ازيكم عاملين ايه
البارت الجاي هو آخر بارت في الجزء الأول كومنتس بقا بتوقعاتكم الجاية ايه اللي هيحصل في آخر البارت و فوتس، كل واحد يحط فوت و ترقبوا البارت الجاي هحط فيه كل اسماء القراء الغاليين الخاصين بوتباد فقط
جاهزين؟؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل التاسع و الأربعون [شد أعصاب]
سلمى خالد احمد
***************
وبعدما عرضت له كل الأدلة التي تدين زوجته، وذلك لأن حليمة وفاطيمة قد قدمتا كل ما لديهما من أدلة ضد الفتاة، اقترب من زوجته وسألها بنبرة مليئة بالغضب:
_ انتي عملتي كدا فعلا؟
انتي روحتي لدجال فعلا؟
انتي مشيتي في طريق الدجل والشعوذة دا وأشركتي بالله وسلمتي نفسك وجسمك وجوزك لشيطان؟
تكلمت عبير في صوت عالي:
_ ما تنطقي ولا بلعتي لسانك؟
كانت دموع الفتاة تنهمر على خديها كالامطار، فسحبها فاتح من يدها وبدأ يتجه بها نحو السلم متجه إلى غرفته، لتقول أمه في اعتراض واضح:
_ رايح بيها على فين؟
اقف هنا عايزين نسمع كلنا
لم يرد عليها بل تابع في سحب زوجته والسير بها في خطوات سريعة مليئة بالغضب.
كادت روني أن تتدخل، ولكن هانيا منعتها قائلة:
_ لا عندك استني، خليها هي وجوزها يتفاهموا الأول بلاش احنا ندخل، يزيد و جياد مش هنا ولا حتى الشيخ، كلهم سافروا على ألمانيا خلاص، انا لسه راجعة انا وفاتح بعد ما وصلناهم
سمعت لها روني فهي لم تود أن تُحدث أي مشاكل من أي نوع معهم خوفًا منهم على نفسها وعلى طفلها وخاصة أن زوجها ليس هنا.
وفي الأعلى خاصة داخل غرفة فاتح و مايا، قالت له بصوت متحشرج ودموع تنساب بلا توقف:
_ آه... آه انا فعلا روحت لدجال، اقسم بالله هقول الحقيقة كلها اوعدك والله ما هكذب بس.. بس انت تديني فرصة وتصدقني، تديني فرصة وتسمعني، أنا.. أنا اقسم بالله ما عملت سحر ولا كنت رايحة له على انه دجال، اقسم بالله كنت فكراه شيخ والله العظيم كنت فكراه شيخ، شيخ بيفك الاسحار والأعمال، أنا.. أنا... أنا يا فاتح بنت ناس محترمة وخارجة من بيت محترم وواحدة عندها دين وأخلاق وعارفة الصح من الغلط.. انا عمري ما اروح لدجال ولا أشرك بالله ولا اعمل سحر ولا كل كلام الجهلة دا، أنا..
صرخ في وجهها مقاطعًا:
_ اومال اللي انا شفته بعيني دا كان إيه؟
الراجل قاعد بيقول تعاويذ وبيحط ايده على جسمك وانتي زي الجاموسة بالظبط قاعدة ساكتة كأنه مش بيعمل حاجة، التيشيرت بتاعي بيعمل إيه هناك؟
دخولك وخروجك اكتر من مرة لبيت الراجل دا معناه إيه؟
ردت والدموع تزداد وصوتها بات مختنقًا:
_ والله العظيم عمتك اللي قالت لي عليه، اقسم بالله دا حصل، كنت قاعدة بعيط ومنهارة قدام البسين والله كان دا المكان راحت قالت لي مالك، قولتلها زعلانة لاني لسه مش حامل انت عارف اني عندي هاجس الحمل دا ونفسي من زمان ربنا يرزقني بطفل منك...عارف، عارف كويس انا بحبك قد إيه وازاي بحترمك انت عارف، قالت لي دا حسد او عمل معملولك علشان متخلفيش، تعالي معايا عند شيخ كويس يشوفك وهو قالي كل المعلومات بالظبط وانا صدقته ووثقت فيه وبقيت أروح له جلسة ورا التانية وهو في الأول كان يديني بمية بقرآن وحاجات من دي وبعد كدا بقا يكنسل او انا اكنسل واخر مرة دي بقا اللي قاعد يلمس فيا قالي لو اتحركتي حركة واحدة بس الجن اللي عليكي دا هيبهدل الدنيا، هو...
قاطعها ساخرًا:
_ والله!
وانتي صدقتي الهبل دا صح؟ بسرعة اقتنعتي؟
_ هو، هو، هو استغل جهلي، انا أسفة حقك عليا والله ماكنت اعرف انا أسفة، بس هي عمتك السبب هي...
قاطعها صارخًا بشكل قوي:
_ بس اخرسي ومتقوليش عمتك، عمتي عمرها ما تعرف دجالين ولا مشعوذين، مش معنى انك غلطتي انك تلزقي الموضوع في اي حد، وليه اصلا عمتي تعمل معاكي كدا؟
انتي من زمان اللي مجنونة وعمالة تتنططي عايزة عيل عايزة عيل ومش عايزة تستني ولا تصبري، فمتحمليش اخطاءك على حد
كانت تهز رأسها بالنفي مرات متتالية سريعة وهي تحدق به في صدمة والدموع تملأ جفناها وصرخت وسط بكائها:
_ والله هي اللي ودتني اقسم بالله هي، هي عايزة تخلينا نطلق كلنا انا واخواتي، هي وحليمة عايزين كدا، هي اللي قالت لامك ازاي عرفت طيب، صدقني بالله عليك صدقني
_ والتيشيرت بتاعي بيعمل ايه عنده؟
يا ترى بيفك السحر بيه؟
_ مودتش حاجة هناك والله ما وديت حاجة، مش عارفة ازاي راح عنده بس أكيد عمتك اللي ودته بردو، هما طلعوا تبع الدجال دا، حتى أسأل جياد، أسأل جياد لو مش مصدقني أسأل جياد، انت بتثق في جياد صح؟
هو عارف بكل دا وكان بيدور ورا كل دا وهو بعت راجل ليه يروح عند الدجال دا، انا قلت لجياد كل الحقيقة هما كانوا بيهددوني، انا خفت، انا خفت منك خفت اقول، هما استغلوني هما استغلوا خوفي هما...
قاطعها قائلًا في تحذير وهو يصدر في وجهها سبابته ويحدق بها:
_ اسكتي، اسكتي خالص، إيه عايزة تطلعي عماتي شياطين؟
وحتى وان كان هما السبب، انتي عيلة يعني؟
ازاي تسلّمي ودانك وتسمحي لنفسك تروحي هناك من ورايا، ازاي تسمحي لنفسك بأنك تغفليني وتخرجي من ورايا او تكذبي عليا وتقولي رايحة مكان معين ومتروحيش وتروحي عند المجرم دا؟
حتى لو هما اللي دلوكي، انتي مش بريئة قدامي نهائي ولا معصومة، انتي واحدة كدابة ومخادعة، مصنتنيش وخرجت من بيتي بدون علمي وراحت لمكان قذر زي دا، واحدة خبت عليا الحقيقة واستغفلتني وقال رايحة تقولي لاخويا الصغير، بدالي!
واحدة حتى وقت الشدة مشفتنيش الملجأ ليها وخبت عليا كل حاجة، ازاي عايزاني اثق فيكي بعد كل دا ها؟
ازاي عايزاني اصدقك تاني اصلا!
صاح في نبرة أقوى وأكثر حدة:
_ كام مرة قولتلك مش عايز زفت عيال ومش مستعجل؟
كام مرة قولتلك بطلي نكد وغباء بقا، كام مرة قولتلك اهدي وكله بأمر الله؟
كام مرة كام مرة فهمتك كام مرة ها كام مرة!
كان جسدها يرتعد وصدرها يعلو ويهبط وانفاسها عالية متلاحقة والدموع لا تتوقف.
هز رأسه بالسلب وتابع:
_ للأسف دموعك المرادي مش هتشفع لك حتى، انتي اللي زيك ماينفعش اخليها على ذمتي بعد النهاردة
صرخت وهي تنكب على يديه تقبلهما تصرخ في قهر:
_ لا لا ابوس ايدك ابوس ايدك يا فاتح متطلقنيش ابوس ايدك، انا مقدرش اعيش من غيرك يا فاتح والله اموت فيها اقسم بالله اموت فيها
أفلت يديه عنها وهو يبتعد، يعود إلى الخلف بضع خطوات وهو يحدق بها وحسب بنظرات مليئة بالغضب الشديد، كانت تبتلع ريقها، تلتقط أنفاسها في صعوبة ولفظت في صعوبة أيضًا:
_ متعملش فيا كدا يا فاتح، ارجوك متعمل فيا كدا، اعمل فيا اي حاجة خد حقك بأي شكل رد كرامتك بالطريقة اللي تعجبك بس ارجوك متطلقنيش، كله إلا دا يا فاتح ارجوك لا يا فاتح ارجوك لا ارجوك..ارجوك
كان يرميها بنظرات جامدة ورد:
_ الزمي الاوضة دي، مش عايز اشوف خلقتك تحت في القصر، سامعة؟
هزت رأسها مؤكدة بسرعة وردت:
_ سامعة سامعة واوعدك عمري ما هعمل أي حاجة تانية غير بإذنك غير ما يكون عندك علم بيها اوعدك والله
تقدم نحو باب الغرفة في خطوات سريعة ثم خرج وغلق الباب خلفه ونزل على السلم في سرعة درجتين درجتين.
وفي الأسفل كان الجميع في انتظاره وبمجرد أن نزل، السيدات وقفن وسألته والدته:
_ عملت إيه؟
طلقتها؟
يلا طلقها وخليها تغور في داهية من هنا
فقالت روني:
_ لا يا فاتح اوعى تعمل كدا، مايا بتحبك واقسم بالله متورطة، متورطة في الموضوع دا كله وأكيد هي حكت لك
التفت إلى عمتيه وسألهما:
_ انتوا السبب؟
انتوا اللي وديتوا مايا هناك؟
لتصيح فاطيمة:
_ والله!
هي قوام لحقت تعلق نتيجة أخطائها علينا ولا إيه؟
لتتابع حليمة:
_ انت اتجننت يا فاتح؟
بقا بعد العمر دا كله جاي تتهمنا احنا بحاجة زي دي؟
لتتجاوب والدته معهما على نفس الخط:
_ اه طبعا شافت نفسها رايحة في داهية راحت قالت أما ادخل الكل فيها، بقا بسهولة تخليك تشكك في عماتك اللي في مقام امك وانت كدا عادي تصدق؟
دا ناقص تقولك امك كانت معاهم كمان وانت عادي تصدق؟
لتضيف حليمة:
_ والله دا اللي كان ناقص، تخليك تشك فينا وتفتكر إننا نعمل الفعل القذر دا!
لتختتم فاطيمة:
_ واحنا يا ابني بتوع الكلام دا ولا السكك دي؟
من امتى يعني؟
جاي تتعرف علينا اليومين دول ولا ايه؟
ايش حال اننا اللي مربينكم وكلنا متربين مع بعض اساسا وعيلة من زمان!
لتؤكد عبير:
_ ايوا، آثار السحر بقا، جاي بعد العمر دا كله يشكك في اهله لحساب مراته الدجالة الكدابة، بدل ما يطلقها ويرميها لأهلها ويخلصنا منها!
ثم قالت له:
_ طلقها يلا وارميها برا القصر دا يلا
رد في نبرة محملة بالغضب:
_ محدش ليه دعوة ومحدش يدخل فيا ولا في حياتي ولا يقولي اعمل ايه ومتعملش إيه، تمام؟
انا كدا كدا هتأكد بمعرفتي
انهى كلامه ثم خطى بخطوات سريعة نحو الخروج من القصر، لتتحرك هانيا تود أن تلحق به، ولكن عبير تمنعها قائلة:
_ استني عندك يا بنت حورية يا أم بوز، ملكيش دعوة بابني يا حرباية انتي كمان، ولا عايزة تأثري عليه وعلى قراره؟
ابني هيهدى وهيجي يرمي اختك برا القصر وهيرمي عليها اليمين، والدور الجاي عليكي انتي والزرافة اللي واقفة جمبك دي، عقبال ما اخلص منكم انتوا التلاته يارب قريب
نظرت إليها هانيا في ضيق وقالت في صوت عالي ومسموع:
_ هو انتي بتعملي معانا كدا ليه؟
احنا عملنالك إيه من وقت ما دخلنا القصر دا؟
_ انتي بالذات متتكلميش، انتي عملتي فابني كتير وآخرهم موّتي ابنه بغبائك.
خطتكم هتفشل يا بنات السلاب انتوا وابوكم اللي دخلكم هنا علشان تكوّشوا على كل حاجة.. مش هتاخدوا حاجة لا الفلوس ولا عيالي حتى هسمح لكم تاخدوهم مني
ابتسمت هانيا وردت ساخرة:
_ تفتكري؟
انتي شايفة فعلا إننا واخدين عيالك منك؟
تنهدت واضافت:
_ انا لو منك كنت كسبت مرتات عيالي الجامدين دول اللي واخدين مني عيالي، لصفي واخليهم يحبوني واحبهم علشان أأمن شرهم المفروض.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وتابعت:
_ عبير هانم، صدقيني انا لسه مأخدتش منك ابنك، بس لو عايزة فعلا هعمل كدا، هوريكي يعني إيه بنت بتخطف راجل من اهله بجد.. هخلي ابنك دا يبنيلي فيلا برا حدود زايد خالص وامنعه من زيارتك حتى وصدقيني انا قادرة أعمل كدا بالطريقة، بس انا اللي مش بعمل دا ويشهد ربنا اني عمري ما وقعته فيكي ولا عمري كلمته باسلوب وحش عنك واني دايما بطنشك وبطنش أفعالك بس...
تكلمت في نبرة أكثر جدية:
_ لو فضلتي تتحديني وتدايقني وتبطلي تحترميني لهوريكي مين هي بنت حورية ام بوز بجد اما تقلب بوزها بتبقا عاملة ازاي.
وساعتها ابقي خلي اللي جنبك دول اللي بتسمعي لهم ينفعوكي.
ردت في غضب تصيح:
_ انتي بتهدديني يا جربوعة؟
_ اه بهددك انتي لسه بتسألي؟
جياد يرجع بالسلامة والقصر دا كله لا يعنيلي، هروح اعيش في بيت ليا مخصوص وابقى هانم فيه معززة مكرمة، هاخد ابنك منك بجد بقا علشان تعرفي الفرق..
سكتت قليلًا... ثم ردت في نبرة أكثر استفزازًا:
_ او ممكن اخده واروح اعيش في شقتي اللي جبهالي من بالم هيلز مخصوص ليا وكتبها باسمي.. ابنك وفلوسه و كله على بعضه، ليا ومعايا، هوريكي يعني ايه حربقة بقا من اللي قلبك يحبه واشبعي بالقصر دا كله انتي والعقارب اللي واقفين جمبك دول
كانت تحدق بها في عدم تصديق حتى أن حليمة وفاطيمة لم تصدقا أن ذلك الكلام صادرًا على لسان هانيا، هانيا خصيصًا!
