تنظر لبنى حولها فلا ترى إلا الظلام. تتذكر المنام الذي رأته، وأن ما يحدث الآن هو تقريبًا نفس الحلم الذي رأته. فتشعر بالخوف. تتحسس بيديها المكان: "أين أنت يا زياد؟ المكان مظلم جداً وأنا لا أراك. أنا خائفة، أرجوك لا تتركني." يعود به زياد ذاكرته للخلف، فيتذكر صوت وحيد عندما تركه على محطة القطار، ووحيد يقول له: "أرجوك لا تتركني يا أخي، أنا خائف."
يحرك زياد يده في المكان حتى يمسك بلبنى ويضمها لصدره قائلاً: "لا تخافي، أنا هنا معك ولن أتركك أبداً." تلف لبنى ذراعيها حول رقبته: "أنا لست قلقة أبداً مادمتَ معي." ثم تقرب وجهها ليلامس وجه زياد وتهمس في أذنه: "أنا أحبك يا زياد، أحبك من كل قلبي." ثم تقبله. لا يعيق زياد نفسه في نفسه: "وأنا أيضاً أحبك بجنون يا حبيبتي واشتاق إليكِ." ثم يبادلها.
فلاش للخلف، يتذكر زياد حديث عمه هاشم معه عندما ضبطه وقد سرق قطعة شوكولاتة من المحل وجلس يأكلها خلف الصناديق وهو مستمتع بها. قال هشام: "اسمع أيها الصغير، عليك أن تكون أميناً مع ممتلكات الغير. أعرف أنك جائع وأن قطعة الشوكولاتة لذيذة الطعم وأنت تشتهيها، ولكن عليك أن تتعفف عن الحرام مهما كانت رغبتك فيه قوية واحتياجك إليه شديد." وهنا يستفيق زياد من غفلته ويمسك لبنى من ذراعها ويبعدها عنه. قالت لبنى: "لماذا تبعدني عنك؟
أنت لا تزال تحبني، أنا شعرت بذلك من دفء أحضانك."
قال زياد: "أنا لن أنكر ذلك، فأنا مازلت متعلقاً بك بالرغم من كل ما فعلتيه معي، ولكننا تطلقنا ولم تعودي تحلين لي كالسابق. فلا يحق لي أن ألمسك وأفعل ما فعلته بكِ غيري. فأنا في النهاية لن أستطيع نسيان ما حدث من خيانة ولن أعود إليكِ مهما حدث. لذا فلن أستغلك أبداً. فقد تعلمت من عمي هشام أنه مهما كانت رغبتنا في الشيء الذي لا نملكه قوية، فالواجب علينا أن نحافظ عليه لأنه أمانة عندنا. نعم، أنا أرغب فيكِ بشدة وأكثر من أي امرأة قابلتها في حياتي. نعم، أرغب بشدة في تذوق الشوكولاتة، لكنها محرمة عليّ وليست ملكي، وفي نفس الوقت لا أستطيع سرقتها."
قالت لبنى: "لا أدري ماذا أقول لك؟ أنت أفضل شخص قابلته في حياتي، وللأسف أنا خسرتك." يمسح زياد وجهه بكلتا يديه: "متى سيصلحون عطل الكهرباء هذا؟ أين ذهب هذا العامل الغبي؟ ثم يضرب على باب المصعد بكلتا يديه بكل قوته: "هل هناك أحد بالخارج؟ قال حارس الشركة: "نعم، أنا هنا يا سيدي." قال زياد: "لماذا لم يعد التيار حتى الآن؟
قال الحارس: "يبدو أن العطل كبير هذه المرة، فالعامل المختص حاول إصلاحه ولم يستطع. فقد انفجرت الأسلاك فجأة فانصرف، وقال أنه سيعود في النهار كي يصلحها." قال زياد: "وما العمل الآن؟ قال الحارس: "سأفتح لك باب الطوارئ وأخرجك أنت والمدام." بينما تتقطع خيوط المصعد واحد تلو الآخر، يفتح الحارس باب المصعد وينظر إليهم من الأعلى بكشاف الضوء. قال زياد: "سأخرج لبنى أولاً، وأنت التقطها."
ثم يرفعها زياد ويسحبها الحارس لخارج المصعد. ثم يلقي بكرسي لزياد حتى يقف عليه، ثم يسحبه الحارس للخارج هو الآخر. وبعد أن يخرج زياد، يقول للحارس: "كيف عرفت أنني هنا؟ قال الحارس: "لقد تعودت أن تلقي عليّ السلام وأنت خارج كل يوم، ولكن اليوم خرج الجميع بعد انقطاع التيار ولم تمر عليّ، فشككت في الأمر وذهبت لمكتبك فلم أجدك، وأول ما تبادر في ذهني هو وجودك هنا." قال زياد ويربت على كتفه: "شكراً لك، وسوف يكون لك مكافأة كبيرة."
قال الحارس: "أنا لم أفعل ذلك انتظاراً للمكافأة، ولكن بسبب حسن معاملتك لي يا سيد زياد." قال زياد: "أنا ممنون لك بالفعل، هيا بنا يا لبنى." قال الحارس يمسك بكشاف الضوء وينزل الجميع على السلم حتى الطابق الثاني. قالت لبنى: "حقيبتي لا تزال في مكتبي." قال الحارس: "أنا أعرف مكتبك يا مدام لبنى، وسأحضرها لك." ثم يغيب لحظات ويحضرها. ثم ينزلون حتى الطابق الأول، وفجأة يسمعون صوت اصطدام قوي بالأرض. لبنى ترمي في حضن زياد.
