما ترفع النقاب هو اللي هيمشي.. إنت جوزي على الورق وبس، زي ما إنت طلبت."
شاورت على باب الجناح بثبات وقالت: "تقدر تتفضل، أنا مش هفرض نفسي عليك، ولا هجبرك تبات في أوضة واحدة معايا."
الدم غلى في عروق فارس. إزاي حتة عيلة ترفضه وتطرده من أوضته في ليلة دخلته؟ غروره منعه يعتذر، خبط إيده في الدولاب بغضب أعمى، سحب مفاتيح عربيته، ورزع الباب وراه ونزل زي الإعصار.
أول ما الباب اتقفل، قناع القوة اللي قمر كانت لابساه وقع. سندت على التسريحة وبصت لانعكاسها في المراية، دموعها نزلت شلال على خدها. نزلت على الأرض وانهارت في العياط، وقالت بصوت مخنوق:
"بحبك... بحبك يا غبي من وإحنا أطفال! بس كل كلمة قاسية منك كانت بتدبحني. عشقي ليك بيكبر مع كل وجع وكل إهانة بتسببهالي."
مسحت دموعها بعنف ووقفت تاني، بصت في المراية بعيون بتطق شرار وقالت بتصميم: "بس مبقاش ينفع أكون ضعيفة.. يا أنا يا إنت يا فارس الهواري." أخدت هدومها ودخلت الحمام.
بره الدوار، فارس كان سايق عربيته بأقصى سرعة لحد ما وصل عند شط النيل. نزل ووقف قدام المية وهو بينهج، بيحاول يمسح صورتها من خياله اللي سيطرت عليه في ثواني:
"فاكرة نفسها مين؟ دي حتة عيلة! أنا فارس الهواري اللي بنات المركز كله بيتمنوا نظرة منه، تيجي هي ترفضني؟ ده أنا بكرة الصبح عادي خالص أتجوز عليها ست ستاتها وأجيبها ضرة تكسر مناخيرها دي!"
بس فجأة، صورتها وهي باصة بتحدي وعيونها بتلمع جت قدامه. غمض عينه وابتسم بسخرية من نفسه: "تؤ... مش أنا اللي أضعف قدام واحدة ست يا قمر... راجعلك، وهعرفك مين هو فارس."
في نفس الوقت جوه الدوار، كان قاعد "رضوان الهواري"، كبير العيلة اللي كلمته سيف على رقبة الكل. خبط بعكازه على الأرض بقوة وقال:
"يا صفية! جهزي الوكل وطلعيه لعروستنا فوق، زمانهم جاعوا."
صفية (مرات عم فارس) لوت بوزها بغل وقالت:
"وليه التعب ده يا حمايا؟ ما تنزل تاكل معانا زيها زينا! هي فاكرة نفسها أميرة؟ دي حتة بت متغطية ومحدش عارف شكلها إيه، تلاقيها ما تتشافش عشان كده خافيها وتدبست في الغلبان فارس!"
رضوان وقف والشرر بيطير من عينه، رفع عكازه وقال بصوت رعد الدوار كله:
"كلمتي تتنفذ من سكات! البت دي بقت حرم فارس الهواري، يعني ست الدوار. غوري هاتي الوكل واطلعي فوق، إنتي فاهمة ولا مش فاهمة؟!"
خافت صفية وأخدت صينية الأكل وهي بتبرطم وبتدعي بكرُه شديد لقمر. طلعت الجناح في نفس اللحظة اللي فارس كان راجع فيها من بره، طالع السلالم بخطوات سريعة وكأنه مستعجل يثبت لنفسه حاجة.
صفية فتحت باب الجناح ودخلت بصينية الأكل، وفارس دخل وراها... بس الاتنين اتسمروا مكانهم. قمر كانت طالعة من الحمام، لابسة قميص حرير لونه أبيض هادي جداً عليها، شعرها مبلول ونازل على كتافها، وريحة عطرها مالية المكان. كانت فتنة تمشي على الأرض.
الصينية وقعت من إيد صفية بصوت عالي، الأطباق اتكسرت، وشهقت بذهول وهي بتبصلها:
"إنتي... إنتي قمر اللي كانت لابسة النقاب الأسود تحت؟"
فارس كان واقف ورا صفية، عيونه اتحولت للون الأسود الداكن من الصدمة والانبهار، وفي نفس الوقت الغيرة نهشت قلبه. غضب الدنيا اتجمع في عينه، إزاي حد يشوفها بالمنظر ده حتى لو كانت صفية؟ كان عاوز يشدها يخبيها جوه ضلوعه من عيون الناس.
قمر ثقتها في نفسها زادت، ابتسمت وقربت بخطوات هادية:
"أيوه يا مرات عمي، أنا قمر.. البنت 'البشعة' اللي قولتوا عليها معيوبة عشان بتلبس نقاب."
صفية جريت عليها كأنها منومة مغناطيسياً وقالت:
"حقك عليا يا بنتي... ده إنتي اللي كنتي بتداري حلاوتك دي عشان متتحسديش! ده انتي بدر منور."
قمر ردت بهدوء ورزانة:
"النقاب مش تخبية يا مرات عمي، النقاب ستر وحشمة، لا بيُنقص من جمالنا ولا بيخفيه، بالعكس... ده بيزيدنا نور على نور."
صفية ارتاحت جداً لكلام قمر، وبلعت ريقها بارتباك:
"أنا... أنا هنزل أجيب صينية تانية بدل اللي وقعت دي، ولينا كلام مع بعض."
قمر بابتسامة: "إن شاء الله."
خرجت صفية وقفلت الباب وراها. الجو بقى مشحون. فارس قفل الباب بالمفتاح ببطء، وعيونه متركزة عليها بنظرة خليت قلبها يدق بخوف. قرب منها خطوة.. خطوة، لحد ما حاصرها بينه وبين الحيطة. همس بصوت أجش قدام شفايفها:
"جواز على الورق؟ أنا غيرت رأيي يا قمر... مفيش ورق بيني وبينك."
قمر لسه هترد وتدفعه بعيد، فجأة... موبايل قمر اللي على السرير رن.
فارس لمح الاسم المكتوب على الشاشة (حبيبي)، ملامحه اتجمدت، وعروق رقبته برزت من الغضب الأعمى. سحب الموبايل قبل ما هي تلمسه وفتح السبيكر (مكبر الصوت) بدون ما يتكلم، وقمر وشها جاب ألوان من الرعب.
صوت راجل غريب، مليان ثقة ومكر، طلع من السماعة وقال:
"ألو.. عاش يا قمر، طمنيني.. المغفل شرب المقلب وصدق دور البريئة المكسورة؟ جدك رضوان هيمضيلك على نص أملاك الهوارية بكرة الصبح زي ما خططنا، المهم فارس ميكتشفش إنك إنتي اللي ورا حريق المخازن بتاعه... ألو؟ قمر إنتي معايا؟"
سقط الموبايل من إيد فارس، ورفع عيونه لقمر اللي كانت بترتعش زي الورقة في مهب الريح... نظرة العشق والانبهار اللي كانت في عينه من ثواني، اتحولت لنار هتحرق الأخضر واليابس!
