في الحديقة العامة تجلس سارة مع خطيبها باهر. قال لها: "كيف حالك يا قطتي؟ قالت سارة: "بخير وسعيدة جداً. فلم أتوقع أن توافق والدتك على زواجنا بهذه السرعة، فلقد كانت معارضة بشدة لزواجنا، فماذا حدث لتغير رأيها؟
قال باهر: "حتى أنا تعجبت مثلك تماماً من تغير موقفها فجأة، فلقد كانت تعارض زواجنا بشكل غريب ولا تعطي مبرراً مقنعاً لذلك. ثم فجأة ودون مقدمات، أتت لغرفتي وأخبرتني أنها وافقت على زواجنا، وبعدها بيوم ذهبت لبيت والدك هي وأبي وطلبتك رسمياً للزواج. أنا فعلاً متعجب مثلك تماماً من موقف أمي الذي تحول للنقيض خلال أيام. وربما كلامي معها وكلام والدي قد أثر فيها."
قالت سارة: "لا يهم كيف غيرت رأيها، المهم أنها وافقت على زواجنا ودون شروط، فأبي كان يرفض ارتباطنا دون موافقتها." قال باهر: "أنا سعيد فعلاً، وبمجرد ظهور نتيجتك سنعقد القران. فأبي مشغول هذه الأيام بقضية زوجته الثانية لدرجة أنه متفرغ لها تماماً، حتى أنه لا يذهب للشركة." قالت سارة: "يبدو أن والدك مفتون بها، أتمنى أن تحبني هكذا." قال باهر: "بل أحبك أكثر من ذلك يا حياتي." قالت سارة بخجل: "يسعدني أن أسمع ذلك منك."
في مستشفى السجن، تقص مرام على ساهر القصة بالتفصيل الممل دون أن تذكر شيئاً عن مريم. قالت: "لقد أخبرتك بكل شيء وبالتفصيل، ولم أخفِ عنك شيئاً حتى لو كان يُدينني." "وحان الآن وقت اختبار الثقة. لقد عرفت كل شيء عني وعن ماضي الذي ظللت أخفيه لسنوات عنك وعن أختك، وحرمت منكما بسببه حتى لا أسبب لكم الحرج أو الشعور بالعار."
"أما بالنسبة للقضية، فأنا أقول لك إنني لم أقتل عادل إلا لأدافع عن نفسي، ولم أذهب معه كما يدعي صاحباه، وإنما وجدت هناك بالخطأ وفي الوقت الخطأ. والآن، إما أن تصدق أمك وتدافع عنها على هذا الأساس، أو تتخلى عن القضية ولن ألومك أبداً." "وبالمناسبة، أنا ألغيت توكيل المحامي الآخر، وأنت فقط من تستطيع الدفاع عني، فمصيري الآن معلق بين يديك. إما أن تُظهر براءة أمك، وإما تتخلى عن القضية وتتركني لمصيري المحتوم وهو حبل المشنقة."
ثم تأتي الشرطية وتقول للممرضة التي دخلت معها: "لقد انتهى المحلول، هيا اخرجي الكلونة من يد المتهمة." ثم تنظر لمرام قائلة: "سوف نعيدك للسجن الآن، هيا بنا." فتقوم مرام من على السرير دون كلمة وتطلب من الشرطية اصطحابها. ولكنها تمشي خطوة فتتعثر قدمها وتكاد أن تسقط، فيمسك بها ساهر بسرعة. فتنظر مرام لعينيه ثم تضمه قائلة: "كنت أعرف أنني لن أسقط أبداً وأنت إلى جانبي." ولكن يظل ساهر واقفاً دون حراك، لا يدري ما يقول أو يفعل.
فتسحب الشرطية مرام من يدها وتتجه بها خارج الغرفة. وعلى باب الغرفة، يمسك سراج بيد مرام: "انتبهي لنفسك ولا تخافي، سأكون إلى جوارك حتى النهاية. فأنا موقن أنك بريئة يا حبيبتي." فتمسك مرام يد سراج وتقبلها وتنصرف وهي تبكي. بينما يخرج ساهر من الغرفة، قال سراج: "هيا، سأوصلك لبيتك، فأنت لا تبدو بخير." فيحتضن ساهر سراج ويبكي ويقول: "أنا لا أصدق ما يحدث، ياليتني مت قبل أن أعرف هذه الحقيقة عن أمي."
يربت سراج على كتفه: "لا تقل هذا يا بني. هي أخطأت في البداية، ولكنها لم تجد من يقف بجانبها ويساعدها على تصحيح الخطأ، فسقطت في ذلك المستنقع القذر رغماً عنه. ولا تنسَ أنها ضعيفة ولم تجد من يدافع عنها."
