عدّى شهرين… وأنا وآدم مع بعض رسمي.
فيهم جه اتقدّملي من أخويا وعمي، واتكلم معاهم بكل احترام، ووافقوا.
واتخطبنا خطوبة بسيطة… هادية، وسط العيلة وبس.
من غير دوشة ولا زحمة، زي ما أنا كنت بحب.
وحاليًا… كنا بنجهز لفرحنا اللي بعد أسبوع.
المفروض أكون أسعد بنت في الدنيا.
المفروض أبقى واقفة قدام محل الفساتين وأنا بطير من الفرحة…
لكن الحقيقة إني كنت خايفة.
خايفة من السرعة.
خايفة من المسؤولية.
خايفة أفرح فيضيع مني الفرح.
وقفت قدام الواجهة الزجاج، باصة للفستان الأبيض المعروض، وقلبي متقل.
همست من غير ما أبصله:
“حاسّة إننا استعجلنا يا آدم.”
سكت ثانية.
لفيت لقيته باصصلي بهدوء… النظرة اللي دايمًا بتطمني.
قرب مني خطوة.
“مالك يا كوكب؟”
بلعت ريقي.
“إنتي خايفة؟”
هزيت راسي ببطء.
“جداً.”
من غير كلام كتير، مسك إيدي بين إيديه، ودفاها بكفه.
“بصيلي.”
بصيتله.
قال بصوت هادي، ثابت، كأنه بيبني جدار حواليا:
“متقلقيش… أنا معاكي.”
ضغط على إيدي شوية.
“وهفضل طول عمري معاكي.”
قلبي ارتجف.
“أوعي تخافي طول ما أنا جنبك.”
فضلت باصة له… وكل مرة بيتكلم فيها، بحس إن الدنيا بتهدى.
حتى لو كلامه بسيط…
منه بيبقى راحة.
ابتسمت غصب عني، فقال وهو بيراقب ملامحي:
“أهو… الضحكة دي اللي كنت مستنيها.”
“أنا لسه خايفة.”
“خافي… بس وإنتي ماسكة فيا.”
ضحكت بخفة.
“إنت دايمًا عندك رد.”
“علشان أنا حافظك.”
شدني ناحية المحل.
“يلا ندخل.”
“مش عايزة.”
وقف.
“ليه؟”
“خايفة أقيس الفستان وأعيط.”
رفع حاجبه.
“من الفرحة؟”
“من التوتر.”
قال بثقة:
“طيب لو عيطتي… أمسح دموعك.”
“ولو جريت؟”
“أجري وراكي.”
“ولو استخبيت؟”
قرب وهمس:
“أقلب الدنيا عليكي.”
وشي سخن، وبعدت عنه بسرعة.
“آدم!”
ضحك بصوته اللي بقيت أحب أسمعه أكتر من أي حاجة.
دخلنا المحل، والبنات رحبوا بينا.
واحدة منهم قالت:
“العروسة تتفضل.”
اتوترت أكتر.
آدم قال فورًا:
“خدوا بالكم منها… دي قلبي.”
بصيتله بصدمة.
“إنت لازم تحرجني؟”
قال بهدوء:
“لازم أفكرك.”
دخلت أقيس أول فستان.
ولما خرجت، وقفت قدامه وأنا مرتبكة.
كان أبيض بسيط، ناعم، وشكلي فيه مختلف.
آدم سكت.
سكت لدرجة خوفت.
“وحش؟”
ما ردش.
قرب خطوة، وعينه بتلف عليا ببطء.
“آدم؟”
بلع ريقه، وقال بصوت واطي:
“لو فضلتي واقفة كده… الفرح هيبقى النهاردة.”
ضحكت البنات، وأنا اتكسفت جدًا.
“بطل سخافة.”
قال وهو مبتسم ومش شايل عينه من عليا:
“أنا أول مرة أحس إن الأسبوع طويل.”
بعد ما خلصنا، خرجنا نمشي شوية.
كان الليل هادي، والهوا جميل.
قال فجأة:
“نور.”
“مم؟”
“ندمانة؟”
وقفت وبصيتله.
“على إيه؟”
“إنك وافقتي عليا.”
قربت منه، ومسكته من إيده.
“أنا بس خايفة… إنما ندمانة؟”
هزيت راسي.
“مستحيل.”
ملامحه ارتاحت.
قلت وأنا ببص في عينه:
“أنا طول عمري كنت خايفة… لحد ما رجعت.”