(
رواية قمر الهواري الفصل الثالث 3 - بقلم نور محمد
الصمت اللي سيطر على الجناح كان مرعب، أتقل من صوت الرصاص في ليلة تار.
كلمات الراجل الغريب لسه بترن في المكان: "المغفل شرب المقلب؟ فارس ميكتشفش إنك ورا حريق المخازن!"
التليفون وقع من إيد فارس على السجاد، بس عيونه كانت متثبتة على قمر. نظرة الانبهار والعشق اللي كانت بتشع من عيونه من ثواني، اتحولت لسواد كاحل، نار بتحرق كل ذرة رحمة في قلبه. عروق رقبته برزت، ووشه احتقن بغضب أعمى.
الراجل على التليفون لسه بينادي: "ألو؟ قمر إنتي سامعاني؟"
فارس داس على التليفون برجله بكل قوته كسره ميت حتة، وقطع الصوت تماماً.
قمر كانت بترتعش، وشها اللي كان مورد من ثواني بقى أصفر زي الليمونة. حاولت تتكلم، صوتها طالع بالعافية ومخنوق:
"فارس... والله العظيم ما أعرف مين ده! التليفون ده أصلاً..."
قاطعها فارس بهجوم مباغت، مسك دراعها بقوة خليتها تتأوه، وشدها عليه لحد ما أنفاسه الغاضبة ضربت في وشها. همس بفحيح أفعى، صوت واطي بس يرعب أكتر من الزعيق:
"عاش يا قمر؟ المغفل شرب المقلب؟... مخازني اللي شقى عمري وتعب سنين راح فيها في ليلة واحدة، تطلعي إنتي اللي وراها؟ بنت عمي اللي عاملة فيها خضرة الشريفة، اللي متغطية بنقاب عشان تداري وساختها مش جمالها!"
الكلمة نزلت على قمر زي الكرباج. كبريائها اللي متعودة تتسند عليه اتكسر. نزلت دموعها وقالت بقهرة وتحدي وسط بكيها:
"اخرس! إنت إزاي تتجرأ ترميني بالباطل؟ أنا قمر الهواري، تربية عمك اللي عمره ما أكل قرش حرام. أنا معرفش التليفون ده إزاي اتبدل بتليفوني، ومين اللي مسمي نفسه 'حبيبي' ده!"
فارس ضحك بسخرية وجعته هو قبل ما توجعها:
"بتمثلي ببراعة! تصدقي إني لثانية واحدة صدقت نظرة البراءة اللي في عيونك الخضرا دي؟ لثانية واحدة كنت هنسى كرهي للجوازة دي وهرمي نفسي تحت رجليكي! بس طلعتي رخيصة... طمعانة في أملاك جدي، وبتحرقي مالي عشان تكسريني."
قمر زقته بكل قوتها وصرخت:
"لو أنا كده، طلقني! انزل لجدي دلوقتي وقوله إنك كشفتني وارميني بره الدوار! يلا يا فارس بيه، مستني إيه؟"
قبل ما فارس يرد، خبط شديد على الباب، وصوت "صفية" مرات عمه من بره:
"يا عرسان... جبتلكوا وكل غير اللي اندلق، افتح يا فارس يا ولدي."
فارس بص لقمر بنظرة كلها مكر وتوعد، شدها من وسطها بقوة ولزقها في صدره، حط إيده التانية على خصلات شعرها المبلول وكأنه بيحضنها، وهمس في ودنها:
"أطلقك؟ وأرحمك بالسهولة دي؟ تؤ.. إنتي دخلتي جحيم فارس الهواري برجلينك. قدام الناس إنتي مراتي وحبيبتي اللي بموت فيها، وفي الأوضة دي... هخليكي تتمني الموت وماتطوليهوش لحد ما أعرف مين الكلب اللي بيكلمك."
مسح دموعها بعنف وابتسم ببرود، وراح فتح الباب نص فتحة.
أخد الصينية من صفية وهو بيبتسم ابتسامة مصطنعة: "تسلم إيدك يا مرات عمي، تعبناكي معانا."
صفية حاولت تبص من وراه بخبث: "ولا تعب ولا حاجة، المهم العروسة كلت؟"
فارس قفل الباب في وشها بهدوء: "تصبحوا على خير يا مرات عمي."
قفل الباب بالمفتاح، ورماه في جيبه. بص لقمر اللي كانت ضامة نفسها بخوف على السرير.
"اليلة دي هتنامي على الكنبة.. ومش عايز أسمع صوت نَفَسِك." قالها فارس وهو بيقلب الصينية على الترابيزة وبياخد منها تفاحة بياكلها ببرود، وكأنه بيعاقبها بالجوع والخوف.
صباح اليوم التالي..
الشمس طلعت على دوار الهوارية. قمر مانامتس دقيقة، عيونها منفخة من العياط، وجسمها مكسر من نومة الكنبة. فارس كان صاحي قبلها، لابس جلبية صعيدي عباية بتزيد من هيبته، بيسرح شعره قدام المراية.
"اجهزي عشان ننزل.. إياك جدي يلمح حاجة في وشك، فاهمة؟" قالها من غير ما يبصلها.
قمر قامت بصمت، لبست درعها الواقي؛ عباية سودا راقية، وحطت نقابها اللي بيخفي وراها جبال من الحزن والكسرة.
نزلوا السلالم، فارس ماسك إيدها بقوة بتوجعها قدام الكل عشان يبانوا عرسان سعداء. الجد "رضوان" كان قاعد على رأس السفرة، وشه منور بابتسامة واسعة أول ما شافهم.
"يا صباح الرضا على عرسان الهوارية! اقعدي يا قمر يا بنتي جنبي هنا."
قعدوا، والسفرة كانت مليانة بخيرات ربنا. فجأة، الجد رضوان خبط بعكازه الأرض عشان يسكت الدوشة، وقال بصوت جهوري:
"اسمعوا يا ولاد.. أنا جمعتكم النهاردة عشان قرار خدته من زمان وجيه وقت تنفيذه. المحامي الأستاذ عادل جاي في الطريق. أنا هكتب نص أملاكي وأطياني، باسم قمر بنت الغالي، مهر ليها وتعويض عن يتمها!"
الكلمة نزلت كالصاعقة على الدوار كله. صفية شهقت وحطت إيدها على صدرها.
لكن الصدمة الحقيقية كانت من نصيب فارس وقمر. فارس بص لقمر بنظرة نارية، بصلها كأنه بيقولها: "الخطوة التانية من خطتك اتنفذت أهي.. كلام عشيقك طلع صح!"