اما روني فكانت تبتسم بشكل واسع فخورة بأختها وبما تقوله.
اختتمت حديثها قائلة:
_ براحتك.. كدا كدا أخري في القصر دا أيام معدودة واول ما جوزي يرجع بالسلامة لا هتشوفي وشي ولا وشه تاني، انا عارفة ازاي ممكن اكرّهه فيكم كلكم وصدقيني جياد رهن اشارتي وعمره ما هيرفض لي طلب وانتي عارفة كدا كويس.
وساعتها كلنا هنشوف، هيختارك انتي ولا أنا!
وكدا كدا الإجابة محسومة، وانتي عارفاها.
انضمت إليها روني أي وقفت بجانبها وقالت:
_ ومش بس هانيا وجياد اللي هيمشوا، لا، انا ويزيد هنخرج بردو، خلي القصر يفضا عليكي انتي وشوية الحرابيق دول، مبروك عليكي القصر، خسرتي ولادك بسبب طريقتك والجفا والمعاملة القذرة اللي بتعاملينا بيها، وزي ما هانيا قالت لك بالظبط، هنوريكي مين هما بنات السلاب وحورية، حورية اللي زمان خدت جوزها من حماتها بردو أما كانت بتحربق عليها هي وعماته.
ثم مسكت في يد أختها وذهبتا معًا في خطوات مليئة بالثقة.
أما عبير فلم تصدق ما قيل لها فأخذت تهز رأسها بالسلب تقول:
_ لا، لا عيالي لا، هياخدوا مني عيالي، بنات حورية هياخدوا مني عيالي
لتقول لها فاطيمة:
_ اياكي تخافي ميقدروش يعملوا كدا وبكرة تشوفي احنا ازاي هنربيهم...
*********
دخل شهاب غرفة زوجته النائمة وأخذ يقترب منها ثم قال في نبرة بها الهدوء:
_ قومي يا ماهي.. حسن برا وعايز يتكلم معاكي شوية، ارجوكي مترفضيش هو عايز يساعدك مش أكتر ياريت تقومي بقا، دا ليكي علشان تبقي افضل انتي وزين يا حبيبتي
التفتت إليه وكالعادة منذ مدة قصيرة، وجهها شاحب وعينيها متورمتين وقالت له:
_ مش عايزة اتكلم مع حد، لو عايزني ابقى افضل، مشّي الدكتور دا وتعالى اقولك انا هبقى افضل ازاي.. لازم نتكلم، وصدقني اللي هقولك عليه دا لو عملته زي ماهو كدا هبقى افضل
هز رأسه موافقًا وخرج للطبيب أخبره بأن يأجل معاد جلستها بسبب سوء حالتها ورفضها القطعي اليوم ثم دخل لها بعدما غلق الباب بالمفتاح حتى لا تدخل منى عليهما، واقترب حتى جلس على السرير جوارها وقال:
_ قوليلي يا روحي ايه الموضوع؟
أطرقت.... ثم ردت بعد حين:
_ طلقني....
صدمته كلمتها وبدت علامات الاستغراب على وجهه وتابعت:
_ لو بتسأل إيه الحاجه اللي هتخليني افضل فهو انك تطلقني وتبعد عني نهائي وانا هبقى كويسة بدون طب نفسي ولا حوارات كتير
رد في هدوء نسبي:
_ طب اهدي بس، أكيد الأمور مش بتتاخد كدا.. احنا فيه بينا طفل و..
_ شهاب انا مش بقولك قرار قابل للنقاش اصلا، لا، انا بقولك انت هتعمل كدا اصلا، انت هتطلقني يعني هتطلقني!
_ ليه يا ماهي بس ليه؟
انا مش فاهم انا عملت إيه بجد، كل الموضوع إني
قاطعته في نبرة صوت عالية:
_ شهاب انا مش عايزة اسمع ولا كلمة، ولا عايزة تبرير ولا عتاب انا بقولك طلقني يبقى طلقني وبس كدا.
وبالنسبة لحقوقي عايز تدفعها، ادفعها مش عايز براحتك انا مش عايزة اي حاجة غير سلامي النفسي وراحتي كفاية اوي اللي حصلي دا
_ وانا عايزك يا ماهي، عايزك انتي وابني وعايز نك...
_ وانا مش عايزاك يا شهاب ولا عايزة أكمل معاك، إيه هتعيشني معاك بالعافية؟
رد في غيظ:
_ في حاجة حصلت وانا لازم افهمها، لازم تقوليلي مالك وإيه اللي غيرك كدا وفي إيه و..
صاحت في غضب:
_ مفيش حاجة ومش عايزة أي حاجة غير طلاقي منك.. انت مش كنت بتسأل عن حالتي النفسية وقلت لي اهم حاجة عندي انك تبقي كويسة؟
انا اهو بقولك انا هبقى كويسة امتى، هبقى كويسة لو طلقتني، خلصني بقا وطلقني
ابتلع ريقه شاعرًا بتعسر موقفه مصدومًا من تغيرها المفاجئ وقرارها ذلك ...ولكنه رد:
_ وانا مش هطلقك يا ماهي، اللي بينا هيتحل
صاحت في ضيق:
_ وانا هطلق يا شهاب يعني هطلق والا هرفع خلع، بلاش تخليها توصل لمحاكم بينا.
وقف وقال لها في ضيق:
_ ارفعي قواضي يا ماهي واعملي اللي تعمليه بس انا مش هطلقك.. انا عايزك انتي وابني ومش هسيبكم
انهى كلامه وبدأ يتجه نحو الخروج وهي لا تزال تصيح:
_ هتطلقني ورجلك فوق رقبتك
وبمجرد ان فتح الباب، وجد منى في وجهه تقول:
_ طلقها وخلّصها ومتبقاش كلح
صرخ فيها بحدة:
_ انتي السبب في كل دا اصلا، عملتي إيه؟
قولتلها إيه؟
امشي اطلعي برا غوري يلا
لتصرخ ماهي بمجرد أن سمعت ذلك:
_ انت اللي تمشي مش هي، ولا نسيت ان الشقة بتاعتي!
تجمد مكانه ما إن سمعها تقول ذلك وهو يرى الابتسامة على ثغر منى.. وفي هدوء استدار إلى زوجته وظل ينظر إليها وحسب دون أن ينطق... فأشاحت بوجهها بعيدًا عنه حتى لا تلتقي أعينهم فهز رأسه موافقًا ثم قال في هدوء:
_ معاكي حق، انا اللي المفروض امشي فعلا، الشقة بتاعتك صح، الحمدلله إني ماخدتش منك جنيه قبل كدا أما عرضتي والا كان زمانك بتعايريني.
ثم تحرك صوبها وتابع وهو يقف أمام موضع جلوسها بالضبط:
_ تمام، اهم حاجة عندي انك تكوني مرتاحة فعلا ولو طلاقنا هيريحك، فأنا عنيا ليكي.
ثم قام بخلع خاتم الزواج من أصبعه ووضعه على الكومودينو الذي يقع جانب السرير.
تحرك حتى الخزانة وفتحها، أخرج الحقيبة وبدأ يضع ملابسه فيها وأشيائه.
كانت منى تعقد ذراعيها أمام صدرها وتهز ساقها.
بينما ماهي ألقت نظرة باهتة من عينيها المتورمتين نحو خاتمه الذي تركه بجانبها، ثم نظرت إليه ،وهو يولي لها ظهره يجمع ملابسه، بنظرة يائسة لا أمل فيها ولا رجا، أجمعت قوة وهمية ووقفت قليلًا تنظر نحو زوجها وهو يلملم أشيائه ولا يراها، وفجأة ركضت، وليس كأي ركض بل انطلقت كالسهم، دفعت باب البلكون بكلتا يديها وقفزت سريعًا فوق الكرسي ثم وضعت رجلها اليمنى على السور وتحاملت على رجلها تلك لرفع باقي جسدها ...ولكن شهاب سحبها من خصرها بكلا ذراعيه في سرعة رهيبة وعاد بها إلى الوراء، ومن هول الصدمة التي هو بها لم يستطع أن يقف على رجليه، لذا سقط على ركبتيه بها وهو يهمس في خفوت ويلتقط أنفاسه في صعوبة:
" أعصابي... أعصابي.. أعصابي حرام عليكي "
أما منى فقد وقعت على السرير بعدما رأت المشهد ومن الرعب الذي انتاب عليها بدأت تبكي وجسدها يرتعش ما إن شعرت أن ما كان بينها وبين أن تفقد صديقتها، ثوان..
صرخت وهي بين يديه تجلس على الارض:
_ ليه أنقذت حياتي ليه، ليه ليه انت مالك انت مالك انا عايزة أموت انت مالك، سبني في حالي بقا سبني سبني
سقطت الكلمات من فمها كالسكاكين، وهي تضرب ذراعيه القابضين عليها بقبضتيها في ضعف ويأس، بينما كان لا يزال يحتضنها بقوة من ظهرها، وكأنه يخشى أن تفلت منه للحظة واحدة.
ارتجفت يداه حول خصرها.
لم يكن قد استوعب بعد ما حدث.
ثانية واحدة...
ثانية واحدة فقط وكان سيصل متأخرًا.
وكان سيحمل جثمانها بدلًا من أن يحملها بين ذراعيه الآن.
أغلق عينيه بقوة وأخذ يلتقط أنفاسه المتقطعة بصعوبة، بينما قلبه يضرب داخل صدره بعنف حتى شعر أنه يؤلمه.
ثم رفع يديه المرتجفين و أدارها إليه على عجل، كأن قلبه لم يعد يحتمل أن يراها منهارة دون أن يرى وجهها، بعدما كان يحتويها من ظهرها، ثم احتوى وجنتيها بين كفيه لثوان ينظر إليها وإلى كل ذلك القهر والانكسار الظاهر على ملامح وجهها.
وبرفق ووضع يده خلف رأسها، وجذبها أكثر إلى صدره وقال بصوت مبحوح بالكاد خرج:
_ بس... بس يا ماهي... بس...
كانت تبكي وتصرخ في حضنه:
_ سيبني... سيبني أموت... سيبني...
أخذ يهز رأسه رافضًا بعنف:
_ لا... لا... لا...
ثم أمسك وجهها بين كفيه وأجبرها برفق أن تنظر إليه كانت دموعها تغطي وجهها بالكامل.
أما هو فكان شاحبًا بصورة مخيفة.
عيناه محمرتان، وأنفاسه مضطربة، وملامحه فقدت كل لون.
حدق فيها للحظات طويلة تلك المرة وكأنه يتأكد أنها ما زالت أمامه، ما زالت تتنفس ما زالت حيّة ثم بدأ يمرر يديه على وجنتيها يمسح دموعها المرتجفة وهو يردد:
_ بس يا حبيبتي... بس... أنا هنا... أنا جمبك... بس... اعملي فيا مهما تعملي يا ماهي مش هسيبك يا قلبي بس..
ارتعشت شفتاها بقوة وقالت في انهيار:
_ أنا تعبت، تعبت مش قادرة...
انقبض قلبه أكثر فأعادها إلى صدره مرة أخرى ولف ذراعيه حولها بقوة، قوة رجل يحاول أن يمنع العالم كله من خطفها منه
وقال بصوت مختنق:
_ انا جمبك متسيبينيش، متعمليش فيا كدا...
بدأ جسدها كله يهتز من شدة البكاء، بينما كان يربت على ظهرها بحركات متواصلة وكأنه يهدئ طفلًا مذعورًا:
_ اهدي... اهدي يا روح قلبي... بس...
وفجأة...ارتفع رأسها عن صدره قليلًا وتوقفت أنفاسها للحظة.
ثم خرجت منها صرخة.
صرخة لم تكن عالية بقدر ما كانت موجعة.
صرخة خرجت من أعماقها..
ففي سرعة ضمها إلى صدره فأصبحت صرخة شبه مكتومة داخل صدره، لكنها كانت تحمل من الألم ما جعل منى تنتفض مكانها.
دفنت وجهها داخل عنقه أكثر وهي تصرخ ووتأوه:
_ آآآآه...
صرخة طويلة، ممزقة كأنها كانت تحاول أن تخرج كل ما بداخلها من قهر دفعة واحدة.. كل الخوف، كل الذنب، كل الانكسار.
كل ما حملته وحدها طوال الأيام الماضية.
ارتجف جسدها بعنف بين ذراعيه بعد الصرخة، ثم انهارت تبكي بصورة هستيرية.
أما شهاب فقد أغلق عينيه بقوة وهو يضمها إليه أكثر وكانت يداه ترتجفان دون إرادة لا يفهم ماذا يحدث ولا لماذا وصلت إلى هذا الحد ولا أي وجع تحمله داخلها.
لكنه كان يشعر بشيء واحد فقط أنه لو فقدها الآن، فلن يسامح نفسه ما بقي له من عمر...
لم يتوقف عن ضمها إليه أكثر فأكثر ولم يتوقف عن محاولة تهدئتها، يمرر يده على شعرها، يربت على ظهرها يتفوه بكلمات كثيرة لجعلها مطمئنة.
وعقب وقت، هدأت.. سكت عنها الصراخ وتوقفت الدموع وباتت كدمية في يده بلا حركة.
حاول النهوض بها وبالفعل نجح.
حملها وتحرك بها إلى الداخل، إلى السرير ثم وضعها عليه برفق بعدما تأكد أنها نامت.
استلقى جوارها وضمها إلى صدرها وبدأ يربت على ظهرها يهمس جانب أذنها:
_ متخافيش يا قلبي انا معاكي ومش هسيبك ابدا مهما حصل ومهما عملتي، انا هنا... انا معاكي..
وفي تلقائية منها، قبضت على قميصه ناحية صدره في قوة، كأنها تخشى رحيله او بعده، فهي به مطمئنة.
أما منى فمازال صدرها يعلو ويهبط في خوف تحاول رويدًا أن تطمئن وكلما تذكرت الموقف، ينقبض قلبها أكثر.
ظلت واقفة تراقب ماهي وهي داخل حضن زوجها الذي كان يحتويها بكل جسده، تُتَمتم:
" وقعتي قلبي يا ماهي، حرام عليكي يا ماهي وقعتي قلبي وسيبتي أعصابي كلها.."
وبعدما نامت وتأكد شهاب من ذلك بدأ يبتعد عنها شيئًا فشيئًا في هدوء، حتى تأكد أنها لم تشعر به ولا بذهابه وعليه، جرّ منى من ذراعها في قليل من العنف وخرج بها من الغرفة.