"أنا زوجها، وعندما عرفت بما حدث صدمت مثلك تماماً وشعرت بما تشعر به أنت الآن، والنار التي بداخلي كانت قادرة على حرق العالم من حولي. ولكن عندما جلست مع نفسي، عرفت أنها لم تخطئ وحدها وأن الجميع قد أخطأ في حقها، ولم أشعر بالراحة إلا بعدما سامحتها." "هيا بنا الآن لنرحل، وحاول أن تسامحها حتى تستريح." في منزل إسلام، قال ساهر: "لماذا يا أبي أخفيت عني الحقيقة؟ قال إسلام: "أي حقيقة تقصد؟
قال ساهر: "أنت تعرف ماذا أقصد، حقيقة أمي التي لا تزال على قيد الحياة." قال إسلام: "ومن أخبرك؟ هل هي مرام؟ قال ساهر: "وهل القضية الآن؟ من أين عرفت؟ نعم، لقد عرفت وبأبشع صورة قد تتخيلها." قال إسلام: "لقد كنتم صغاراً وقتها ولن تفهموا شيئاً."
قال ساهر: "ولكننا كبرنا بما يكفي، وكان يجب أن تصارحني بالحقيقة بدلاً من أن أفاجأ بعد كل هذه السنوات أن أمي على قيد الحياة، وأن المرأة التي أتولى قضيتها وتقف خلف القضبان متهمة بالقتل هي أمي." قال إسلام: "عن أي شيء تتحدث وأي قضية؟ قال ساهر: "أمي متهمة بجريمة قتل شاب يسمى عادل، وهي تقول إنه حاول اغتصابها، والشهود يقولون إنها معتادة على البغاء. تخيل أن أسمع ذلك كله عن أمي."
قال إسلام: "انظر يا بني، صحيح أن أمك أخطأت، ولكنها أخذت عقابها، ويكفي أن والدها من أشاع خبر موتها وهو من أخبركم بذلك، لذا لم أحاول إخباركم الحقيقة حتى لا تتأثروا نفسياً بما حدث. ولكنك كما قلت، لقد كبرتم بما يكفي لتفهموا الصواب من الخطأ."
قال ساهر: "أتعرف يا أبي، لقد ضمتني وتوسلت إلي أن أسامحها، ولكني وقفت كالصخرة. وبالرغم أنني كنت أشتعل غضباً، لم أستطع أن أبعدها عني، بل كنت أريد أن أبادلها الأحضان وأبكي على كتفها، ولكني لم أستطع فعل ذلك. وفي نفس الوقت، لا أستطيع أن أسامحها." قال إسلام: "اذهب واغتسل كي يهدأ غضبك، فالغضب من الشيطان. ثم اجلس مع نفسك وقرر ما يجب عليك فعله، وتذكر أن حياتها الآن بين يديك، والواجب يناديك. فهي ليست موكلتك فحسب، بل هي أمك."
يهز ساهر رأسه وينصرف. بعد أسبوعين في المحكمة، تقف مرام في قفص الاتهام، وسراج يقف خارج القفص وهو يضع يده على القضبان الضيقة ليلمس أصابع مرام. قال سراج: "ماذا فعلت يا مرام؟ لماذا ألغيت توكيل المحامي المشهور؟ قالت مرام: "لأن ابني هو من سيدافع عني." قال سراج: "وأين هو؟
فلا أثر له ولم يحضر حتى الآن والجلسة على وشك أن ترفع. وقد بحثت عنه في كل مكان ولم أجده، وهاتفه غير متاح، حتى أنني اتصلت بإسلام لأسأله، فأخبرني أنه خرج باكراً ولا يعرف إلى أين، وأنه لم يخبره أن الجلسة ستكون اليوم." قالت مرام: "سيحضر، قلبي يخبرني بذلك، فابني لن يتخلى عني." قال سراج: "أنت تعرضين حياتك للخطر، فبعد كل ما أثير حولك وشهادة الشهود، التهمة أصبحت مؤكدة ضدك وأنت متهمة بالقتل العمد."
قالت مرام: "لم يعد يهمني شيء يا سراج، حتى لو فقدت حياتي، المهم عندي ألا أسقط من عين ابني، وأنا أعرف أنه لن يتخلى عني." تخرج هيئة المحكمة، قال القاضي: "هدوء، لقد فتحت الجلسة." "الآن نبدأ بالقضية الأولى والمتهمة فيها مرام عبد الوهاب بقتل عادل دودار. أين الدفاع؟ ينظر الجميع فلا يجدون الدفاع. قال القاضي: "يبدو أن محاميك قد تخلى عنك يا سيدة مرام، فليتكلم المدعي العام إذاً."
قال المدعي العام: "إن المتهمة المثالة أمامكم مدانة بالقتل مع سبق الإصرار والترصد، فلها ماضٍ واضح في الخيانة الزوجية وبيوت البغاء، وقد أكد أصدقاء المجني عليه أنها أتت مع صديقهم عادل بكامل رغبتها، ولكن يبدو أنها اختلفت معهم على الثمن فقتلت المجني عليه." قال القاضي: "هل تريدين أن تقولي شيئاً آخر يا سيدة مرام قبل النطق بالحكم؟ تنظر مرام لباب القاعة لعلها ترى ساهر، ولكنها لا ترى غير الباب المغلق.
فتستدير نحو القاضي: "لا يا سيدي، لن أقول شيئاً." ثم تغمض عينيها. قال القاضي: "إذاً ستنطق هيئة المحكمة بالحكم." "حكمت المحكمة حضورياً على المتهمة مرام عبد الوهاب بالإعدام شنقاً." "رفعت الجلسة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!