قمر وشها بهت تحت النقاب، قلبها دق بعنف لأنها عرفت إن الموقف بيثبت التهمة عليها مليون في المية. صرخت من جواها: يا رب، إيه الفخ ده! وقبل ما حد ينطق بكلمة، البواب دخل وقال:
"جنابك يا عمدة، الأستاذ عادل المحامي وصل."
الجد رضوان: "دخله يا بني، خليه يدخل."
دخل الأستاذ عادل، راجل كبير في السن وبشوش، بس مكنش لوحده. كان معاه شاب في أواخر العشرينات، لابس بدلة شيك جداً، وابتسامته فيها ثقة مستفزة وغرور.
"السلام عليكم يا عمدة، جايبلك ورق التنازل جاهز على الإمضاء.. ومعايا 'طارق' ابن أخويا والمساعد بتاعي الجديد، لسه راجع من بره." قالها المحامي.
طارق قدم خطوة، ورفع عينه... جت عينه في عين فارس، وبعدين بص لقمر اللي قاعدة جمب فارس.
ابتسم طارق ابتسامة خبيثة جداً، وقال بصوت رنان، نفس الصوت، نفس النبرة الماكرة اللي سمعها فارس إمبارح على التليفون:
"ألف مبروك يا عريس... ومبروك يا عروسة، باين على وشك إنك 'مبسوطة' أوي."
فارس الدم هرب من وشه، قبض إيده لحد ما مفاصله ابيضت، وقام وقف فجأة وهو بيبص لطارق كأن وحش كاسر مستعد ينقض على فريسته. قمر حسّت إن الأرض بتنشق وتبلعها، الدوامة بتسحبها، وفارس دلوقتي متأكد إن عشيقها واقف قدامه في نص بيته!
رواية قمر الهواري الفصل الرابع 4 - بقلم نور محمد
وقف فارس مكانه كأنه جبل بركان على وشك الانفجار، صدره بيعلى ويهبط بعنف، وعيونه متثبتة على "طارق" بنظرة كفيلة تقتله في مكانه. صوابعه اتكورت لحد ما عروق إيده برزت وكادت تنفجر. قمر كانت قاعدة جنبه، حاسة بقلبها هيقف من الرعب؛ لو فارس نطق بكلمة واحدة، فضيحتها هتبقى بجلاجل في الدوار كله، وجدها رضوان ممكن يروح فيها.
الجد رضوان لاحظ وقفة فارس الغريبة، عقد حواجبه وسأل بصوته الجهوري:
"مالك يا فارس يا ولدي؟ وقفت كأن لدغتك عقربة ليه؟"
فارس بلع ريقه اللي طعمه زي الدم، أخد نفس عميق بيحاول يسيطر بيه على وحش الغيرة والشك اللي بياكل في صدره، ورسم ابتسامة باردة جداً، كلها وعيد، وقال وهو بيبص لطارق:
"مفيش يا جدي.. بس برحب بالضيف. نورت دوار الهوارية يا أستاذ.. طارق. خطوة عزيزة، وصدقني.. دخول الدوار مش زي خروجه."
طارق حافظ على ابتسامته المستفزة الماكرة، ورد بثقة:
"ده نورك يا فارس بيه. أنا بس جاي أخلص شغل... وأمشي."
المحامي عادل فتح الشنطة وطلع ورق التنازل وحطه قدام قمر، وقدم لها القلم:
"اتفضلي يا بنتي، امضي هنا وهنا، وتبقى نص أملاك الهوارية، من أراضي ومصانع، باسمك وتحت تصرفك."
الصمت خيم على السفرة. صفية كانت بتعض على شفايفها من الغل، عيونها بتطق شرار. طارق كان بيبص لقمر بنظرة خفية كأنه بيقولها: "يلا، نفذي الخطة." أما فارس، فنزل عينيه لقمر، نظرة كلها احتقار وتحدي، مستنيها تمضي عشان يثبت لنفسه وللكل إنها رخيصة وخاينة، وساعتها مش هيرحمها.
قمر مدت إيدها المرتعشة، مسكت القلم. حست إن القلم أتقل من جبل على صوابعها. رفعت عيونها من تحت النقاب، بصت لطارق اللي ابتسامته وسعت، وبصت لفارس اللي شفايفه اترفعت بسخرية مميتة.
في اللحظة دي، كبرياء قمر، وتربية عمها الغالي، وكرامتها اللي فارس داس عليها، كلهم ثاروا جواها.
سابت القلم من إيدها، ووقفت بشموخ فاجأ الكل، وصوتها طلع ثابت، قوي، بيرن في قاعة السفرة:
"أنا مش همضي يا جدي."
الكلمة نزلت زي حجر تقيل في بركة مية ساكنة. طارق ابتسامته اختفت تماماً وملامحه اتعوجت بصدمة. فارس عقد حواجبه بذهول، كأنه مش مصدق ودانه. أما الجد رضوان، فخبط بعكازه وقال باستغراب:
"بتقولي إيه يا بنتي؟ ده حقك، وده تعويضك، ومهرك من فارس!"
قمر لفت وبصت لجدها، وقالت بصوت مليان عزة نفس:
"عفواً يا جدي، أنا بنت الهوارية، وبنت الهوارية مابتاخدش تمن لجوازها. فارس ابن عمي، وهو سندي وضهري، وهو ثروتي الحقيقية. طول ما جوزي عايش وبخير، أنا مش محتاجة لا فدادين ولا مصانع. أنا كرامتي وحمايتي في ضل راجلي.. مش في ورق وعقود."
الكلام كان زي السحر. الجد رضوان عينيه دمعت من الفخر، وابتسم وقال: "أصيل يا بنت الغالي! أصيلة وبنت أصول."
صفية اتنفست الصعداء من غير ما حد يحس، بس طارق كان بيبص لقمر بنظرة غضب مكتوم، كأن خطته كلها انهارت.
فارس كان واقف متسمر. الكلمات زلزلت كيانه. إزاي ترفض الثروة دي كلها؟ مش دي الخطة؟ مش ده اللي الكلب اللي اسمه طارق قالهولها في التليفون؟ عقله كان في صراع مميت بين اللي سمعه بودنه، وبين الموقف النبيل اللي شافته عينه دلوقتي.
الجد رضوان أنهى الجلسة: "خلاص يا أستاذ عادل، شيل ورقك. طالما العروسة رافضة، الفلوس هتفضل باسمي لحد ما ربنا يرزقهم بولي العهد، وساعتها هكتبله كل حاجة. اتفضلوا نفطر."
بعد الفطار، طارق والمحامي مشيوا. فارس ماستناش ثانية واحدة، مسك إيد قمر بقوة وسحبها وراه على السلالم للجناح بتاعهم، وقفل الباب بالمفتاح ورماه على السرير.