وبمجرد أن خرج، غلق الباب وابتعد بها عن الغرفة وقال لها في نبرة صوت حادة:
_ انتي هتقوليلي مراتي مالها ولا اقتلك وادفنك مكانك دلوقتي؟
حاولت افلات ذراعها منه وهي تقول:
_ اوعى سيب دراعي، انا معرفش هي مالها معرفش
_ لا انتي عارفة، فيه حاجة انتي مخبياها عليا وفيه تصرفات صادرة منك غريبة بقالها فترة، فانطقي أحسن لك
_ قولتلك معرفش حاجة انت ايه غبي؟
سيب دراعي كدا ولا انت علشان مش عايز تحمل نفسك مسؤولية اللي هي فيه، جاي تطلعه عليا؟
ردت في ضيق منه:
_ انت السبب يا شهاب في اللي ماهي فيه محدش غيرك، انا بس نفسي تطلق منك لانها طول الوقت مأذية بسببك.
اديك شفت بنفسك، اول ما خلعت الخاتم من ايدك وبدأت تلم هدومك، كانت هترمي نفسها من البلكونة، كل دا ومش شايف انك السبب وانك اللي بتأثر فيها وعليها؟
رد في نبرة بها الغضب دون أن يرتفع صوته:
_ وهي عايزة تطلق مني ليه يعني، ليه فجأة اتغيرت كدا ليه؟
_ لأنها تعبت، تعبت منك طبعا ومن اسلوبك وطريقتك وتحكمك فيها، فكرت تاخد قرار ومع أول قرار، كانت هتنتحر.
افلتت يدها منه وتابعت:
_ كل اللي ماهي فيه دا، بسببك انت، انت وبس، حطها حلقة في ودانك
تركته وتحركت وما إن رآها تتجه نحو غرفة زوجته، حتى اعترض طريقها قائلًا:
_ مش هتدخلي اوضتها تاني ولا هتباتي معاها تاني، انا اللي هنام عندها في مكاني وعلى سريري ولو اصريتي، همسكك ارميكي برا الشقة ومش هيفرق معايا حاجة، اوكيه؟
ثم تحرك بالفعل نحو الغرفة ودخلها.
نظر إلى منى بقرف قبلما يغلق الباب ثم غلقه في وجهها.
زفرت في غيظ وتمتمت:
" غبي "
************
كان يسير بجانب الفتاة بعدما انتهى الفرح، وبدأ الكل يغادر، قال لها في ابتسامة:
_ رقصك كان جامد الصراحة
اطلقت ضحكة رنانة، استقرت في قلبه وردت:
_ وانت رقصك كان اجمد
_ اسمك إيه بقا؟
_ مِيسا
ابتسم ورد:
_ تؤ، الحقيقي
_ لميس، بس انت تقدر تقولي يا ميسا، يا...
_ باسم.. باسم عواد الشمري، مدير تصميم في شركة الزيني بتاعت خالو، الشيخ عبدالله الزيني
ردت في اعجاب:
_ انت اللي يليق عليك تبقى مدير فعلا.
شعر بالفخر بنفسه ورد:
_ Thank you ,misa.
حاليا همشي لاني بس مستعجل ورايا كام حاجة كدا ولازم يخلصوا..
مد لها هاتفه المجهز على شاشة الاتصال وتابع:
_ بس ممكن النمبر؟
أخذته منه وبدأت تكتب رقمها وسجلته أيضًا ثم أعطته له وقالت:
_ هستنى مكالمتك على نار
رد وهو يتجول بعينيه فوق جسدها:
_ متقلقيش... انتي نار ومش هخليكي تستني كتير ولا تبقي على نار، ميلقش بيكي الانتظار اساسا!
اطلقت ضحكة رنّانة مرة أخرى ثم لوّحت له بيدها وهي تقول:
_ باي يا جامد
_ باي يا بنت الجامدة
وبعدما ذهبت، أسرع نحو سيارته وفتح الباب ودخل، ثم فتح هاتفه واتصل على صفوت.. دقائق واستجاب الرجل وهو يقول في خيبة أمل:
_ إيه يا باشا؟
_ اقول مبروك؟
تنهد ثم رد:
_ لا للأسف.. العملية متمتش... جياد ماكنش في الاوضة، الراجل راح ودخل وملقيش حد
ضرب بيده على عجلة القيادة وهو يصيح:
_ ازاي يعني ازاي!
ازاي ملقيش حد؟
راح فين يعني؟
_ معرفش يا باشا راح فين، انت قلت رقم اوضة معينة وهو دخل وملقيش حد وكويس انه عرف يهرب، كان هيتمسك اكتر من مرة أصلا
صاح في ضيق:
_ مش قلتلي ان كل شيء تمام؟
_ اه، كنت اقصد انه عرف يدخل المستشفى يعني والأمور تمام معاه مفيش مشكلة حصلت، مش ان المهمة تمت.
صاح في غضب أكبر:
_ فشلة، انتوا فشلة
ثم انهى المكالمة معه واتصل على أمه والتي استجابت وهي تهيئ فرشتها كي تنام:
_ ايه يا باسم؟
صاح:
_ فين زفت الطين جياد؟
خرج من المستشفى؟
لحق؟
_ سافر
_ سافر؟ سافر على فين؟
_ معرفش فين، بس الشيخ سفره علشان يكمل علاجه برا على كلام عبير يعني
_ ومعرفتيش منها سافر فين؟
_ اما جيت أسألها مش عارفة مين نادى عليها ومشيت وبعدها نسيت افتح معاها الموضوع تاني بس انا اصلا عرفت انه سافر متأخر جدا جدا وانت خلاص قلت لي ان الواد اتلاقى ورايح لعنده.
_ اعرفي سافر فين، ما انا هخلص عليه يعني هخلص عليه قبل ما يرجع لي
_ فكك بقا، اصلا اهو بنحاول نوقع الدنيا في بعضها معاهم ونعمل حاجة في البنات قبل رجوعهم
_ مين معاه؟
_ الشيخ ويزيد
هز رأسه موافقًا.. ثم رد:
_ تفتكري الشيخ وداه هناك يكمل علاجه بس ولا شك في حاجة وبيرقد؟
قلقت كثيرًا وردت في توتر:
_ يعني إيه يعني؟
تقصد ايه؟
_ اقصد روني الحلوة تكون قالت له حاجة كدا ولا كدا خوفته وخلى جياد يسافر!
_ معرفش، بس جايز، اصلا الشيطانة الصغيرة دي يطلع منها كل حاجة
_ وديني لاوريها، انا هفكرها بيا.
ثم انهى المكالمة مع والدته وقاد السيارة في سرعة عالية اثر الضيق والغضب.
وصل العمارة التي بها شقته، وخرج من السيارة.
دخل من بوابة العمارة وركب المصعد الكهربائي... دقيقة ووصل وخرج منه وبدأ يتجه نحو شقته. وأمام باب الشقة، وجد رهف تقف في انتظاره وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها في ملل.
اختض من تواجدها وزفر... ثم قال لها:
_ خضتيني!
ثم نظر إلى ساعة يده وتابع:
_ الساعة واحدة، انتي ازاي برا البيت لحد وقت متأخر زي دا؟
_ انا مستنياك هنا بقالي ساعتين تقريبا
_ ليه يعني؟
اخرج المفاتيح من جيبه وبدأ يفتح الباب، ثم تابع وهو يشير لها بعدما فتحه:
_ اتفضلي ادخلي
دخلت ودخل هو الآخر وغلق الباب.
تحرك حتى جلس على الأريكة ووضع ساق فوق الأخرى وبسط ذراعيه أعلى خشب الأريكة وقال:
_ إيه بقا، عايزاني في إيه؟
ردت في نبرة بها الضيق:
_ هو انت خاطبني ليه؟
انا فعلا محتاجة افهم انت خطبتني ليه؟
رد في برود:
_ علشان بعد الخطوبة، اتجوزك مثلا!
_ والله؟
دا بس؟
تقدر تقولي انا فين في حياتك؟
رد ساخرًا:
_ انتي في الديسكوهات، راحة جاية تدوري ورايا، وتخلي البنات تبعك يسألوا عني وفكراني مش هعرف!
ردت في نبرة عالية نسبيًا:
_ يعني اهو بتروح ديسكوهات!
_ كنت بروح...كنت، حاليا لا وأعتقد اللي سألت عني قالتلك..
تنهد وتابع:
_ هو معلش لو انتي شاكة فيا اوي كدا وشيفاني راجل وسخ، مكملة معايا ليه؟
فين الثقة يا هانم!
دا انا اللي عمري ما وثقت في حد، بثق فيكي ومش بسأل ولا بدور وراكي وبصدق اللي بتقوليه، وانتي اتفرجي وشوفي بتعملي معايا إيه!
سكتت قليلًا وهي تهز ساقها في غيظ منه، فهو دائمًا ما يغلبها في المناقشات والجدال بينهما.
وسألته في محاولة منها للهدوء:
_ ممكن اعرف مش بترد على رسايلي ومكالماتي ليه؟
ليه علطول متجاهلني ومش بتسأل عني؟
زفر في ضيق وهو يمرر يده على وجهه في ملل واجاب:
_ رهف حقيقي يعني عيب أما تسألي سؤال زي دا!
انا رجل أعمال يا ماما وورايا بزنس هنا وبزنس في قطر وفي امريكا.. عمال اسافر من هنا لهنا ويدوب لسه راجع النهاردة من امريكا وكان عندي اصلا مشاكل في الشغل ومصدقت انها اتحلت وحوارات كتير ورايا اساسا.
اسيب انا بقا كل الناس المهمة دي اللي بتكلمني ولا بتبعت لي رسايل علشان نشوف الجديد في الشغل، وارد على اسئلتك المستفزة الغريبة.. تيجي الصبح الساعة ٨ تقوليلي صحيت؟
ما أكيد صحيت يعني، ماهو معاد شغلي اساسا يعني، فأكيد صحيت من قبلها يعني مش سؤالك هو اللي هيصحيني مش منبه هو!
وبعدها اخلص من السؤال دا، الاقيكي بعتالي الساعة ١١ الضهر، فطرت؟
ما أكيد فطرت، أكيد فطرت يعني، هقعد على لحم بطني ليه يعني، طظ في اي حاجة اهم حاجة عندي الأكل أساسا.
مردش، تسكتي بقا، لا، تقومي تبعتيلي الساعة ٤، اتغديت؟
يا ستي والمصحف، باكل وبشرب وبصحى عادي أنا مش إنسان مبتدئ!
فأكيد شاتك بينزل لتحت وبرد على الأسئلة المهمة مش الأسئلة اللي تفوّر الدم دي!
ردت في صوت عالي به الضيق:
_ وانت عايزني أسألك ايه يعني؟
اقولك ايه يعني؟
ما انت مش سايب معايا اي مجال للحوار ولا الكلام اصلا!
زفر في ضيق شديد ثم رد:
_ رهف، رهف بالله عليكي، سيبك بقا من كلت وشربت وصحيت ونمت وجو الحب في زمن الكوليرا دا علشان انا خلقي ضيق!
انا راجل عندي ٢٨ سنة وعندي أشغال كتيرة جدا، مش فاضي لحب المراهقين دا، لا عندي طاقة ولا وقت.
هزت رأسها موافقة ثم قالت بغيظ:
_ طب ماشي حلو اوي، عايزني اتكلم في ايه؟
يعني غششني كدا، قولي ايه المواضيع اللي لو اتكلمت فيها، هتتكلم معايا عادي زي البني ادمين، زي اي اتنين مخطوبين وبيحبوا بعض؟
استقام ثم بدأ يقترب منها في خطوات بطيئة نسبيًا حتى وقف قبالتها تمامًا وقال بنبرة هادئة:
_ يعني.. تلبسي حاجة حلوة كدا زيك وتقوليلي إيه رأيك فيها؟
تبعتي لي فيديو وانتي بترقصي وتقوليلي اتفرج.
تبعتي فيديو وانتي بتدلعي وانتي فيه انثى كاملة متكالمة.. انتي وشطارتك بقا مش هقولك المفروض تعملي ايه، كل بنت قادرة كويس بطريقتها، تجذب الراجل بتاعها ليها وتخليه وسط أشغاله ومسؤولياته، ميركزش غير معاها.
بدأت تشعر بالخجل وألقت بصرها نحو الأرض وقالت في ابتسامة:
_ طب...طب ما نتجوز!
أطلق زفيرًا طويلًا ثم رد:
_ ما إحنا كدا كدا قلنا هنتجوز امتى، بعد امتحاناتك، انا يعني كنت بقترح عليكي مواضيع في فترة الخطوبة، عجبتك، عجبتك، معجبتكيش خلاص
As you like!
اقترب منها ووضع أصبعه على شفتيها وقال في ابتسامة:
_ الروج دا حلو اوي على شفايفك، نوعه إيه؟
بدأت ترتبك كثيرًا وتتوتر وعلقت الأحرف بين شفتيها، فاقترب كي يُقبّلها ولكنها منعته عندما عادت خطوات إلى الخلف وهي تقول في خوف شديد:
_ باسم احنا لوحدنا لا، ممكن يحصل حاجة أكبر من البوسة
_ انتي مش واثقة فيا؟
هي بوسة بس
هزت رأسها نافية ثم ردت:
_ لا واثقة، واثقة بس خايفة.. يعني.. يعني بيقولوا الشيطان شاطر وكدا، انا كمان مكسوفة و..
ولى له ظهره ثم قال:
_ اطلعي برا يا رهف، ومتجيش الشقة بتاعتي دي تاني طالما خايفة من الشيطان وعارفة إنه شاطر، متجيش هنا تاني
_ باسم، باسم متزعلش بجد... انا مش قصدي أنا..
_ خلاص، يلا امشي بقا عايز انام ورايا بكرة شغل متلتل
ابتلعت ريقها وردت في خوف:
_ طب خلاص.. خلاص بوسني، بس وعد هي بوسة بس ماشي؟
استدار لها وقال في نبرة حادة نسبيًا:
_ خلاص مش عايز حاجة اتقفلت، امشي بقا عايز اتخمد!
بدأت الدموع تتجمع داخل جفنيها وردت:
_ يا باسم متعاملنيش كدا، انا بحبك والله!
ليه المعاملة دي طيب يعني؟
_ يا رهف يا حبيبتي متتعبنيش معاكي بقولك عايز انام، عايز انام الساعة ١ وعندي شغل بدري، إيه هتنامي جمبي يعني!
_بس انت مش زعلان مني؟
_ لا مش زعلان.. واه صح، مينفعش تنزلي في وقت متأخر زي دا لوحدك، خليني اوصلك يلا
_ وديني القصر، قولتلهم في البيت اني رايحة ابات هناك علشان اسهر مع تالية
_ اه ما انتي أكيد مش هتقولي لابوكي انك رايحة لخطيبك الساعة ١ الفجر!
هيجراله إيه اكتر من كدا، هو كدا كدا مشلول!
يلا يلا خليني اوصلك للقصر بسرعة...
*********
وفي صباح اليوم التالي، كانت روني تجلس داخل مكتبها ترتدي بدلتها الرسمية الانيقة فها هي ستبدأ العمل.
