ازيكم عاملين ايه؟؟؟
فوتس وكومنتس لا تنسوا التشجيع 😍🔥
جاهزين؟؟
يلا نبدأ
الفصل الثامن و الأربعون[ اللعب على المكشوف ]
سلمى خالد احمد
**************
وما كان لها إلا أن ضمت رأس زوجها إلى صدرها وهي تبكي بكاء جمًا في انهيار، وقد امتلأت ملابسها بدمائه ويديها أيضًا، تقول له في ترجي مصحوب ببكاء:
_ جياد، اصحى، رد عليا يا حبيبي رد عليا بليز يا جياد، انا هانيا، انا هانيا حبيبتك، رد عليا ارجوك رد، فتح عينك يا حبيبي، فتحها ارجوك فتح
أما شهاب فكان يقف أمامها يرى بعينيه ما فعله بالشاب ويسمع بكاء وتوسل زوجته، فانحنى نحوه في سرعة يضع يده على مكان نبضه عند الرقبة و اليد ليعرف هل مات ام مازال على قيد الحياة... ثم قال لها سريعًا:
_ لسه عايش، الحمدلله فيه الروح، متخافيش، انا هطلب له الإسعاف حالا اهو
وبالفعل استقام مرة أخرى واتصل بالاسعاف.
قال لها مواسيًا:
_ اهدي يا هانيا ممتش، ممتش متخافيش
صرخت في عصبية مفرطة مصحوبة ببكاء ودموع لا تتوقف:
_ ليه تعمل فيه كدا ها؟
انت عايز إيه يعني؟
عايز توصل لايه بالظبط!
ارحمني بقا ارحمني
هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ هانيا انا.. انا ماكنش قصدي اعوره كدا، كل الموضوع إني كنت عايز اخده معايا علشان يقولي فين اختي و...
قاطعته صارخة في نفس النبرة الأولى:
_ يا اخي فلقتنا بأختك بقا، ماخدش اختك مأخدهاش، تمام!
ثم تنهدت قليلًا وصدرها يعلو ويهبط:
_ ابعد عننا بقا، سبنا في حالنا وكفاية كدا كفاية كفاية
وفي تلك الأثناء، التفت الناس حولها ما إن تجمعوا على صوتها وأخذوا يسألون عمَّ حدث ومنهم من أخذ يقوم ببعض الاسعافات الأولية للشاب حتى مجئ الإسعاف
أما شهاب فقد وقف بعيدًا قليلًا يراقب ما يحدث مع الشاب في قليل من القلق إذا مات أو أصيب بجرح بليغ وهو لم يقصد ذلك.
وصلت سيارة الاسعاف، وخرج الفريق الطبي بالسرير المتحرك ثم حملوا الشاب ووضعوه عليه برفق على صراخ وخوف زوجته التي لازالت تمسك بيده حتى وضعوه داخل السيارة وركبت معه، وبمجرد أن ركبت، ألقت نظرة نحو شهاب بها الضيق والغضب قبلما يتم غلق بابي السيارة ثم اشاحت وجها بعيدًا وتحركت السيارة بعدها..
وهناك في القصر كانوا قد تجمعوا لأجل الاجتماع الذي طلبه الشيخ منهم، ولكن كل شيء قد توقف بعدما وصل لهم خبر الشاب فهرعوا جميعهم حتى السيارات متجهين إلى المشفى التي هو بها.
***********
جلس باسم في ركنٍ قصيٍّ من الملهى الليلي، متكئًا إلى المقعد الجلدي، بينما استقرت بين أصابعه كأسٌ لم يرفعها إلى شفتيه إلا نادرًا. كانت الأضواء الملوّنة تتراقص من حوله، والموسيقى الصاخبة تملأ الأرجاء، إلا أنها بدت بعيدةً عنه كأنها تنتمي إلى عالمٍ آخر لا يخصّه. لم يلتفت إلى الضحكات المتعالية ولا إلى الوجوه العابرة من حوله، فقد كان ذهنه أسيرًا لفكرةٍ واحدةٍ لا تكف عن مطاردته.
ثبت بصره على السائل المتماوج داخل الكأس، وعقد حاجبيه في عبوسٍ ثقيل، بينما راحت الأفكار تتزاحم في رأسه بلا رحمة. كان يستعيد ما حدث مرارًا، يقلبه من كل زاوية، باحثًا عن الخطوة التالية. وبين حينٍ وآخر، اشتدت قبضته على الكأس حتى كادت أصابعه تطبع أثرها على زجاجها، في إشارةٍ صامتة إلى الغضب المتأجج خلف ملامحه الجامدة. بدا كأن الضجيج كله قد انطفأ من حوله، ولم يبقَ في عالمه سوى أفكاره المضطربة، وسؤالٍ واحدٍ يلحّ عليه بإصرار: ماذا سيفعل الآن؟
حدث نفسه في خفوت:
" بس هي اللي مستحملتش.. انت ماكنش قصدك تموتها أكيد.."
_ تؤمر بأي حاجة تانية يا باسم باشا؟
خرج عن شروده على تلك الجملة مما جعله يرفع رأسه سريعًا نحو المتحدث، ينظر إليه.. ثم تنهد وقال:
_ إيه يا دودّا؟
_ ايه يا باشا فينك؟
بقالي كتير مش بشوفك مش بتيجي ليه؟
_ انت هتحقق معايا يا دودّا؟!
_ لا يا باشا ولو.. بس انا كنت مستغرب غيابك عن المكان طول المدة دي
زفر الشاب على مهل، ثم أخرج من جيبه مالًا ووضعه في قبضته وقال:
_ خد يا دودّا، روق على نفسك بدول وفكك مني، انا دماغي مشغولة بألف حاجة
_ تحب اشوف لك مُزة تروق عليك، استعمال خفيف؟
_ هديك على وشك
ضحك الشاب ورد:
_ اعملك ايه، دا حتى نالا مبقتش تيجي هي كمان زيك
سكت برهة ثم أمال برأسه نحو باسم وقال في نبرة صوت منخفضة:
_ بالمناسبة، فيه بنت جت سألت عنك
رفع إليه رأسه باهتمام وسأله:
_ بنت؟ بنت مين؟
اللي انا اديتك صورتها وقولتلك لو جت تبلغني فورا؟
هز رأسه نافيًا ثم رد:
_ لا مش هي، واحدة تانيه بس انا حسيت انها بتوقعني بالكلام وعايزة تعرف انت بتيجي هنا ومصاحب ولا لا، علشان كدا خمنت انها تبع خطيبتك
_ هشوفها في الكاميرات دي كمان.. حد تاني سأل عني او عن حاجة تخصني غيرها؟
سكت الشاب وهو ينظر إليه في خوف، ليقول له باسم في نبرة صوت حادة:
_ دودّا!
_ لا مفيش يا باشا صدقني.. هو ابن خالك بس واعتقد دي مش هتفرق معاك كتير، انت محذرتنيش منه!
وقف فجأة وسأله وهو يحدق به:
_ ابن خالي مين؟
يزيد؟
هز رأسه نافيًا ثم قال:
_ جياد.. جياد الزيني
شده من ياقة ملابسه في عنف وقال له بنبرة بها الغضب الشديد:
_ جياد الزيني سأل عني في ايه بالظبط وانت قولتله إيه بالحرف؟
كان الشاب بين قبضته خائفًا منه ومن نظراته له تلك المرعبة وملامح وجهه التي تغيرت في لحظة وقال في توتر:
_ هو..هو سأل عن نالا وانا..وانا والله مش عارف اني المفروض مقولش، انا قلت انتوا قرايب في بعض، انا قولتله انها تبعك وبس
حدق به أكثر فأكثر وقال في نبرة يجاهد في ألا يجعلها عالية:
_ هخنقك، هخنقك بإيديا يا غبي يا متخلف انت.
قولي قالك إيه بالظبط من أول ما دخل
_ ما. ما .هو..هو، حط لي صورة نالا وقال عايزها لصاحبي وفين ألاقيها هنا ولا لا، وانا قولتله بقالها كتير مش بتيجي ومش هتنفع صاحبك لانها خاصة بابن عمتك باسم بس كدا مقولتش كلمة لا زيادة والله يا باشا
صاح في وجهه في غيظ شديد:
_ غبي انت غبي غبي وحيوان
ثم دفعه بعيدًا حتى وقع على الأرض وقد لاحظ البعض ما حدث.
ثم سكت يفكر قليلًا:
" بتدور ورايا ليه يا جياد... مفيش غيرها روني.. روني بدأت تحرك جياد علشان خافت على يزيد.. كنت عارف، والله كنت عارف انها مش هتسكت إلا أما تسيح دم "
ثم تحرك نحو الخارج في خطوات سريعة بعدما رمى دودّا بنظرات مخيفة.
***********
أمام الغرفة التي بها الشاب، في المشفى الخاصة أحد أكبر واهم المشافي الخاصة بزايد، كانت العائلة تقف في ترقب مصحوبًا برعب وبكاء على ولدهم الذي يرقد في الداخل.
وسأل الشيخ، هانيا والتي كانت تبكي داخل حضن أختها روني:
_ إيه اللي حصل له يا هانيا؟ ابني جراله إيه؟
لتضيف عبير والتي كانت تجلس على الكرسي فلم تستطع قدماها على حملها، تبكي بكاء هيستيريًا:
_ ابني عنده ٢٤ سنة بس، كل شوية نجيله في حادثة، كل شوية الاقيه نايم قدامي على السرير بوضع يقطع قلبي لا حول ليه ولا قوة.. جوازة الشوم والندامة، هتموت لي ابني، هتموت لي ابني..
ثم صرخت في نبرة بها القهر موجهة حديثها إلى هانيا:
_ أنا بكرهك، بكرهك
أما فاطيمة فكانت تجلس جوارها تربت على كتفيها تواسيها:
_ خلاص يا عبير هانم اهدي يا حبيبتي اهدي ان شاء الله نطمن عليه قريب يا حبيبتي ويكون زي الفل ويقوم يروح معانا كمان
كان الشيخ لايزال ينظر إلى هانيا منتظرًا منها أي إجابة ولكن الفتاة لم تخرج عن حدود حضن أختها، تبكي ويزداد أصوات بكائها.
وفي تلك الأثناء، وصل مجدي رفقة حورية وهما يسرعان نحو العائلة المنتظرة أمام باب الغرفة، أسرع مجدي نحو الشيخ وهو يقول:
_ خير يا شيخ ان شاء الله خير، ربنا يقوم لنا جياد على خير
_ انا مش فاهم ابني ماله يا مجدي بجد، انا هتجنن!
الواد كل شوية ننقذه من حادثة هو في ايه!
_ معلش يا شيخ معلش، قدره كدا ربنا يقومه بالسلامة يارب
بينما حورية اتجهت نحو مايا الواقفة بجوار الكرسي الذي تجلس عليه هانيا في حضن روني وقالت لها في خفوت:
_ هو فيه إيه؟
إيه اللي حصل للواد، اختك ليها يد المرادي؟
هزت رأسها بالسلب ثم ردت:
_ مش عارفة يا ماما والله، احنا لسه واصلين من شوية اصلا ومن ساعة ما جينا وهي بتعيط ومقالتش حاجة خالص
_ تبقى عارفة كل حاجة.. ربنا يستر، عبير عايزة تقوم تجيبها من شعرها.. شايفة بتبص لها ازاي!
وفي الوقت نفسه، سمعت فاطيمة صوت هاتفها يرن، اخرجته من الحقيبة ونظرت إلى الشاشة.. ثم قالت لعبير:
_ بعد اذنك يا عبير هانم، هروح ارد
وبالفعل تحركت حتى وقفت بعيدًا عنهم ثم استجابت قائلة:
_ إيه يا باسم؟
ليرد الشاب في نبرة بها الاستعجال:
_ ماما بسرعة بس الله يكرمك، جياد فين؟
وصل القصر؟
_ جياد عمل حادثة، احنا هنا كلنا في المستشفى اهو
تنهد تنهيدة طويلة وهو يضع يداه على صدره في راحة ورد:
_ الحمدلله.. الحمدلله بجد طمنتيني.. عمل حادثة ازاي؟
_ محدش عارف لسه، ادينا مستنين الدكتور يخرج ونشوف هيقول إيه
ركب سيارته ورد وهو يغلق بابها:
_ ايوا تابعي كلام الدكتور، كدا كدا في مصلحتنا كله..
بدأ يضغط على الفرامل وتابع:
_ جياد لازم يموت، مينفعش يخرج من المستشفى خلاص
حدقت السيدة في الفراغ من هول الخضة وردت:
_ إيه!