قمر شالت النقاب، بتاخد نفسها بصعوبة من قبضة إيده، بس لقته بيهجم عليها، بيحاصرها في زاوية الأوضة، وعينيه بتلمع بنار جديدة:
"إيه اللعبة الجديدة دي يا قمر؟ رفضتي تمضي ليه؟ حاسين إن اللعبة اتكشفت فبتغيروا الخطة؟ ولا طمعانين في التركة كلها لما أجيبلك ولي العهد زي ما جدي قال؟"
قمر مابكتش المرة دي. رفعت راسها وبصت في عينيه الخضرا بتحدي غير مسبوق:
"إنت مريض يا فارس! مريض بالغرور والشك. أنا لو طمعانة كنت مضيت والفلوس بقت في حسابي، وساعتها أعلى ما في خيلك اركبه. أنا رفضت عشان أثبتلك إن التليفون اللي إنت كسرته ده ملعوب! أنا معرفش طارق ده ولا عمري شفته. في حد في الدوار ده بيكرهني وبيكرهك، وهو اللي رتب المكالمة دي وقت ما إنت كنت معايا، عشان يحرق قلبي ويخرب بيتنا!"
فارس ضحك باستهزاء: "والمفروض أصدق إنك بريئة، والصدف العجيبة دي كلها بتحصل لوحدها؟"
قمر ردت بقوة: "لو مش مصدقني، راقب طارق.. راقب عيلتك يا فارس. شوف مين اللي مستفيد من حريق مخازنك ومن طلاقي منك."
سابتله المكان ودخلت البلكونة بتاعت الجناح اللي بتطل على الجنينة الخلفية للدوار، تحاول تبرد نار قلبها.
في منتصف الليل...
السكون كان تام. فارس كان نايم على السرير بيتقلب، مش قادر يغمض عينه. قمر كانت قاعدة على الكنبة في الضلمة، باصة من الشباك بتفكير عميق.
فجأة، قمر لمحت حركة غريبة في الجنينة الخلفية تحت بين الشجر. ركزت عيونها في الضلمة... كان في ظل راجل واقف، وبعد ثواني، باب المطبخ الخلفي اتفتح براحة، وطلعت منه ست متلفتة حواليها ولابسة شال أسود.
قمر شهقت بصوت واطي لما نور القمر كشف ملامح الست... دي "صفية" مرات عم فارس!
والراجل اللي ظهر من بين الشجر وراح وقف معاها مكانش حد غريب... ده كان "طارق"!
قمر حطت إيدها على بوقها من الصدمة، لسه هتقوم من مكانها، حست بإيد قوية جداً بتكتم بوقها من ورا، ودراع تاني بيلف حوالين وسطها بيثبتها مكانها.
قلبها كان هيقف من الرعب، بس شمت ريحة عطره القوية، وعرفت إنه فارس.
فارس همس في ودنها بصوت واطي جداً، صوته كان بيرتعش من الصدمة والغضب الحقيقي المرة دي:
"هش... إياكي تطلعي صوت. خلينا نشوف مرات عمي المصون وعشيق الهانم متفقين على إيه بالظبط."
فارس كان واقف ورا قمر في الضلمة، بيراقب المشهد اللي تحت، واللي قلب كل موازين تفكيره، وفتح باب جديد لجحيم ملوش آخر!
رواية قمر الهواري الفصل الخامس 5 - بقلم نور محمد
أنفاس فارس الساخنة كانت بتضرب في رقبة قمر، وإيده اللي كاتمة بوقها بترتعش من هول المفاجأة. الاتنين واقفين في ضلمة البلكونة، عيونهم متشعلقة باللي بيحصل تحت في جنينة الدوار.
سكون الليل كان بيسمح لبعض الكلمات توصلهم زي طعنات الخناجر. صوت "صفية" كان مليان غل وتوتر وهي بتكلم "طارق":
"إنت غبي! إزاي تخلي البت ترفض تمضي؟ إحنا متفقين إنها تمضي عشان نتهمها بالسرقة والطمع، وفارس يطردها بفضيحة، وتخلى الساحة لابني ياخد الورث كله!"
طارق رد ببرود وهو بيولع سيجارة في العتمة:
"اهدي يا ست صفية. اللي حصل النهاردة مجرد تأخير. الأهم إن المقلب بتاع التليفون جاب نتيجة ممتازة. أنا شفت الشار في عين فارس النهاردة.. زمانه موريها الويل ومصدق إنها عشيقتي وإنها اللي حرقت المخازن. أيام بالكتير وهيرميها بره الدوار بفضيحة، وساعتها العمدة رضوان مش هيتحمل الصدمة ويموت فيها، والتركة كلها تبقى تحت أمرك، وناخد نصيبي اللي اتفقنا عليه."
صفية ضحكت بخبث: "عفارم عليك يا طارق. بس إياك فارس يشم خبر إن إنت اللي دبرت حريقة المخازن عشان تكسر ضهره، وإني أنا اللي حطيت التليفون في أوضتهم."
فوق في البلكونة...
الكلام وقع على فارس زي جردل ماية تلج في عز الشتا. إيده اللي كانت محاوطة قمر سابتها ببطء، ورجع خطوتين لورا كأن الأرض بتسحب من تحته. كل لحظة قسوة، كل كلمة إهانة، وكل نظرة شك رماها لقمر، رجعت تضرب في قلبه زي الرصاص.
قمر لفت ببطء وبصتله. في العتمة، قدرت تشوف الانكسار والانهيار في عيون الصقر اللي كان من ثواني بيتهمها بأبشع التهم.
فارس حط إيده على راسه، بياخد نفسه بصعوبة كأنه بيختنق. حاول يتكلم، صوته طلع مبحوح ومكسور:
"قمر... أنا... أنا..."
قمر رفعت إيدها ووقفته بإشارة حاسمة، عيونها كانت بتلمع بالدموع بس كبريائها كان أقوى:
"وفر كلامك يا فارس بيه. دلوقتي بس صدقت؟ لما سمعت بودانك؟ لو مكنتش شفتهم بعينك، كنت هتفضل شايفني الخاينة الرخيصة اللي طمعانة في فلوسكم. إنت دبحتي بسيف شكك، والكسرة اللي في قلبي منك دلوقتي ميت اعتذار مش هيداويها."
فارس حس بنار بتاكل في ضلوعه. غضبه من نفسه ومن صفية وطارق عماه. التفت فجأة ناحية الباب، وعينه بتطق شرار:
"ورحمة أبويا لكون نازل دافنهم الاتنين في مكانهم! هخليهم عبرة للي يفكر يمس شعرة من مراتي أو يقرب من مالي!"