سكت، كأنه اتأثر.
“يعني أنا أمانك؟”
ابتسمت.
“أكتر مما تتخيل.”
شدني لحضنه في نص الشارع، بهدوء واحتواء.
وقال جنب ودني:
“وأقسم بالله… هفضل أمانك طول العمر.”
غمضت عيني…
وحسيت إن خوفي كله، بيهدى بين دراعيه.
فضلت في حضنه ثواني طويلة…
الهوا بيلعب في شعري، وصوت الشارع بعيد، وأنا سامعة دقات قلبه تحت خدي.
الغريب إن قلبي كان هادي.
مع إن قبل دقائق كنت مرعوبة.
بعد شوية بعدني برفق، وبصلي وهو مبتسم.
“إيه؟”
“إيه؟”
“لسه خايفة؟”
فكرت شوية… وبعدها قلت:
“أقل.”
قال بفخر:
“إنجاز.”
ضحكت، ومشينا جنب بعض.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تاني يوم، كان عندنا مشوار مع القاعة.
أنا وماما، وآدم، وأخويا.
دخلنا نشوف الترتيبات الأخيرة.
صاحبة القاعة سألتني:
“تحبي الزفة تدخل بإضاءة ولا دخان ولا ألعاب؟”
اتوترت.
“مش عارفة.”
آدم رد فورًا:
“لا، هي بتحب البسيط.”
بصيتله.
“إنت عرفت منين؟”
بصلي باستغراب.
“علشان إنتي بتحبي كل حاجة حقيقية… من غير بهرجة.”
قلبي لمس الكلمة.
قلت بهدوء:
“أيوه… بسيطة.”
أخويا بص لآدم وهز راسه بإعجاب خفيف، وأنا لاحظت.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بعدها رحنا نختار الشبكة اللي هتتظبط.
كنت بتفرج ساكتة، لحد ما لقيته بيشاور على خاتم رقيق جدًا، شكله ناعم وراقي.
قال:
“ده.”
البياع قال السعر، وأنا اتصدمت.
“لا كتير.”
آدم بصلي.
“وأنا سألتك؟”
“أنا مش هخليك تدفع رقم زي ده.”
قرب وقال بصوت واطي:
“أنا بدفع في حاجة هتفضل في إيدك العمر كله.”
اتكسفت وسكت.
أخويا كتم ضحكته.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بالليل، كنت قاعدة في أوضتي ببص للدبلة.
وفجأة موبايلي رن.
آدم.
رديت:
“نعم؟”
“نعم؟”
“في إيه؟”
“وحشتيني.”
ضحكت.
“إنت شوفتني من ساعتين.”
“كتير.”
“إنت فاضي؟”
“لا، مشغول.”
“أومال بتكلمني؟”
“علشان أتنفس.”
سكتُّ، وابتسمت غصب عني.
قال بعدها:
“نامي بدري.”
“ليه؟”
“علشان بكرة هنلف على حاجات كتير.”
“أوامر؟”
“اهتمام.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل الفرح بخمس أيام، حصل أول خناقة بجد بينا.
كنت عايزة أشتغل بعد الجواز عادي، وهو كان عايزني أريح أول فترة.
قلت بعصبية:
“أنا مش هسيب شغلي.”
قال بهدوء متوتر:
“وأنا مقولتش سيبيه، قولت خففي.”
“ليه؟”
“علشان متتعبيش.”
“ولا علشان تبقى مرتاح؟”
وشه اتغير.
“نور، متظلمنيش.”
“وأنت متفرضش عليا حاجة.”
سكت لحظة، وبعدها قال:
“أنا بخاف عليكي.”
“وأنا بعرف أخاف على نفسي.”
خدت شنطتي ومشيت.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
رجعت البيت وأنا متعصبة… لكن من جوايا زعلانة.
بعد ساعة، سمعت خبط على الباب.
فتحت.
لقيته واقف.
ساكت.
وفي إيده كيس كشري.
بصيتله بعدم فهم.
“إيه ده؟”
“سلاح الصلح.”
كتمت ضحكتي.
“آدم…”
قال وهو لسه واقف:
“أنا آسف.”
سكت.
“أنا ساعات بخاف زيادة… فبشد.”
عينه كانت صادقة.
“بس عمري ما هكسر جناحك.”
الكلمة دخلت قلبي.