انت أكيد اتجننت.. عايز تقتل جياد لي؟
في إيه؟ إيه اللي حصل؟
تنهد ثم رد وهو يقود السيارة:
_ جياد عرف كل حاجة تقريبا.. عرف ان ليا علاقة بهيام وشاف صورتها وأكيد روني حكت له قصة رضا وصفوت والكارثة اللي حصلت في الشركة، ومش بعيد تكون قايلاله كل حاجة حصلت.. موضوع الدجال، موت ابنه والحشيش اللي انا دخلته القصر، كل دا جياد مش بعيد يكون عرفه او بينه وبين انه يعرفه تكة، ووقتها كلنا كدا بلا استثناء نقول على نفسنا يا رحمان يا رحيم وانا يا حبيبتي مش عايز اقول على نفسي يا رحمان يا رحيم واللعب بقا على المكشوف ولو انا متغدتش بيه هو هيتعشا بيا.
رفع صوت الأغاني الإنجليزية الصاخبة بكاست السيارة واضاف:
_ مينفعش يخرج ويتكلم ويقول للشيخ كل حاجة.. انا عامة مش متضرر، انا بعرف اهرب كويس واحمي نفسي، الدور والباقي عليكم انتوا، انتوا اللي خالي هيوديكم ورا الشمس
سكتت تفكر في تلك المصيبة التي حلت فوق روؤسهم جميعًا... ثم ابتلعت ريقها وردت:
_ انت شايف كدا؟
_ انتي شايفة غير كدا؟
لو شايفة انك هتقدري تواجهي اخوكي بكل عمايلك دي انتي واختك، تمام سبيه عايش وخليه يتكلم ويحكي.. جياد ذكي جدا وهيتكلم بأدلة وهيخلي الشيخ يصدقه ووقتها مش عارف الشيخ ممكن يعمل فيكم إيه
_ طيب آآآآه.. يعني.. هنخلص منه ازاي؟
يعني لو طلعت حالته مستقره وكدا، هنعمل إيه؟
_ انتي بس اسمعي حالته من الدكتور ووقتها نقيم، لو قال خطر ومفيش أمل وان شاء الله هيكون كدا يعني، خلاص ربنا ريحنا خالص، إنما لو قال هيطلع وهيتحسن وكدا، يبقى هنا لازم ندخل وننهي أمره في المستشفى كأنها انتكاسة، قبل ما يطلع هو ويخلص مننا.
_ ماشي، هروح اهو اقعد معاهم علشان اشوف الدكتور هيقول ايه وبعدها هكلمك علشان نشوف هنعمل إيه.. بس انا خايفة يا باسم، الموضوع دا مش سهل، هنروح في داهية!
رد في نبرة عادية باردة:
_ كدا كدا هنروح في داهية فعادي بقا كله محصل بعضه
انهى معها المكالمة، وعادت هي إليهم مرة أخرى وحينها كان الطبيب قد خرج من الغرفة وقال لهم:
_ المريض اتعرّض لارتجاج شديد في المخ نتيجة الارتطام بالرأس، مع جرح في فروة الرأس تسبب في النزيف. هنحتاج نراقبه خلال الساعات الجاية ونعمل أشعة علشان نتأكد من عدم وجود نزيف أو تورم داخل الجمجمة."
بدأت الأصوات تتعالى والخوف ملأ أركان المشفى أما الشيخ فقد سأله في لهفة بها رعب على ابنه:
_ حالته مستقرة صح يا دكتور؟
هز رأسه مؤكدًا ثم رد:
_ اه الحمدلله، هو حالته مستقرة مش حرجة ولا خطيرة، النبض موجود ومستقر.
التنفس مستقر أو تحت السيطرة.
ضغط الدم مقبول.
ومفيش تدهور سريع أو توقف لأعضاء حيوية مثلا.
يعني هو حالته مستقرة حاليًا، لكن ما زال فاقد الوعي نتيجة إصابة الرأس طبعا.
زي ما قلت لحضراتكم هنستمر في الملاحظة ونتابع نتائج الأشعة خلال الساعات الجاية ان شاء الله.
وبعدما ذهب الطبيب، اطمأنوا قليلًا وبدأوا يحمدون الله جميعًا، عدا فاطيمة التي بدأت تقلق من فوقته وفور شفائه وخروجه...
**********
وبالتزامن مع ذلك، دخل شهاب شقته متجهًا نحو غرفة نومه، وبمجرد أن فتح الباب، وجد ماهي تجلس على السرير وفي يدها قلم واوراق تكتب عليها.. ولكنها ما إن لاحظت وجوده حتى دست تلك الأوراق تحت الوسادة وبدأت تزيل دموعها التي تنساب بلا توقف على خديها.
تنهد الشاب واتجه في خطوات محسوبة نحوها حتى لا تصرخ أو تغضب من مجيئه، وبعينيه أخذ يبحث عن هاتفها والذي بمجرد أن وجده حتى التقطته وجعله صامتًا حتى إذا اتصل بها أحد من أهلها، لا تسمعه وذلك خوفًا عليها من الحزن بسبب ما حدث لأخيها على يده.
وضع الهاتف في جيبه ثم لاحظ وجود سكينة على الكومودينو، حدق بها ونظر إلى زوجته سريعًا والتي كانت تحيد ببصرها بعيدًا عنه تتجاهل وجوده منذ أن دخل.
وفي سرعة جلس جوارها بعدما قلق للغاية، سحبها إلى حضنه يضمها إليه بقوة بينما هي كانت تحاول مرارًا أن تبعده عنها وهي تقول في ضيق:
_ اوعى ابعد عني، اوعى متحضنيش اوعى اوعى
بينما الشاب لم يستمع لها بل كان يزيد من ضمها له وهو يقول في نبرة هادئة:
_ بس، بس يا قلبي بس اهدي يا حبيبتي اهدي...
وفي الوقت نفسه، فتحت منى باب الغرفة كي تدخل وهي تحمل صنية الطعام ولكنها تفاجأت بوجوده مع زوجته، لذا ظلت واقفة مكانها تنظر إلى ما يفعل وتسمع ما يقول.
تابع الشاب كلامه وهو يُقبّل يد زوجته:
_ سامحيني يا روحي خلاص حقك عليا، حقك عليا والله انا أسف اسف على كل حاجة عملتها معاكي
ثم ملأ خديها وجبينها بالقبلات وهو لايزال يعتذر منها:
_ انا مش عايز حاجة خلاص من الدنيا غيرك انتي وابني، ارجوكي ارجعيلي وكفاية الضياع اللي انتي فيه دا يا ماهي، كفاية الانطفاء كدا، كفاية الزعل دا بقا، وانا اوعدك اني مش هزعلك تاني ابدا، وهكون رهن اشارتك
وبينما منى تقف هناك تراقب الشاب وما يفعل، حزنت على نفسها وتذكرت كيف كان يعاملها زوجها قبل مقتله في قضية وطنية كُلف بها.
كان عاديًا كأي رجل روتيني لا يقدرها بذلك القدر ولا يعتذر إذا أخطأ ولا يأتي إلى المنزل إلا قليلًا بسبب انشغاله وسفره بين المحافظات طوال الوقت نتيجة لطبيعة عمله فقد كان شرطيًا.
لذا أحست بالغيرة قليلًا لا من ماهي وزوجها بل على نفسها لأنها لم تحصل على ذلك الاهتمام يومًا
دققت النظر عليهما، فإذ بالشاب يمسك يدي زوجته يبادل القُبل بينهما يُغرقها بنظرات بها التوسل والترجي كي تسامحه على ما ارتكبه في حقها من ذنب.
أما ماهي فكانت لا تتوقف عن البكاء حسرة وقهر وصدرها يعلو ويهبط في سرعة عالية، وبين بكائها وتوسل الشاب، تقدمت منى بخطوات سريعة نحوهما ثم قالت:
_ شهاب بعد اذنك بلاش تعيطها تاني إحنا ماصدقنا!
ثم وضعت الطعام على الطاولة الصغيرة التي كانت بجانب السرير ثم اقتربت منهما حتى وقفت قبالهما وابعدت يدي الشاب عن زوجته وهي تضيف:
_ اطلع برا، انت بتزعلها وانا مبصدق اسكتها، دا وقت الأكل يلا بعد اذنك اخرج
بادل شهاب النظر بينها وبين يديه التي ابعدتهما في استغراب ولكنه رد:
_ انا هأكلها
لتقول ماهي في نبرة حاسمة جاهدت في اخراجها:
_ لا، انا عايزة منى هي اللي تأكلني، اطلع برا فعلا ومتجيش الاوضة دي تاني
رمته منى بنظرة مليئة بالانتصار أما هو فقد شعر بالحرج قليلًا.. ولكنه تجاهل ذلك ورد في هدوء:
_ حبيبتي، خليني جمبك انتي وزين، أنا عايز اكون جمبكم، و..
قاطعته قائلة دون أن تتوقف دموعها:
_ قولتلك اطلع برا.. مش عايزة غير منى معايا
في لحظتها، رمى منى بنظرات مليئة بالشك فهو على يقين أن هناك شيئًا ما هو لا يفهمه وتلك الفتاة وحدها تعرفه.
كيف انقلبت عليه ماهي بتلك الطريقة وبتلك السرعة؟
ولكنه هز رأسه موافقًا احترامًا لها ولقرارها ثم تحرك كي يخرج من الغرفة.
وبمجرد أن خرج وغلق الباب خلفه، ارتمت الفتاة داخل حضن صديقتها تقول في نبرة عالية مختنقة مع بكاء شديد:
_ بحبه يا منى مش قادرة
وقد سمعها الشاب لذا لصق أذنه بالباب علّه يسمع أي شيء وبالفعل سمعها تقول لها:
_ اهدي يا ماهي مش كدا يا حبيبتي، كفاية عياط بقا لازم فعلا تاكلي علشان الدوا
ومن بعد ذلك لم يسمع أي شيء آخر بسبب اصوات شهقات ماهي العالية وبكائها المتواصل.
***********
اقتربت فاطيمة من أخيها والذي كان يتحرك في خطوات بها القلق أمام غرفة ولده وقالت له:
_ كدا انتوا ناويين على إيه يا شيخ ان شاء الله، في جديد؟
جياد هيطلع قريب صح؟
رد في نبرة هادئة بها الحزن:
_ مش عارف يا فاطيمة.. ادينا مستنيين
سكتت ولم تسأل ثانية بل ظلت تقف بجانبه تراقب تحركاته.
أما هانيا فمبجرد أن لمحت إحدى الممرضات تسير في الطرقات، حتى أسرعت جهتها معترضة طريقها وسألتها:
_ لو سمحتي.. هو جياد الزيني أخباره إيه دلوقتي أتحسن؟
اقدر اتكلم معاه او ادخل له؟
هزت رأسها رافضة ثم ردت:
_ لا، دلوقتي هو تحت رعايتنا ولسه بيعمل كذا أشعة علشان رأسه طبعا لازم نطمن عليه، لو فاق أكيد هنديكم خبر بس متقلقيش هو حالته مستقرة
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ تمام شكرا
أقبلت نحوها روني ثم ضمتها من كتفيها وقالت:
_ طمنتك عليه يا روحي؟
هزت رأسها مؤكدة ثم قالت:
_ خايفة عليه اوي يا روني خايفة اوي
ردت في ابتسامة:
_ ياه لو يسمعك دلوقتي، كان زمانه قام نط زي الحصان
لتتجاوب معها الأخرى في ابتسامة:
_ كان هيقولي، قلقتي عليا يا بطاطا!
كان لازم ابقى بموت قدامك يعني علشان تخافي عليا!
ضحكت روني، لتتابع هانيا في تأكيد:
_ مجنون، مجنون
وعقب مرور وقت.. لمحت هانيا وقوف الطبيب مع الشيخ لذا أسرعت هي الأخرى كي تعرف ماذا يقول، فقال له الطبيب:
_ بس كدا زي ما قولتلك بس احنا عامة مطمنين
انهى كلامه وذهب.. وقف الشيخ يفكر قليلًا في كلامه.. ثم نادى عليه:
" يا دكتور"
توقف الطبيب، فأسرع نحوه الشيخ لذا لم تستطع فاطيمة أن تسمع ولم تستطع أن تلحق به وعليه ظلت واقفة مكانها في ضيق فقد كانت تود أن تسمع ما سيقوله الشيخ للطبيب
قال الشيخ له بمجرد أن وقف قبالته:
_ أنا عايز أكبر استشاريين يشوفوه.
انا محتاج أسفره برا مصر دلوقتي، اسفره ازاي؟
عندي صديق استشاري كبير جدا في ألمانيا وفريق طبي على أعلى مستوى، امتى ممكن تسمحوا لجياد يسافر؟
رد الطبيب في ابتسامة صغيرة:
_ انا شايف انه مش محتاج سفر يا شيخ عبدالله!