قال زياد: "ما هذا الصوت؟ يجري الحارس ناحية الصوت ثم يعود مسرعاً: "لقد سقط المصعد يا سيدي، الحمد لله أنكم خرجتم منه في الوقت المناسب." قال زياد: "الحمد لله، فما كنا لننجو من هذه السقطة أبداً." قالت لبنى: "لقد رأيت ذلك في حلمي وكأني خسرتك أنت والطفل، ولكن الحمد لله أنه لم يتحقق." قال زياد: "أهدئي، لقد نجونا الحمد لله. تعالي لنغادر، وغداً صباحاً سنصلح كل شيء."
ويخرج الجميع، ويغلق زياد باب الشركة، ثم يتصل بالمهندس المسؤول ويطلب منه الحضور غداً هو وفريق الصيانة حتى يصلح المولد والمصعد. وبعد أن ينهي المكالمة، ينظر لبنى قائلاً: "تعالي، سأوصلك." قالت لبنى: "لا داعي لذلك، سآخذ سيارة أجرة، فأنا لا أريد تعطيلك أكثر من ذلك، فقد تأخر الوقت كثيراً." قال زياد: "لهذا السبب بالتحديد أريد توصيلك، فلن آمن عليك وأنت وحدك في هذا الوقت، كما أنني أريد الذهاب لزيارة الخالة سعدية كما اتفقنا."
تركب لبنى معه كي يوصلها، ثم يضع زياد هاتفه في شاحن السيارة كي يشحنه. قالت لبنى: "ما حدث اليوم شيء مخيف حقاً؟ وكان من الممكن أن نكون داخل المصعد حين سقط." قال زياد: "كلامك صحيح، ولكن الله سلّم." وبينما يتحدث زياد مع لبنى، يتلقى اتصالاً هاتفياً. وعندما ينظر زياد للهاتف يجد رقماً غريباً، فيرد عليه. ولكن وجهه يتغير فجأة ويظهر عليه الحزن، وتنزل دمعة من عينه فيمسحها سريعاً، ثم يشكر المتصل ويغلق الهاتف. ثم ينظر نحو لبنى.
قالت لبنى: "لماذا تنظر إليّ هكذا؟ انظر للطريق التي أمامك حتى لا نتعرض لحادث." قال: "أحياناً ننظر ولكننا لا نستطيع الرؤية جيداً، فبالرغم من كون أعيننا سليمة، ولكنها أحياناً تخدعنا فلا نرى الحقيقة." قالت: "أنا لا أفهم كلامك، فأنت تتحدث بالألغاز." قال: "لقد وصلنا، ومادمت جئتُ إلى هنا فسأذهب لأطمئن على خالتي سعدية، فكم أكلت من طعامها الطيب وأريد أن أشكرها على كل شيء فعلته معنا."
ينزل زياد من السيارة ويمسك يد لبنى التي تنظر له باستغراب، ثم يصعدا السلم. وبينما ينظر زياد نحوها يراها تعاني في الصعود، فيقول لها: "توقفي يا لبنى." قالت لبنى: "لماذا؟ هل هناك شيء؟ قال: "نعم، هناك شيء عليّ أن أفعله." ثم يحملها ويصعد بها السلم. قالت: "ماذا تفعل؟ قد يرانا أحد الجيران، ماذا سيقولون عني؟ قال: "الوقت قد تأخر والجميع نيام، وحتى لو رأوناسأقول لهم أنني زوجك."
تلف لبنى يديها حول رقبة زياد وتنظر إليه بينما يصعد السلم، وتقول لنفسها: "لم أندم لحظة على ما فعلته من أجلك يا زياد، فأنت تستحق ذلك وأكثر." يصل زياد لباب الشقة وينزلها. قالت لبنى: "هلا أخذت المفتاح وفتحت الباب لو سمحتِ." يأخذ منها زياد المفتاح ويفتح باب الشقة. وبعد أن يدخلا، يمسك زياد لبنى من يدها ويصحبها نحو الأريكة ويجلس بجوارها. قالت لبنى: "هل كنت ستخبرهم فعلاً إنك زوجي لو شاهدونا؟ قال زياد: "نعم، وما المانع؟
قالت: "أنا متعجبة فقط من تغيرك المفاجئ، فلم أتصور أنك قد تسامحني يوماً." قال: "لا أدري من منا يجب أن يسامح الآخر." ثم يمسك يديها بكلتا يديه قائلاً: "هل تقبلين أن تتزوجي بي؟ تغمض لبنى عيونها وهي سعيدة: "بالطبع أوافق، ولكن ماذا حدث كي تغير نظرتك لي بهذه السرعة؟ فعندما كنا في مصعد الشركة منذ قليل أخبرتني أنك لن تستطيع أن تسامحني أبداً."
قال زياد: "سأخبرك غداً بكل شيء، ولكن الآن اذهبي وانظري إن كانت الخالة سعدية مستيقظة أم لا حتى أسلم عليها." قالت لبنى: "أظن أنها نامت، فليس من عادتها أن تسمع صوت الباب ولا تخرج، ولكن سأتأكد." ثم تدخل للغرفة وتخرج مسرعة: "لو سمحت يا زياد، اتصل بالطبيب بسرعة، فالخالة سعدية جسدها بارد وعيونها شبه مفتوحة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!