لسه هيفتح الباب، قمر مسكت دراعه بقوة، وقفت قدامه بشراسة:
"إنت اتجننت؟ هتنزل تقتلهم وتضيع نفسك وتدخل السجن؟ وجدك رضوان اللي نايم تحت ده، تفتكر هيستحمل الفضيحة والدم في بيته؟"
فارس زعق بصوت مكتوم: "أومال أسيبهم؟ أسيب الكلب اللي حرق شقايا واللي رمى عليكي الباطل يمشي على رجليه؟"
قمر بصتله بثبات وذكاء بيلمع في عيونها الخضرا:
"لأ، مش هنسيبهم. بس الهوارية مابياخدوش حقهم بالغباء، بياخدوه بالدهاء. إحنا هنلعب معاهم نفس اللعبة، بس بقواعدنا إحنا. هنخليهم هما اللي يفضحوا نفسهم قدام جدي وكل البلد، من غير ما إيدنا تتوسخ بالدم."
فارس بص لقمر بانبهار حقيقي. البنت الرقيقة اللي كان فاكرها ضعيفة ومكسورة، طالعة بميت راجل، وبتفكر بحكمة أكتر منه في عز غضبه. مسك إيدها اللي كانت ماسكة دراعه، وباسها بعمق وندم حقيقي، وقال بصوت مليان رجاء:
"أنا مستاهلش ضفرك يا قمر... بس قسماً بالله، لردلك اعتبارك قدام الكل. سامحيني، وخليني أبقى سيفك في اللعبة دي. إيه خطتك؟"
قمر سحبت إيدها بهدوء، لسه الجرح جواها بينزف، بس قالت بجدية:
"الخطة إننا نخليهم يطمنوا. من بكرة الصبح، لازم يقتنعوا إننا بنكره بعض أكتر من الأول، وإنك خلاص على وشك تطلقني. لازم صفية وطارق يحسوا بالأمان عشان يغلطوا الغلطة الكبيرة."
فارس ابتسم ابتسامة ذئب مجروح لقى فريسته: "موافق.. هنمثل عليهم مسرحية ميتخيلوهاش."
في صباح اليوم التالي...
الدوار كله صحي على صوت تكسير وزعيق جاي من جناح العرسان.
فارس فتح باب الجناح ورزعه وراه، ونزل السلالم زي الإعصار، وقمر واقفة على باب الأوضة بتعيط ومنهارة (تمثيل متقن)، وبتصرخ:
"طلقني يا فارس! أنا مش هعيش معاك دقيقة واحدة بعد الإهانة دي!"
فارس رد بصوت رعد الدوار كله، وهو قاصد يُسمع صفية اللي كانت طالعة تجري من المطبخ على الصوت:
"طلاق مش هطلق! هخليكي كده زي البيت الوقف لحد ما تعترفي مين اللي كان بيكلمك وعلاقتك إيه بحريقة المخازن! جدي لو عرف، هيطردك بفضيحة!"
الجد رضوان خرج من أوضته مخضوض بيسند على عكازه: "في إيه يا فارس؟ إيه الزعيق ده من صباحية ربنا؟"
فارس بص لصفية اللي كانت بتكتم ابتسامة نصر خبيثة، ورجع بص لجده وقال بغضب مصطنع:
"مفيش يا جدي، خلاف بسيط وهحله بطريقتي. أنا رايح الأرض."
وسابهم ومشي بره الدوار، كأنه فعلاً وصل لقمة غضبه.
صفية جريت على قمر بخبث، حضنتها وهي بتمثل الحنية:
"يا عيني عليكي يا بنتي.. معلش، فارس عصبي. تعالي معايا أوضتي ارتاحي واحكيلي، هو عرف حاجة عن... التليفون؟"
قمر بصت لصفية من تحت النقاب، وعيونها بتسجل كل حركة، وقالت بدموع مزيفة:
"أنا ضعت يا مرات عمي، فارس هيفضحني."
صفية ابتسمت بانتصار، بس فجأة...
صرخة مرعبة رنت في الدوار، صرخة جاية من أوضة مكتب الجد رضوان!
قمر وصفية جريوا على المكتب، وكانت الصدمة... الجد رضوان واقع على الأرض، فاقد الوعي، والخزنة بتاعته اللي فيها كل عقود الأراضي والمصانع... مفتوحة ومسروقة!
رواية قمر الهواري الفصل السادس 6 - بقلم نور محمد
صرخة صفية المفتعلة رنت في جدران الدوار، زلزلت سكون الصبحية. قمر جريت بأقصى سرعتها على مكتب الجد، عبايتها بتطير وراها، ونسيت كل التمثيل والخطط لما شافت "رضوان الهواري"، جبل العيلة وعمودها، واقع على الأرض جنب مكتبه ووشه شاحب زي الموتى.
نزلت قمر على ركبها جنبه، حطت راسه على حجرها وهي بتبكي بوجع حقيقي:
"جدي! جدي رضوان رد عليا! حد يطلب الحكيم بسرعة!"
صفية كانت واقفة بتمثل اللطم والعياط، بس عيونها كانت بتلعب بخبث ناحية الخزنة الحديدية الكبيرة اللي بابها مفتوح على آخره، وفاضية تماماً من كل عقود الأراضي والمصانع. صرخت صفية بصوت عالي متعمد عشان الخدم يسمعوا:
"يا مراري الطافح! الخزنة اتنهبت! شقا الهوارية اتسرق يا ناس، وعمي العمدة مات من الحسرة!"
قمر رفعت راسها وعيونها بتطق شرار، صرخت في الخدم اللي اتجمعوا على الباب:
"محدش يقف يتفرج! اتصلوا بالدكتور فوراً، وكلموا فارس بيه يرجع حالاً!"
في أقل من ربع ساعة، كان فارس داخل الدوار زي العاصفة، وشه متشنج وعيونه بتدور على جده. أول ما شافه نايم على السرير والدكتور بيفحصه، قلبه اتقبض.
الدكتور خلص فحصه، وبص لفارس بأسف: "الضغط وطي جداً بشكل مفاجئ، كأنه أخد صدمة عصبية قوية.. أو..." سكت الدكتور وبص حواليه بشك.
فارس مسكه من ياقته بخوف: "أو إيه يا دكتور؟ انطق!"
الدكتور بلع ريقه: "أو اتعرض لنسبة من مادة مهدئة قوية جداً في مشروب مثلاً، خلته يفقد الوعي وتوقف عضلة القلب مؤقتاً. أنا إديته حقنة منشطة، بس لازم يفضل تحت الملاحظة، لو مافاقش للصبح لازم يتنقل المستشفى."
فارس حس بالدنيا بتلف بيه، بس قبل ما ينطق، صفية بدأت فصل جديد من مسرحيتها. رمت نفسها تحت رجلين فارس وصرخت:
"إلحقنا يا ولدي! الخزنة اتسرقت! شقاك وشقا أبوك وجدك راح! ومفيش حد غريب دخل الدوار من الصبح."
لفت صفية وبصت لقمر اللي واقفة في زاوية الأوضة، ورفعت صباعها في وشها باتهام مباشر:
"مفيش غيرها! مراتك اللي كانت بتصرخ الصبح وبتقولك طلقني وأنا ماشية! أكيد كانت بتلهينا عشان تسرق الخزنة وتهرب، ولما عمي رضوان كشفها، زقته ووقعته!"