_ لا، دي خبطة في دماغه وانا مش بهزر في صحة عيالي، لازم اطمن في كل حتة وفي احسن مكان ان دماغه كويسة وان مفيش اي مشاكل ممكن تظهر عليه مستقبلا... انا عندي هاجس ومخي مش هيرتاح من كتر التفكير.. انا عايز اعرضه على أحسن وافضل مستشفى في ألمانيا وصديقي هيقوم بالواجب معاه، اعمل ايه علشان يسافر إيه المطلوب؟
انا معاكم من جنيه لتريليون اهم حاجه عندي ابني
هز الطبيب رأسه موافقًا ثم قال:
_ تمام، بس اعذرني يا شيخ لو هيتنقل، هيكون بعد استقرار حالته أكتر وتقييم المخاطر، ومش قبل كده، هو عنده إصابة في رأسه ماينفعش نتجاهل حاجة زي كدا، مع السفر وضغط الهوا، لا
_ اوكيه، قيموا المخاطر واعملوا اللي تعملوه بس انا لازم اسفره يكمل باقي علاجه ومتابعته برا علشان اطمن اكتر
_ تمام، عن اذنك
_ اتفضل
عاد الشيخ إلى أسرته وقال لهم:
_ يلا روّحوا كلكم ماينفعش كم العدد دا في المستشفى، يلا يا فاتح خد ماما روحها
ردت عليه عبير:
_ هفضل قاعدة لحد ما اطمن على ابني
_ لا يا عبير هو كويس ومينفعش قعدتك دي، هنيجي برا في مواعيد الزيارة
رد عليه يزيد:
_ انا هفضل معاه يا بابا مش هروح
_ ايوا انت هتفضل جمبه وتطمنا عليه
تدخلت هانيا قائلة:
_ انا كمان عايزة افضل معاه يا شيخ بعد اذنك
_ لا مينفعش، مسموح بمرافق واحد أما يكون راجل افضل طبعا، انتي روحي ارتاحي وبكرة تعالي
ثم نظر إلى فاتح وتابع:
_ يلا يا فاتح خد أمك وعماتك واخواتك وكلهم يلا وروحوا
بدأ فاتح يقول لهم:
_ يلا يا جماعة يلا، جياد بقا بخير
سألته حليمة في استغراب:
_ وانت مش هتروح يا عبدالله؟
_ هروح بس هقعد شوية هنا وجاي وراكم، كدا كدا يزيد بس اللي هيفضل معاه
بدأوا يتحركون جميعًا حتى ذهبوا تاركين الشيخ ويزيد فقط.
**********
خرجت منى من غرفة ماهي ثم غلقت الباب خلفها وبدأت تبحث بعينيها عن شهاب.
كان الشاب حينها يجلس على الأريكة يضع الحاسوب على فخذيه يعمل بسبب تراكم العمل عليه.
اقتربت منه ثم جلست جواره وقالت له في ابتسامة:
_ متزعلش مني
لم يعطها اهتمام كافي بل كان لايزال ينظر إلى شاشة حاسوبه وأصابعه تتحرك على لوحة المفاتيح بسرعة يكتب..
وقال لها:
_ ليه يعني؟
_ يعني.. علشان يمكن شديت معاك شوية جوا بس دا والله من خوفي على ماهي.. انت عارف انها مرضيتش تاكل!
بعد كل الوقت دا وكل التأخير دا مأكلتش مني غير معلقة رز واحدة وخدت العلاج ونامت
حرك الحاسوب بعيدًا عنه قليلًا ثم التفت لها وقال:
_ مين اللي حط لماهي سكينة على الكومودينو؟
ازاي الاقي سكينة في اوضتها؟
فرضنا فكرت تعمل في نفسها أي حاجة؟
ردت في قلق:
_ معرفش والله، أكيد مش هسيب لها حاجة زي كدا في اوضتها
نظر نحو باب الغرفة وقال:
_ متقفليش عليها الباب، افتحيه خليها تحت عيني علشان اشوفها بتعمل إيه
_ ماشي، بس انا فعلا معرفش السكينة دي جت في اوضتها ازاي والله
نظر إليها نظرة باردة ثم التفت إلى شاشة الحاسوب مرة أخرى.
بدأت عيناها تتجول فوق جسده.. صدره.. عضلاته.. كتفيه... وحتى شعره.
كان يبدو جذابًا لها بشكل كبير رغم أنها تكره بعض من صفاته وتصرفاته مع ماهي ولكنها كانت تسمعها منها فقط لا منه فربما بالغت ماهي قليلًا أثناء سردها ما يحدث معه، حسنًا إن ماهي حساسة للغاية ويبدو أنها تتحسس منه ومن أي كلمة يقولها لها، فها هي منى تراه زوجًا مثاليًا، يقف مع زوجته ولم يتركها في محنتها، فكان من الممكن أن يرسلها إلى أهلها ليتكفلوا برعايتها هم على سبيل المثال!
وتمتمت:
" نفسي اعرف ماهي عاملة دا كله ليه؟
ما يحب هانيا ولا يتنيل. انا لو منها كنت نسيته هانيا وابوها وامها كمان "
ثم قالت له في نبرة صوت انثوية هادئة:
_ تحب أحطلك تاكل؟
نظر إليها في انتباه هذه المرة فإن عيناه لم تُكَذّب ما فهمه، لماذا تنظر إليه هكذا!
لذا حمل الحاسوب وقام.. بدأ يتحرك نحو غرفة النوم والتي بها زوجته ولكنها اعترضت طريقه قائلة:
_ على فين؟
رد في غيظ منها:
_ اوعي انتي هتحاسبيني!
_ ايوا لانك مش مسموح لك تدخل عند ماهي انت عارف دا كويس.. ماهي حالتها بتنتكس كل ما بتشوفك
_ اوعي من وشي يا منى
_ مش هسمح لك تدخل عندها وتبوظ كل حاجة، ماهي حاليا كرهاك ومش طايقة تشوف وشك، لو مش خايف عليها هي، خاف على ابنك!
رد في نبرة بها الضيق:
_ مش هتفضل كرهاني علطول، سبيني اصلح علاقتي بيها!
_ ماشي هتعمل كدا بس مش دلوقتي، هي دلوقتي مش متقبلاك ولا متقبلة أي حاجة منك، استنى حسن جاي بكرة زيارة ليها وليك وهيقعد معاك وهو هيفهمك كل حاجة، بلاش ارجوك دلوقتي علشان خاطر ماهي قبل أي حاجة
_ أنا مش فاهم أنا هتجنن، ازاي قلبت عليا كدا مرة واحدة!!
_ ممكن جابت آخرها مثلا!
ولا انت فاكر انها علشان بتحبك هتفضل تقبل على نفسها كتير؟
البنت مننا ليها آخر وأما بتقفل من راجل خلاص، مفيش محاولات تاني ممكن تنفع، يكون في علمك
بدأت تتقدم نحوه بخطوات محسوبة مما ارغمه إلى التراجع للخلف خطوات سريعة وهو ينظر إليها في استغراب شديد، حتى صاح بها وهو يشيح بيده:
_ ايه!
لترد في برود:
_ إيه!
برجعك لورا علشان مش مسموح تدخل لماهي أنا عرفتك
رماها بنظرات بها القرف ثم اتجه نحو الغرفة الأخرى التي ينام بها وبعدما ذهب، تمتمت:
" يخربيتك، دا انت طلعت كاريزماتك موت، فهمت ماهي كانت هتتجنن عليك ليه! "
ثم هزت رأسها بالسلب وهي تتابع:
" اتعدلي يا منى انتي اتجننتي ولا إيه!
دا جوز صاحبتك! "
بينما هو كان في الغرفة يتحرك سريعًا وهو يفكر في ذلك يحاول أن يربط الخيوط ببعضها ليفهم شيئًا وفي الوقت نفسه، صدح صوت هاتفه، أخرجه من جيبه فوجد الشيخ هو من يتصل به..
استقبل المكالمة قائلًا في بعض التوتر:
_ ألو؟
_ إيه يا شهاب، فينك انت وماهي عمالين نرن من الصبح، إيه نايمين على ودانكم!
تنحنح الشاب ورد:
_ أكيد مسمعناش.. هو في حاجة؟
_ جياد في المستشفى بقاله خمس ساعات وانت ولا هنا!
مش المفروض تكون معانا وجمبنا انت واخته؟
سكت فقد خضه بذلك الكلام ولم يرد... ليتابع الشيخ:
_ على العموم عادي، المهم اتصلت بيك علشان اقولك انك انت وهانيا اللي هتشيلوا شغل بكرة واجتماعات بكرة لانها مهمة جدا ومينفعش تتأجل وبما ان جياد مش هيبقى موجود، عايزك تسد مكانه كونك راجل لان بكرة في رجالة مهمة كتير واتمنى ماكنش فاجئتك، ذاكر كويس قبل ما تقابلهم
_ حاضر يا شيخ متقلقش الشغل كله في ايد أمينة لحد ما جياد يبقى كويس
رد الشيخ متعجبًا:
_ غريبة، دا انت مسألتنيش جياد ماله ودخل المستشفى ليه!
ابتلع الشاب ريقه ورد:
_ اعذرني يا شيخ، ماهي بس هرمونات الحمل زايدة معاها وبقينا نتخانق كتير الفترة دي علشان كدا يمكن متشتت شوية
_ لا لا لا، كله إلا ماهي، متزعلهاش ابدا وراعيها واسعدها انا مديهالك علشان كدا وبس أساسا.
انا أما عرفت انها مخنوقة وهرموناتها مش مستقرة وافقت على الإجازة بس معلش استحملها وخدها على قد عقلها الفترة دي، الستات الحوامل بيكونوا كدا، انا نفسي عافيتها من الشغل عندي علشان ترتاح، وياكشي نضغط كلنا بس المهم عندي أنها تكون مرتاحة.. كدا كدا قريب هاجي ازورها بس اشوف اخوها الأول، خلي بالك من ماهي يا شهاب، ماهي أمانة عندك
_ حاضر يا شيخ متقلقش... انا كدا كدا مركز معاها وهحضر اهو لاجتماع بكرة وهشرفك بإذن الله
_ دا العشم بردو، يلا سلام عليكم
_ وعليكم السلام
انهى معه المكالمة ثم تمتم في سخرية مما يحدث معه:
" كِمْلِت.. كملت من كله والحمدلله "
*********
دخلت هانيا الغرفة ببطءٍ شديد، وما إن غلقت الباب خلفها حتى خيّم عليها ذلك الصمت الثقيل الذي لم تعتده من قبل.
لأول مرة منذ زمن، بدت الغرفة واسعة أكثر مما ينبغي، هادئة أكثر مما تحتمل.
وقفت مكانها لثوانٍ طويلة، تتطلع حولها بصمت، وكأنها تبحث بعينيها عن شيءٍ تعرف مسبقًا أنه غير موجود.
لم يكن هناك أحد...
لا صوت ضحكته المستفزة التي كانت تملأ المكان. لا تعليقاته التي لا تتوقف. لا ذلك الرجل الذي اعتاد أن يستقبلها بعشرات الكلمات قبل أن تخلع حذاءها حتى.
فقط فراغ...
تنهدت ببطء، ثم تحركت نحو السرير.
كانت عينها تقع على الأشياء الصغيرة التي لم تكن تنتبه إليها من قبل.
ساعة يده الموضوعة فوق الطاولة الجانبية.
شاحنه وحاسوبه
الكتاب الذي بدأ قراءته ولم يكمله ولم يفهمه حتى.
كل شيءٍ ما زال في مكانه
إلا هو.
شعرت بشيءٍ ينقبض داخل صدرها فجأة.
تحركت حتى جلست على طرف السرير ومدت يدها ببطء نحو الجهة التي اعتاد النوم فيها.
لامست الملاءة بأطراف أصابعها.
باردة، خالية، لا أثر لذلك الدفء الذي كان يتركه خلفه دائمًا.
أغمضت عينيها للحظة، وفجأة تدفقت الذكريات إلى رأسها دون استئذان.
"يا بنتي إنتي إزاي حلوة كده؟"
ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها رغمًا عنها.
ثم سمعته مجددًا داخل رأسها:
"بطلي تقل وفتحي عينك... عايز أفضل أبص لهم."
خفضت رأسها قليلًا وهي تشعر بوخزة غريبة في قلبها.
كم كان كثير الكلام وكم كان وجوده يملأ المكان بطريقة لم تلاحظها إلا الآن.
سحبت وسادته من مكانها وأخذتها بين ذراعيها، بقيت تنظر إليها لثوانٍ طويلة، قبل أن تقربها منها ببطء.
وصلت إليها رائحة عطره.
تلك الرائحة المألوفة التي كانت تلتصق بملابسه ووسادته وحتى مقاعد سيارته.