قلت بهدوء:
“وأنا آسفة… اتعصبت.”
رفع الكيس.
“يعني ندخل ناكل ونتخانق براحتنا؟”
ضحكت وأنا بفتح الباب.
“ادخل.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قعدنا في الصالون ناكل من نفس العلبة.
قال فجأة:
“بعد الجواز اشتغلي، اعملي اللي تحبيه، سافري، اتعلمي…”
بصيتله.
“بجد؟”
“أنا اتجوزك علشان أبقى سند… مش قيد.”
دموعي لمعت.
“إنت كل شوية تخليني أحبك أكتر.”
ابتسم بخبث.
“قوليها تاني.”
“لا.”
“نور.”
“لا.”
“مراتي المستقبلية.”
وشي احمر فورًا.
“اطلع برا.”
ضحك بصوت عالي…
وأنا لأول مرة أحس إن الجواز مش خوف…
الجواز مع الشخص الصح، طمأنينة.
عدّت الأيام اللي بعد الخناقة أسرع مما توقعت.
كل يوم كان في مشوار، طلبات، ناس داخلة وناس خارجة، قياسات، مكالمات، وتجهيزات مبتخلصش.
ومع كل الزحمة دي…
آدم كان بيحاول يسرق أي لحظة لينا.
يبعتلي رسالة وسط اليوم:
“أكلتي؟”
وبعدها بخمس دقايق:
“ردي.”
وبعدها دقيقة:
“أنا غيران من الأكل لو أكلتي ومقولتيليش.”
كنت أضحك لوحدي، وماما تبصلي وتقول:
“أكيد آدم.”
وأنا أقول ببرود مصطنع:
“رخم.”
فتضحك:
“واضح.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل الفرح بثلاث أيام، كنت مرهقة جدًا.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، وقعدت على السرير أعيط من غير سبب واضح.
توتر، ضغط، خوف، تعب…
كل حاجة مرة واحدة.
بعد نص ساعة، سمعت ماما بتنادي:
“كوكب… آدم تحت.”
مسحت دموعي بسرعة ونزلت.
لقيته واقف في الصالون، أول
ما شافني عرف.
“إيه اللي حصل؟”
“مفيش.”
“نور.”
سكت.
قرب مني بهدوء.
“في إيه؟”
انفجرت فجأة.
“أنا تعبت! في مليون حاجة، وكل الناس عايزة حاجة، وأنا مش عارفة أبقى مبسوطة زي البنات.”
شدني أقعد، وقعد قصادي.
“خلصتي؟”
“لا.”
“كملي.”
“وخايفة…”
“من إيه؟”
“من إني معرفش أبقى زوجة كويسة… من إننا بعد كل الحب ده نتغير… من إن الفرح يعدي وأصحى على حياة أنا مش جاهزة لها.”
كان ساكت يسمعني بس.
ولما خلصت، مسك إيدي.
“بصيلي.”
بصيت.
“أولًا… إنتي مش مطلوب منك تبقي كاملة.”
ضغط على إيدي.
“ثانيًا… إحنا مش داخلين امتحان.”
ابتسمت وسط دموعي.
“ثالثًا… لو اتلخبطنا، هنتعلم.”
سكت ثانية، وبعدها قال:
“ورابعًا… أنا مش مستني زوجة مثالية.”
“أومال؟”
قرب وبص في عيني.
“مستنيك إنتي.”
دموعي نزلت تاني، لكن المرة دي من الراحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تاني يوم، أخدني مشوار من غير ما يقولي.
“رايحين فين؟”
“هتعرفي.”
وصلنا لسطح عمارة عالية، متزين بنور بسيط، وترابيزة عليها عشا خفيف.
بصيتله بذهول.
“إيه ده؟”
“إجازة من الفرح.”
ضحكت.
“إنت مجنون.”
“بعرف.”
قعدنا ناكل والهوا حلو.
قال فجأة:
“فاكرة أول يوم شوفتك؟”
“في المدرسة.”
“لأ… أول يوم شوفتك فعلًا.”
“إيه الفرق؟”
“المدرسة شوفت بنت ساكتة وجميلة.”
سكت لحظة.
“لكن لما دافعت عنك… شوفت قلب.”
اتكسفت وبصيت بعيد.
قلت:
“وأنا أول يوم شوفتك افتكرتك مغرور.”
ضحك.
“وطلع؟”
“مغرور فعلًا.”
“وفي؟”
ابتسمت.
