إتجهت مرام نحو شقة أبيها وهي تبكي وتقول: "أين أبي وأمي؟ خرج أخيها من إحدى الغرف فقال: "أتتعرفين أين؟
لقد ماتت أمك بسببك بعد أن غادرت بيوم واحد من الحسرة، وطبعاً لم تكلفي نفسك عناء السؤال عنها. وبالأمس مات والدك حزناً وكمداً بعد أن كتب ورقة يتبرأ فيها منك ويوصينا بعدم دخولك هذا المنزل الشريف بعد أن لوثت سمعتنا وأنزلت كرامتنا في الأرض وأصبحت سيرتنا على كل لسان بسببك. هيا اخرجي من هنا ولا تعودي مرة أخرى، أنت بالنسبة لنا جميعاً ميتة. هيا اغربي عن وجهي الآن." قالت مرام:
"أرجوك دعني أرى وجه أبي للمرة الأخيرة حتى أطلب منه أن يسامحني. أنا أعترف أنني أخطأت، ولكني دفعت الثمن غالياً وتعلمت الدرس." قال: "لن أعص أمر والدي وأدخلك المنزل، ولن ترينه أبداً. هيا أخرجي، وإلا طلبت لك الأمن كي يأخذك." خرجت مرام من الشقة وهي منهارة وتبكي بصوت مسموع وهي تتجه نحو الشارع. "ماذا أفعل الآن وأين أذهب؟
لقد ماتت أمي، ولحق بها أبي وهما غاضبان علي، وتبرؤا مني قبل موتهما، وطردني إخوتي وأخبروني أنهم قالوا للجميع أنني مت، ولم يعد لي مكان أذهب إليه." ثم أمسكت حقيبتها وسارت على غير هدى، ولكن قدماها أخذتها نحو شقتها القديمة حيث كانت تسكن مع إسلام. وتجد نفسها تقف أمام الباب وتطرق عليه، فهو الأمل الوحيد المتبقي، ولعل إسلام يسامحها ويقبل أن تعود إليه. طرقت الباب ففتح إسلام وقال: "أنتِ، ما الذي أتى بكِ؟ قالت:
"هل ستتركني على الباب؟ على الأقل ادخلني حتى نتحدث." قال إسلام: "آسف مرام، فأنا بمفردي في الشقة، وأنا لا أدخل نساء غريبات لشقتي في غياب زوجتي." قالت: "لقد جئت أعتذر منك وأطلب منك أن تردني." قال: "آسف مرام، لقد تزوجت منذ عام وأحضرت زوجة صالحة تربي أولادي الذين تركتيهم وقتلت واحداً منهم دون ذنب لمجرد الجري خلف رغباتك. وأنا مستقر وسعيد في حياتي، ولن أقبل العودة لامرأة خائنة مثلك." قالت:
"أعرف أن معك حق في كل ما تقوله، ولكني نادمة على كل شيء حدث مني في حقك وحق أولادي، وأريد أن تردني لعصمتك كزوجة ثانية. وسوف أعيش تحت قدميك طوال العمر، ولن أمسك الهاتف الملعون مرة أخرى. أرجوك، أنا نادمة ومستعدة لأي عقاب منك، ولكن لا تبعدني عنك وعن أولادي." قال: "لن أقبل أن أشرب من إناء شرب منه كلب، حتى لو كان الإناء من الذهب." قالت: "إنها غلطة واحدة فقط، وأعدك ألا تتكرر، فقد تعلمت الدرس جيداً." قال:
"لقد قلت لك أنني تزوجت ومستقر في حياتي، فلا تخربي لي حياتي مرتين. قد لا تكون زوجتي طويلة وممشوقة القوام مثلك، أو ذات بشرة بيضاء ناعمة وعيون جميلة وواسعة مثلك، أو قد لا تمتلك شعراً طويلاً ناعماً مثلك، ولكنها تمتلك قلباً رحيماً وأخلاقاً عالية تجعل منها أجمل الجميلات في نظري. ويكفي أنها تحب أولادي وتعاملهم أفضل معاملة وكأنهم أولادها، وتحفظهم القرآن وتذاكر لهم وتصون شرفي، وأنا لا أحتاج أكثر من ذلك. وبينما أنت كنت تركضين وراء رغباتك، كانت هي تهتم بأولادك وتدرس لهم. أتعرفين أين ذهبت الآن؟
لقد أخذتهم لجنازة والدك حتى يودعوا جدهم الذي كنت السبب الأساسي في موته، فربما لا تعرفين بموته." قالت: "أعرف، لقد كنت هناك وطردني أخي ولم يسمح لي برؤيته." قال: "الحمد لله أن الأولاد لم يشاهدوك هناك، حتى لا تفسدي مستقبلهم كما أفسدت ماضيهم." قالت:
"ظهوري في حياة أولادي سيجعلهم أحسن حالاً، أتركني معهم لأرعاهم، إن كنت لا ترغب. مع أنني عندما طلبت منك الطلاق أخبرتني وقتها أنك تحبني، صحيح أنها كانت المرة الأولى التي أسمعها منك، ولكني أحسست وقتها أنك تحبني فعلاً، وأريدك أن تعطيني فرصة أخيرة وتتقبلني في حياتك، ولن أطلب منك شيئاً من حقوقي، فقط أريد أن أكون بين أولادي." قال: "أولادك؟ عن أي أولاد تتحدثين؟
لقد تركتهم يبكون عليك وذهبت تركضين خلف عشيقك. لقد ظلوا ليالي كثيرة يبكون عليك، وأنا لا أعرف كيف أبرر لهم غيابك. أتتذكرين في آخر لقاء بيننا في بيت أبيك، جئت بأهلي وأقاربك كي أترجاك أن تعودي لي، وعندما طلبت منك الرجوع معي من أجلهم، صرختِ بأعلى صوتكِ أمام الجميع بأنك تحبين رجلاً آخر ولا تطيقين البقاء معي، وطلبت مني أن أخبر أولادي أنك مت لو سألوني عنك. ولقد حدث ما طلبته مني بالضبط، وهم الآن يعرفون أن أمهم ميتة، والحمد
لله أن الله عوضهم بأم حنونة مثل فاطمة ترعاهم وليسوا في حاجة إليك. ولو سمحت، غادري بسرعة قبل أن يحضر الأولاد، ويكفي أنك أفسدت حياتي في الماضي، ولا داعي لتفسدي حاضري أيضاً، فزوجتي قد تأتي في أي وقت، ولا أريد أن تراكِ هنا حتى لا تنزعج."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!