مد محمود يده لزهرة التي سقطت أرضًا لكي يرفعها، ولكنها طلبت منه الابتعاد عنها حتى لا يزداد الأمر سوءًا. ثم أخذت غطاء الرأس من أرضية الغرفة ووضعته على رأسها، وخرجت متجهة نحو شقتها. فتحت باب الشقة بالمفتاح الذي معها، ودخلت لتجد أحمد قد جلس على الأريكة بعد أن كسر معظم الأكواب وزجاج دولاب الفضيات، وامتَلأ المكان كله بالزجاج. ثم اقتربت منه محاولة أن تشرح له ما حدث، وحاولت أن تهدئ من عصبيته، فدفعها لتسقط أرضًا.
فدخل الزجاج المكسور في يدها وأصابها بجرح بليغ في ذراعها وكفها. ثم صرخ فيها قائلًا: "لا أريدك هنا، ولا أريد أن أرى وجهك، أنا طلقتك، هيا اخرجي من منزلي فورًا." وقفت وهي تبكي، ثم أخرجت الزجاج المكسور من يدها. وذهبت زهرة للحمام، فغسلت ذراعها المصاب وربطت عليها ضمادًا. وبعدها ذهبت إلى غرفتها وأخذت تجمع ثيابها التي رماها أحمد في كل مكان على الأرض، وقامت بوضع بعضها في حقيبة السفر، ولبست ثيابها استعدادًا لمغادرة المكان.
خرجت من الغرفة وهي تجر حقيبتها، ووقفت بجوار الكرسي الذي يجلس عليه أحمد، قائلة له: "لقد رأيتك بعيني منذ أيام في أحضان امرأة أخرى وأنت تقبلها، ومع ذلك كذبت عيني وصدقت قلبي الذي أخبرني أنك لن تخونني. أتعرف لماذا؟ لأنني أثق فيك كثيرًا. والآن جاء دورك في اختبار الثقة، وأريدك أن تسأل قلبك نفس السؤال: هل يمكنني أن أخونك؟
إن كنت تحبني وتثق بي، فسيجيبك قلبك بأنني لا يمكن أن أفعل ذلك أبدًا. ما حدث هو أن سامي جاء وأخبرني أن أخاك مغشي عليه، ولما حاولت دخول الغرفة تعثرت بشيء فسقطت فوق أخيك، ودخلت أنت وأنا أحاول النهوض. هذا ما حدث، والآن وداعًا يا زوجي الحبيب." استمع أحمد ما قالته زهرة دون أن ينطق بكلمة أو يتحرك من مكانه الذي يجلس فيه. ثم شدت زهرة حقيبتها مبتعدة إلى خارج الشقة، وأغلقت الباب خلفها.
ووجدت محمود عند الباب، فأراد الحديث معها ليثنيها عن قرار الرحيل، ولكنها طلبت منه ألا يتحدث معها في هذا الوقت بالذات حتى لا تزداد الأمور تعقيدًا، وغادرت متجهة إلى محطة القطار لتسافر نحو القرية. دق محمود جرس الباب عدة مرات حتى يفتح له أخوه. وعندما فتح الباب، قال له أحمد: "لماذا أنت هنا؟ اغرب عن وجهي." فأمسك محمود أخاه من ذراعه بقوة، ودفعه بشدة إلى داخل الشقة،
وقال له: "منذ الصباح وأنت تتصرف بحماقة، وتركتك في البداية لتتحدث مع زوجتك وتفهم منها الحقيقة، ولكن يبدو أنك لم تستمع لها. ما حدث بيني وبينها مجرد سوء فهم فقط. لقد سكب سامي علي العصير ودخلت لتغيير ملابسي، ولسبب ما جاءت زوجتك تجري نحو غرفتي، ولا أدري ماذا حدث لها، فتعثرت وسقطت علي، ثم سقطنا نحن الاثنان على الأرض، فدخلت أنت ورأيت هذا المنظر." قال أحمد: "كلاكما يروي رواية مختلفة، لماذا لم تتفق معها على قصة أكثر إقناعًا؟
قال محمود: "أنا لا أعرف ما قالته لك، وأريد أن أعرف الآن." قال أحمد: "أخبرتني أن صديقك الغبي جاء وأخبرها إنك مغشي عليك، ولما دخلت نحو غرفتك تعثرت وسقطت عليك." محمود: "أنا أصدقها فيما قالت، وربما كان سامي يدبر أمرًا لا نعلمه، وسوف أكتشف الأمر." قال أحمد: "اتركني الآن وارحل فورًا، فأنا لا أطيق رؤيتك." قال محمود: "سأغادر، ولكني سأثبت لك الحقيقة، وستندم لاحقًا على فعلتك."
قال أحمد: "أنا من سيندم. أنت كنت تتصل بزوجتي يوميًا، بل وأكثر من مرة في اليوم الواحد، وتحملت ذلك لأنك أخي، بالرغم أنني كنت أعرف أنك كنت تحبها وطالما حكيت لي عنها قصصًا عن جمالها وسحرها، ولكن أن أراك بعيني وأنت تحتضنها، فأنا لست من هذا النوع، فأنا أغار عليها وأنت تعرف هذا جيدًا."
قال محمود: "أنت تتكلم عن أشياء حدثت أيام المراهقة، ومع ذلك قلت هذا أمامها وأحرجتني، يا لك من متهور. لقد كنت أتصل بها من أجل عيد ميلادك لنعد لك حفلاً جميلاً، ولكنك شككت بنا، بالرغم أن الاتصالات كلها كانت أمامك. فلو أن بيننا علاقة مريبة، هل كنت سأحدثها أمامك يا أخي الغبي؟
على كل حال، سوف أذهب الآن حتى أتحرى عن الأمر، فما قلته عن سامي يجعله المتهم الأول أمامي. ولا تنسَ أن تجمع هذا الزجاج من فوق الأرض حتى لا يصاب شخص آخر. لقد رأيت زهرة عند خروجها وكانت يدها مجروحة." أغمض أحمد عينيه، ثم وضع يده فوق رأسه، فلقد تذكر أنه دفعها أرضًا على الزجاج المكسور، ثم تذكر حديثها معه قبل أن تغادر وهي تخبره أنه يجب أن يصدق فقط ما يقوله له قلبه، لأن العين تكذب أحيانًا، ولكن القلب لا يرى إلا الحقيقة.
اقترب القطار نحو زهرة رويدًا رويدًا من المحطة، وهي تتمنى أن يستفيق زوجها من غفلته ويأتي مسرعًا من أجل منعها من السفر. ولكن القطار وقف فركبت، ووقفت أمام الباب وهي تنظر لرصيف المحطة لعله يأتي، بينما يبتعد القطار عن المحطة. ويبتعد الأمل رويدًا رويدًا في وصول زوجها ليمنعها من السفر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!