أغمضت عينيها تلقائيًا وفجأة عاد إلى ذهنها صوته وهو يقول:
"أنا مش ورايا لا شغل ولا شاغل غيرك."
"أنا عارف عنك كل حاجة."
"تفاصيلك كلها عندي."
شعرت بغصةٍ صغيرة تعلو حلقها.
فمدّت يدها نحو أحد القمصان الخاصة به المعلقة على المقعد القريب، ثم التقطته وضمته إلى صدرها دون وعي فكانت رائحته لا تزال عالقة فيه.
رائحته هو، وجوده هو، أثره الذي بقي هنا رغم غيابه.
جلست تحتضن القميص بصمت، بينما كانت عيناها تجولان في الغرفة، كم بدا كل شيءٍ مختلفًا الآن.
السرير نفسه، الوسادة وحتى الهواء.. كل شيءٍ كان يصرخ بغيابه.
وكل ركنٍ في الغرفة كان يحمل ذكرى صغيرة منه.
هنا كان يجلس يتحدث بلا توقف.
وهنا كان يضحك على مزحة لا تضحك أحدًا سواه.
وهنا كان يمد يده فجأة ليسحبها إليه بلا مقدمات.
وهنا كان ينام مطمئنًا وكأن العالم كله بخير ما دامت بجواره.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تمددت ببطء على السرير في مكانه تحديدًا ووضعت رأسها فوق وسادته وأغمضت عينيها للحظةٍ قصيرة شعرت وكأنها تستطيع أن تتخيل وجوده بجوارها.
أن تسمع صوته مرة أخرى.
أن يلتفت نحوها ويقول كعادته:
"تعالي هنا... متبعديش."
ارتجفت أنفاسها قليلًا وحينها فقط أدركت شيئًا لم تكن تريد الاعتراف به من قبل...
أنها اعتادت وجوده أكثر مما كانت تظن.
وأن غيابه لليلةٍ واحدة فقط
ترك داخل الغرفة فراغًا أكبر بكثير مما كانت تتخيل....
تمتمت في ابتسامة وهي تلمس وسادته:
" هترجع امتى يا مجنوني!
عمري ما سمعت صوت الهدوء دا في الاوضة.. وحشتني.."
**********
صف باسم سيارته أمام العمارة التي بها شقته التي يقيم فيها، ولكنه لم يخرج من السيارة بل ظل في الداخل يجري مكالمة هاتفية مع صفوت عبر تطبيق ماسنجر، يقول له:
_ اسمع يا صفوت، انا مش عايز اعيد كلامي كتير انت عارف اني بتخنق بسرعة من أقل حاجة وخلقي في طرف مناخيري.. كلامي واضح، عايز قاتل مأجور محترف قلبه ميت ومش بيخاف، انت اللي هتتواصل معاه وهتلاقيه وهتتفق معاه من عندك على كل حاجة.. هاته من اي داهية بقا وياريت لو يخلص العملية ويهرب بسرعة برا البلد هو كمان.. شوف الدراك ويب لو خلاص يعني ضاقت بيك بس انا عارف انك قدها.. انا بعيد تماما وعندي فرح بكرة ورايحه، انت اللي هتخليه ينفذ العملية دي بسرعة وباحتراف وانا في الفرح علشان العين وكدا انت فاهم
هز الآخر رأسه بالقبول ثم سأله:
_ عايز تموته ازاي؟
_ حقنة هوا، يدخله القاتل دا على انه ممرض يديله الحقنة ويقول بالشفا وعلى مطار القاهرة علطول تحافظ عليه بقا علشان لو احتجناه تاني
_ ماشي بس المداخل والمخارج مين هيأمنها؟
المستشفى مش اي كلام بردو!
_ سيب عليا كل دا، انا هعرّفك تعرفه يدخل ازاي ويعمل إيه والاوضة رقم كام وكل التفاصيل دي، اوعا يعرفني ولا يعرفك، اتعامل بنيك نيم معاه.
المهم تلاقيه في أسرع ما يمكن وتفهمه انا معنديش وقت جياد بيتحسن وهيخرج يودينا في ستين داهية كلنا، فهمت؟
_ فهمت يا باشا فهمت، بكرة بليل بالكتير اوي وانت في الفرح، العملية هتتفذ.. ثق فيا
_ العشم بردو، يلا معطلكش روح شوف هتعمل إيه وهتجيب قاتل منين
_ اوكيه copy[ عُلِم.. فهمت الأمر]
انهى معه المكالمة ثم حدث نفسه:
" ماكنتش احب ابدا اوصل معاك لنقطة زي دي يا جياد، بس انت مش هتسبني وهتبلغ فيا وهتسجني، وانا محبش اتسجن ولا اتقيد ابدا.. سامحني سامحني يا ابن خالو العزيز "
**************
وفي طلوع شمس يوم جديد، كان يزيد يجلس على المقعد الموازي للسرير الذي ينام عليه أخيه، وأثناء جلوسه بدأ يغفو فهو لم ينم ليلة البارحة كلها.
وبينما هو يغفو، بدأ جياد يهذي ببعض الكلمات مما لفت انتباه يزيد وجعله يفوق في سرعة وينكب على السرير يقول في فرحة:
_ جياد.. جياد حبيبي انت بتتكلم؟
انا جمبك يا حبيبي انا يزيد
ثم قرب أذنه نحو فم الشاب ليسمع ماذا يقول، فهذا ما فهمه من كلامه الغير متفهوم:
" خد هانيا مني.. خدها، خد هانيا "
هذا ما استطاع أن يفهمه يزيد من كلامه وعليه رد في سرعة:
_ لا لا يا حبيبي متخافش محدش خد هانيا منك ولا حاجة، هانيا برا ومستنية بس تفوق وتدخلك، هي كانت جمبك طول اليوم امبارح، وكانت زعلانة جدا عليك وعمالة تعيط وتقول امتى هيفوق، قوم بقا يا جياد، قوم يا حبيبي هانيا مستنياك وكلنا هنموت وترجع لنا
وفي الوقت نفسه، دخلت الممرضة وهي تقول:
_ صباح الخير
_ صباح النور، جياد بدأ يتكلم انا فهمت قال إيه
ردت وهي تقترب من جياد:
_ طب دي حاجة كويسة جدا، على العموم هو مطمنا على الآخر وحتى الاشاعات بتاعته كويسة، اعتقد هيقدر يسافر زي ما الشيخ طلب
عقد يزيد حاجبيه في استغراب ورد:
_ يسافر!
ليه يسافر طالما بقا كويس؟
_ لا هو مبقاش كويس لسه بنسبة ١٠٠%، وبعدين دي رغبة والده، تقدر تفهم أكتر من الدكتور
انتهت من عملها واطمأنت على الشاب وعليه اختتمت حديثها:
_ انا عامة شيفاه حاليا كويس لو في اي حاجة حصلت بلغنا وهتلاقينا عندك فورا
_ تمام شكرا لذوقك
_ بالشفا ان شاء الله
خرجت السيدة، وعاد يزيد مرة أخرى ينظر إلى وجه أخيه يلمس شعره في حنان، ويقول:
_ فتح عينك بقا يا جياد، فتح ارجع لنا بقا والله ما طايق أشوفك نايم كدا!
وفي تلك اللحظة، دخلت تالية عليهما الغرفة ولكن قبل ان تخطو خطوة واحدة للداخل، قالت:
_ صباح الخير يا يزيد، اقدر ادخل اطمن على جياد؟
التفت إليها وقال:
_ صباح النور، بس دا مش وقت الزيارات أصلا!
_ فاهمة بس انا مجاليش نوم طول الليل، قلقانة عليه اوي مصدقت الصبح طلع علشان اجي اطمن عليه، هبص عليه بصة واحدة حتى، ممكن؟
هز رأسه موافقًا، وعليه بدأت تتحرك نحو سرير الشاب حتى جلست جواره وأخذت تنظر إلى ملامح وجهه لحظات.. وفي بطء حركت يدها حتى استقرت فوق يده وقالت:
_ قوم يا جياد بقا، قلبي واكلني عليك، انت مش متخيل انا معرفتش أنام طول الليل من ساعة ما عرفت الخبر وانا تعبانة وقلقانة، فتح عينك وطمني يلا
كان يزيد حينها يرميها بنظرات بها الاستغراب ولكنه لم يعلق، حتى لاحظ أن جياد حرك يده يسحبها بعيدًا فهو لا يود يد تالية أن تضع فوق يده، فبمجرد أن لاحظ ذلك قال:
_ خلاص يا تالية، سيبيه يرتاح الحمدلله بدأ يستجيب بحركات وشوية كلام، بقا كويس يعني مفيش داعي تقلقي، يلا روحي الشغل بقا علشان كدا هتتأخري
هزت رأسها موافقة وهي تشعر بالحرج مما فعله الشاب وفي صمت حملت حقيبتها ثم تحركت نحو الخارج.
وبمجرد أن غلقت الباب، لاحظت مجيئ هانيا من على بعد وكانت تأتي وهي تخطو خطوات سريعة للغاية.
رمتها تالية بنظرات تحمل البغضاء والاشمئزاز ولكن الأخرى تجاهلتها وكأنها لا شيء وفتحت الباب ودخلت، فتمتمت تالية في غضب:
" يارب تموتي بقا يا هانيا يارب"
أخذت هانيا تقترب نحو سرير زوجها وهي تقول ليزيد:
_ في جديد؟
_ بدأ يقول كلام كدا وحرك ايده من شوية، عامة الممرضة طمنتني
جلست على المقعد وقالت:
_ طب كويس، انا جاية بالعافية أساسا، عندي اجتماع النهاردة مهم ومتوترة، اول مرة جياد ميبقاش معايا في اجتماع مهم زي دا
_ متخافيش شهاب هيسبورت معاكي
وبمجرد أن لفظ اسمه بدأت ملامح الشاب تنكمش في ضيق لتلاحظها هانيا سريعًا وعليه تنظر إلى يزيد كي يصمت ولا يذكر اسم شهاب مرة أخرى فانتبه الشاب لذلك وبالفعل سكت.
وضعت الفتاة يدها فوق يد زوجها وهي تقول في ابتسامة:
_ قوم بقا خلاص كدا كفاية دلع، عايز تدلع علينا يعني!
حقك يا عم، من حق الجميل يدلع.
انت بقيت كويس اصلا بس شكلك حبيت الاهتمام دا صح؟
حرك أصابعه فلامست باطن يدها وكأنه يخبرها أنه هنا وبالفعل يود القيام والذهاب معها.
قالت في فرحة ليزيد:
_ يزيد، جياد بيحرك صوابعه، كدا معناها انه فاق صح؟
باقي بس يفتح عينه صح؟
_ سحر!
دانا عمال ازن جمبه من امبارح ولا رمش حتى!
ردت مازحة:
_ هو انت بطاطته ولا إيه!
مجنوني هيصحى دلوقتي انا واثقة
ثم نظرت إلى الشاب وتابعت:
_ صح يا مجنوني؟
قوم يلا وقول صح
ثم نظرت في ساعة يدها وقالت:
_ انا لازم امشي كدا هتأخر، قلت بس اجي اطمن عليه، لو حصل اي جديد بلغني فورا
_ تمام اكيد
نظرت إلى وجه زوجها النظرة الأخيرة وقالت له في ابتسامة صغيرة:
_ باي يا مجنوني مضطرة امشي علشان الشغل ها
لامست بأصابعها خده في بطء وحركات محسوبة ثم قامت كي ترحل.
ومع رحيلها، جاء الطبيب ودخل الغرفة وهو يقول:
_ سمعت اخبار حلوة، اتحرك؟
_ اه الحمدلله حرك ايده بس
_ طب كويس
سأله يزيد:
_ صحيح يا دكتور، ايه موضوع ان جياد هيسافر برا دا مفهمتش، هو محتاج يسافر برا؟
تنهد ورد:
_ أخوك الحمد لله العلامات الحيوية عنده مستقرة، واستجابته العصبية بدأت ترجع، لكنه ما زال بيعاني من إصابة ارتجاج قوية بالمخ مع كدمة دماغية بسيطة أو تجمع دموي تحت الملاحظة.
إحنا مطمئنين حاليا طبعا، لكن محتاج متابعة دقيقة وفحوصات متكررة خلال الفترة الجاية، علشان كدا والدك قرر يسفره لانه عايز رأي طبي تاني يعني كSecond Opinion).
عايز مركز متخصص في إصابات المخ والأعصاب زي اللي في ألمانيا وقال ان استشاري صديق ليه هناك هيهتم.
عايز يطمئن 100% هنا وبرا
_ مسموح بسفره او نقله يعني؟
_ هو الضغط مستقر.
التنفس طبيعي.
