الفصل 1 | من 57 فصل

رواية قصة زياد الفصل الأول 1 - بقلم Iehcen Tetouani

المشاهدات
17
كلمة
1,602
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

في قرية صغيرة كانت تعيش حليمة مع زوجها مصطفى وولديها وحيد وزياد. كان الولدان صغيرين ولم يدخلا المدرسة بعد. وحيد عنده خمس سنوات ونصف وزياد سبع سنوات إلا بضعة أشهر. كان الزوج مصطفى عاملاً بسيطاً يكسب قوته يوم بيوم لينفق على أسرته الصغيرة. لذا لم يدخل الطفلان رياض الأطفال كأقرانهم في القرية. ولكن حتى هذه الحياة البسيطة لم تدم. فقد سقط الأب مريضاً فجأة وهو ينقل الطوب على كتفه لسطح إحدى العمارات التي تحت الإنشاء.

ولعدم توفر المال لم يستطع الذهاب للطبيب. لذلك لم يبق إلا أيام قليلة تُوفي بعدها نتيجة الجلطة التي حدثت له ولم يعلم بها أو يعالجها لضيق اليد. وبسبب موت الأب المفاجئ اضطر الطفلان للعمل عند أحد الميكانيكية الذين يصلحون السيارات بأجر زهيد من أجل الانفاق على نفسيهما ووالدتهما. ولم يكن المال يكفي إلا لتوفير الطعام الضروري. وما زاد الطين بلة أن البيت كان بالإيجار.

ولم تستطع الأم الفقيرة دفع الإيجار لمدة ثلاثة شهور بعد وفاة زوجها. فظل صاحب البيت يطالبها كل شهر بالدفع ويخيّرها بين السداد أو إخلاء الشقة. حاولت حليمة طلب المساعدة من أخوتها وأخوة زوجها. ولكنهم ساعدوها في البداية لدفع شهرين من الإيجار ثم تخلو عنها. فقد كانت زوجاتهم يقفن لهم بالمرصاد ويقلن لهم: كيف ينفقون الأموال على حليمة وأولادها بينما أولادهم أولى بالمال؟

لذا امتنع الجميع في النهاية سواء من أقاربها أو أقارب زوجها من الإنفاق عليها. بينما ظل المالك يطالبها بباقي الإيجار وهي لا تملك منه شيئاً. فحاولت أن تطلب المساعدة ممن تعرفهم مرة أخرى. ولكن الجميع كانوا قد ملوا منها وتنكروا لها وأخبروها أنهم لا يستطيعون إعالتها هي وأولادها مدى الحياة. فالعيشة أصبحت صعبة على الجميع فهم يوفرون احتياجاتهم واحتياجات أسرهم بصعوبة. وعليها أن تعمل وتعتمد على نفسها.

ولكن كيف وهي لا تحمل شهادة وأهلها الذين رفضوا مساعدتها هم أنفسهم رفضوا أن تعمل بالخدمة في البيوت خوفاً على مكانتهم وسط أهل القرية. فقررت حليمة قرارًا صعباً بعد أن تراكمت عليها الديون. وهو أن تنتقل لمدينة أخرى تستطيع العمل فيها ولو خادمة دون أن يعلم أحد عنها شيئاً ولا يتوصل الدائنون إليها. في المساء جمعت ثيابها هي وابنائها في حقيبتين. وانطلقت تحت جنح الظلام لمحطة القطار.

وركب هي وطفليها على سطحه العلوي كما يفعل الكثيرون عندما لا يملكون المال برغم من خطورة الأمر حتى لا تدفع مال التذاكر الذي لا تملكه. وبعد انتهاء الرحلة الخطيرة تنزل هي وولديها في محطة حين يتوقف القطار. وبعد وصولهم للمحطة جلست حليمة على رصيف المحطة هي وأولادها لا تدري ماذا تفعل ولا أين تذهب. ولكن وحيد الطفل الصغير طلب من أمه طعاماً لأنه جائع. تنظر حليمة في حقيبة يدها فلا تجد سوى عشرة دراهم. فتقول لابنها:

يا زياد أبقي مع أخيك هنا ولا تتحركا من المحطة حتى أحضر لكم رغيفين وبعض الطعمية لتأكلا. يجلس زياد بجوار أخيه على الحقائب منتظراً والدته حتى تشتري الطعام وتعود. ولكنه يشعر برغبة ملحة في دخول الحمام. قال زياد لأخيه الصغير: وحيد ابق هنا يا وحيد لتحرس الحقائب حتى أدخل هذا الحمام وأعود سريعاً فلا تتحرك من مكانك. قال وحيد: خذني معك أنا خائف. قال زياد: انظر الحمام قريب جداً سأدخل وأخرج بسرعة.

فلو حضرت معي قد يسرق أحد حقائبنا ولا نجد شيئاً نلبسه. قال وحيد: أنا خائف يا أخي انتظر حتى تحضر أمي ثم اذهب. قال زياد: لو بقيت أكثر من ذلك سأتبول على نفسي. وأنت رجل والرجال لا يخافون، أليس كذلك. ثم يجري زياد ويدخل الحمام. ولكن أحد العاطلين الذين يعملون في مهنة التسول وخطف الصغار كان يراقبهم. فيأتي ويجلس بالقرب من وحيد ويعطيه قطعة من الشوكولاتة. قال عباس: خذ ياصغير. قال وحيد: هذه الحلوى لي. قال عباس: نعم أنها لك.