“وفيه حنية مستخبية.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل ما نمشي، طلع من جيبه علبة صغيرة.
اتوترت.
“إيه ده؟”
فتحها.
سلسلة رقيقة جدًا، فيها نجمة صغيرة.
“علشان كوكب.”
بصيتله وأنا متأثرة.
“آدم…”
“مش غالية.”
“أنا مش قصدي كده.”
لف ووقف ورايا، ولبسهالي بنفسه.
همس عند ودني:
“كل ما تخافي… امسكيها وافتكري إنك مش لوحدك.”
قلبي دق بجنون.
لفيتله ببطء.
“إنت ليه حلو كده ساعات؟”
قال بثقة:
“ساعات؟”
ضحكت.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل الفرح بيوم، البيت كان مقلوب.
صحابي، قرايبي، ماما، كله بيتحرك.
وأنا كنت قاعدة وسط الزحمة، فجأة موبايلي رن.
آدم.
رديت بسرعة.
“مين سمحلك تكلمني قبل الفرح بيوم؟”
“أنا العريس.”
“ممنوع.”
“مش مهم.”
ضحكت.
قال بصوت هادي:
“نور.”
“مم؟”
“آخر ليلة وانتي في بيتك.”
سكت.
“مبسوطة؟”
بصيت حواليا… لماما وهي بتضحك، وللبيت اللي اتربيت فيه.
وبعدين افتكرت بكرة.
“أيوه… وخايفة شوية.”
قال بنفس النبرة اللي بتهديني كل مرة:
“نامي.”
“ليه؟”
“علشان تصحي… وتبقي مراتي.”
قلبي وقف ثانية.
ابتسمت وقلت:
“تصبح على خير يا آدم.”
رد بصوت مليان حب:
“تصبحي ليا يا كوكب.”
قفلت المكالمة… وفضلت باصة للموبايل ثواني.
“تصبحي ليا يا كوكب.”
الجملة فضلت ترن في ودني، وقلبي يدق بسرعة غريبة.
ماما دخلت عليا الأوضة، لقتني سرحانة.
“بتفكري؟”
ابتسمت.
“شوية.”
قعدت جنبي، وعدلت طرحة البيت على كتفي.
“خايفة؟”
هزيت راسي.
“شوية.”
ربتت على إيدي.
“الخوف طبيعي… بس انتي اخترتي راجل بيحبك.”
دموعي لمعت.
“أعرف.”
“يبقى نامي.”
حضنتها بقوة.
“هتوحشيني.”
ضحكت وهي ماسكة دموعها.
“أنا في نفس البلد يا دراما.”
ضحكت وسط عياطي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيت تاني يوم على زحمة البيت.
بنات داخلة، مكياج، شعر، ضحك، صوت أغاني خفيف.
كل حاجة بتحصل بسرعة.
وأنا قاعدة قدام المراية، شايفة نفسي بتتحول لعروسة…
لكن من جوايا، أنا نفس نور.
البنت اللي اسمها كان مادة للضحك.
والنهاردة…
اسمها هيتقال في كتب الكتاب جنب اسم الراجل اللي حبها من سنين.
صحبتي منى قربت مني.
“سرحانة في إيه؟”
“في إني مش مصدقة.”
ضحكت.
“استني لما تشوفيه.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات، خلصت.
لبست الفستان، ووقفت قدام المراية.
سكتُّ.
مش علشان شكلي…
علشان الرحلة كلها عدت قدام عيني.
المدرسة.
الغياب.
الرجوع.
الزعل.
الحب.
الخوف.
لحد اللحظة دي.
ماما دخلت، وأول ما شافتني دموعها نزلت.
“يا بنتي…”
جريت حضنتها بحذر.
“لو عيطتي هعيط.”
“خلاص.”
عيطنا إحنا الاتنين.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلنا القاعة.
قلبي كان بيدق بعنف.
وأنا واقفة قبل الدخول، سمعت صوت أخويا.
“جاهزة؟”
“لا.”
ضحك.
“يلا.”
أخد إيدي، ومشينا.
الباب اتفتح…
والناس قامت.
لكن أنا مشفتش حد.
شوفت آدم.
واقف بعيد، لابس بدلة سودة، وبيبصلي كأني الحاجة الوحيدة في المكان.
وشه كان ساكت…
لكن عينه مليانة كلام.
قربت خطوة، لقيته بلع ريقه.