مفيش نزيف نشط.
مش محتاج أجهزة إنعاش، بس طبعا مسموح يسافر بطايرة إسعاف طبي أو طائرة خاصة مجهزة وتحت إشراف طبي بردو.
سأله يزيد كي يطمئن قلبه أكثر:
_ يعني مش خطر عليه السفر ابدا صح؟
_ هو بدأ يتكلم، بدأ يحرك إيده.
ويستجيب للي حواليه.
فده معناه غالبا أنه في مرحلة التعافي، مش في مرحلة الخطر الشديد.
علشان كدا، سبب السفر مش علشان "إنقاذ حياته" قد ماهو علشان"الاطمئنان عليه ومنع أي مضاعفات مستقبلية."
وده مناسب جدا مع شخصية زي والدك اللي بيفكر كدا
"أنا مش مستني لما يبقى فيه مشكلة، ابني هيتشاف في أحسن مكان في العالم من الأول"
وبس هي دي كل الفكرة وهي دي وجهة نظر والدك
هز الشاب رأسه في تفهم ثم سأله:
_ امتى هيسافر طيب؟
_ هنبلغكم قريب.. على العموم حمدلله على سلامته مرة تانية..
************
كانت منى تقف أمام غرفة ماهي تطل بعينيها من بين الحين والآخر نحو غرفة شهاب حتى إذا خرج تلمحه.
وبالفعل عندما لمحته وهو يخرج من الغرفة، يرتدى ملابس العمل، ويغلق الباب خلفه، أسرعت نحوه وهي تقول:
_ احط لك الفطار؟
توقف أثناء سيره والتفت إليها وقال في نبرة جدية:
_ منى فيه حاجة انتي مش واخدة بالك منها خالص أحب افكرك بيها.. انتي هنا علشان صاحبتك، علشان ماهي، علشان تراعيها هي تشوفيها هي أكلت ولا لا، خدت دواها ولا لا، مش انا خالص اللي المفروض تعملي كدا معاه، انا بعرف آكل لوحدي وامشي لوحدي وادخل الحمام لوحدي كمان، اتفطمت أصلي، ركزتي كدا؟
يبقى انتي هنا ليه؟
علشان ماهي، ماهي وبس
اغتاظت من كلامه للغاية وردت في ضيق:
_ هو انت فهمت ايه؟
انا عملت إيه يعني؟
كل الموضوع إني بشوفك كلت ولا لا بتعمل إيه من باب إني عارفة حالتك ممكن تنسى نفسك ومتاكلش من الزعل مثلا، فدلوقتي بقا الحق عليا اني بجهزلك أكلك؟
_ يا ستي الحق مش عليكي ولا حاجة، انا مش عايز اتعبك معايا، كفاية عليكي ماهي، انا لو احتاجت أكل هفتح التلاجة وآكل عادي انا بعرف
_ انا عارفة انك بتعرف، بس قلت بتنسى من كتر اشغالك وهمومك، ما ماهي لو كانت كويسة كان زمانها قامت وحطلك هي الأكل، طب ليه تعمل كدا ما انت بتعرف!
تعجب من كلامها للغاية لدرجة أحس لوهلة أنه لا يستطيع الرد ولكنه رد في استغراب:
_ انتي هتساوي نفسك عندي بماهي؟
بمراتي!
منى انا مبحبش العك.
تجاهلها ثم دخل على زوجته وكانت هي حينها تكتب في نفس الأوراق التي رآها تكتب فيها من قبل وكالعادة بمجرد أن لاحظت وجوده، دست تلك الأوراق تحت الوسادة واشاحت بوجهها بعيدًا عنه.
اقترب منها وقال في ابتسامة:
_ عاملة إيه دلوقتي يا قلبي؟
دخلت منى ووقفت عند الباب، فقال لها شهاب بمجرد أن لاحظ دخولها:
_ منى سبينا لوحدنا شوية بعد اذنك
لتقول ماهي في سرعة:
_ لا، هي هتفضل موجودة، اخرج انت قولتلك ميت مرة متجيش هنا
ابتسمت منى وقالت:
_ اهي قالتلك!
نظر إليها في ضيق، ثم التفت إلى ماهي ووضع قبلة صغيرة فوق رأسها وقال:
_ في إيه بس يا حبيبتي في إيه؟
انا عملت إيه لدا كله بس، ممكن نتكلم؟
ممكن توضحيلي انا عملت إيه؟
هزت رأسها موافقة ثم ردت:
_ كدا كدا هتعرف وكدا كدا هتعرف قراري بردو، بس أما ترجع من الشغل، ماعتقدش ان الوقت مناسب دلوقتي
كانت تتكلم في نبرة باردة دون أن تنظر إليه مرة حتى.
هز رأسه موافقًا ثم وضع يده على بطنها وقال في ابتسامة:
_ خلي بالك منه
ثم تحرك نحو الخارج وبمجرد أن خرج، لحقت به منى وقالت له بينما هو كان يرتدي الحذاء:
_ متنساش تيجي بدري النهاردة، يعني تخلص شغل وتيجي على هنا علطول، لا تروح هنا ولا هنا
ابتسم ابتسامة بها السخرية ولم يرد بل تابع في ارتداء الحذاء في قدمه الثانية، فتابعت:
_ علشان حسن جاي وهو عايز يتكلم معاك
استقام بعدما انتهى من ارتداء الحذاء ووضع يده على المقبض ثم قال في ابتسامة باردة قبلما يفتح باب الشقة:
_ أي أوامر تانية يا ميس منى؟
ابتسمت ثم هزت رأسها نافية وقالت:
_ لا، مفيش أوامر تانية يا مستر شهاب
_ خلي بالك من ماهي، متخليش أي حاجة خطر قدامها انا خايف عليها
ردت ساخرة:
_ انت اخطر حاجة ممكن تبقى قدامها.. وبعدين متوصنيش على my best friend اوكيه؟
_ متأكدة؟
_ اه طبعا، مفيش حد في الدنيا ممكن يخاف على ماهي قدي
_ لا، متأكدة إنها your best friend ؟
_ وبلا شك
_ طيب.. انتي ادرى بردو
فتح الباب فقالت له:
_ على فكرة، لو كان القميص أسود كان هيبقى أحلى على البدلة دي
رماها بنظرة باردة صامتة ثم خرج وغلق الباب خلفه.
ابتسمت ابتسامة جانبية ثم تحركت نحو الغرفة التي بها ماهي وبمجرد أن دخلت، وجدتها تبكي بكاء جمًا، لذا اختضت وأسرعت نحوها تقول في قلق:
_ ماهي!
ماهي حبيبتي مالك، بتعيطي كدا ليه؟
ايه اللي حصل بس يا حبيبتي
ثم ضمتها إلى صدرها وتابعت:
_ بس يا روحي بقا، هو كل ما الحيوان دا يدخلك، هتفضلي تعيطي كدا!
خرجت منها تلك الكلمات ما بين شهقاتها العالية وبكائها الغير عادي:
_ أنا مش عايزة اطلق من شهاب يا منى، انا عايزاه، انا حاسة إني بموت انا بموت يا منى بموت...
***********
فتحت الخادمة الخاصة بفيلا عبدالعزيز باشا الكبير لمن رن الجرس، وكانت فاطيمة تلك التي قالت لها في عجلة:
_ الهانم فين يا فتحية؟
_ فوق، هناديها لحضرتك
_ بسرعة بس
دخلت فاطيمة ثم تحركت حتى الأريكة وجلست عليها وبدأت تهز ساقها في توتر.
دقائق وظهرت حليمة وهي تنزل الدرج في خطوات محسوبة فقالت فاطيمة لما رأت ذلك:
_ انجزي شوية يا حليمة، لسه هتنزلي ببرود!
وبالفعل تحركت أسرع حتى وصلت عندها وقالت في استغراب:
_ في إيه يا فاطيمة قلقتيني!
_ اقعدي اقعدي بس
جاورتها السيدة وهي لا تزال تسألها:
_ في إيه يا بت؟
_ في مصيبة يا حليمة، مصيبة، معرفتش اتكلم معاكي امبارح لاننا كنا في المستشفى، وطول الليل قاعدة في الأوضة بتاعتي بَعِد الساعات علشان النهار يطلع واجيلك
_ خير يا بنتي قلقتيني!
_ جياد يا حليمة
_ جراله حاجة ولا إيه؟
_ استني بس خليني اكمل.. جياد بيدور ورانا ودور بالفعل وفي حاجات كتير وصلها، البنات ساعدوه وقالوله
ضربت السيدة صدرها في خضة وقالت:
_ يالهوي!
مين قالك الكلام دا؟
_ باسم، باسم عرف ان جياد دور وراها في الديسكو اللي كان بيروحوه وقالي أكيد جياد عرف منهم باقي المواضيع، روحت انا فعلا اتصلت على عطاالله اسأله قال اه حد جاله وطلب منه معاد وهو حدد معاد معاه كمان اسبوع وياخوفي لو طلع الحد دا تبع جياد وعايز يقرّره
_ يالهوي علينا يا فاطيمة يالهوي.. هي الوسخة اللي اسمها روني دي، كل دا هي السبب فيه..
سكتت قليلًا تفكر في تلك الكارثة ثم تابعت:
_هنعمل إيه؟
دا انا لسه مكلمة عبدالله من شوية وقالي ان جياد كويس والدكاترة طمنوه.
الواد هيطلع لنا ويفضحنا قصاد أبوه ويخلي اللي مايشتري يتفرج علينا!
ترددت قليلًا في قول ذلك ... ولكنها نطقت على أي حال:
_ باسم قالي فكرة..
_ فكرة إيه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة والمرارة في حلقها وردت:
_ قالي هنقتل جياد
ضربت صدرها تارة أخرى وصاحت في صدمة:
_ يا مصيبتي!
أخذت تستوعب قليلًا ثم اضافت:
_ انتي اتجننتي انتي وابنك يا فاطيمة!
دي فكرة وحشة جدا طبعا، افرضي اتكشفنا، هتجيبولنا الاعدام لحد رجلينا ولا إيه؟
بعدين قتل!
قتل كدا مرة واحدة!
لا يا فاطيمة لا.. جياد مهما كان ابن اخونا بردو.
من الأولى نقتل روني بقا بما انها هي اللي عارفة الحقايق كلها وهي سبب البلاوي دي، مش جياد!
_ ماهو جياد مش هيسبنا يا حليمة، صدقيني الموضوع صعب عليا جدا جدا، فوق ما تتخيلي دا كفاية اني كنت عايزاه لبنتي ولسه لحد دلوقتي كنت بخطط معاكي وبتكتك علشان يطلق اللي اسمها هانيا دي ويتجوز بنتي، بس بالعقل دا، دا اكتشف الحقايق كلها، ولو مش كلها مصيره هيكتشفها، هينخرب وهيعرف وموضوع موت ابنه دا بالذات، هيخرج الحارس ويحطنا احنا في السجن بداله، الموضوع مش موضوع اننا هنخسر عبدالله وبس وفلوسه ونفوذه، لا احنا هنتسجن وهنخسر نفسنا احنا
ردت ساخرة منها:
_ واما نقتله يعني مش هنتسجن؟
_ مين هيعرف؟
باسم قالي انه عنده خطة بعيدة كل البعد عننا، وكمان مع موته، البنات هتترعب وواحدة زي روني دي هتخرس خالص على اي حاجة تعرفها بعد كدا، لانها هتخاف على جوزها اما تشوف اننا بتوع تنفيذ، اصل معلش يعني لو قتلنا روني، جياد هيسبنا؟
خلاص هي قالت له الحقيقة واخواتها أكيد عارفين الحقيقة فمش حل صح ابدا إننا نقتلها هي
راحت تفكر في كلامها والذي بدا منطقيًا بالنسبة لها، ثم ردت بعد حين:
_ طالما اللعب بقا على المكشوف، فخلينا نكشف المستخبي احنا وناخد بوينت على قفا البنات علشان اي كلام يقولوه بعد كدا ميتصدقش
_ مش فاهمة تقصدي إيه؟
وبعدين هتعملي ايه مع جياد بردو، معانا ولا إيه؟
_ هقولك هنعمل إيه...
************
دخلت هانيا على شهاب مكتبه، فرفع رأسه جهتها وقال:
_ تعالي يا هانيا
تحركت نحوه ثم جلست على الكرسي أمامه وقالت عقب صمت لثوان:
_ انا مش جاهزة ١٠٠% لميتنج الساعة ٩ دا.
يعني انا مش متعودة اتكلم قصاد ناس كتير كدا ولا متعودة على اجتماع اكون فيه لوحدي، ولا كنت مجهزة كل اللي المفروض يتقال، لانه كان دور جياد اصلا، فدورت على ماهي علشان تدخل معايا الميتينج بس ملقتهاش هي كمان، مش عارفة اعمل ايه ومش عايزة ابوظ الدنيا، ملحقتش استعد طبعا
رد عليها في هدوء:
_ انا موجود وهكون معاكي في الميتينج، ماهي اجازة.