ولو أتيت معي سأعطيك المزيد منها فأنا أتاجر بها. قال وحيد: حسناً أريد واحدة لأخي زياد. قال عباس: حسناً تعالى اركب معي القطار فلقد تركت العلبة هناك. يذهب وحيد مع الرجل ويركبان إحدى عربات القطار الذي يتحرك على الفور. بينما وحيد كان قد تخدّر بعدما أكل قطعة الشوكولاتة. فيحمله عباس ويضعه على قدميه بينما القطار ينطلق بهم نحو مدينة أخرى. حيث يوجد المكان الذي يدرب فيه عباس الأطفال على السرقة والتسول.

وبينما يجد أحد اللصوص الحقائب دون حراسة فيقوم بسرقتها هي الأخرى. تعود الأم حاملة رغيفين وكيس صغير به بعض الطعام. وعندما تنظر للمكان الذي تركت فيه ولديها لا تجد الطفلين ولا الحقائب. فتسأل المارة عنهما وهي مذعورة فلا أحد يجيبها بجواب يطفئ النار المشتعلة في قلبها. بعد دقائق مرةً على حليمة كأنها دهر. يظهر زياد بين المسافرين ويجري نحو أمه. تحتضنه حليمة: الحمد لله أين كنت يابني لقد كاد عقلي يطير. قال زياد:

ذهبت للحمام فلم أستطع الصبر حتى حضورك. ولكن أين الحقائب. قالت حليمة: ياويلي يبدو أنها سُرقت. ولكن لا يهم مادمت أنت وأخوك بخير. أين وحيد ألا يزال في الحمام؟ ينظر زياد حوله: لا يا أمي هو لم يذهب معي ولقد تركته بجوار الحقائب ليحرسها حتى أنتهي. تهز حليمة ابنها من كتفيه: لا يوجد أحد في المكان الذي تركتكم فيه؟ لماذا تركت أخاك ولم تأخذه معك؟ قال زياد: لقد طلبت منه ألا يتحرك من هنا و قد جلس فوق الحقيبة حتى لا تسرق.

ولم أغب غير خمس دقائق فقط يا أمي. قالت حليمة: لماذا يا زياد فعلت ذلك؟ لقد ضيعت أخاك الصغير. ألم أطلب منك عدم تركه بمفرده. أين سنجده الآن وسط هذا الزحام. إنه صغير وربما ركب قطاراً من القطارات التي انطلقت منذ قليل ومن يدري أي قطار قد ركب من بين تلك القطارات. قال زياد: ربما لم يركب أي قطار يا أمي وقد يكون هنا في المحطة. تعالي لنبحث عنه. قالت حليمة:

لو أننا في محطة قريتنا لكنت قلت أنه عاد للمنزل أو وجده أحد من أهل القرية فأخذه فالكثيرين هناك يعرفونا. ولكن هنا في محطة لا أحد يعرفنا ولا هو يعرف المكان. هيا تعالى لنبحث عنه ولكن لا تبتعد عني كثيراً. ولو افترقنا تعالي وانتظرني عند هذا المحل. ثم تشير له على محل بقالة بواجهة زرقاء. قال زياد: حسناً يا أمي. يجري زياد شمالاً ويمينًا ويسأل هذا وذاك عن أخيه الصغير الذي لا يملك حتى صورة له ولكنه لا يعثر عليه.

ولا يجيبه أحد بجواب شافٍ. وتظل حليمة وزياد يسئلان الناس طوال الليل في المحطة حتى غادرت جميع القطارات وخلت المحطة تقريباً من المسافرين. ولكن الطفل لم يظهر كأن الأرض انشقت وابتلعته. تجلس حليمة تبكي على رصيف المحطة وتندب حظها قائلة: آه يا ولدي الصغير لو أنه مات أمام عيني لكان أهون عليّ من فقده. فعلى الأقل كنت سأعرف مكانه أما الآن فلا أعلم أين ذهب وهل هو جائع أم شبعان؟ هل سيشفق عليه أحد ويغطيه في هذا البرد أم لا؟

هل سيرحمون براءته أم سيتجرون في أعضائه كما هو منتشر هذه الأيام أو ربما يقتلونه للحصول على الكنوز المدفونة. فلقد حدث هذا مرة في بلدنا. ياويلي أين أجد طفلي يارب احفظه لي ولا تحرق قلبي عليه. وبينما هي تبكي وتندب حظها تسمع صوت معدة ابنها زياد. فتتذكر رغيفين الخبز التي أحضرتهم معها فتعطيه واحداً. وتشرع في أكل الآخر ولكنها تتذكر أن وحيد طفلها المفقود هو من طلب الطعام لأنه كان جائعاً.

فتنهار من البكاء وتسقط اللقمة من فمها على الأرض.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...