الخدم كلهم شهقوا. قمر بصت لصفية بذهول من كمية الشر اللي جوه الست دي.
فارس بص لقمر، عيونه اسودت، ووشه اتحول لكتلة من الغضب المتجسد. قرب منها بخطوات بطيئة ومرعبة. قمر رجعت لورا خطوة، قلبها دق بخوف حقيقي لأن نظرة فارس مكنتش بتمثل.
مسكها فارس من دراعها بقوة وعصرها لحد ما تأوهت، وزعق بصوت هز أركان الدوار:
"إنتي اللي عملتيها يا قمر؟ سرقتي جدي عشان تنتقمي مني؟ وصل بيكي الفجر إنك تمدي إيدك على راجل عجوز عشان شوية ورق؟"
قمر بصت في عينيه، شافت فيها رسالة خفية وسط الغضب، فهمت إنه بيكمل المسرحية ببراعة. مثلت الانهيار والضعف وقالت وهي بتبكي:
"والله ما حصل يا فارس! إنت عارف إني مستحيل أعمل كده! حرام عليك تظلمني تاني!"
فارس زقها بقسوة ناحية الباب وصرخ في الغفرا:
"خدوها ارموها في المخزن اللي تحت الأرض! واقفلوا عليها بقفل حديد. قسماً بالله لو جدي حصله حاجة، لكون دافنها حية! ومحدش يبلغ البوليس لحد ما أتصرف معاها بيدي."
صفية ابتسمت ابتسامة نصر خفية، خطتها نجحت بامتياز. العمدة بيموت، قمر اتلبست التهمة وهتتطرد بفضيحة، والورق زمانه في إيد طارق!
في منتصف الليل...
الدوار هادي تماماً. الكل نايم في رعب.
في المخزن الضلمة تحت الأرض، قمر كانت قاعدة على كرتونة قديمة، ضامة رجليها لصدرها. فجأة، سمعت صوت مفتاح بيلف في القفل. الباب اتفتح براحة، ودخل ظل راجل وقفل الباب وراه بسرعة.
نور كشاف الموبايل نور المكان، وكان فارس. ملامحه القاسية اختفت تماماً، واتحولت لنظرة كلها أسف وحنان. نزل على ركبه قدامها، مسك إيديها الاتنين وباسهم بعمق:
"حقك عليا.. حقك عليا في كل شدة وكل كلمة قولتها قدامهم. بس كان لازم أعمل كده عشان الحية تآمن."
قمر ابتسمت بتعب ومسحت على شعره:
"عارفة يا فارس.. إنت مثلت أحسن من ممثلين السيما. بس قولي، جدك عامل إيه؟"
فارس اتنهد بارتياح: "جدي فاق من شوية. الدكتور كان صح، الدوا اللي بياخده اتبدل بمنوم قوي. جدي قالي إنه شاف صفية وهي بتديله العصير، وبعدها الدنيا لفت بيه، ومحسش بحاجة غير وهي بتفتح الخزنة وبتسحب الورق."
قمر شهقت: "يعني الورق معاها؟ دي ممكن تبيعه لطارق أو تنقله باسمها!"
فارس ضحك ضحكة خبيثة جداً، ضحكة ذئب الهوارية لما ينصب فخ، وطلع من جيب جلايته لفة ورق مربوطة بشريطة حمرا:
"تبيع إيه بس يا قمر؟ جدي رضوان مش عبيط. جدي من يوم حريقة المخازن وهو حاسس إن في خاين في البيت. الورق اللي في الخزنة ده كله صور ضوئية مضروبة متسواش تلاتة تعريفة. الورق الأصلي جدي كان مخبيه تحت بلاطة في أرضية أوضته، ولسه مسلمهولي من ساعة!"
قمر ضحكت من قلبها لأول مرة من يوم ما دخلت الدوار: "يا ولاد اللذين! يعني صفية وطارق دلوقتي معاهم ورق مايتبلش ويتشرب ميته!"
فارس قام وقف ومد إيده لقمر يوقفها: "بالظبط كده. بس اللعبة لسه ماخلصتش. صفية طول ما جدي عايش، هتبقى خايفة إنه يفضحها لما يفوق، خصوصاً إنها متعرفش إنه فاق وكلمني."
قمر عينيها وسعت برعب: "قصدك إنها ممكن تحاول..."
فارس قاطعها بجمود: "تقتله. وعلشان كده، إحنا مش هنستنى للصبح. إحنا هنطلع أوضة جدي دلوقتي، وهنشوف الحية وهي بتلف حبل المشنقة حوالين رقبتها بنفسها."
في نفس اللحظة، في جناح الجد رضوان...
الباب اتفتح ببطء شديد بدون أي صوت. دخلت صفية، لابسة إسدال أسود، وماشية على طراطيف صوابعها. بصت على الجد رضوان اللي نايم على السرير مبيتحركش.
طلعت من جيبها سرنجة مليانة سائل شفاف، وقربت من المحلول اللي متعلق في إيده.
همست صفية بفحيح وغل السنين:
"عشت كتير يا عمي، وجه الوقت اللي أريحك وتريحني. فلوسك هترجع لحفني ابني، والبت قمر هتشيل الليلة."
رفعت السرنجة، ولسه هتحط السن في أنبوبة المحلول...
فجأة، الأباجورة اللي جنب السرير نورت، وإيد حديد مسكت معصمها بقوة كسرت عضمها!
صفية صرخت صرخة مكتومة، ولفت وشها برعب... عشان تلاقي فارس واقف قدامها، وعيونه بتطلع نار، ووراه قمر شايلة النقاب وبتبصلها باحتقار، وفي إيدها موبايل بيصور كل حاجة صوت وصورة.
وقبل ما صفية تنطق بحرف، صوت قوي وجهوري طلع من على السرير:
"بتحطيلي إيه في المحلول يا مرات الغالي؟"
الجد رضوان قعد على السرير بكامل صحته، وبيبصلها بنظرة فيها حكم الإعدام!
رواية قمر الهواري الفصل السابع 7 - بقلم نور محمد
السرنجة وقعت من إيد صفية على الأرض بصوت مكتوم، بس في ودانها كان أضعاف صوت الرعد. عينيها جحظت برعب وهي بتبص للجد رضوان اللي قاعد على السرير بكامل هيبته، مفيش فيه ذرة تعب، وعينيه بتطق شرار يحرق الأخضر واليابس.
فارس لوى دراع صفية ورا ضهرها بحركة سريعة خليتها تصرخ وتتلوى من الألم، وزعق بصوت خلاها ترتعش من ساسها لراسها:
"بتسمي جدي يا صفية؟ بتمدي إيدك على الراجل اللي لحم كتافك وكتاف ابنك من خيره؟ ده إنتي شيطانة مريضة!"
