منذ أن توقفت عن الدراسة استبدلت مدرستي بسطح بيتنا، ومحفظتي بكل أنواع الكتب التي تطالها يدي، وكثيرًا ما كنت أقرأ منها لأختي. أما القلم والأوراق البيضاء، فكانت ملاذي الوحيد أخط فيها كل ألمي ومكبوتاتي. بقيت على هذا الحال حتى يومنا هذا، فقد استبدلت الأوراق بصفحاتي على الفيس ولم أتوقف يومًا عن الكتابة، فهي شغفي وملاذي وسندي بعد الله سبحانه وتعالى طبعًا. كنت أحول جراحي إلى كلمات، ومعاناتي إلى أبيات، وذكرياتي إلى قصص، وكل جميل من حياتي إلى خواطر، أما آهاتي ويأسي إلى استغفار وتوبة ورجوع إلى الله تعالى.
المهم في تلك الليلة بعدما غادرت زوجة أبي إلى بيت أهلها، حضرت العشاء باكرًا، عشيت إخوتي وأخذت لأبي عشاءه. وعندما انتهى، ذهبت لآخذ الصحون من عنده وأنا مصرة على أن أخبره.
لقد كان أبي رجلًا ذا هيبة عظيمة، قليل الكلام كثير الصمت، لا نكاد نسمع صوته إذا تحدث، وكنا نحترمه احترامًا لا يوصف ولا نتكلم معه إلا في الأمور المهمة وطبعًا بعد انتقاء كلماتنا جيدًا. لذا كان من الصعب أن تفتح معه موضوعًا أو تسأله عن شيء، ليس لأنه قاسٍ أو متعجرف، لا بل كان حنونًا جدًا، ولأننا تعلمنا منذ نعومة أظافرنا أن نحترم عزلته وهيبته. المهم دخلت عليه في تلك الليلة وأنا مترددة، ثم استجمعت قواي وسألته: "أبي؟ فقال لي:
"نعم بنيتي." فارتحت لنبرة صوته وزادت ثقتي بنفسي وقلت له: "أبي، أنا أرى أشياء غريبة ومريبة تحدث هنا في بيتنا، وحتى أخي رآها وسمعها." كان أبي دائمًا مطأطأ الرأس ينظر إلى المسبحة التي لا تفارق يده، فتوقف عن التسبيح وشعرت أنه يسأل نفسه: هل أخبرها أم أكذبها وأنكر الأمر برمته؟ سكت للحظات أو ربما دقائق أو ساعات لا أدري، المهم أنني كنت أنتظر بتلهف جوابه. لقد سكت حتى قرر أخيرًا الكلام فرفع رأسه ونظر إليّ وقال لي: "أين إخوتك؟
قلت: "تعشوا وناموا." قال لي: "أنت متأكدة؟ قلت: "نعم." قال لي: "أغلقي باب الغرفة وتعالي." ففعلت بسرعة وعدت إليه، فعاد وسألني: "هل أخبرت أحدًا بالأمر؟ قلت: "لا يا أبي." فقال لي: "اجلسي." فجلست قربه وأنا أصغي. فقال لي: "إن منزلنا هذا قديم جدًا، وأعرف أن أجدادي توارثوه وورثوه لأولادهم." قلت: "أعرف." فقال لي:
"وقديمًا لم يكن بهذا الشكل، لم يكن يحتوي إلا على هذه الغرفة التي نجلس فيها وننام فيها، وكانت جدتك تطبخ فيها وتصنع زرابي الصوف فيها. كانت هي كل البيت، أما غرفتكم والمطبخ والحمام فكانت عبارة عن فناء واسع. وفي مكان المدفأة كانت شجرة تين كبيرة، وعندما كنت صغيرًا غضب مني عمي مرة وعاقبني بتركي في الفناء ليلًا، فصعدت إلى الشجرة ونمت فوقها. الغريب أنني أفقت على صوت طفل صغير يبكي بكاء شديدًا، وأمه تحاول إسكاته، رغم أنني كنت وحيد أمي ولا أحد غيري في البيت. وظللت أبحث لعلي أجد صاحبة الصوت وابنها، لكنني لم أجد أحدًا. وفي الصباح حين أخبرت أمي، أي جدتك، بالأمر أنكرت ذلك وقالت لي أنني كنت أحلم، ولكنني كنت متأكد مثلك أنني لم أكن أحلم."