أجرت مكالمة هاتفية مع أختها مايا وقالت لها:
_ عاملة إيه يا حبيبتي دلوقتي، أحسن؟
ردت الأخرى وهي تمسح أنفها بالمناديل الورقية:
_ أحسن إيه بس يا روني، انا مش مبطلة عياط من امبارح اصلا لحد ما عيني ورمت
_ حقك عليا انا يا حبيبتي.. انا هحاول الاقي وقت واتكلم مع فاتح وأفهمه الموضوع كله.
هو اما رجع امبارح، اتكلمتوا في إيه؟
_ مرجعش اصلا من امبارح يا روني، معرفش بات فين، ممكن راح على شقة العايلة ونام هناك.. انا مرعوبة يا روني، مرعوبة يطلقني، لو طلقني، هروح فيها، انا روحي فيه ومقدرش اعيش من غيره مقدرش
_ متخافيش مش هيعمل كدا ان شاء الله، هو كمان روحه فيكي وقبل ما يعمل كدا هيفكر الف مرة.. فاتح عاقل ومش بتاع تسرّع بالذات في مواضيع زي دي
_ ياريت بجد ياريت.. حسبي الله ونعم الوكيل فيهم، ربنا ينتقم منهم اشد انتقام حليمة وفاطيمة ولاد تمّام الزيني
_ امين يارب، صلي وادعي عليهم لحد الصبح.. يلا هقفل انا دلوقتي علشان معايا شغل كتير اوي، يزيد سافر وسايب شغل قد كدا على دماغنا
_ تمام
وبمجرد أن أنهت المكالمة مع أختها، حتى فوجئت، بأحدهم يركل باب المكتب بقدمه، هكذا دخل عليها، فوقفت فزعة خاصة عندما رأته، إنه باسم.
دخل وغلق الباب خلفه وسار نحوها في غضب، بينما هي ابتلعت ريقها وقالت له في توتر:
_ لو حاولت تيجي جمبي، هصرخ وهلم عليك الشركة كلها
ضرب بيديه على الطاولة مما أدى إلى اهتزاز الأقلام والحاسوب والأوراق وكل ما فوقها، فاختضت الفتاة فقال لها:
_ انا تعملي معايا كدا؟
مش قولتلك اقفلي بؤك؟
بردو روحتي واتكلمتي وعملتي شوشرة؟
يعني مش بتخافي خالص صح؟
يعني مش فارق معاكي حد صح؟
يعني قلبك ميت صح؟
هزت رأسها نافية ثم قالت في نبرة صوت بها التلعثم:
_ ه..هو..هو انا عملت إيه؟
ها، هو ف،، هو في ايه؟
ليه بتقول كدا؟
_ استعبطي استعبطي، كدا كدا كنت عارف انك مش هتهدي بس كنت بوريكي انك قد إيه غدارة وملكيش كلمة، لاني فعلا من بعدها بعدت، بس نكشك ولا مرة هِدي.
تنهد ثم تابع في نبرة أكثر حدة وخشونة:
_ انا هوريكي، أنا هعيطك قريب على أغلى حد عندك، انا هخلي عيشتك سواد هوريكي مين هو باسم عواد الشمري في اوسخ واقذر نسخة ليه
ثم رماها بنظرات مليئة بالغضب من أعلى إلى أسفل وذهب مغاضبًا
وعقب رحيله، وضعت يدها على بطنها في تلقائية بعدما شعرت بالخوف الشديد.. ثم صاحت فجأة:
" يزيد "
وعليه ركضت في سرعة حتى خرجت من المكتب ثم توقفت عن الركض وبدأت تسير في خطوات سريعة.
دخلت مكتب هانيا وهي تجري عليها تقول في نبرة بها رعب:
_ يزيد يا هانيا يزيد، باسم عايز يقتل يزيد يا هانيا الحقيني
استقامت الفتاة مرة واحدة في خضة ثم ركضت إلى عندها، تسندها من كتفيها وهي تقول:
_ اهدي يا روني اهدي في ايه مالك خايفة كدا ليه، ايه اللي حصل بس
_ بقولك باسم عايز يقتل يزيد
اختضت الفتاة وعلقت:
_ إيه!
يقتله ليه؟
تعالي بس اقعدي واهدي انتي مش قادرة تقفي اساسا على رجلك
سارت مع أختها حتى جلست على الكرسي وهي لا تزال تضع يدها على بطنها ثم حكت لها ما حدث.. لتعلق هانيا:
_ يا نهار مش فايت!
دا كدا معناه انه عرف انك بتحركي جياد؟
عرف ان جياد بيدور وراه؟
_ باين كدا
_ باين كدا ايه يا روني، احنا كدا محتاجين نصوت على جياد مش يزيد!
سكتت قليلًا تفكر... ثم ردت:
_ بس هو قالي هعيطك على اللي منك، وهو اصلا سبق وهددني بقتل يزيد قبل كدا
قالت لها هانيا والتي كانت تتحرك ذهابًا وايابًا في المكتب، قلقة:
_ وليه متقوليش انه بيخطط يقتل الاتنين؟
الاتنين في غربة اساسا واحد راقد والتاني مش فاهم حاجة وبيثق في باسم جدا وهو ممكن يستغل دا ويقتلهم هما الاتنين ويلا اهو ماتوا في ألمانيا وشوفي بقا مين هيجيب حقهم
صاحت روني في رعب:
_ هو انتي بتهديني ولا بترعبيني!
لتصيح الأخرى أيضًا:
_ ما انا كمان مرعوبة، ما جوزي هناك ومستهدف اكتر من يزيد اصلا انتي متخيلة اللي انا فيه ولا لا!
جياد اللي راح الديسكو وجياد اللي سأل على البت بتاعته وجياد اللي راح للحارس في السجن يبقى مين اللي مستهدف؟
وبعدين ماهو جياد يعتبر منك بردو، اكيد هتزعلي جدا أما يقتله وتحسي مثلا انك السبب، يعيشك بتأنيب الضمير بقا والشعور بالذنب باقي عمرك، هو الانسان السادي المجرم اللي شبه باسم دا، يحب كدا جدا
ردت الأخرى في توتر رهيب:
_ والعمل، ايه العمل دلوقتي؟
انا مش عارفة اهدى ولا عارفة أفكر، انا هموت من الرعب عامة وبطني بدأت توجعني وحاسة إني هسقط دلوقتي
عقدت هانيا حاجبيها في استغراب وسألتها:
_ هو انتي حامل اصلا؟
_ ايوا حامل
_ من امتى؟
_ لسه يدوب عارفة امبارح اساسا بس ملحقتش اقولك اديكي شايفة اللي احنا فيه... متقوليش لجنس مخلوق بس، لا ماما ولا بابا ولا حتى يزيد نفسه
_ مش هقول حاجة.. بس عايزة افكر في حاجة بسرعة تحمي جياد و يزيد من الكلب دا
أخذت تفكر قليلًا... ثم اخرجت الهاتف خاصتها من الحقيبة واتصلت على يزيد... وبعدما استجاب قالت:
_ إيه يا يزيد ازيك؟
_ الحمدلله يا هانيا، بخير وانتوا ايه الاخبار عندكم في القصر؟
قامت روني وسارت نحو أختها حتى وقفت جوارها وبدأت تسمع ما تقوله لزوجها إذ طلبت منها بأن تفتح مكبر الصوت.
ردت هانيا عليه:
_ جياد عامل إيه دلوقتي يا يزيد؟
_ جياد كويس جدا الحمدلله، كلهم هنا طمنونا عليه... من بكرة تقريبا هيبدأ يقعد شوية ويتكلم عادي، كدا كدا كنت هبعتلك علشان بابا قالي ابعت لها، علشان جياد لو فاق وملقهاش هيزعل، جهزي نفسك بقا
_ طب الحمدلله انه بخير.. تمام هجهز، هو الشيخ عندك؟
_ لا، تلقاه وصل المطار دلوقتي
_ راجع مصر؟
_ لا، رايح تشيلي فيه شغل مهم هناك وطلبوه ولازم يروح بنفسه
لوت فمها في خيبة أمل وردت:
_ طب اسمع يا يزيد، خلي بالك من نفسك ومن جياد كويس جدا جدا، خد بالك من طقم الممرضين بتوعه، خد بالك مين بيدخل عليه ومين بيخرج، خد بالك من كل التفاصيل، اصغرها واكبرها وخد بالك من نفسك جدا انت كمان
_ ليه يا هانيا قلقتيني خير؟
حملقت لها روني وهي تهز رأسها واصبعها بالسلب وتهمس:
" لا لا اوعي تجيبي سيرة باسم دلوقتي مش بعيد يكلمه"
هزت لها هانيا رأسها بالايجاب ثم قالت ليزيد:
_ يعني.. جياد كان عامل مشكلة كبيرة كدا مع حد واصل في الديسكو وتقريبا هو اللي سلط عليه حد يضربه على دماغه، المهم اللي ضربه دا حاول يخطفني اما هو اغمى عليه على اساس يهددني بيه، بس انا صرخت والناس اتلمت فهو مشي.. المهم جات لي رسالة تهديد من شوية على التليفون انهم هيخلصوا عليه.. مش عارفة ليه وهو كان عامل معاهم ايه او مين دول اصلا وايه اللي وصلهم معاه للمرحلة دي بس هما عايزين يخلصوا منه وانا مرعوبة طبعا.. هو مش معانا ولا في بلده علشان كدا بوصيك عليه، وارجوك متسألنيش على اي حاجة انا مش عارفة حاجة ولا عارفة مين الناس دي اصلا ولا هو عملهم ايه، بس خلي بالك منه وبس وخلي بالك من نفسك كمان علشان ممكن يحاولوا ياخدوك رهينة ولا حاجة
صاح في ضيق:
_ مفيش غيره، صفوت ابن ال**** هو اللي مش عايز يهدى، زمان آذاني ودلوقتي بيأذي اخويا لا وكمان عايز يخلص عليه!
كان لازم تقولي لبابا اما سألك في المستشفى يا هانيا، لانه قالك إيه اللي حصل لجياد
_ ما انا.. ما انا ماكنتش اعرف وبعدين كنت في إيه ولا إيه وخفت اقوله لان جياد دخل الديسكو، خفت الشيخ يغضب منه انت عارف.
ممكن كان يقول يستاهل هو ايه وداه هناك مثلا!
_ ماشي يا هانيا تمام، اما نرجع بس نبقى نشوف حوار صفوت دا هيرسى عليه، وعامة متخافيش على جياد انا صاحي اوي ومركز جدا وهتصرف، متخافيش مفيش حاجة هتحصله ابدا طول ما انا معاه ولا حاجة هتحصلي انا كمان.. بلاش تقلقي روني احنا تمام، اوكيه؟
يلا اجهزي علشان تتحركي من عندك الفجر كدا هقولك بعدين المعاد بالظبط
_ تمام، ربنا معاكم ويحفظكم.
وبعدما انتهت من حديثها معه، هدأت روني قليلًا وذهب روعها نسبيًا وبدأت تتوسل في نبرة اقرب للبكاء:
" يارب..يارب احميهم يارب، يارب خليك معاهم واحفظهم يارب"
أما هانيا فكانت شاردة في شيء ما... وقالت وهي لا تزال تفكر:
_ روني..
_ إيه!
_ هو ليه باسم قالك حاجة زي كدا؟
تفتكري مجاش في باله مثلا إننا ممكن نحذر يزيد او نعمل اي حاجة؟
سكتت قليلًا.. ثم عقدت حاجبيها في استغراب وسألتها:
_ تقصدي ايه؟
_ اقصد ليه قالك هو هيعمل ايه؟ ليه هددك؟
ليه منفذش علطول؟
ردت في توتر:
_ مش عارفة... تفتكري ليه؟
_ حاسة انه بيلفت نظرنا في حتة معينة علشان يلعب هو من حتة تانية غير متوقعة بالنسبالنا ولا واخدين حذرنا فيها.
_ زي إيه مثلا؟
هزت رأسها بالسلب ثم ردت:
_ مش عارفة يا روني مش عارفة بس مش مطمنة.
ثم سكتت قليلًا تجمع وتفكر.. وقالت فجأة:
_ يبقى هو اللي خطف وعد اخت شهاب.. هو اللي خرج عربية جياد او على الاقل اشترى واحدة شبهها علشان يخلي شهاب يخلص على جياد او جياد يخلص على شهاب ويكون خلص من الاتنين
_ وهو مستفاد إيه؟
_ ما انا مش هعرف اقولك كمان هو مستفاد إيه، بس مجرم زي دا اكيد بيحط plan A , plan b لحد plan z كمان
لازم احذر شهاب بردو، ليكون اللعب هيبدأ من عندي وعنده ويفشوا سرنا زي ما عملوا مع مايا
_ ماشي اعملي كدا، وقوليله يخلي باله من باسم وميصدقش اي حاجة يقولها وانا هحاول اجمع اكتر هو ممكن يكون بيفكر في ايه وهقولك علشان نحلله مع بعض. .
سكتت قليلًا وبدا الخوف يظهر مرة أخرى على ملامح وجهها وسألتها:
_ هو صحيح اما انتي تسافري، انا هفضل مع الكائن دا لوحدي؟؟
**********
دخل باسم مكتب مجدي السلاب بطريقة غير مهنية، أي لم يطرق الباب.
وبمجرد أن لاحظ الرجل دخوله، حتى قال:
_ في إيه يا باسم؟
انت ازاي تدخل كدا؟
مش تستأذن؟
تجاهله وسار حتى جلس على الكرسي، ونظر لثوان إلى مجدي.. ثم ألقى ملفًا على الطاولة أمامه، ألقى الرجل نظرة قصيرة إلى ما وضع، ثم سأله:
_ ايه دا؟
_ استقالتي.. انا قدمت استقالتي
عقد الرجل حاجبيه في استغراب شديد وسأله:
_ ليه دا؟
فجأة كدا؟
إيه اللي حصل؟
_ ولا أي حاجة حصلت هو كدا من الباب للطاق، انا مبقتش طايقكم خلاص ولا طايق الشغل ولا عايزه، إيه عافية؟
وافق على الاستقالة يلا بما انك نائب عن الشيخ و خليني امشي ورايا أشغال
رد مجدي في نبرة حادة:
_ باسم، احترم نفسك ومتتجننش
_ واتجننت، هتعملي إيه يعني؟
_ باسم فيه بينا شغل مينفعش تمشي كدا في نص السيزون فجأة، على الأقل كنت مهد لنا!
_ وهمشي فجأة هتعمل إيه يعني؟
تنهد الرجل في محاولة منه للصبر، فهو يعرف كم كان باسم مجتهدًا وذكيًا وناجحًا وكم تحتاجه الشركة لذا تنازل وقرر أن يهدئ الوضع فقال:
_ مين زعلك طيب؟
مين ضايقك في الشركة؟
_ محدش يقدر اساسا يعمل كدا
_ طب ليه تمشي؟
يا باسم انت شاطر ومدير مجتهد ودي شركة خالك ليه تمشي كدا وبعدين ماينفعش تمشي كدا فجأة خلي فيه شوية مهنية وضمير ومسؤولية!
