تربيت في منزل ريفي، نشأت أنا واثنتان من أخوتي، كلهن فتيات. فكانت حياتنا جميلة بوجود أمي. في حياتها لم نشعر بحزن أبداً، ولم نحرم من أي شيء طلبناه. فقد كانت ربة منزل بمعني الكلمة. تربي الطيور ولديها بقرة تأخذ منها الحليب وتصنع منها الجبن والزبدة. وكذلك كانت تصنع لنا الخبز بنفسها. وإذا قصّر معها مصروف البيت، كانت تبيع البيض والحليب والخضروات التي كانت تزرعها في قراريط الأرض التي حول الدار.
وتشتري بها طلبات البيت، أو ربما تعد لنا وجبة طعام فخمة من طيورها اللذيذة. فلم نشعر يوماً أننا عائلة متوسطة الحال، لأن أمي حرصت على توفير كل طلباتنا. أما أبي فكان راضياً بنا نحن البنات، بالرغم من أننا نعيش في مجتمع يفضل إنجاب الذكور على الإناث. حتى أنه كان يتعرض لضغط كبير من عائلته وانتقاد من معارفه، حتى يتزوج من امرأة أخرى مع أمي لتنجب له ولداً يحمل اسمه ويرث ما تركه من أرض ودار بعد عمر طويل.
ولكن أبي كان يرفض بشدة أي كلام في هذا الموضوع. وأخبر الجميع أنه يعتز ببناته مثل الذكور تماماً، وأن أمنا والبنات أفضل رزق أعطاه الله له. فقاطعته عائلته كلها، ولم يعد أحد منهم يزورنا. ومضت الأيام واكتشفنا أن السعادة لا تدوم. فقد توفيت والدتنا فجأة، بالرغم من أنها لم تشتكي من شيء أبداً. ولكننا اكتشفنا بعد موتها أنها كانت تعاني من سرطان الدم. وكانت المسكينة تتحمل الألم وحدها، كما كانت تعمل وحدها.
حتى قضى عليها وهي تعمل في البيت. فقد كانت أمي لا تشاركنا في أعمال المنزل كأقراننا. وكانت تقول لنا: "غداً ستتزوجون وتتحملون مسئولية بيوتكم، فلا داعي لتحمل المسئولية من الآن." وكأن قلبها كان دليلها. فقد ماتت أمي وأخذت معها الراحة للأبد. ماتت وتركتنا ونحن لانزال صغيرات. فقد كانت أكبرنا عندها خمسة عشر عاماً. والوسطى أصغر منها بعامين. وكنت أنا الصغرى، وكان عندي ثمان سنوات.
كانت أختي الكبرى حنان ذات الخمسة عشر عاماً بمثابة أمنا الثانية بعد وفاة أمي. فقد ظلت تخدمنا أنا وأبي وأختي الوسطى جنى لعامين كاملين. تطبخ وتنظف وتهتم بنا طوال تلك الفترة. ولكن اضطر أبي لبيع الحيوانات التي كانت أمي تربيها، لأننا لا نعرف كيف نخدمها. فأبي كان يعمل باليومية عند أهل البلدة، وطوال اليوم كان خارج المنزل. ولكن للحق، كانت أخواتي البنات يتحملن مسؤولية البيت ونعيش في سلام. لا يؤرقنا سوى موت أمي.
وقد بقي والدي عامين بدون زواج. وكانت الأفضل لنا بالنسبة لما حدث بعد ذلك. ولكن بعد فترة، قرر أبي الزواج. كان الأمر مؤلماً لنا في البداية. فقراره أن يحضر واحدة غير أمي لتعيش بيننا لم يكن مقبولاً عندنا. وعندما تناقشنا معه في ذلك، أخبرنا أنه يريد زوجة تؤنس وحدته وتقضي معه شبابه وشيخوخته إذا تقدم به العمر. فهو لا يزال في أوائل الأربعينات، ولن يعيش وحيداً طوال عمره. وخصوصاً أننا سنتزوج في يوم من الأيام وسنتركه لا محالة.
وتحت إلحاح أبي ورغبته في الزواج، لم يكن بأيدينا سوى الموافقة على قراره. فأخذ يبحث عن زوجة مناسبة له في العمر وتقبل أن تتزوج رجلاً لديه ثلاثة أبناء. وبالفعل، بعد فترة وجيزة، وجدت له المرأة التي تعمل في الخطبة. والتي كلفها أبي بالبحث عن زوجة بامرأة تقبل به. وبالفعل تزوج والدي من تلك المرأة واسمها جميلة. كانت جميلة اسم على مسمى، فقد كانت جميلة وفي أوائل الثلاثينات.
وكانت تعيش في بلدة مجاورة لبلدتنا، وقد كانت مطلقة ولديها ابن وحيد عنده عشرة أعوام واسمه سالم. واشترطت على والدي أن يعيش ابنها معها بعد الزواج. فهي لن تتخلى عن ابنها الوحيد تحت أي ظرف. ووافق والدي على شرطها دون تردد، وخصوصاً أن الصبي كان صغيراً. وقرر أن يعتبره كابنه، فلم يكن لأبي أبناء من الذكور. ثم جلس معنا وأخبرنا عن موعد زواجه. وأنها ستحمل عنا عبء المنزل.
وأن سالم ابنها سيكون أخا لنا ويقف بجانبنا إذا جار علينا الزمان. ولكن توقعات أبي في زوجته كلها كانت عكس الحقيقة، على الأقل بالنسبة لنا. فقد كانت زوجة أبي تعاملنا كالخادمات منذ اليوم الأول. فبعد أن يذهب أبي للعمل، تنادي علينا بينما هي نائمة على سريرها. وكانت تقسم العمل بيننا ولا تعمل شيئاً على الإطلاق. فأختي الكبرى عليها الطبخ. والوسطى مهمتها تنظيف الثياب والبيت.
حتى أنا، بالرغم من صغر سني، لم تتركني في حالي وكانت ترهقني بالطلبات. بينما ابنها لا يفعل شيئاً إطلاقاً. حتى لو أرادت شراء شيء من البقالة، كانت ترسلني أنا وليس ابنها المدلل. ومع ذلك، لم نسلم من شرها. فكانت تحرض والدي ضدنا لأتفه الأسباب. وتكبر الموضوع وتعطيه أكبر من حجمه. وللأسف، كان أبي يصدقها ويعاقبنا على جرائم لم نرتكبها من الأساس. حتى حقي في ميراث أبي أنا وأخواتي البنات لم تعطينا منه شيئاً.
فكما أخبرتكم سابقاً، جعلت أبي يكتبه لابنها الصغير قبل موته. وبينما كانت تحرمني من مال أبي، كانت تنفق على ابنها بعد أن باعت بعض قراريط الأرض التي ورثتها من أبي بعد وفاته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!