فقلت: "نعم وهذا ما حدث معي، أكمل يا أبي." فقال أبي: "نعم عرفت وعلمت منذ تلك الليلة التي صرخت فيها، وما زال هناك المزيد يا ابنتي."
سمعت الكثير عن معاناة أبي في صغره من أختي الكبرى، لذا كنت أراها الأكثر حظًا بيننا لأن أمي هي من قص عليها تلك القصص. وكنت كثيرًا ما أطلب منها أن تصف لي أمي وعن كل شيء يخصها، فتخبرني عن بعض ذكرياتها معنا، تلك الذكريات التي لا أذكر منها شيئًا. فأسألها حتى عن طريقة لبسها وتسريحة شعرها ومشيتها وابتسامتها وخصوصًا شكلها، وكنت أسألها: "من منا الأكثر شبهًا بها؟
ولا تتصورون كم كنت أحب سماع تلك القصص منها، لقد كانت من أجمل القصص التي سمعتها في حياتي. لذلك أنا أرى أختي الأوفر حظًا بيننا بينما هي ترى نفسها الأتعس فينا، لأنها تفتقد عطف أمي وحنانها أكثر منا جميعًا، لأنها جربته ثم حرمت منه، علمًا أنها كانت في سن الثالثة عشر فقط حين ماتت أمي وتركتنا في عهدتها.
أما أبي فمن المستحيل أن يسرد القصص عنه أو عن غيره، من هنا كنت أرى أن جلوسي قرب أبي وأن يخبرني هو بنفسه عن صغره يعتبر إنجازًا كبيرًا بالنسبة لي. لذا كنت أستمع إليه بفرح وسرور حتى تمنيت لو أنه لم يتزوج وعشنا وحدنا لربما كانت حياتنا ستكون أفضل بكثير، ولكنني في نفس الوقت أشفق على شيخوخته التي لا تسمح له بالاعتناء بنا وحده. المهم قال لي أبي:
"بعدما تزوجت أمي، يقصد جدتي، قرر زوجها أي عمي أن يبني غرفة أخرى لي أنا وأخواتي البنات لأن هذه الغرفة لم تعد تكفينا كلنا، فاقتلع شجرة التين وبنى مكانها غرفتكم تلك، وفي مكان الشجرة بالضبط بنيت المدفأة المريبة. وكانت جدتك تستعمل نار المدفأة كموقد لطهو الطعام، وأخبرتني يومًا أنها كانت ترى قطة تدخل المدفأة وعندما تبحث عنها لا تجدها أبدًا وكأنها كانت طيفًا." فتذكرت القطة التي كنت أراها. ثم حكى لي أبي قصة غريبة قال لي:
"إن جدتي رأت في إحدى الليالي أفعى في الغرفة فتبعتها حتى دخلت المدفأة، وحين بحثت عنها لم تجد لها أثرًا، ولكنها بدل ذلك وجدت بيضًا صغيرًا، فجمعته ووضعته في كيس ورمته في فناء البيت على أمل التخلص منه في الصباح. بعدها عادت ووضعت الطعام يطهى في قدر من الفخار في المدفأة، وحين اجتمعنا للعشاء وقبل أن تمد أمي يدها إلى القدر لتسكب لنا، أخبرت عمي ما حصل معها وبأمر البيض الذي رمته، فغضب منها غضبًا شديدًا وأمرها أن تعيده إلى مكانه، فأسرعت إليه وأعادته إلى المكان الذي أخذته منه."
يقول أبي: "وفجأة ظهرت تلك الأفعى من العدم والتفت حول القدر وهو يغلي على النار وشدته بقوة حتى تكسر القدر وانفلت الطعام على النار فأطفأها أمام ذهول الجميع وحيرتهم كيف لم تتأثر بالنار المشتعلة ولم تخف منها." فقال عمي: "لا بد أنها نفثت سمها في قدرك لتقتل أطفالك مثلما تخلصت أنت من صغارها." وحذر عمي أمي أن تؤذي أي شيء يخرج من المدفأة أبدًا وأن تتجاهله، فهو لن يؤذيها أبدًا ما دامت هي لا تؤذيه. ثم نظر أبي إليّ وقال لي:
"وأنتِ أيضًا، إياك أن تدققي فيما ترين أو تؤذي شيئًا يخرج منها مهما كان." كنت أصغي إلى أبي وكأنني أرى فيلم رعب أمامي، ورغم ذلك لم أكن خائفة بل كنت فخورة لأنه وثق بي وبشجاعتي ليخبرني كل ما سمعت منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!