ابتسمت غصب عني.
منى همست ورايا:
“العريس وقع.”
كتمت ضحكتي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
في كتب الكتاب، قعد قصادي.
المأذون بيتكلم…
وأنا كل شوية أبصله.
كان مركز فيا أكتر من أي حاجة.
لما سألني المأذون، صوتي خرج مهزوز:
“موافقة.”
آدم غمض عينه لحظة… كأنه استنى الكلمة دي عمر.
ولما جه دوره، قالها بثبات:
“موافق.”
بعد ما خلصنا، الناس زغردت.
وأنا لسه بستوعب.
بقيت مراته.
بجد.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد الزحمة، لقيته شدني ناحية ركن هادي.
“إنت بتعمل إيه؟”
“ليا حق أكلم مراتي.”
الكلمة خلتني أتكسف فورًا.
“لسه جديدة عليا.”
قرب مني، وعينه بتلمع.
“عليا من زمان.”
سكتُّ.
مد إيده، وعدل طرحة الفستان برفق.
“عارفة كنت خايف من إيه؟”
“إيه؟”
“إنك تهربي قبل ما تقولي موافقة.”
ضحكت.
“وأهرب ليه؟”
“علشان دي عادتك.”
رفعت حاجبي.
“وأنت؟”
“أنا؟”
“لسه مستفز.”
ضحك، وبعدها صوته هدي.
“نور.”
“مم؟”
“أهلاً بيكي في بيتك.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
“لسه هنروح.”
“أنا قصدي… قلبي.”
سكتُّ…
لأن مفيش رد يليق بجملة زي دي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
في آخر الليلة، وإحنا راكبين العربية بعد الفرح، كنت مرهقة جدًا.
شيلت الكعب وطلعت نفسي.
بصلي وضحك.
“الرقي راح.”
“اسكت.”
“مراتي بقت شرسة.”
“أنا طول عمري.”
مد إيده ومسكني من صوابعي.
“نور.”
“نعم.”
“مبسوطة؟”
بصيتله… وبعدين على الدبلة.
“أيوه.”
“وخايفة؟”
ابتسمت.
“أقل.”
قرب إيدي وباسها.
“خلاص… الباقي عليا.”
العربية كانت ماشية بهدوء، وأنا ساندة راسي على الكرسي، مرهقة لكن قلبي مرتاح.
آدم ماسك إيدي من أول ما ركبنا… كأنه لسه مش مصدق إني بقيت مراته.
بصيتله وقلت:
“هتفضل ماسك إيدي كده كتير؟”
قال وهو مركز في الطريق:
“طول العمر.”
ضحكت.
“إنت درامي.”
“وأنا مبسوط.”
سكت شوية، وبعدها قال:
“تعرفي؟”
“إيه؟”
“أنا كل مرة أبصلك فيها النهاردة، كنت بحاول أفهم إزاي وافقتي عليا.”
رفعت حاجبي.
“أرجع في كلامي؟”
شد على إيدي بسرعة.
“جربي.”
ضحكت بصوت عالي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلنا البيت.
دخلت وأنا متوترة شوية… مكان جديد، حياة جديدة، اسم جديد.
لكن أول ما دخلت، لقيت البيت متزين ببساطة، ورد أبيض، ونور هادي، وكل ركن فيه ذوق يشبهه.
بصيتله بدهشة.
“إنت عامل ده كله؟”
قال ببساطة:
“كنت عايز أول خطوة ليكي هنا تبقى حلوة.”
قلبي داب.
لفيت أبص في المكان، وهو واقف يتأملني.
“إيه؟”
“ولا حاجة… بس البيت بقى بيت.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الأيام الأولى عدت بخفة.
طلع آدم برا صورة المدير المتحكم.
في البيت كان مختلف تمامًا…
رخم، غيور، مدلل، وحنين بشكل يوجع القلب.
لو اتأخرت خمس دقايق عند ماما:
“هتباتي هناك؟”
لو ضحكت مع ابن خالتي عمر:
“هو بيهزر كتير ليه؟”
لو لبست واسع ومرتب:
“رايحة فين بالجمال ده؟”
كنت أضحك وأقول:
“إنت متعب.”
فيرد وهو حضني:
“وأنا بتاعك.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد
سنة…
كنت قاعدة في الحمام، ماسكة اختبار صغير، وإيدي بتترعش.
بصيت للخطين…
وسكت.
أنا حامل.