قمر قربت منها بخطوات هادية، رفعت الموبايل في وشها وقالت ببرود وثقة:
"كل حاجة متسجلة صوت وصورة يا مرات عمي. دخولك، كلامك المسموم، ومحاولتك لقتل جدي. الفيديو ده كفيل يرميكي في السجن بتهمة الشروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد.. وحبل المشنقة هيلف على رقبتك بجد المرة دي."
صفية انهارت، ركبها سابت ووقعت على الأرض تحت رجلين الجد رضوان وهي بتبكي وتولول، بس المرة دي بكي حقيقي من الرعب:
"سامحني يا عمي! شيطان وعماني! طمعت في القرشين عشان أأمن مستقبل حفني ابني.. والله العظيم ما كنت هقتلك، ده كان منوم تقيل بس عشان أقدر أهرب بالورق قبل ما تفوق!"
الجد رضوان خبط عكازه في الأرض بقوة خلت صفية تتنفض، وقال بصوت مليان قرف وكسرة:
"اخرسي! إياكي تجيبي سيرة حفني، ابني اللي مات وسابك أمانة في رقبتي، لو كان عايش وشاف وساختك دي كان غسل عاره بيده. أنا أمنتك على بيتي وعرضي، وإنتي طعنتيني في ضهري، ورميتي الباطل على بنت أخويا، وكنتي ناوية تخربي بيت فارس!"
فارس نزل لمستواها، مسكها من فكها بقسوة وبصلها بعيون الصقر:
"فين الورق اللي سرقتيه من الخزنة؟ وفين الكلب اللي اسمه طارق؟ انطقي بدل ما أدفنك هنا ومحدش هيسمعلك صوت!"
صفية بلعت ريقها بخوف، وهي بتترعش زي الورقة:
"الورق.. الورق خبيته في أوضتي.. وطارق.. طارق مستنيني أكلمه عشان ييجي ياخد الورق، وهيسافر بيه مصر الصبح عشان يسجله ومحدش يقدر يطوله!"
قمر بصت لفارس بابتسامة انتصار خفية، وفارس ردلها النظرة بفخر. ساب فارس صفية ووقف، وقال بصوت حاسم:
"هتقومي دلوقتي، تطلعي تليفونك، وتكلمي طارق. هتقوليله إن جدي مات.. وإن الدوار كله مقلوب، ولازم ييجي حالاً من الباب الخلفي ياخد الورق ويهرب بيه قبل ما البوليس ييجي والورق يتختم عليه. فاهمة ولا أعيد كلامي بطريقة تانية؟"
صفية هزت راسها برعب ومسحت دموعها: "حاضر.. حاضر يا فارس، هعمل كل اللي تقول عليه، بس والنبي متودينيش في داهية!"
بعد نصف ساعة.. في جنينة الدوار الخلفية..
الليل كان كاحل، والسكون مريب. الباب الخلفي الصغير للجنينة اتفتح ببطء شديد. دخل "طارق"، لابس جاكيت أسود ومغطي راسه، وعينيه بتلف في المكان بخبث وحذر.
مشى بخطوات سريعة ناحية باب المطبخ زي ما صفية وصفتهوله في التليفون. كان بيبتسم بانتصار، حاسس إن الدنيا دانت ليه؛ العمدة مات، الثروة هتبقى في إيده، وفارس اللي كان متكبر عليه هيتفضح وهيخسر كل حاجة.
فتح باب المطبخ ودخل صالة الدوار الضلمة. مفيش أي صوت، كأن البيت مهجور.
"صفية.. إنتي فين؟" همس طارق بصوت واطي.
فجأة، وبدون أي إنذار.. أنوار الدوار كلها نورت في لحظة واحدة! نور قوي كشف كل زاوية في المكان.
طارق حط إيده على عينه من شدة النور، ولما فتحها.. اتسمر مكانه والدم نشف في عروقه.
فارس الهواري كان واقف قدامه على أول السلم، لابس عبايته وماسك عصاية خيزران غليظة، وعيونه بتطلع شرر. وعلى يمينه قمر، واقفة بشموخ وكبرياء، وعلى شماله.. الصدمة الكبرى.. الجد رضوان قاعد على كرسيه، حي يرزق وبكامل هيبته!
ورا طارق، ظهر اتنين من أضخم غفرا الدوار، قفلوا الباب وبقوا سد منيع يمنع أي محاولة للهرب. وفي الزاوية، كانت صفية قاعدة على الأرض، مربوطة ومترامية زي الكلب الجربان.
طارق بلع ريقه بصعوبة، حاول يرسم ابتسامة غبية على وشه المبهوت، وقال بصوت بيترعش:
"فارس بيه.. أنا.. أنا كنت معدي وسمعت إن العمدة تعبان، قولت أجي أطمن.."
فارس نزل السلالم خطوة خطوة، وكل خطوة كانت بترن في قلب طارق زي دقات الموت.
"تطمن؟" فارس ضحك بسخرية مرعبة. "يا راجل كبر مخك! إنت جاي تاخد الورق اللي سرقته مرات عمي، وجاي تحتفل بحريقة مخازني اللي دبرتها عشان تكسرني، وجاي تباركلي على التليفون اللي حطيته في أوضتي عشان تلبس مراتي تهمة الخيانة!"
طارق رجع لورا خطوة، ملامحه اتغيرت من الخوف للمكر، وحس إن اللعبة انتهت، فقرر يلعب بآخر كارت معاه.
"أثبت يا فارس! معاك دليل على حرف واحد من اللي بتقوله؟ صفية دي كدابة، أنا محامي محترم، ولو لمستني هوديك في ستين داهية!"
قمر ضحكت باستهزاء، ونزلت كام درجة من السلم، وقالت بصوت قوي:
"محامي محترم؟ المحامي المحترم ما بيتفقش مع ست خاينة على قتل راجل عجوز! المحامي المحترم مابيسجلش مكالماته مع شركائه عشان يبتزهم بيها بعدين!"
قمر رفعت تليفون صفية وشغلت تسجيل صوتي.. كان صوت طارق وهو بيتفق مع صفية على خطة حريق المخازن وسرقة الخزنة!
طارق وشه جاب ألوان، عرف إنه متكتف من كل ناحية. الغل عماه، وبدل ما يستسلم، إيده امتدت بسرعة البرق لداخل الجاكيت بتاعه، وطلع مسدس أسود صوبه ناحية فارس!
"محدش يتحرك!" صرخ طارق بهستيريا والمسدس بيترعش في إيده. "مفكرين نفسكم أذكية وهتوقعوني بسهولة كده؟ أنا طارق الدسوقي، مابقعش بالساهل! لو هروح في داهية، هاخد كبيركم معايا!"
ولف المسدس فجأة، وصوب السلاح مباشرة ناحية قمر!
رواية قمر الهواري الفصل الثامن 8 - بقلم نور محمد
عيون طارق كانت بتلمع بجنون وغل، وإيده المرتعشة ضاغطة على الزناد، وماسورة المسدس متوجهة مباشرة لقلب "قمر".