_ انا لا عندي مهنية ولا ضمير ولا مسؤولية وهمشي يعني همشي والنهاردة، خلاص انا مش طايق حد فيكم وبكرهكم كلكم وقرفت منكم ومن الشغل معاكم
صاح مجدي في غضب:
_ لا انت زودتها اوي كدا بصراحة كفاية غلط وقلة أدب
صاح الشاب:
_ انا خلقي في طرف مناخيري يا مجدي يا سلاب.. اقولك خلي ورق الاستقالة عندك مش عايزك تمضيه، يلا انا سايبهلكم كلها مخضرة يا عالم قذرة يا شوية حرامية
كان مجدي يحدق به لا يستوعب ما يقوله ولا يستوعب ما يحدث من الأساس ولكن باسم لم يتركه في حيرته كثيرًا، بل خرج في الحال من المكتب تاركًا الجمل بما حمل لا يهتم بأي شيء ولا يشعر بأي مسؤولية.
أما مجدي فقد تمتم في تعجب واستغراب:
" دا أكيد اتجنن خالص دا.. يخربيتك هتبوظ لنا الشغل روح منك لله.. لازم الشيخ يبقى عنده علم بالهبل دا"
***********
واثناء الاستراحة، جلس شهاب في الأسفل وبدأ يتناول الغداء مع كوب الشاي خاصته، يحدث والدته في الهاتف بينما يأكل، وقال:
_ بصي يا ماما، ركزي معايا اللي انا عايزه مش صعب، كل اللي عايزه منك إنك تاخدي كام حاجة تخصك لبس وغيره يعني انتي وشاهندا، وتروحوا تقعدوا مع ماهي، خلاص هتفضلوا معانا فترة مش هتمشوا
_ ليه يعني؟
_ ماهي تعبانة من الحمل وعايزة رعاية واديكي شايفة اهو انا مش فاضي نهائي
_ ماشي يا حبيبي المهم هي تبقى مرتاحة وربنا يقومها بالسلامة هي وزين
_ يارب... وحاجة كمان يا ماما
_ قول
_ طول ما انتي هناك عايزك تفضلي مركزة مع اللي اسمها منى صاحبتها دي جدا، بس من غير ما هي ما تاخد بالها منك، تابعيها في السر كدا
_ وهي صاحبتها معاها ليه ان شاء الله؟
_ قال بتراعيها وماهي عايزاها
_ خلاص، احنا اهو جايين هي المفروض تمشي بقا
_ لا، ماهي عايزاها وبتعيط وبتزعل لو ملقتهاش جمبها، بس انا مش مطمن لها علشان كدا بقولك ركزي معاها، قومي بتشغيل وضعية تلميع الاوكر و ركزي مع البت دي جدا وخاصة لو قالت هقعد مع ماهي لوحدنا، متسبيهاش اصلا تقعد مع ماهي لوحدهم
وأثناء حديثه مع والدته، لاحظ مجئ هانيا نحوه.
سحبت الفتاة الكرسي الذي كان يقع قبالته وجلست عليه ولم تتحدث حتى ينتهي من مكالمته، فقال الشاب لأمه:
_ ايوا، ايوا بالظبط هو دا اللي انا عايزك تعمليه يا ماما... بس ياريت بسرعة مش عايزها تقعد معاها اكتر، خدي شاهندا وروحوا دلوقتي ياريت، معلش هتعبك معايا بس انا خايف عليها وهي مع البت دي لوحدها لاني مش مطمن لها... ماشي يا ماما.. ماشي يا حبيبتي تسلميلي، سلام..سلام..
أنهى المكالمة ثم وضع الهاتف في جيبه وقال للفتاة:
_ ازيك
_ بخير
_ أطلب لك حاجة؟
هزت رأسها نافية فتابع:
_ كلتي؟
_ كلت.. عايزة اتكلم معاك في موضوع مهم
_ قولي انا سامع
_ بنسبة كبيرة جدا، وعد مهربتش يا شهاب، وعد اتخطفت
_ طبعا، وجياد هو اللي خطفها
ردت في ضيق:
_ شهاب بطل غباء وركز معايا، سيبك من اللي بينك وبين جياد دلوقتي وركز في المصلحة
_ انا شفت عربية جياد وهي ماشية باختي!
_ شفت رقم العربية؟
أخذ يتذكر لثوان... ثم هز رأسه نافيًا وقال:
_ لا.. زاوية الكاميرات مجابتش رقم العربية
_ وايه اللي اكدلك انها بتاعت جياد؟
يعني اللي صنع عربية جياد، مش هيعرف يصنع عربية تشبهها؟
_ وانا اروح بعيد ليه وعدوي قدامي والدليل شفته عليه؟
تنهدت وردت:
_ صح معاك حق، بس اقسم لك بالله مش جياد اللي عمل كدا، انا مش هحلف كدب
_ ايه دليلك يعني ولا علشان هو عيطلك؟
عادت بظهرها للخلف تريح ظهرها على المقعد وردت:
_ قبل ما تضرب جياد ويقع على رأسه وكل دا يحصل، هو كان وصل لخطوط كتيرة مهمة واهمها ان باسم يعتبر هو اللي ورا كل المصايب اللي حصلت لنا واللي لسه بتحصل لنا.
باسم هو اللي حاول يقتل يزيد وهو اللي عمل الكارثة الإدارية للشركة وخسرها ملايين ويعتبر هو السبب في قتل ابني هو والعقارب، أمه وخالته، هو كمان هددنا النهاردة و...
قاطعها قائلًا في بعض من الملل:
_ قصره؟
شعرت بالخجل الشديد من طريقة معاملته لها وكأنه لا يرغب في سماعها ابدًا ثم تنحنحت وقالت:
_ انا ممكن مكملش عادي.. اسفة لو ضيعت وقتك
قبلما تقوم، قال:
_ هانيا..
نظرت إليه ومازالت علامات الإحراج على ملامح وجهها، فتابع:
_ انا أسف، تقدري تتكلمي براحتك طبعا... معلش انا بس الفترة دي أعصابي مشدودة جدا جدا وكل ما اروح في حتة الاقي مشاكل وانا بصراحة تعبت.. تعبت من المشاكل والحوارات و المؤامرات... كل دا بسبب عايلة الزيني وحواراتهم اللي مش بتخلص بسبب طمع وجشع.
نفوس مش سلسة.. نفوس مليانة حقد وغيرة وكراهية، ناس مش هاممها غير الفلوس والجاه.
في البيت عندي فيه مشاكل كتير وقرف من كل حتة، كل دا انا مش عايزه وتعبت منه.. انا كنت بدور على حياة بسيطة جدا جدا، حياة ابسط من كل التعقيدات دي، علشان كدا يمكن بقيت مشدود وعلى أخري.. انا بعتذر تاني منك، انا سامعك، اتفضلي
سكتت قليلًا شاردة، فهذا ما كانت ترغبه هي الأخرى، حياة هادئة وبسيطة للغاية معه، حياة خالية من ذلك القصر وكل ما يحمله من نفوس شريرة ومصائب لا تعد ولا تحصى لذا فهمت مقصده وفهمت لماذا قاطعها بتلك الطريقة، ربما يلومها لانها من فعلت بنفسها وبه ذلك، ربما هي من ألقت به وبها في تلك التهلكة.
فقالت في ايجاز:
_ ربنا يعينك عامة.. بس قُصر الكلام فعلا، بلغ البوليس، بلغ البوليس يا شهاب وقول اختي مخطوفة واديهم الأدلة اللي عندك وايا كان مين عمل كدا، فهو هيتحاسب.
خلي بالك من نفسك من باسم، باسم ممكن يأذيك او يجرك لأي مشكلة بأي شكل.. واه مش بعيد العقارب يستنوا الشيخ علشان يفشوا سرنا قدامه، بقولك علشان تبقى مستعد لأي حاجة.
انهت كلامها ثم وقامت وبدأت تسير مبتعدة عنه.
كان يتبع اثرها ثم حرك اصابع يده على وجهه في ارهاق وحدث نفسه:
" هلاقيها منين ولا منين بس ياربي!
يارب خد باسم وجياد وفاطيمة وحليمة و أسيل وتالية في يوم واحد.
حادثة عربية تلمهم كلهم وتتقلب بيهم في اقرب ترعة يارب، انا مبقتش بنام يارب"
**********
لم يشارك في الطعام ولم يخرج إلى الاستراحة بل كان ولازال داخل مكتبه يفكر وقد أرقه التفكير حتى أنه لم يعد يستطيع العمل أو التفكير به.
اتصل عليها عقب تفكير واستجابت هي سريعًا تقول في لهفة:
_ إيه يا فاتح؟
تنهد ثم رد في نبرة خشنة بها الضيق:
_ ابعتيلي عنوان الدجال دا بالظبط، ياريت لو لوكيشن يعني
_ حاضر يا فاتح هبعتلك
انهى المكالمة معها دون أن ينطق كلمة أخرى ودون أن يسمع منها كلام آخر وأخذ ينتظرها حتى ارسلت له العنوان، وكتبت له أسفل العنوان :
" سامحني ارجوك يا فاتح، انت عارف انا بحبك قد إيه، انا مايا مراتك حبيبتك ارجوك متتخلاش عني"
تجاهل ما أرسلت وتضايق اكثر، فهناك شيئًا ما بداخله يطلب منه أن يسامحها ويتغاضى عن ما فعلت، لطالما كانت شريكة عمره ورفيقة دربه ونبض قلبه، فلا مهرب من ذلك الإحساس الغربب والمتناقض الذي بدا ينتاب عليه كل لحظة.
اتصل على عمته فاطيمة والتي قالت له بمجرد أن استجابت:
_ ايه يا فاتح ازيك؟
تجاهل ذلك ثم قال:
_ ممكن تبعتيلي الفيديوهات اللي معاكي اللي فيها مراتي رايحة للدجال دا؟
كل الفيديوهات عامة اللي شفتها معاكم امبارح ياريت تبعتيها لي دلوقتي بليز
ترددت قليلًا... ولكنها ردت:
_ اه حاضر هبعت
_ مستني
انهى المكالمة وبدأ يهز ساقه في ضيق وتفكير... ثم اتصل للمرة الثالثة على أحد أصدقائه ومعارفه وكان شرطيًا وبمجرد أن استجاب الرجل قال لفاتح:
_ ايه يا عم، اخيرا اسمك لعلع على الشاشات؟
ضحك فاتح ورد:
_ عامل إيه يا معلم؟
_ كله زي الفل يا برنس، طمني عليك؟
_ الحمدلله بخير.. اخبار الشغل؟
_ ماشي الحال هنعمل إيه!
وانت اخبار شغل المكاتب والشركات والتكيفات إيه؟
ابتسم الرجل ورد:
_ يرزقك يا عم بشغل التكيفات دا علشان تشوف اللي احنا فيه، دا انا قربت انسى الحياة وشكل الشوارع والعالم من كتر ما انا محبوس هنا في ام المكتب دا، بتحسدني على إيه بلا نيلة!
_ اهو على الاقل بتشتغل في تكيف طول الوقت، مش احنا طالع عنينا في مهمات و قرف البني ادمين مع الحر اللي بقينا فيه دا، حاجة تخنق!
_ ربنا يجازيك خير، انتم حماة الوطن بردو يا " شاكر "
_ يلا ربنا يصبرنا على ما ابتلانا بقا هقول إيه!
ضحكا ... ثم قال فاتح:
_ بقولك يا شاكر
_ قول ياخويا
_ فيه خدمة كدا كنت عايزك تعملهالي بس بدون شوشرة يعني
_ يا سلام يا فاتح!
دا إحنا عنينا، اؤمر
تنهد ثم رد وهو يحرك القلم بين أصابعه:
_ مراتي من فترة كدا واحدة فضلت تلعب في دماغها وتقولها انتي محسودة محسودة وكلام جهل كدا، مراتي طبعا لان ربنا لسه مرزقناش بالخلفة، صدقتها وهي الست دي قالت لها على اسم وعنوان شيخ على أساس أنه عارف ربنا وهيقرأ عليها ويزول الحسد دا.
المهم مراتي اما راحت مرة والتانيه لقت طلباته غريبة واما سألت عرفت انه دجال ومشعوذ وكذب عليها واستغل حاجتها وجهلها.
انا معايا عنوانه وعارف اسمه ومعايا ادلة تدينه
رد الضابط بنبرة بها الاسى:
_ لا لا لا يا فاتح، زعلتني بجد.. ازاي اصلا مراتك تثق في حد زي كدا، هي مش متعلمة وفاهمة؟
_ هي للأسف متعلمة وفاهمة، مراتي خريجة طب بيطري أساسا وكان عندها عيادتها بتكشف فيها على الحيوانات وكدا بس انا قولتلها مفيش داعي تكملي وارتاحي في البيت وخليكي هانم وانا عليا كل استلزماتك وبالاتفاق والرضا كدا بينا طبعا، هي وافقت وبقت بتشتغل لمعارفنا واصحابنا بس، يعني لو حيوان عندهم تعب، بيتصلوا بيها وكدا.
بس الحقير القذر دا استغل جهلها في نقطة معينة، مش جهلها عموما، وهي اصلا كانت فكراه شيخ والموضوع كله طلع نصب، انا دلوقتي عايزك بس تقبض على الكلب دا واول ما تمسكه تبلغني يا شاكر
_ فهمتك... ماشي يا فاتح، علشان خاطرك انت بس، هدّي القضية دي جزء من وقتي المعدوم أساسا
_ معلش لو بحمل عليك بس زي ما انت عارف كدا انا مليش غيرك طبعا يعني
ابتسم الرجل ورد:
_ ولا انا ليا غيرك يا عم، انت تؤمر، اعتبره حصل
_ هو دا العشم بردو يا شاكر... مع السلامة، مع الف سلامة.
انهى معه المكالمة وشرد مرة أخرى في أمر عمتيه وما اتهمتهما به زوجته...
***********
تركت ماهي الجميع يعد الطعام في الصالة، صديقتها وحماتها واخت زوجها، ودخلت الغرفة الخاصة بها وغلقت الباب.
اتصلت على والدها وأخذت تنتظر الرد... لم يرد في الأولى ولكنه استجاب في الثانية وقال:
_ إيه يا روحي؟
_ بابا ازيك
_ بخير انا، المهم انتي، ازيك عاملة ايه واخبار زين إيه؟
سكتت قليلًا كأن الإجابة ثقيلة للغاية على لسانها.. ولكنها ردت:
_ بخير بردو الحمدلله.. بابا هو انا ينفع اقابلك؟
عايزة اتكلم معاك
_ يا روحي انا تحت أمرك بس حاليا مش هعرف اقابلك، يعني انا في تشيلي أساسا، ومشغول فوق ما تتخيلي، يعني انتي عارفة إننا بنفتتح فرع جديد والضغط علينا عالي.