خرجت وأنا مش قادرة أتكلم.
لقيته قاعد على الكنبة شغال على اللابتوب.
رفع عينه أول ما شافني.
“مالك؟”
مديتله الاختبار من غير كلام.
بص فيه… وبعدين بصلي.
“ده…”
هزيت راسي ودموعي نزلت.
قام بسرعة، شالني من الأرض ولف بيا.
“آدم! نزلني!”
وهو بيضحك وبيعيط في نفس الوقت:
“أنا هبقى أب!”
حضني بقوة، وبعدها بعدني وبصلي.
“متأكدة؟”
ضحكت وسط دموعي.
“لا بهزر.”
“نور!”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فترة الحمل كانت أجمل فوضى في حياتنا.
آدم اتحول لإنسان تاني.
يصحيني أشرب مية.
يمنعني أشيل شنطة.
يطلب للدكتور على أي عطسة.
لو قلت تعبانة:
“نروح المستشفى.”
لو قلت جعانة الساعة 3 الفجر:
“عايزة إيه؟”
“مانجا.”
“في الشتاء؟”
“آه.”
“حاضر.”
كنت أضحك وأقول:
“الولد هيطلع مدلل.”
فيقول بفخر:
“زي أبوه.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ويوم الولادة…
كان آدم أكثر توترًا مني.
واقف قدام الأوضة ماشي رايح جاي، وشه أصفر.
أخويا قاله:
“اهدى شوية.”
رد بعصبية:
“إزاي أهدى؟”
بعد ساعات طويلة…
خرجت الممرضة بابتسامة.
“مبروك… جبتوا ولد.”
دخل جري.
لقيته واقف عندي، عينه مليانة دموع.
“إنتي كويسة؟”
“كويسة.”
“تعبتي؟”
“شوية.”
مسك إيدي وباسها.
“شكرًا.”
ضحكت بتعب.
“على إيه؟”
“إنك جبتِلي الدنيا.”
وبعدين شاف ابنه.
وشه اتبدل.
مسكه بحذر شديد، وكأنه أغلى حاجة في الكون.
همس:
“ابني…”
وبعدين بصلي.
“شبهك.”
قلت:
“لسه مولود.”
“برضو شبهك.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
سميناه ياسين.
كبر شوية، وبدأت الكوميديا الحقيقية.
لأن آدم… كان بيغير منه.
لو ياسين نام في حضني:
“هو أنا هنام فين؟”
لو حضن رقبتي وساب أبوه:
“شايفة قلة الذوق؟”
لو أول كلمة قالها كانت “ماما”:
آدم اتضايق يومين.
“أنا اللي بدفع المصاريف.”
كنت أضحك لدرجة دموعي تنزل.
وفي يوم، دخلت لقيت آدم قاعد زعلان.
“مالك؟”
“ابنك.”
“عمل إيه؟”
“كل ما أجي أحضنك يسبقني.”
وفي نفس اللحظة، ياسين جري على آدم ومد إيده.
آدم شاله فورًا، وكل زعله اختفى.
قلت وأنا بضحك:
“إنت كنت غيران منه من دقيقة.”
قال وهو باسس راسه:
“أنا بغير عليه… فرق.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد سنين…
في ليلة هادية، كنت قاعدة في البلكونة، وآدم جنبي، وياسين نايم جوا.
بصيتله وقلت:
“فاكر أول يوم دافعت عني في المدرسة؟”
ابتسم.
“فاكر أول يوم وقعتي عليا بالقهوة.”
ضحكت.
“فاكر لما سبتني؟”
اتنهد.
“فاكر… وندمان.”
“فاكر لما رجعت؟”
قرب ومسَك إيدي.
“دي أحسن حاجة عملتها.”
سكتنا شوية.
بعدين قال وهو باصصلي بنفس النظرة القديمة:
“عارفة؟”
“إيه؟”
“أنا لسه بحبك زي زمان.”
ابتسمت.
“وأنا… لسه خايفة أوقات.”
شدني ناحيته، وهمس:
“متخافيش… أنا معاكي.”
نفس الجملة…
لكن المرة دي، بعد عمر كامل.
سندت راسي على كتفه، وبصيت لابننا النائم.
وفهمت أخيرًا…
إن بعض الناس، لما يرجعوا في حياتك، بيرجعوا علشان يكملوا الحكاية.
وآدم…
كان أجمل رجوع في عمري.
تمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!