اصلا الشيخ كلمني امبارح وقالي اجهز وانا فهمت الموضوع ماشي ازاي وعرفت هتكلم في إيه، فمتقلقيش، انتي هتقولي كل الكلام اللي المفروض كنتي مجهزاه وعارفاه من الأول مش محتاجة تعرفي اكتر
هزت رأسها موافقة ثم سألته:
_ هي ماهي كويسه؟
بقالها كتير أجازة يعني!
_ عادي تعبانة من الحمل مش أكتر.. جياد عامل ايه دلوقتي؟
_ متعملش نفسك قلقان عليه، انت نفسك يموت اصلا فبلاش نفاق
رد في ابتسامة:
_ دي حقيقة، بس انا هيبقى عندي طفل وعايز اربيه، ثم إني مقصدتش اموته اصلا، لو كانت نيتي من الأول ماكنش فرق معايا ولا كنت سألت حتى
ردت في غيظ:
_ بالظبط، ربي ابنك بقا وفكك مننا، عمال تعمل عمايلك دي كلها ليه؟
عمال تقومني عليه وتشككني فيه ليه؟
عمال تتهم فيه ليه؟
واخرتها فتحت رأسه، عايز توصل لايه؟
عايز تخرب بيتي يعني؟
هز رأسه نافيًا ثم رد في برود:
_ انتي لا تعني لي شئ اصلا حاليا علشان أكون عايز أخرب بيتك!
انا خلاص طلعتك من دماغي ورميت، لو جيتي في بالي مرات بتكون مجرد ذكرى حلوة عيشتها، إنما أنا حاليا كل همي مراتي وابني، انتي وجوزك وبيتك لا تعنولي شيء، احفظي الكلام دا كويس وحفظيه لجياد، قوليهوله مرة الصبح ومرة بليل علشان يفضل فاكر كويس اني مش عايزك ومش بسعى اعملك حاجة ومن وقت ما وعدتك وانا فعلا خلاص، لو كنت كلمتك بعدها فدا لمصلحة او كدا مش أكتر.
مرة علشان تنتبهي للخطر بتاع العقارب اللي في القصر دول، ومرة علشان انا فعلا كنت محتاج الصور ودي كانت مجرد مساعدة، مش بقولك سبيه بقا ولا الهبل دا.
تنهد ثم تابع في نبرة أكثر هدوءًا:
_ هانيا، انا هفضل طول عمري بكره جياد، هفضل طول عمري اتمناله الشر، هفضل طول عمري فاكر هو عمل معايا إيه، واي فرصة هتجيلي علشان احرق دمه، هستغلها، ودا مش علشانك ولا إني عايزك ولا إيا من دا كله، دا علشان ببقى فرحان وهو دمه محروق، ببقا مبسوط وهو مولع مش أكتر ولا أقل إنما أنا هكمل مع ماهي وعايز ماهي وعايز ابني وبيتي وهسعى لدا، فكفاية كلام فاضي ومتفضليش ترددي زي البغبغان أي حاجة هو بيقولهالك.. خدي مني أنا الكلام صريح، أنا مبقتش عايزك ولا هعوزك ولا بفكر ابعدك عنه.
ولو بتقولي كدا علشان طلعته وحش قدامك، فدي حقيقة أساسا هو راجل وسخ وحقير لكن دا مش معناه إني عايزك ولا بعمل دا علشان نرجع، جربي تطلقي مثلا وشوفي بنفسك.. مش هرجع لك ولا هفكر فيكي، واضح؟
سكتت... ثم وقفت وقالت له في ايجاز:
_ هستناك في ال meeting room على الساعة ٩، ياريت تبقى هناك ٩ إلا خمسة مثلا.
ثم تحركت نحو الخروج، وأثناء سيرها كان يرميها بنظرات بها الضيق ثم انتبه لعمله مرة أخرى.
*********
دخل حسان، مكتب أسيل بينما هي كانت تنظر في الأعمال التي تركها يزيد فهي النائبة عنه.
رفعت وجهها نحو زوجها، فوجدت على ملامح وجهه الضيق والحزن فسألته:
_ مالك يا حسان في إيه؟
_ مفيش، كنت جاي اشوفك هتطلبي أكل ولا لا؟
_لا هاكل في البيت أما نرجع، قولي بقا انت مالك؟
اقترب من مكتبها قليلًا وقال في غيظ منها:
_ عمالة في أي خناقة بتحصل في القصر، تقولي قالت لي يلي عينك من جوزي، يلي عينك من جوزي، هو في إيه يا أسيل بجد!
ليه روني هتفضل تقول كدا يعني؟
مش عيب كدا!
زفرت في ضيق ثم ردت:
_ يا بني ادم انت، المفروض تكون مدايق مني انا ولا منها هي؟
هي اللي قالت كدا، ولا انت شايف اني بكذب؟
_ وهي ليه تقول كدا يعني؟
_ أسألها، هي دايما شايفة اني بصالها هي وجوزها وبيتها، انا مالي!
رد في نبرة جدية:
_ الكلام دا لازم بابا يدخل فيه، انا مش هسكت على الاسفاف دا
انهى كلامه بتلك الطريقة ثم ذهب في الحال، كانت تتبع أثره وتمتمت:
" اسفاف؟
هي حصلت!
والله وطلع لك صوت يا حسان، والله والقط كبر وبقا يخربش! "
********
دخلت كاميليا على والدها المكتب الخاص به بعدما سمح لها، فقال في ابتسامة:
_ حبيبة قلب بابا، المكتب نوّر والله
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأخذت تقترب حتى جلست أمامه على الكرسي فتابع:
_ قولي يا روحي، انا سامعك
جاءت لتتكلم، فقاطعها قائلًا:
_ إلا قوليلي يا بابا، الطلاق بينوّر الست ويخليها جميلة اوي كدا؟
ابتسمت ابتسامة أكبر وردت:
_ بس إيه رأيك؟
_ هي دي بنتي فعلا، كاميليا عبدالله تمّام الزيني
أخفضت رأسها قليلًا.. ثم رفعتها تارة أخرى وقالت:
_ انا هقدم على اجازة لمدة أسبوعين بالظبط تقريبا، تقدر تحسبها من ضمن الإجازات بتاعتي السنوية، عارفة إننا يمكن الفترة دي في ضغط، بس انا مش قادرة.. مش قادرة ادي شغلي وقت ولا مجهود وبقيت سرحانة ومدايقة وبالي مشغول وبفكر كتير.. لو سمحت أقبل اجازتي، هروح اطمن على جياد لآخر مرة ومن بكرة الفجر هسافر، محتاجة افصل، محتاجة أغير جو، محتاجة ادي لمشاعري حقها، مش عايزة اكبتها أكتر لانها بدأت تطلع عليا جسديا كمان.
اللي انا مريت بيه مش سهل، لازم اعترف بدا علشان نفسيتي حتى.. اتجوزت واطلقت في اقل من شهور حرفيا لدرجة اني ملحقتش استوعب دا كله حصل امتى أصلا، وللأسف كنت بحبه وكنت مستنية اليوم اللي نتجوز فيه، كنت راسمة لينا حياة تانية خالص، كنت شايفة حياة مختلفة معاه، حياة كلها حب وسعادة وفرح.. بس هو دشمل خيالي كله وبوظ مخططاتي كلها ورجعني لنقطة الصفر تاني وكنت ماصدقت اتحركت منها.
سكتت وهي تشبك أصابعها في بعضهم البعض تخفي آلامها بتلك الحركات.
قام الشيخ من مكانه وجذبها من يدها لتقف وبمجرد أن وقفت، وضع وجهها بين كفيه وطبع قُبلة صغيرة بها الحنان أعلى جبينها ثم ضمها إلى صدره وأخذ يلمس بأطرافه شعرها وقال:
_ انا مقدر يا بابا كل اللي انتي فيه وكل اللي مريتي بيه... انا فخور بيكي لابعد حد انتي أكيد عارفة كدا كويس..
بس ثقي في كلامي دا يا بنتي، ربنا هيعوضك عوض، يجبر بخاطرك وينسيكي أي تعب عشتيه قبل كدا. انا عندي ثقة فيه وفي عدله، وبدعيله كل يوم يطمن قلبك ويريحك.
خرج عن حضنها ثم تابع وهو ينظر إلى عينيها اللاتي جمعتا الدموع في محيطهما:
_ هيعوضك عوض انتي نفسك مش هتتخيليه واديني اهو بقولك وبكرة تشوفي، هيعوضك عن طيبة قلبك وحنانك وحبك للغير وهيرزقك براجل.. ،شايفة بقولك ايه راجل، مش ذكر، يشيلك جوا عينيه ويعاملك بما يرضيه
هزت رأسها واثقة وهي تبتسم وردت:
_ ان شاء الله يا حبيبي ان شاء الله
_ هتسافري فين؟
_ أمريكا، ليا زميلة هناك بفكر اشوفها
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ وانا موافق، اهم حاجه عندي انتي تبقي كويسه ومبسوطه وبس غير كدا تولع الدنيا كلها
ابتسمت وراحت لحضنه مرة أخرى وهي تقول:
_ ياريت الرجالة كلها كانت زيك يا بابا، ياريت أمجد كان طلع لك..
********
وعلى الصعيد الآخر، كان شهاب يجلس في مكتبه يعمل.. ثم ترك العمل لحظات والتقط هاتفه واتصل على زوجته كي يطمئن عليها.. وبمجرد أن استجابت مكالمته، قال:
_ إيه يا ماهي
ليأتيه صوت منى فهي من استجابت:
_ انا منى مش ماهي!
زفر على مهل يُهدئ من نفسه حتى لا يغضب، ورد:
_ اعتقد إني طلبت مراتي على تليفونها!
_ ماشي، بس مراتك بتاخد شاور وانا لقيت تليفونها بيرن ورديت، إيه الجريمة في كدا!
تمتم في محاولة للهدوء:
" استغفر الله العظيم واتوب إليه "
ثم قال لها:
_ كَلِت؟
_ أه كلت
_ خدت الأدوية بتاعتها؟
_ ايوا خدتها وكله تمام.. قولتلك طول ما انت بعيد عنها هي تمام والأمور معاها بتبقى تمام
انهى المكالمة معها ثم تمتم في غيظ:
" غبية ومستفزة "
وفي ذلك الوقت، دخل عليه الشيخ فابتسم الشاب ما إن رآه وقال:
_ الشيخ عبدالله بنفسه!
المكتب نوّر
ابتسم الرجل وتقدم حتى جلس على الكرسي ووضع ساق فوق الأخرى فقال له شهاب:
_ تشرب إيه؟
_ لا ولا حاجة شربت كتير، انا بس كنت جي اتكلم معاك شوية في موضوع كدا
_ اتفضل يا شيخ سامعك
تنهد الرجل ورد:
_ أنا عارف إنك مش بتحب جياد وهو كمان مش بيحبك.. مش عارف الأسباب بصراحة بس عادي مش فارقة طالما الاحترام ما بينكم موجود لان الحب والقبول دا بتاع ربنا، بس متوقعتش ابدا انه حتى أما يعمل حادثة ويدخل المستشفى، إننا منشوفكش لا انت ولا مراتك معانا!
دي اخته مينفعش تمنعها تشوف اخوها لان مستغرب جدا من عدم مجيئ ماهي ولا حتى سؤالها عن اخوها!
منعتها؟
انت اللي طلبت منها كدا؟
هز رأسه نافيًا ثم رد في سرعة:
_ لا لا يا شيخ طبعا إيه اللي حضرتك بتقوله دا بس!
الموضوع كله ان ماهي نفسيتها مش أحسن حاجة والحمل تاعبها شوية وهي لازمة السرير ودا كلام الدكتور مش كلامي وهو كمان قالي بلاش اي اخبار وحشة ولا اي حاجة تدايق لانها نفسيا مش جاهزة لاي حاجه وحملها صعب شوية، فأنا خفت اجيب لها سيرة تزعل وتتأثر ودا يأثر عليها وعلى البيبي مش اكتر والله، انما لو حضرتك مُصر، أنا هجيبها بنفسي لحد اوضة جياد
_ لا لا خلاص، طالما بتقول ان دا كلام الدكتور وتوصياته خلاص. انا اهم حاجه عندي صحتها النفسية والجسدية أكيد، وانا عارف ماهي اصلا طول عمرها دلوعة ومستحملش، دا كتر خيرها ان بقالها ٦ شهور حامل
ابتسم شهاب ورد:
_ ٦ شهور ونص.. بالظبط كدا هو دا اللي منعني اجيبها والله مش اكتر، وانا مجتش ليه زيارة اديك شايف انا شايل شغله وشغل ماهي وشغلي مفيش عندي وقت خالص بس عرفت انه كويس يعني الحمدلله
هز الشيخ رأسه متفهمًا ثم رد:
_ تمام، وانا هكلم أكبر استشاري نسا وتوليد في مصر يشوف ماهي ويطمنا عليها، بس افوق من جياد الأول والضغط دا، طلبوني في المستشفى بتاعته واديني رايح اهو، وربنا يعدي الأيام دي على خير.