بس عامة يغور كل دا، قولي انا سامعك، في إيه؟
_ لا، انا كنت عايزة اتكلم معاك مش تليفون لا... مينفعش تليفون
عقد حاجبيه في استغراب به قلق ورد:
_ خير؟
شهاب زعلك؟
_ لا، الموضوع ملوش علاقة بشهاب خالص
_ ماهي معلش قولي دلوقتي انا مش في مصر يا حبيبتي مش هعرف اقابلك حاليا، يلا انا سامعك يا بابا قولي
أطرقت... ثم ردت بعد حين:
_ خلاص مش مستعجلة... أما حضرتك ترجع بقا
_ ماشي اللي تشوفيه، انا عامة اسبوعين بالكتير اوي وهرجع
شعرت بالحزن ولكنها لم تبديها له... فتابع:
_ تمام ولا اكلمك فيديو كول؟
_ لا لا تمام خلاص هستنى
_ اوكيه يا بابا، يلا سلام عليكم
_ وعليكم السلام
وبمجرد أن انتهت من المكالمة، وجدت زوجها يفتح الباب فجأة في خضة وهو يقول:
" ماهي "
ولكنه تتفس وارتاح عندما وجدها واقفة أمامه.. فقالت له في ابتسامة صغيرة:
_ كنت خايف اكون بعمل في نفسي حاجة؟
_ طبعا ما انتي مجنونة، انتي سيّبتي أعصابي كلها امبارح.. دا انا لحقتك وانتي على السور!
دخل وغلق الباب وبدأ يقترب منها ثم وضع وجهها بين كفيه وقال في نبرة بها الحنان:
_ عاملة إيه دلوقتي يا روح قلبي؟
_ يعني أحسن
_ ماهي، ماهي اوعديني انك مش هتعملي في نفسك كدا تاني، اوعديني انها آخر مرة
سكتت قليلًا وهي تنظر إلى عينيه اللاتي بداخلهما الخوف الحقيقي وردت:
_ وانت اوعدني انك عمرك ما هتسبني، مهما حصل ومهما كان
ضمها إلى صدره في قوة وهو يقول:
_ اوعدك يا روح قلبي إني هفضل معاكي طول العمر، انتي و زين، اوعدك اني هفضل جمبك
ردت وهي ترتجف قليلًا:
_ مهما حصل
_ مهما حصل يا ماهي، مهما حصل
ابتعدت عن حضنه وبدأت تنظر إلى عينيه وقالت:
_ شهاب، شهاب انا بحبك، بحبك اوي كمان انت عارف كدا صح؟
هز رأسه مؤكدًا ثم رد:
_ عارف يا روحي وحقك عليا على أي تصرف وحش عملته في حقك، انا خلاص تبت عن كل دا وهديكي الوقت والمجهود اللي انتي عايزاه بس متعمليش فيا كدا تاني، تمام؟
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ افتكر انك وعدتني.... افتكر انك وعدتني إنك مش هتسبني مهما حصل، افتكر دا كويس..
بدأ يستغرب قليلًا من اصرارها على تكرار نفس النقطة ونفس الحديث ولكنه قال:
_ حاضر هفتكر، اجهزي يلا
_ ليه؟
_ الدكتور في الطريق جاي يشوفك علشان يطمني عليكي وعلى زين، هو عامة معرفة لوالدك يعني وهو كان قالي انه لازم يعدي يطمن عليكي
_ انت اتغديت؟
_ هاكل معاكي بس بعد ما يفحصك ويمشي
بدأت تمرر أصابعها على لحيته في هدوء وهي تبتسم ولكنه شعر بالخوف قليلًا من تصرفاتها الغريبة والمتناقضة في الآونة الأخيرة، بدأ يشعر أنها فقدت صوابها او ربما فقدت توازنها أو فقدت كلاهما.
قالت له في نبرة صوت خفيضة:
_ وحشتني اوي
ابتلع ريقه والتقط يدها الموضوعة على لحيته وقبّلها ثم قال في ابتسامة:
_ انتي كمان وحشتيني اوي بجد، كنت مفتقدك جدا ومعتقدتش إني هعمل حاجة تانية تخليني افتقدك
اقتربت منه وقبّلته، قُبلة بها اشتياق وشعور بالأمان والتحسن قليلًا...
طرقت والدته الباب، لذا انقطعت لحظتهما معًا ورد الشاب عليها في صوت عالي:
_ إيه يا ماما؟
_ في واحد جيه برا بيقول انه دكتور وانه واخد منك معاد؟
_ طب دخليه يا ماما
_ ماهو دخل، قاعد في اوضة الضيوف
_ طب انا جاي
ثم قال لزوجته:
_ اجهزي يلا علشان الدكتور يشوفك يا حبيبتي ها؟
هزت رأسها موافقة، ابتسم لها وخرج كي يقابل ضيفه.
بينما شاهندا كانت تنظم الطعام فوق السفرة كي يتناولون الغداء.
أما منى فكانت تجلس على الكرسي في الصالة وهي تضع يدها على خدها في ضيق من وجود أسرة شهاب هنا.
وبعد قليل، دخل الطبيب كي يفحص ماهي رفقة شهاب الذي كان يقف بجانبه ويلزمه مثل ظله.
وبعدما انتهى قال لها في ابتسامة:
_ بالشفا ان شاء الله
ثم خرج مع الشاب والذي سأله:
_ هي كويسة هي والبيبي صح يا دكتور؟
_أنا مش عاجبني وضع الحمل، الوضع مقلق ومحتاج متابعة دقيقة جدًا، وفيه احتمال ولادة مبكرة لو فضل الوضع كدا
رد الشاب في خوف:
_ يعني إيه يا دكتور؟
_ المدام بتعاني من ضغط نفسي شديد جدًا وانهيارات عصبية متكررة.
لاحظت كمان إن فيه فقدان وزن وسوء تغذية.
مع ارتفاع ضغط الحمل طبعا
وضعف في نمو الجنين.
_ طب والعمل إيه؟
_ لازمها راحة تامة بدون اي مجهود يذكر وغذا ونبعد عنها أي زعل ولحد ما تدخل في السابع لو الوضع مستقرش هنضطر للولادة المبكرة
_ لازم؟
_ لازم وضروري، بتمنى بس توصل للسابع بدون مضاعفات.
_ بس كدا الطفل هيتولد عنده مشاكل ونقص صح؟
_ متقلقش الطب تحدّث جدا، هيقعد في الحضّانة وكل دا هيتعمل له، هيتقدم له كل الرعاية اللازمة.
حافظ عليها ياريت يمكن منضطرش للولادة المبكرة
وبعدما ذهب الطبيب، عاد إلى زوجته والتي سألته:
_ في إيه يا شهاب الدكتور قالك ايه؟
_ قالي انك لازم ترتاحي على الآخر وتبطلي عياط بقا وكل دا علشان خاطر زين يا روحي ماشي؟
وضعت يدها على بطنها وبدأت تمررها عليها وهي تقول في قلق:
_ يعني ايه؟
ابني كويس صح؟
زين بخير صح؟
_ هو كويس بس لازم انتي كمان تفضلي كويسة علشان هو كمان يفضل كويس، تمام؟
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت له:
_ انا عايزاك
اقترب منها وجاورها بينما هي كانت تجلس على السرير وقال:
_ إيه يا روحي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة بها القليل من الدلال وقالت:
_ مسموح انك تقرب مني على فكرة
ابتسم ابتسامة عريضة فكم اشتاق لها وللقرب منها!
ولكنه سرعان ما قال:
_ بس، بس انتي تعبانة ولازمك راحة!
_ راحتي في قربك مني أساسا
ابتسم ورد وهو يداعب أنفها باصبعه:
_ إذا كان كدا ماشي...
******
وعقب مرور وقت.... استلقى على ظهره ونظر إلى السقف قليلًا ثم اغمض عيناه..
كانت تمرر يدها على صدره في بطء تتحسس وجوده وتتأكد من أنه هنا، ينام بجوارها، لم يتركها ولن يتخلى عنها.
وقالت له في نبرة اقرب للهمس:
_ شهاب
_ اممم
_ حط ايدك على بطني وطمن زين، حسس عليه وقوله إنك هنا دايما معانا علشان هو خايف
تنهد وهو يفتح عيناه والتفت نحوها وفعل ما طلبت وهو يقول:
_ زين حبيبي، باباك هنا وهيفضل معاك انت ومامتك علطول
ردت في ابتسامة:
_ حاسس بيه؟ حاسس بحركاته؟
_ مش اوي
_ هات ايدك، حطها هنا، هنا بالظبط وهتبدأ تحس بيه اكتر
التقطت يده ووضعتها موضع حركة الجنين التي تشعر بها فأحس بذلك لذا ابتسم ابتسامة عريضة وقال:
_ ايوا ايوا اهو حسيت بيه، حبيب قلب بابا
وضعت يدها فوق يده الموضوعة على بطنها وقالت له:
_ مليش غيركم.. انت وهو عندي بالدنيا كلها
رد في ابتسامة صغيرة:
_ وانا كمان يا روحي مليش غيركم
ثم اغمض عيناه رغمًا عنه وغرق في نوم عميق في لحظة واحدة.
نام بعدما اطمأن قلبه، بعدما تخطى تلك الصعاب وتلك الصراعات التي كان بها.
ولما رأته قد راح في نوم عميق، ابتسمت وهي تقول:
_ حبيبي، انت كنت تعبان اوي كدا!
نام، نام انا عارفة اني بقالي اسابيع تعباك معايا.
وضعت قبلة صغيرة فوق جبينه ثم قامت من مكانها.
ثم نظرت في شاشة هاتفها فوجدت الساعة العاشرة مساء
ارتدت ملابسها ونظمت شكلها ورتبت شعرها ثم خرجت... وبمجرد أن خرجت لاحظت جلوس منى على الكرسي تلعب بالهاتف تقلب فيه بملل.
اتجهت نحوها وقالت لها:
_ اومال فين حماتي و شاهندا؟
تنهدت ثم ردت:
_ ناموا، شاهندا وراها امتحانات وحماتك دي صلت العشا ونامت تقريبا.
سكتت لحظة ثم سألتها:
_ غريبة يعني، فضلنا مستنيينك على الغدا ومجتيش لا انتي ولا هو!
جلست جوارها وردت في ابتسامة:
_ كنت مع حبيبي بقا، غدا إيه اللي هفكر فيه!
_ كنتي مع حبيبك ازاي؟
ماهي انتي خليتي شهاب يقرب منك؟
هزت رأسها مؤكدة في ابتسامة ثم قالت:
_ عايزة اقولك انه المرادي أحلى واجمل مرة نكون فيها مع بعض.
كان رومانسي جدا وكان عايزني فعلا، لا لا احساسي مش بيكدب هو كان معايا فعلا، عايش معايا انا كل لحظة.. حسيت انه اتغير فعلا أول مرة احس منه اوي كدا إني الست بتاعته وهو الراجل بتاعي من غير أي تكلف!
تضايقت منى وزفرت في ضيق أيضًا لتقول ماهي:
_ إيه يا منى بس!
_ ماهي هو انا قولتلك ايه؟
انتي نسيتي اللي حصل؟
بتعشمي نفسك ليه؟
يا ماهي انا فعلا خايفة عليكي بقا يا ماهي افهمي
ردت في نبرة بها الحزن:
_ اعمل ايه يعني وحشني، وبعدين دا جوزي يعني مش حد غريب!
ثم انه لحقتي تنسي كلامك ليا؟
دا انتي اللي عرفتيني وطمنتيني ومن خلاك فهمت!
_ ماشي يا ماهي ماشي بس احنا بردو مش متوقعين لسه رد فعله هتكون ايه لو عرف.. علشان كدا مش عايزين نعشم نفسنا، فهمتي؟
شعرت الفتاة بالحزن المباغت وسكتت لحظة... ثم ردت في أسى:
_ وعدني إنه مش هيسبني مهما حصل
_ متثقيش فيه اوي كدا.. اصلا هو...
وقاطع كلامها، خروج والدة الشاب من الغرفة فقد كانت تتجه نحو المرحاض ولكنها بمجرد أن رأت ماهي حتى قالت:
_ ايه دا حبيبتي، شكلك نمتي من غير ما تاكلي
_ شوية اه
_ طب يلا قومي معايا بسرعة علشان تاكلي انتي حامل وفيه طفل عايز غذا، يلا واوعي تقولي لا
ابتسمت وهزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ حاضر يا ماما سحر هقوم اكل اهو
_ يلا معايا لازم أتأكد بنفسي إنك كلتي
_ حاضر، جاية اهو
نظرت إلى صديقتها وقالت بنبرة بها المزح قليلًا:
_ خلاص بقا يا منى متفضليش مكشّرة كدا، بحبه الله!
متخافيش مش هيسبني ابدا
ثم تحركت جهة السفرة إلى عند حماتها وهي تقول في ابتسامة عريضة:
_ جتلك اهو، أكليني بقا يلا....
**********
وفي صباح اليوم التالي، تحسن جياد قليلًا واستطاع أن يجلس نصف جلسة مسندًا ظهره إلى خشبة السرير، دخل عليه يزيد وهو يقول في ابتسامة:
_ بقينا فل الفل وعشرة على الكل اهو يا معلم
هز رأسه في ابتسامة صغيرة وسأله في قليل من الضيق:
_ فين هانيا بقا؟
_ خلاص شوية صغيارين قد كدا وهتبقى عندك، قرّبت
تنهد ثم سكت، دخلت الممرضة وكانت ممرضة مصرية وقالت له في ابتسامة:
_ بقينا أحسن اهو يا مستر جياد و..
قاطعها قائلًا:
_ إيه!
قلتي إيه؟
_ قلت بقينا أحسن اهو يا مستر جياد
ابتسم يزيد فقد فهم، بينما علق جياد:
_ وبتعيديها تاني عادي كدا!
كانت قد نطقت اسمه بطريقة خاطئة لذا علق، فتعحبت الفتاة فاضاف هو مصححًا:
_ اسمي چِيَادْ، عطّشي الجيم على قد ما ربنا يقدرك، مفيش جياد بالجيم العادية دي!
ابتسمت وردت:
_ حاضر يا فندم
_ ماشي يا..، اسمك ايه؟
_ چومانة
_ ماشي يا جومانة
نطقها بالجيم العادية الغير معطشة لذا ضحكت وخرجت.
بينما قال له أخيه وهو يقرب منه الهاتف:
_ خد يا جياد، نزار بيتصل، بقاله كتير بصراحة بيرن عليا وعليك وقولتله اول ما يفوق، هبعتلك تكلمه
أخذ منه الهاتف ورد على صديقه:
_ إيه يا أقرع ازيك؟
ضحك نزار ورد عليه:
_ كدا انا اطمنت عليك عامة، كدا رجعت جياد الوسخ اللي نعرفه
_حبيبي تسلم، من ذوقك الحقير
_ قلقتنا عليك يا صايع
_ متخافش يا نزار، صاحبك جامد اوي مش أي حاجة تأثر فيه، صاحبك أسد يالا
_ يا عم عارف كدا كدا.. المهم انك اتحسنت اهو وقمت من الغيبوبة اللي كنت فيها، قلقتني عليك جدا يا حيوان انت، ايه كمية الحوادث دي، اتهد بقا!