صرخة رعب طلعت من صفية اللي كانت مرمية على الأرض، والجد رضوان قبض على عكازه بقوة وهو بيحاول يقوم، بس السن والمسافة خانوه. قمر اتسمرت مكانها، عيونها الخضرا وسعت بصدمة، شافت الموت بيقرب منها في ثانية، مالحقتش حتى تاخد نفسها أو تنطق الشهادة.
بس في اللحظة اللي طارق ضغط فيها على الزناد، زئير مرعب شق سكون الدوار كأنه أسد جريح شريك حياته في خطر.
"قمرر!"
صوت فارس رجّ الحيطان. ما فكرش، ما حسبهاش، وماخافش على نفسه للحظة. رمى نفسه بكل قوته وعزمه قدام قمر كأنه درع بشري.
"طاااخ!"
صوت الرصاصة دوى في المكان، ريحة البارود ملت الجو، والكل كتم أنفاسه برعب.
الرصاصة خدشت كتف فارس، شقت الجلابية ونزلت خط دم أحمر على دراعه، وكملت طريقها عشان تستقر في الحيطة اللي وراهم.
طارق فتح عينيه بذهول لما لقى فارس لسه واقف على حيله رغم الدم، وقبل ما طارق يستوعب أو يرفع المسدس تاني، كان فارس انقض عليه زي الصقر الكاسر. خبطه براسه في وشه خبطة كسرت مناخيره، المسدس طار من إيد طارق ووقع على الأرض.
فارس نزل فوق طارق ضرب، كل بوكس كان بيطلع فيه غل السنين؛ غضبه على مخازنه اللي اتحرقت، رعبته على قمر من الرصاصة، وقهره من خيانة عمه ومراته.
"بترفع سلاحك على مراتي يا ولد الكلب؟ في نص داري بتستقوى على حتة ست؟ أنا هوريك الهوارية بياخدوا حقهم إزاي!"
طارق كان بيصرخ وبيحاول يحمي وشه، بس ضربات فارس كانت مميتة. الغفرا اتدخلوا بصعوبة شديدة عشان يشدوا فارس من فوقه قبل ما يخلص عليه في إيديهم.
في اللحظة دي، صوت سارينات البوليس ملت المكان بره الدوار. البواب جرى فتح الباب الرئيسي، ودخل ضابط المباحث ومعاه قوة كبيرة.
الجد رضوان كان هو اللي مرتب كل حاجة مع المحامي المخلص "عادل"، ومبلغين البوليس من بدري عشان يقبضوا على طارق متلبس.
الضابط شاف المنظر؛ طارق وشه غرقان دم، وصفية منهارة على الأرض. أمر العساكر: "كلبشوا الاتنين دول، وخدوهم على البوكس فوراً. تهمة شروع في قتل، وسرقة، وحريق عمد، وتزوير.. حبل المشنقة بيناديكم."
صفية صرخت وهي بتتشد من العساكر وبتبص لرضوان بدموع التماسيح:
"يا عمي أبوس إيدك ارحمني! عشان خاطر حفني ابني اللي مات! هروح في داهية يا عمي!"
الجد رضوان لف وشه الناحية التانية، وخبط عكازه في الأرض بحسم كأنه بيقفل صفحتها للأبد:
"اللي يخون لقمة العيش، ويستبيح دم أهله، ملوش دية عندي. خدوهم يا باشا، دوار الهوارية نضف من السم."
الدوار هدي أخيراً. البوليس مشي، والخدم نظفوا آثار العركة.
قمر كانت واقفة مكانها، بترتعش، عيونها متثبتة على الدم اللي بينزف من كتف فارس. أول ما الغفرا طلعوا، جريت عليه بلهفة نستها كل زعلها ووجعها منه، حطت إيديها الاتنين على كتفه المجروح ودموعها نزلت زي الشلال:
"فارس! إنت بتنزف! إنت اتجننت؟ إزاي ترمي نفسك قدام الرصاصة كده؟ كنت هتموت!"
فارس رغم الوجع، ابتسم ابتسامة خطفت قلبها. رفع إيده السليمة ومسح دموعها بحنية الدنيا كلها، وهمس بصوت دافي ومبحوح:
"لو كان صابك خدش واحد يا قمر، أنا اللي كنت هموت بجد. كتفي يفداكي، وعمري كله يفداكي."
قمر قلبها دق بعنف، بصت في عينيه وشافت العشق الصافي اللي كان مدفون ورا قسوة الأيام اللي فاتت.
الجد رضوان ابتسم بحكمة، وسند على عكازه ودخل أوضته عشان يسيبهم لوحدهم.
فارس قعد على أقرب كرسي، وقمر جابت علبة الإسعافات الأولية وبدأت تطهرله الجرح وتلفه بشاش. الجو كان مليان صمت، بس صمت بيتكلم بميت لغة.
لما خلصت، فارس مسك إيدها اللي كانت بترتعش، وباس باطن إيدها برقة، وقال وعينيه في عينيها:
"أنا عارف إني جرحتك بكلامي أكتر من رصاصة طارق. عارف إني شكيت فيكي وصدقت المظاهر، بس قسماً بالله يا قمر، من اللحظة اللي شيلت فيها النقاب عن وشك، وأنا مسحور بيكي.. مش بس بجمالك، بقوتك، بأصلك، وبكبريائك اللي كسر غروري."
قمر سحبت إيدها بهدوء، رجعت خطوة لورا، ورفعت راسها بكبرياءها المعتاد، بس المرة دي مفيش قسوة، كان في عتاب حبيب:
"إنت أنقذت حياتي يا فارس، وده دين في رقبتي عمري ما هنساه. بس قلبي... قلبي لسه موجوع. الرصاصة اللي في كتفك هتخف وتلم.. بس رصاصة الشك والإهانة اللي ضربتها في قلبي ليلة دخلتنا، لسه بتنزف، ومحتاجة وقت عشان تصفى."
فارس وقف، رغم ألمه، وقرب منها خطوة واحدة، وعيونه مليانة إصرار وعزيمة الصعايدة اللي مابيتراجعوش:
"وأنا تحت أمر قلبك يا بنت عمي. لو هياخد يوم، شهر، أو عمر بحاله.. هفضل أحاول لحد ما أثبتلك إن فارس الهواري ملوش ست في الدنيا دي غير 'قمر'.. وإني هعوضك عن كل دمعة نزلت من عيونك بسببي."
قمر التفتت عشان تداري ابتسامة صغيرة هربت على شفايفها، وقالت بصوت هادي:
"تصبح على خير يا ابن عمي.. ارتاح، الجرح محتاج راحة."
وسابته وطلعت على السلالم، بس المرة دي، خطواتها كانت أخف، وقلبها كان بيدق لحن جديد.. لحن بيبدأ معاه فجر جديد في دوار الهوارية.