وقف ثم اختتم حديثه قبلما يرحل:
_ للمرة المليون بقولك، خلي بالك من ماهي وأي حاجة تحتاجها اعملها فورا، اي دكتور يقول حاجة، نفذها، ولو شفت انها محتاجة تتعرض لدكتور أكبر بلغني بسرعة وميهمكش فلوس ولا غيره، اهم حاجه بنتي وصحتها، بنتي شايلة ابنك وهما الاتنين أمانة عندك
ابتلع ريقه ما إن شعر بكبر وحجم المسؤولية ثم رد:
_ متقلقش ماهي في عنيا وصاحبتها منى معاها وملزماها علشان لو احتاجت حاجة طول ما انا برا
_ وهي صاحبتها ملزمة؟
_ لا، هو تطوع منها لان ماهي هي اللي ماسكة فيها بصراحة
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ منى بنت حلال وبتحب ماهي من زمان، كتر خيرها والله إنها واقفة جمبها كدا ومعاها
اكتفى شهاب بالنظر إليه نظرة صامتة ولم يرد، فتابع الشيخ:
_ يلا همشي انا بقا علشان ورايا لسه كذا حاجة، وهكلم دكتور معرفة كدا بشكل مؤقت يروح يزور ماهي لحد عندها ويكشف عليها ويطمني
_ خليه يجي بكرة، مرتبطين بمواعيد النهاردة بعد الشغل
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ تمام، هخليه يروح لعندكم بكرة بليل بعد ما تخلص انت شغل علشان يكشف على مراتك في وجودك
_ اتفقنا يا شيخ
وعقب ذهابه، تمتم شهاب:
" هي باين لها أيام ما يعلم بيها إلا ربنا.. بكرة جياد يفوق ويقول على اللي حصله بسببي وتبقى كملت"
**********
كانت الغرفة هادئة على نحوٍ كبير، لا يُسمع فيها سوى صوت الأجهزة الطبية ورنينها المنتظم.
جلست هانيا على المقعد المجاور للسرير منذ وقتٍ طويل، تحدق في وجه زوجها الشاحب بصمت.
لم تكن تتخيل يومًا أنها ستشتاق إلى صوته بهذا الشكل، إلى مشاجراته السخيفة، إلى غيرته المبالغ فيها، إلى طريقته المستفزة في مقاطعة أي حديث جاد يحاول أن يحوله إلى لحظة رومانسية.
مدّت يدها ببطءٍ نحو يده الموضوعة فوق الغطاء الأبيض وأمسكتها بين كفيها.
كانت يده دافئة، لكن ساكنة.
تنهدت وهي تنظر إلى وجهه ثم قالت بصوتٍ خافت:
_ إنت عامل فيها نايم بقالك كتير بجد! ... قوم بقى.
ابتسمت رغمًا عنها ثم تابعت:
_ والله لو صحيت دلوقتي وكلت دماغي من كتر الرغي اللي كنت بترغيه كل يوم دا، لهكون فرحانة جدا صدقني.
لم يأتها رد.
فانخفض بصرها نحو يده أكثر.
_ بجد يا جياد كفاية كده بقا
ارتجف صوتها قليلًا:
_ أنا تعبت.
سكتت لحظة ثم أكملت:
_ امبارح كانت أول مرة أدخل أوضتنا ومتبقاش موجود فيها أول مرة أصحى الصبح وألاقي الاوضة هدوء من غير ألف كلمة على الصبح التليفون
ابتسمت ابتسامة صغيرة للغاية وتابعت:
_ كمان أول مرة أحضر اجتماع وأنت مش واقف جنبي بتبص للناس كلها كأنك عايز تتخانق معاهم.
ابتسمت مرة أخرى لكن هذه المرة وسط دموعها التي بدأت تنساب على خديها وتابعت:
_ حتى صداعك وحشني.
مررت أصابعها فوق ظهر يده برفق.
_ قوم بقى يا مجنوني، قوم علشان أنا مش متعودة عليك كده.
وفي تلك اللحظة...
تحركت أصابعه حركة خفيفة جدًا.
تجمدت في مكانها ورفعت رأسها نحوه بسرعة وقالت في لهفة:
_ جياد، يلا حرك صوابعك تاني يلا انا حاسة بيك
تحركت أصابعه مرة أخرى.
قفز قلبها داخل صدرها وقالت في فرحة:
_ جياد يا حبيبي، انت حاسس بيا صح؟
بدأت جفونه ترتعش ببطءٍ شديد.
ببطءٍ مؤلم ثم فتح عيناه قليلًا..
كانت الرؤية أمامه ضبابية تمامًا،
لكن أول شيء استطاع تمييزه وسط ذلك الضباب كان وجهها...
وجهها هي.
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة وكأنه يحاول التأكد أنها حقيقية وأنه لا يحلم أما هي فكانت تبكي وتضحك في الوقت نفسه وتقول:
_ الحمد لله... الحمد لله يا رب.
حاول أن يتكلم، لكن صوته خرج ضعيفًا ومتقطعًا:
_ ها... نيا...
شهقت في فرحة وهي تقترب أكثر.
_ أيوة يا حبيبي... أنا هنا.
أغلق عينيه ثانية من الإرهاق ثم فتحهما ونظر إليها مطولًا...
ثم همس بصعوبة:
_ متمشيش..
ضحكت وسط دموعها.
_ أمشي وأسيبك في الحالة دي، مقدرش طبعا!
ارتسمت ابتسامة ضعيفة جدًا على شفتيه، ابتسامة بالكاد ظهرت.
ثم تمتم:
_ كنت... فاكر...
ابتلع أنفاسه بصعوبة:
_ هتزهقي
انكسرت ملامحها فورًا.
وأحنت رأسها نحوه أكثر وقالت:
_ يا غبي.
ثم رفعت يده وقبلت ظاهرها وتلك كانت المرة الأولى التي تُقبل فيها يده.. لذا ابتسم بصعوبة رغم الألم الذي يشعر به، فأضافت:
_ أنا اللي بموت من الخوف عليك دلوقتي
ظل يحدق فيها للحظات وكأن عقله المتعب لا يزال يحاول استيعاب وجودها.
ثم قال بصوتٍ خافت للغاية:
_ لسه... مختاراني؟
اتسعت عيناها فورًا فهمت من أين جاءت تلك الجملة حتى وهو بين الغياب والوعي، ما زال ذلك الخوف يسكنه.
ابتسمت له وسط دموعها وهزت رأسها بالإيجاب:
_ مختاراك.
ساد الصمت للحظة.
ثم أضافت وهي تضع وجهه بين كفيها:
_ ومش هختار غيرك.
أغمض عينيه للحظة طويلة، كأن جسده كله ارتاح فجأة، وكأن تلك الكلمات كانت الدواء الذي انتظره أكثر من أي شيء آخر.
وبعد ثوانٍ...
فتح عينيه مرة أخرى بصعوبة وهمس:
_ طب...
_ نعم؟
_ متعيطيش بقى...
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة ضعيفة متعبة وتابع:
_ وشك بيبقى وحش أوي وانتي بتعيطي.
ضحكت رغم دموعها وصفعته صفعة خفيفة على كتفه:
_ حيوان
خرج صوت ضحكٍ ضعيف جدًا منه، ثم همس وهو ينظر إليها للمرة الأخيرة قبل أن يغلبه الإرهاق:
_ وحشتيني.
ارتجفت شفتيها وانحنت تقبل جبينه بحنان شديد وقالت:
_ وأنت أكتر يا جياد.
وبينما كانت أصابعها تمر بين خصلات شعره...استسلم للنوم مرة أخرى.
لكن هذه المرة، كان نائمًا وهو مطمئن أن أول شيء رآه عندما عاد إلى الدنيا، كانت هي...
قررت أن تتركه يرتاح قليلًا بعدما اطمأنت عليه لذا خرجت من الغرفة وبمجرد أن خرجت وغلقت الباب خلفها، وجدت الشيخ في انتظارها والذي قال:
_ اطمنتي عليه؟
ردت في ابتسامة عريضة:
_ ايوا، وكلمني وابتسم وكان مستوعب شوية وبيرد عليا
_ طب الحمدلله.. كنت عارف عامة انك اللي هتعرفي تخليه يتكلم، اي حد غيرك جيه يكلمه النهارده، مردش عليه حتى أمه، آخره بيستجيب بايده بصوابعه وخلاص
_ طب الحمدلله
_ المهم، خليني اعرفك بردو.. جياد هيسافر ألمانيا ممكن تبقى دي آخر زيارة ليكي عنده
عقدت حاجبيها في تعجب وتساءلت:
_ ليه يسافر مش بقا كويس؟
_ زيادة اطمئنان، الموضوع يخص دماغه يعني تفكيره يعني مخه المسؤول عن كل الوظايف لازم اطمن انه مستقبلا، الخبطة دي مش هتأثر عليه بأي شكل من الأشكال
_ هروح معاه
_ لا، ماينفعش تروحي
_ ليه؟
_ علشان الشغل دا اولا وعلشان اديكي شايفة هو بين الصحيان والنوم يعني وجودك تضييع وقت، وهو حاليا محتاج يزيد علشان يزيد بينجز اي حاجة بتطلبها المستشفى وكونه راجل، لازم يبقى معاه راجل في الغربة.. اول ما يفوق تماما ويبدأ يتكلم حلو، هسفرك ليه طبعا، لانه اصلا هيطلبك بس حاليا وجودك هيبقى زي عدمه.
هو هيتعرض لاشاعات وحاجات مش هيكون طول الوقت في الاوضة بردو، اهتمي بشغله انتي كفاية ماهي وهو غايبين
هزت رأسها موافقة ثم سألته:
_ بس هسافرله علطول صح؟
_ ايوا، يومين بالكتير يفوق بس حتى
_ اوكيه... هيسافر امتى؟
_ النهارده الفجر احتمال كبير جدا، لازم بنسق اهو مع الدكتور بتاعه وبنظم الأمور وكدا
هزت رأسها موافقة ثم ألقت نظرة أخيرة نحو الغرفة التي بها زوجها..
*********
كانت روني تنام على السرير داخل عيادة الطبيبة التي قد جاءت إليها من قبل، واكتشفت موضوع اللولب، ابتسمت الطبيبة وقالت لها مازحة:
_ قوليلي بقا، اتخلصتي من بيت العايلة الحرابيق دول ولا لسه؟
_ لسه بس هانت، ادعي لنا
_ ربنا يخلصك على خير.. قوليلي يا ستي، بتشتكي من إيه المرادي؟
_ لا الحمدلله مفيش شكوى المرادي، انا بس كنت شاكة إني حامل لان البريود اتأخرت فكرت أعمل اختبار بس قلت لا اكشف احسن علشان لو حامل وكدا اعرف اخد انهي دوا واهتم بإيه وكدا، وطبعا بدون تفكير فكرت اجي أكشف عندك انتي
ارتدت الطبيبة القفازات وقالت في ابتسامة وهي تقترب منها:
_ يارب يفرح قلبك وتطلعي حامل
ثم بدأت تفحصها... دقائق وانتهت ثم قالت لها في ابتسامة عريضة:
_ مبروك يا ستي، انتي حامل
ردت في فرحة شديدة:
_ قولي والله يا دكتور!
_ والله
ثم عادت لتجلس مكانها بينما روني قامت وعدلت ملابسها وقالت في ابتسامة عريضة:
_ اخيرا.. اخيرا بقيت حامل من حبيبي وروح قلبي، اخيرا بقت حتة منه جوايا، الحمدلله يارب، الحمدلله
ردت الطبيبة:
_ خلي بالك من نفسك بقا لان الحمل في الأول بيبقى محتاج راحة واهتمام لانه لسه بيثبت والجنين بيتكون، فبراحتك وعلى مهلك وبلاش حاجة تزعلك لان انا عارفة ظروف البيت اللي انتي فيه، حاولي تبعدي عن اي ضغط او زعل علشان نفسك والبيبي
هزت رأسها موافقة في سرعة يشوبها فرحة وقالت:
_ انا هخلي بالي منه وهحطه أولوية في كل حاجة بجد، ربنا يحفظه ويتولد على خير
_ كتبت لك، شوية أدوية ومقويات وفيتامين
اخدتها منها وشكرتها ولاتزال الفرحة تسكن قلبها وملامح وجهها..