_ ربنا يجعلها آخر حادثة ان شاء الله
_ نجمك خفيف يالا
_ اه محسود، هبقى اخلي أمي تِرْقِيني
_المهم اني اطمنت عليك يا صاحبي، أما ترجع مصر هجيلك ان شاء الله
_ لا متجيش مش فاضيلك أنا!
_ هاجي مش بمزاجك، عيل غتت ورخم، يلا غور بالسلامة
_ الله يسلمك يا زفت، سلام
انهى المكالمة معه، فابتسم يزيد وسأله:
_ انتوا بتشتموا بعض طول الكول هو دا العادي ولا إيه؟
_ لا لا احنا كدا معملناش حاجة، انا ونزار لغة حبنا لبعض مختلفة عن أي صحاب في الدنيا
وفي تلك الأثناء، دخلت هانيا عليهما الغرفة وهي تحمل صنية بطاطا فوقها شمعة، وتقول وهي تغني:
_ happy birthday to you,
Happy birthday to you
Happy birthday to you مجنوني
Happy birthday to you
ابتسم ابتسامة واسعة وأخذ يصفق ويهز كتفيه في خفة ويحرك رأسه في فرحة كطفل صغير يفرح بالاحتفال بعيد ميلاده.
اقتربت منه وبدأت تمد له الصنية وقالت:
_ كل سنة وانت طيب يا مجنون، أحلى من يتم ال ٢٥ سنة، العمر كله ليك
أخذ منها الصنية ثم نفخ ليطفئ الشمعة وابتسم ما إن علم أنها صنية بطاطا.
وضع الصنية سريعًا جانبًا، ثم جذب هانيا إليه يحتضنها بقوة، يمرر يده على شعرها وظهرها في اشتياق كبير، وقال:
_ وحشتيني اوي، وحشتيني اوي اوي، فوق ما تتخيلي، كنت بحلم بيكي كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة وكل ثانية
كنت داخل حضنه تبتسم وردت:
_ حمدلله على السلامة، وكل سنة وانت طيب
_ انا طيب وبخير وكل سنة هبقى كدا، علشان انتي معايا بس.. كل يوم بتكوني معايا فيه بكون دايما بخير، مش محتاج سنة كاملة.
مبسوط إني تميت ٢٥ سنة وانا زوج ليكي، وانتي في حضني اخيرا، وبتمنى سنيني الجاية كلها تبقى معاكي
ابتسم يزيد وعلق مازحًا:
_ يا سيدي يا سيدي، كانت فين كل الرومانسية دي!
هانيا خلي بالك انا اول مرة في حياتي كلها اشوف جياد رومانسي وبيقول كلام حلو وعاشق بالشكل دا.. كان دايما مستهتر ومش مهتم ومش عاجبه حاجة.
تنهد ثم تابع:
_ هخرج انا بقا شوية، اسيبكم مع بعض لاني حاسس إني بقيت شبه الاباجورة بينكم يعني
رد عليه جياد:
_ بالسلامة يا يزيد، ياريت مشفش وشك تاني
_ حيوان اقسم بالله
قالها ثم خرج حتى يتركهما معًا.
ابتعدت عن حضنه وقالت له في ابتسامة:
_ عامل إيه دلوقتي؟
_ زي الفل طالما شفتك
_ دماغك وجعاك لسه؟
هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ يعني حاسس بتحسن والدكتور طمني.. انا بس حاسس بوجع في قلبي
اختضت قليلًا وعلقت:
_ طب ليه ساكت!
ما تخلينا نسأل الدكتور علشان
نطمن طيب!
رد في نبرة هادئة:
_ اقوله ايه؟
اقوله يا دكتور قلبي وجعني علشان هانيا كانت نايمة بعيد عن حضني لمدة ٤ أيام!
هيقول بدلع
ابتسمت وعلقت:
_ طب ما انت بتدلع فعلا، اومال انت إيه؟
_ تؤ، انا مش بدلع.. انا مولع، مولع بسبب بُعدك عني كل الايام دي، كنت هتجنن
_ انت كنت تعبان!
_ حتى إن، انا من غيرك دايما تعبان يا بطاطا
ضحكت وعلقت:
_ مقولتليش صح، إيه رأيك في البطاطا اللي جبتها؟
_ لا لا حاجة كرييتف الصراحة.. بطاطا بدل الكيك.
_ علشان عارفة انك بتحبها ولو جبتها هتفرح
اقترب بوجهه من وجهها ورد وهو ينظر إلى عينيها:
_ بس بحبك انتي اكتر، وكنت محتاج وجودك اكتر، هو دا اللي بيفرحني بجد، يا معسلة يا بطاطا
ضحكت ضحكة هادئة وانثوية رقيقة ثم ردت:
_ انت زي ما انت، هتفضل جياد الزيني المجنون
_ وانتي زي ما انتي، هتفضلي هانيا السلاب اللي بتجنني
ابتسمت والقت بصرها نحو الأرض لثوان.. ثم قالت:
_ هتخرج امتى من هنا؟
_ مش عارف، اما الدكتور يدخل دلوقتي هسأله.. شهاب العرة عمل إيه بعد اللي عمله فيا؟
ماهي عملت إيه معاه، خدت موقف؟
هزت رأسها بالسلب ثم ردت:
_ لا معرفش حاجة.. انا مليش علاقة بيه ولا بيها.
_ يعني مش كانت واقفة معاكم في المستشفى اما كنت في مصر؟
سكتت قليلًا.. ثم هزت رأسها بالسلب.
تضايق قليلًا ثم حدث نفسه بصوت يصل إليها:
_ للدرجادي!
_ مش عارفين ظروفها إيه!
المهم قبل ما انسى، يلا نتصور مع بعض بالمناسبة دي وبشكلك دا
ابتسم ورد:
_ عايزة تمسكي عليا صور ولا ايه؟
_ خايف!
_ لا، مش أنا اللي أخاف يا حلاوة تتاكل حاف
ابتسمت وعلقت مازحة:
_ سُوقي موت!
ضحك بخفة ثم رد:
_ انا ابن بلد على فكرة، ولافف، ميغركيش إني من سكان زايد يعني، مليش في جو شباب Egypt المايعين دول!
_ واضح واضح مش محتاج تثبت
_ طب يلا طلعي التليفون وصورينا ولا غيرتي رأيك؟
_ لا مغيرتش
وبالفعل أخرجت هاتفها وبدأت تلتقط لهما بعض الصور العشوائية معًا.
تنهد جياد واعتدل في جلوسه.
كان لا يزال يرتدي ثوب المستشفى الأزرق الفاتح، وشعره مبعثر قليلًا، بينما ظهر الشحوب الخفيف على ملامحه نتيجة الأيام الماضية.
أما هي فاقتربت منه أكثر ورفعت الهاتف.
التُقطت الصورة الأولى بشكلٍ عشوائي تمامًا.
كانت هي تبتسم للكاميرا بينما كان هو ينظر إليها بدلًا من النظر للعدسة، وكأن الكاميرا نفسها لم تكن مهمة بقدر أهميتها
ضحكت عندما رأت الصورة وقالت:
_ يا ابني بص هنا.
_ ما أنا باصص.
_ لا... انت باصصلي أنا.
_ ما هو ده المطلوب.
_ بكاش
قلبت عينيها في استنكار مصطنع ثم التقطت صورة ثانية.
وفي الثانية كانت تضحك هي، بينما أغلق هو عينيه للحظةٍ بسبب وميض الشاشة، فخرجت الصورة مضحكة أكثر مما توقعت.
ثم التقطت ثالثة ورابعة وخامسة.
صورٌ بلا ترتيب ولا استعداد.
في إحداها كانت ترفع إصبعين بعلامة النصر، بينما كان هو يُخرج لسانه ويبتسم ابتسامة سخيفة
وفي أخرى كانت تقترب برأسها من كتفه، بينما هو أسند رأسه إلى رأسها وقد رفع أحد حاجبيه.
بينما في صورة أخرى قربت عدسة الكاميرا من وجههما، فلصق خده في خدها وابتسما ابتسامة عريضة فبدت الصورة مضحكة وعشوائية للغاية.
وفي صورة أخرى، كانت تنظر إلى الشاشة لتراجع الصور، بينما كان هو ينظر إليها هي، دائمًا إليها،
أكثر مما ينظر لأي شيء آخر.
أنزلت الهاتف قليلًا وهي تضحك على إحدى الصور وقالت:
_ دي وحشة أوي.
مد يده نحو الهاتف وقال:
_ وريني.
اقتربت منه حتى التصقت بكتفه تقريبًا كي يريا الشاشة معًا.
أخذ يقلب الصور ببطء صورة وراء أخرى، صورٌ لا تحمل أي جمالٍ احترافي لا زوايا مثالية لا إضاءة مدروسة ولا استعداد مسبق.
مجرد شاب خرج لتوه من غيبوبة، وفتاة كانت تخشى ألا يفتح عينيه مجددًا.
لكن رغم ذلك...
بدت تلك الصور بالنسبة لهما أجمل من أي صورة التُقطت في ظروفٍ أفضل.
لأنها لم تكن توثق شكليهما، بل كانت توثق نجاتهما من الخوف، وتوثق لحظة ايفاقته.
*************
كانت كاميليا تسير مع صديقتها التي تقيم في ولاية نيويورك بأمريكا، داخل أحد أكبر وأشهر المولات، حتى تشتريا ما تحتاجان.
وأثناء تسوقهما، لمحها " رياض الجوهري " ذلك الشاب الذي دافعت عنه من قبل في شركتهم ونصفته واتاحت له فرصة للعمل عندهم بعدما رفضته من أدت معه المقابلة.
خلع النظارة الشمسية ووضعها على شعره فقد تذكرها جيدًا، ثم تحرك إلى عندها، دقيقة ووقف قبالتها يقول في ابتسامة:
_ ميس كاميليا اخبار حضرتك إيه؟
عقدت حاجبيها وهي تدقق النظر في ملامحه.. ثم قالت:
_ بص.. انا فكراك والله، وشك بالنسبالي مألوف، بس...
_ مقدر عادي، انا عامة رياض الجوهري، اللي سبق وقبلتيه بعد ما البنت ال HR رفضتني وقولتيلي وقتها ان شركتكم فيها عدل وانصاف.
هزت رأسها بالايجاب ثم ردت:
_ ايوا ايوا، افتكرت صح
ثم مدت له يدها تصافحه وهي تقول:
_ اهلا وسهلا اتشرفت بيك
مد يده وصافحها وهو يقول:
_ انا أكتر والله
ابتسمت وبدأت تقدم كل منهما للآخر:
_ مستر رياض، دي صاحبتي مدام نهلة، نهلة دا مستر رياض الجوهري كان تيم ليدر في قسم السيلز عندنا في الشركة.
ابتسمت له نهلة وقالت:
_ تشرفنا
_ انا أكتر يا مدام نهلة والله
قالت نهلة لكاميليا:
_ طب يا كامي، أنا هروح اكلم سونا اشوفها فين
ذهبت الفتاة، بينما التفتت كاميليا إلى رياض وقالت:
_ عامل إيه؟
_ انا الحمدلله بخير، وانتي؟
_ بخير الحمدلله.. بتعمل ايه هنا كدا؟
رد في ابتسامة:
_ بتعالج نفسيا والله
عقدت حاجبيها في استغراب وسألته:
_ مش فاهمة؟
_ طب ما تيجي نقعد في مكان ونشرب حاجة ونتكلم، ولا انتي مستعجلة؟
_ اوكيه، يلا
ذهبت معه حتى دخلا أحد الكافيهات داخل المول وطلب لها وله.
ثم قال لها بعدما تهيأ الأمر:
_ بصي يا ستي.. انا كنت متجوز وشغال عندكم عادي جدا، جالي فرصة شغل هنا في أمريكا، يعني حد من صحابي عملي recommended لشركة حلوة هنا وانا قدمت اونلاين والحمدلله اتقبلت.
قدمت استقالتي في شركتكم وخدت مراتي وبنتي وسافرنا أمريكا وجينا هنا.
هي بدأت تتغير كتير معايا وكنت الأول بقول عادي يمكن ضغط الشغل عليا وعليها وفجأة اكتشفت انها على علاقة بالاكس بتاعها.. مش خيانة جسدية علشان مخك ميروحش بعيد، بس بتتكلم معاه شات وتليفون ونزلت مرة قابلته وانا طبعا اعتبرتها خيانة وانفصلنا ومن ساعتها وانا بتعالج نفسيا.. كنت بحبها اوي الصراحة.. بس في النهاية هي اللي اختارت.
سكتت...فقد شردت في قصتها ربما كانت تشبهه كثيرًا في نفس المعاناة.
وسألته في نبرة بها الأسى:
_ معرفتش تسامحها؟
_ لا، خلاص مفيهاش إني اسامحها، الشات كله كلام فيه مرقعة.. كلام عاطفي إلى حد كبير، قاعدين بيسترجعوا الماضي مع بعض.
بس هو السؤال اللي كفيل يخليكي تروحي لثيرابي وتتعالجي نفسيا، هو ليه؟
ليه تعمل كدا؟
ليه تخوني؟
ليه تفكر في غيري؟
أطرقت.. وهي تحاول بكل الطرق أن تمنع هبوط دموع عينيها فما مرت به كان صعبًا للغاية وقد رحلت تاركة نفس السؤال * لماذا* دون إجابة هي أيضًا.
فأضاف في نبرة أكثر حزنًا:
_ اللي زاد وغطى اني من ساعة طلقتها، مشفتش بنتي.. ما صدقت العدة خلصت وراحت اتجوزته وخدت مني بنتي وسابت أمريكا كلها ومعرفش راحت فين...كلمتها اكتر من مرة تليفونها مقفول
_ بنتك عندها كام سنة؟
_ عندها سنة، كانت معاها وكنت بروح اشوفها واحيانا باخدها تبات معايا.. لكن من ساعة ما العدة خلصت وسمعت انها اتجوزت وهي مشيت وخدت بنتي معاها بدون علمي
_ يمكن راحت مصر؟
_ لا، كلمت أهلها سألتهم وقالوا لا مجتش، هي اصلا ماكنتش عايزة تفضل في مصر وكانت دايما بتقولي شوف فرصة عمل برا وخدنا، الحياة في مصر بقت صعبة ودا اللي خلاني اجي هنا اساسا.
ردت في نبرة بها الشفقة:
_ حرام عليها بجد.. ليه تحرم اب من بنته؟
طب بتفكر تعمل إيه؟
_ مش عارف.. انا اهو بدور لحد أما اعرف لها طريق علشان اقدر ارفع قضية واشوف بنتي
ابتلعت ريقها ووضعت يدها أسفل بطنها خلسة.. وردت:
_ ان شاء الله، هتلاقيها وربنا هيجمعك ببنتك قريب... انت صحيح بتتعالج نفسيا عند مين؟
كويس يعني الثيرابي دا؟
هز رأسه مؤكدًا ورد:
_ هو شاطر جدا، ومن مصر كمان بس عايش ومتجوز واحدة من هنا.. بقالي فترة بروح اتكلم معاه لاني في غربة ووحيد واتخانت وبنتي مبقتش معايا وعندي مشاكل في الشغل.. كل دا حصلي مرة واحدة بعد ما كانت حياتي مستقرة وعندي مراتي وبنتي وبيتي.. كل دا راح مرة واحدة.. احيانا مببقاش مصدق، بحس انه مجرد حلم وهصحى منه، مش عارف ازاي كل دا حصل وامتى!
كل ما كان يقّصه عليها، كان يذكرها بنفسها تمامًا، فقد سُلبت منها حياتها فجأة مثله، وانهدم عشها مرة واحدة دون مقدمات.
سكت برهة.. ثم سألها:
_ وانتي، اخبارك إيه مع مستر أمجد؟
هو جيه معاكي هنا، ولا انتي جاية رحلة لوحدك؟
ابتسمت ابتسامة بها السخرية من ذلك الرجل المدعو أمجد.. ثم ردت عليه:
_ انا وامجد اطلقنا.. بقالي بتاع أسبوعين اهو مطلقة
_ بتهزري!
ليه كدا؟
ألقت بصرها نحو الأرض وسكتت.. فتابع:
_ خلاص، لو مش عايزة تتكلمي براحتك طبعا
نظرت إليه وردت في نبرة صوت تجاهد في أن تجعلها ثابتة:
_تقريبا نفس قصتك.. عرفت انه لسه متعلق بال..بال... بالاكس بتاعته
كان من الصعب عليها نطق ذلك خاصة أنها تعرف جيدًا من تكون حبيبته تلك..
رد في غيظ:
_ هما مجانين بجد!
طالما متنيلوش واتخطوا بيقرفونا معاهم ليه؟
طالما هما شوية متخلفين كدا وعايشين على انقاض الماضي، بيتجوزوا ويظلموا معاهم الناس ليه؟
سكتت قليلًا... ثم ردت بعد تنهيدة طويلة:
_ اديك قلت، مرضى نفسيين.
المهم أنا كنت عايزة عنوان ورقم الثيرابي اللي روحت له دا.. عايزة اتكلم معاه انا كمان شويه.. حاسة اني تعبانه، تعبانة اوي ومستنزفة وجيت هنا هربانة اساسا من نفسي ومن الدنيا كلها هناك.
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ اهدي..اهدي والله مفيش حاجة مستاهلة، انتي تستاهلي حد احسن منه ميت مرة، ربنا يخلصنا منه هو وأمثاله....
***********
مرت الأيام، حتى تعافى جياد تمامًا وبدأ يبدل ملابسه حتى يخرج من المستشفى بعدما وافق الطبيب.
دخل عليه يزيد فوجده يرتدي الجاكت خاصته ويهيئ نفسه فسأله:
_ انت شعرك مبلول ليه يا جياد؟
_ خدت شاور، قرفت بقالي كتير مرمي على السرير لحد ما زهقت وعضمي وجعني..
انتهى من اعداد نفسه فأصبح مستعدًا للرحيل، فقال لأخيه:
_ المهم، فين هانيا؟
مستنية برا؟
_ تعالى معايا اقولك هي فين؟
_ يعني ايه؟ هي فين؟
_ اخلص بقا تعالى معايا دا انت زنان!
خرج معه ونزلا في المصعد الكهربائي ثم خرجا من المستشفى وركبا السيارة كل ذلك دون هانيا.
قاد يزيد السيارة... حتى وقف أمام أحد الفنادق وقال لأخيه:
_ هانيا هنا في الفندق دا.. روم رقم ٦
_ وهي بتعمل إيه هنا؟
احنا مش كنا خلاص راجعين مصر؟
_ انزل يا جياد وخلصني، دا انت كلت دماغ امي طول الطريق مش كدا!
_ طب براحة على نفسك يا حبيبي!
ثم فتح باب السيارة خرج وغلق الباب بقوة ليصرخ يزيد، بينما يقول جياد:
_ علشان تبقى تكلمني باسلوب مستفز زيك تاني
_ غبي، شكل الحادثة أثرت على مخك وخلتك من غير تفكير!
صاح بها يزيد وهو داخل السيارة متأثرًا بطريقة غلقه لباب سيارته بقوة.
ابتسم جياد وتجاهله، ثم دخل الفندق ثم المصعد الكهربائي حتى وصل أمام باب الغرفة.
كانت حينها الغرفة شبه مظلمة، لا يضيئها سوى ضوء خافت قادم من الأباجورة الموضوعة بجانب السرير، بينما تسللت أشعة المدينة الليلية عبر الواجهة الزجاجية الكبيرة.
دخل جياد وسمع صوت موسيقى الاغنية الأنجليزية الصاخبة في ارجاء الغرفة ثم فجأة وقف عند باب الغرفة.. تجمد مكانه وهو يحملق فيما يرى أمامه.. بينما في منتصف الغرفة كانت هانيا ترتدي فستانًا بيج طويلًا ينسدل بانسيابية فوق جسدها، يبزر تفاصيله بشكل ملفت للغاية.
كان مصنوعًا من قماش خفيف يلتقط الحركة مع كل خطوة وكأنه موجة سوداء ناعمة تتحرك حولها.
أما الجزء العلوي منه فكان بسيطًا وأنيقًا، وما كان يلفت الانتباه أكثر كانت تلك الفتحة الكبيرة عند الصدر، بينما ترك كتفيها ظاهرين. انسكب شعرها في خصلات متموجة مرسومة بعناية وكانت ترقص.
لا ترقص بطريقة استعراضية بل بطريقة من ينسى نفسه مع الموسيقى، تتحرك بخفة.
ترقص على أنغام الموسيقى الأجنبية رقصًا أجنبيًا يشبه الرقص داخل الملاهي الليلة على سبيل المثال.
كان جسدها يرتفع ويهبط برفق مع النغمات، ذراعاها مرفوعان للأعلى، تحركهما في الهواء، يتراقصا يمينًا ويسارًا، ومن أعلى إلى أسفل... تُحَرِك كتفاها بانسيابيةٍ متناغمة، حتى بدت حركات ذراعيها وكتفيها كغصنين رقيقين يتمايلان مع نسيمٍ خفي.
أما شعرها،فكان له رقصة أخرى خاصة به.
كلما حركت رأسها يمينًا ويسارًا بسرعة متناقسة مع الموسيقي، تحرك معها، يتطاير بخفة ومرح، وكأن خصلاته تشاركها الإيقاع هي الأخرى.
أما عن جياد، فلم يتحرك ظل واقفًا مكانه ينظر فقط.
كانت عيناه تتحركان معها أينما تحركت، مع حركات جسدها، وايماءاته، مع تطاير شعرها، مع تراقص ذراعيها وكتفيها،كأنه يشاهد شيئًا لم يتوقع رؤيته يومًا.
رفعت ذراعيها قليلًا مع الموسيقى واستدارت بخفة، فدار الفستان حولها نصف دائرة كاملة.
عندها أطلق جياد زفرة طويلة يلفظ " اوف" وهو يهز رأسه بعدم تصديق.
وقال لنفسه بصوتٍ منخفض:
_ جامدة
أكملت رقصها دون أن تنظر إليه تعرف أنه يراقبها وتعمدت ألا تنظر.
تقدّم خطوة ثم أخرى وعيناه لم تفارقاها.
كانت تتحرك مع اللحن وكأنها تسمعه بجسدها كله تتمايل بخفة مع الإيقاع ثم تستدير وهي تبتسم لنفسها واثقة ثم تعود للحركة من جديد.
وصل إلى مسافة قريبة منها، قريبة جدًا، لكنها ظلت تتجاهله كأنه غير موجود.
عندها ضحك ضحكة قصيرة خرجت منه رغمًا عنه.
ثم وقف خلفها والتف ذراعه الأيمن حول خصرها وبدأ يتمايل بجسده فيما يتناسب مع حركاتها يشاركها الرقصة، كلما تحركت يمينًا، تحرك، كلما تمايلت بجسدها للاسفل شيئًا فشيئًا مع إيقاع الموسيقى، تمايل معها بنفس التدريج وجسده يتراقص.
بدأت أصابعه تتحرك على خصرها في هدوء بينما أنفه التصقت بعنقها أثناء الرقص... أغمض عينيه لثانية قصيرة وهو يستنشق عطرها الذي اعتاده، ذلك العطر الذي كان كفيلًا دائمًا بإفساد أي محاولة منه للصمود.
أمال برأسه قليلًا نحو اذنها وهمس بصوتٍ خافت لا يكاد يُسمع وسط الموسيقى:
_ زي الطلقة الروسية، لو ما قتلتي، بتشلّي.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، لكنها أصرت على تجاهله تتابع رقصتها، تتمايل في دلال وحركات أنثوية مثيرة.
فهز رأسه ضاحكًا، ثم شدد المسكة على خصرها يقربها منه أكثر.
استمرت في الرقص، ترفع ذراعيها مع النغمات، بينما كانت خصلات شعرها تتحرك حولها في فوضى جميلة تضرب وجهه تارةً وتمر أمامه تارةً وتبتعد تارة أخرى، مما ارغمه على ترك خصرها، فقد وجد نفسه يتابعها، يشاهد ايماءات جسدها، يقف خلفها مأخوذًا بها بالكامل لذا لم يستطع أن يشاركها الرقصة بقدر ما كان يستمتع بمشاهدتها.
أطلق صفيرًا عاليًا ثم قال في صوت مسموع:
_لا... واضح إن في خطة لشد أعصابي النهارده.
فأطلقت ضحكة رنّانة، ومع ضحكتها شعر أن الغرفة كلها أضاءت أكثر من أي مصباح فيها، وقال في عدم تصديق لما يحدث:
_ هيغمى عليا، يخرابي على الضحكة، عقلي هيطير مش مصدق عنيا ولا وداني!
هتجنن يا ماما هتجنن براحة عليا وعلى قلبي انا لسه يدوب خارج من المستشفى!
التفتت إليه أخيرًا بنظرة بريئة متعمدة وقالت في ابتسامة بعدما توقفت عن الرقص:
_ في إيه مالك؟
أشار نحوها كلها واجاب:
_ مالك؟
يا بجاحتك انتي لسه بتسألي!
الفستان... الشعر.. الرقصة.. الضحكة ولسه بتسألي مالك؟
ما خلاص يا فتّاكة يا هلاّكة، هَلَكْت!
ضحكت ثم ردت وهي ترفع كتفها في لامبالاة:
_ وانا مالي، انا برقص في حالي انا جيت جمبك!
_ والله! بقا هي بقت كدا؟
استدارت مرة أخرى مع الموسيقى.
لكن هذه المرة، رفع يده وأمسك كفها قبل أن تبتعد فاستدارت نحوه تلقائيًا توقفت للحظة وتقابلت أعينهما لحظة قصيرة جدًا لكنها كانت كافية، كافية لأن ينسى الأغنية وينسى الوقت وينسى الكلام حتى.. ظل ينظر إليها.. إلى عينيها إلى شفتيها وإلى تلك الابتسامة إلى تلك الثقة الجديدة التي ظهرت عليها مؤخرًا.
ثم قال بصوت أقرب للهمس بعيني قد ذابتا في جمالها:
_ هو انتي كنتي مخبية كل ده ليه؟
ابتسمت دون أن تجيب.
فأكمل وهو يهز رأسه بإعجاب حقيقي:
_ لا بجد...أنا متأكد إنك بتتعمدي تضيعيلي عمرى
ضحكت فاتسعت ابتسامته فور رؤيتها تضحك كعادته فكانت ضحكتها ما زالت تملك القدرة على إسقاط كل دفاعاته مهما حاول التظاهر بعكس ذلك.
وضعت أصبعها تحت ذقنه وقالت في نبرة مليئة بالدلال الانثوي:
_ هطلب منك طلب
_ انتي تؤمري، أي حاجة هتطلبيها دلوقتي هتتنفذ حالا، شالله تقوليلي ولع في نفسك اكتر ما انا والع كدا
ابتسمت وقالت:
_ لا مش للدرجادي.. كنت عايزاك توصفني وتوصف مدى اعجابك بيا وبشكلي النهاردة بس بكلمة واحدة بس دا الشرط، تعرف؟
تعرف تقول كلمة واحدة بس تديني حقي وتوصفني بشكل واضح من غير كلام كتير؟
رد في ثقة:
_ دا انا اللي اعرف مش حد غيري...
سكت قليلًا يفكر.. ثم تابع:
_ " mamacita "
عقدت حاجبيها في استغراب وسألته:
_ ومعناها ايه دي؟
_ يعني مُزّة جامدة فحت من فوق لتحت بالعامية الإسبانية، بتتقال كغزل صريح ل ليدي طلقة كدا زيك
_ ماماسيتا؟
_ بالظبط كدا ومن هنا ورايح انتي ال الماماسيتا بتاعتي، لان مفيش في جمالك ولا جمدانك، يلا قوليلي كدا سمعيني الأسماء بتاعتك
ابتسمت بشكل جميل ثم ردت:
_ بطاطا وقطايف ولأول مرة دلع لا يعبر عن أكل، ماماسيتا
رد وهو يقترب منها:
_ ماهو علشان انتي اللي هتتأكلي أكل دلوقتي....
منعته بيديها قائلة:
_ استنى بس.... مش تعرف إحنا بنحتفل بإيه؟
_ بإيه؟
_ بعيد ميلادك طبعا، التورتة في الطريق علشان نقطعها مع بعض
_ تيجي بالسلامة، عقبال ما تيجي أكون احتفلت انا بطريقتي، هو دا اللي بيفرحني يا ستي!
_ يعني انت قادر؟
_ الله أكبر، خمسة في وشك.. انتي هتقري عليا ولا إيه؟
انا بعون الله قادر على أي حاجة، هو انتي متجوزة اي حد ولا إيه.. دا انا جياد الزيني يا بت فوقي.
يلا بقا بلاش تضييع وقت!
********
وبعدما انتهى، ونال منها ما نال، أخذآ يحتفلان معًا.
كان يقطعان الكيكة معًا وهما يتشاركان في الضحك والمرح.
وفي تلك الأثناء، سمعا صوت جرس الباب، فقال لها:
_ دا شكله يزيد الرخم، عايز حتة تورتة ولا حاجة
ضحكت.
فاتجه هو نحو الباب، وفتحه وبمجرد أن فتحه وجد باسم يقول له في ابتسامة عريضة:
_ حمدلله على السلامة
بينما هانيا شعرت بتوتر شديد وشد أعصاب قوي بمجرد أن سمعت صوته....
*********
فوت يا جماعة الفوت متنسوش
وتعليقاتكم خلينا نخلص
باقي بارت
نلتقي على خير
سلمى خالد احمد
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!