**********
دخل شهاب شقته، فوجد منى تشير له نحو الغرفة الخاصة بالضيوف وقالت:
_ حسن جوا، لسه واصل من شوية، قولتله شهاب في الطريق استناه وقدمت له قهوة وهو حاليا مستنيك في الاوضة
هز رأسه موافقًا ثم سألها:
_ وماهي؟
_ ماهي نايمة، اصلا هو كان عايز يتكلم معاك انت الأول قبل ما يرجع ويتكلم معاها تاني
تركها واتجه نحو الغرفة التي بها حسن وفتحها، وبمجرد أن رآه الشاب يدخل، حتى وقف ومد له يده ليصافحه، صافحه الآخر وقال في ابتسامة:
_ اهلا وسهلا دكتور حسن نورت
_ بنورك مستر شهاب
_ اتفضل اقعد
جلس الشاب ثم جلس شهاب وسأله:
_ تحب تشرب حاجة؟
_ لا لا، منى قدمت لي، خليني ادخل في المهم علطول.. مستر شهاب انا عايز اساعد ماهي، فياريت تجاوبني بمنتهى الصراحة وانا كدا كدا مستحيل اطلع أي كلام قلته لأي حد، فاطمن انا بس لازم افهم الحقيقة كاملة منك علشان اقدر استنتج هي بتعاني من إيه
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ تمام، هحاول ارد عليك بكل صراحة
سكت حسن لحظات كثيرة، ممسكًا بقلم بين أصابعه، يراقبه دون أن يتحدث.
كان يعلم أن الصمت أحيانًا يجعل الناس تتكلم أكثر من الأسئلة.
تنهد شهاب أخيرًا وقال:
_ اما كانت عندك، تفتكر كان مالها؟
أجاب حسن بهدوء:
_ منهارة.. بتفكر في الموت.. خايفة.. مصدومة
هز رأسه في عدم ارتياح ثم عاد الصمت بينهما.
رفع حسن بصره إليه وقال:
_ قولي يا شهاب... علاقتك بماهي عاملة إزاي؟
عقد حاجبيه باستغراب وسأل:
_ يعني إيه؟
_ يعني إيه علاقتكم كزوجين؟
زفر شهاب وأراح ظهره إلى المقعد ورد:
_ عادية.
ابتسم حسن ابتسامة خفيفة وعلق:
_ مفيش علاقة في الدنيا اسمها عادية.
نظر إليه شهاب في استغراب وقال: _ متجوزين بقالنا فترة وخلاص، زي أي اتنين، انت قولتلي اكون صريح
أومأ حسن برأسه ثم قال:
_ بتحبها؟
ساد الصمت لثوانٍ.
نظر شهاب بعيدًا قبل أن يجيب.. ثم لفظ:
_ بحترمها.
_ سألتك بتحبها؟
تنهد شهاب ورد:
_ أكيد بحبها.
راقبه حسن للحظات..
ثم سأله:
_ بتحبها حب راجل لمراته؟ ولا حب مسؤولية؟
لم يجب هذه المرة اكتفى بالنظر إلى الأرض، لاحظ حسن ذلك فورًا.
فسأله بهدوء:
_ مازلت بتفكر في هانيا؟
رفع شهاب رأسه نحوه بسرعة وسأله:
_ إيه علاقة هانيا بالموضوع؟
_ جاوبني.
صمت طويلًا قبل أن يقول:
_ هانيا كانت جزء مهم من حياتي.
_ ولسه؟
زفر بضيق ورد:
_ مش عارف، بس صدقني بحاول كتير انساها وانسى اللي حصل
أومأ حسن وكأنه توقع الإجابة،
ثم قال:
_ وماهي تعرف دا؟
_ مش بتصدق
_ لانها بتحس
سكت شهاب مرة أخرى.
فأردف حسن:
_ الستات غالبا مبتحتاجش دليل على الحاجات دي، قلبها بيكون دليلها وبس
أشاح شهاب بوجهه بعيدًا.
بينما تابع حسن:
_ ماهي شخصية حساسة أصلًا من اللي فهمته.
التفت إليه وأكد:
_ حساسة جدا.
_ وحساسة تجاهك أكتر من أي حاجة تانية.
تنهد شهاب وأخذ يمرر يده فوق وجهه بإرهاق.
فقال حسن:
_ آخر فترة كانت علاقتكم عاملة إزاي؟
_ خناقات كتير.
_ بسبب؟
ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح.
_ بسبب كل حاجة تقريبا، بسبب ومن غير سبب اصلا
_ زي؟
_ بتقول إني مش مهتم بيها.
بتقول إني بعيد... بتقول إني مش بحبها.
رفع حسن حاجبه.
_ وبتحبها؟
رد بعصبية:
_ ما أنا قولتلك بحبها.
_ وبتقولّها؟
_ أوقات.
_ وبتحسسها بده؟
لم يجب.
فابتسم حسن ابتسامة صغيرة وقال:
_ تمام.
شعر شهاب بالضيق من طريقة الأسئلة.
فسأله:
_ انت شاكك في إيه بالضبط؟
وضع حسن القلم على الطاولة
ثم مال قليلًا للأمام وقال:
_ شاكك إن مراتك بتمر بحاجة أكبر بكتير من مجرد خناقة زوجية.
تجمد شهاب مكانه.
تابع حسن:
_ اللي شوفته منها مش رد فعل واحدة زعلانة من جوزها وخلاص.
_ قصدك إيه؟
_ قصدي انهيارها النفسي أكبر من سبب ظاهر قدامي.
شعر شهاب بانقباض في صدره وسأله:
_ يعني؟
_ يعني في حاجة مش عايزة تقولها
_ زي إيه؟
هز حسن رأسه وقال:
_ لسه معرفش.
ثم أضاف بجدية:
_ بس اللي أعرفه إن فيه خوف شديد جدا جواها. ..أو ذنب.. وحالة هلع واضحة كل ما الكلام يقرب في نقطة معينة.
ابتلع شهاب ريقه وسأل:
_ يعني هي مخبية حاجة؟
أجاب حسن بعد لحظة تفكير:
_ كل الناس مخبية حاجات يا شهاب.
ثم ثبت عينيه عليه وأردف:
_ السؤال الحقيقي... هي خايفة من إيه للدرجة دي؟
ساد الصمت بينهما، كل منهما يفكر.. كان حسن صامتًا لثوانٍ وهو يراقب ملامح شهاب بعناية، ثم شبك أصابعه فوق الطاولة وقال بهدوء مهني:
_ اسمحلي أسألك كام سؤال ممكن يكونوا مباشرين شوية.
رد شهاب :
_ اتفضل
_ حصل وخُنت ماهي وانت فاكر انها متعرفش؟
رفع شهاب رأسه نحوه فجأة:
_ نعم؟
_ سألتك سؤال واضح.
_ لا طبعا
ظل حسن ينظر إليه للحظات وكأنه يزن إجابته، ثم قال:
_ متأكد؟
_ أيوة متأكد، انا مش خاين يا دكتور
_ طيب، هي شافت حاجة ممكن تكون فهمتها خيانة؟
تنهد شهاب بعصبية ورد:
_ بردو لا، انا معملتش حاجة أصلا
_ رسالة؟ مكالمة؟ نظرة؟ مقارنة بينها وبين واحدة تانية؟
هز رأسه نافيًا.
فسأله حسن:
_ جرحتها بالكلام؟
ضحك شهاب ضحكة قصيرة متوترة واجاب:
_ دي أسهل حاجة في الدنيا ممكن تحصل
_ يعني؟
_ يعني أكيد اتخانقنا واتقال كلام يدايق سواء مني أو منها
أومأ حسن وسأله:
_ كلام من نوع إيه؟
أشاح شهاب بوجهه قليلًا ورد:
_ كلام زي أي كلام بين اتنين متجوزين واتخانقوا
لم يقتنع حسن بالإجابة.
وقال بهدوء:
_ لا يا شهاب. في فرق بين "اتخانقنا" وبين "كسرت شخص".
ساد الصمت.
ثم أكمل حسن:
_ سألتك لأن فيه فرق كبير بين واحدة منهارة بسبب ضغوط الحياة... وواحدة منهارة لأنها فقدت إحساسها بالأمان مع أقرب شخص ليها.
انعقد حاجبا شهاب وسأله:
_ انت شايف إن أنا السبب؟
_ أنا مش بشوف. أنا بجمع معلومات.
ثم أردف:
_ بس طبيعي أسأل عن الزوج الأول بالأخص أما اعرف إنها بتحبك جدا ومتعلقة بيك وان كان عندك إكس وكنت لسه متعلق بيها ومعملتش موف اون واتجوزت ماهي!
زفر شهاب بقوة.
فأكمل حسن:
_ قولي... آخر مرة انهارت بالشكل ده كانت بعد إيه؟
ظل شهاب صامتًا لثوانٍ،
ثم قال:
_ اتخانقنا، وانا زعلت منها وتجاهلتها
_ كانت خناقة عادية؟
_ لا.
_ حصل فيها إيه بالظبط؟
تردد قليلًا قبل أن يقول:
_ طردتها.
رفع حسن حاجبيه وقال:
_ طردتها؟
_ كنت متعصب.
_ وهي حامل؟
أخفض شهاب بصره للحظة ورد:
_ أيوة.
ساد الصمت.
ثم قال حسن:
_ فهمت.
بدأ شهاب يشعر أن النظرات الموجهة إليه ليست مريحة.
فسأله:
_ فهمت إيه؟
أجاب حسن بهدوء:
_ فهمت إن عندنا سبب كافي يخليني أسأل أكتر.
ضيق شهاب عينيه وسأله:
_ انت مقتنع إني أنا اللي وصلتها لكده؟
أخذ حسن نفسًا هادئًا ورد:
_ مقتنع إنك جزء من الصورة على الأقل
ثم مال للأمام قليلًا واردف:
_ اسمعني كويس... لو كانت المشكلة زوجية بس، كنت هقولك اتكلموا وحلوا خلافاتكم.
لكن اللي شوفته حسسني فيه حاجة أعمق، فيه خوف، فيه ذنب.
فيه رعب من حاجة معينة.
حاجة هي مش قادرة حتى تنطقها.
شعر شهاب بانقباض في صدره.
وقال:
_ يعني إيه؟
انت ليه عمال بس تقلقني!
_ يعني مراتك مش بس زعلانة.
ثم أردف ببطء:
_ مراتك عاملة زي شخص شايل حمل تقيل جدًا لوحده.
صمت شهاب للحظات
ثم قال:
_ ولو كانت مخبية حاجة فعلا المفروض نتصرف ازاي؟
أجاب حسن:
_ لو فيها حاجة فعلا يبقى الضغط عليها دلوقتي هيكسرها أكتر.
ثم أضاف بجدية:
_ الفترة الجاية متحققش معاها. متزنقهاش ومتجبرهاش تحكي
لو فيه حاجة مخبياها، هي اللي لازم توصل للحظة الأمان اللي تخليها تتكلم بنفسها.
ثم ثبت عينيه عليه وسأله:
_ سؤال أخير.
_ اتفضل.
_ لو ماهي قالتلك إنها مش عايزاك تاني وعايزة تطلق، هتوافق تطلقها؟
_ لا
_ لانك بتحبها ولا لانك حاسس بالذنب تجاهها؟
_ الاتنين، انا عايزها انا فعلا عايزها
تنهد حسن ثم سكت قليلًا وبدأ يدون بعض الملاحظات بينما شهاب شرد بعيدًا يفكر....
************
اندفع باسم إلى داخل القاعة بخطوات واثقة، وما إن عبر البوابة المزينة بالأضواء الذهبية حتى استقبلته موجة من الموسيقى الشعبية الصاخبة التي كانت تهز المكان بأكمله. ارتفعت أصوات الزغاريد والضحكات، واختلطت برائحة العطور والطعام في أجواء احتفالية صاخبة.
ما إن لمح صديقه العريس حتى شق طريقه بين الحضور، ثم جذبه إلى عناق سريع وربت على كتفه بابتسامة واسعة وقال:
_مبروك يا نجم.
_الله يبارك فيك يا باسم، نورت الفرح.
ابتسم له باسم وربت على كتفه مرة أخرى قبل أن يتركه لاستقبال باقي الضيوف.
لم يكن من النوع الذي يقف متفرجًا طويلًا.
وما إن ارتفع إيقاع الأغنية التالية حتى اتجه مباشرة نحو ساحة الرقص.
في البداية اكتفى بخطوات بسيطة، لكن سرعان ما بدأ جسده ينسجم مع الإيقاع كأنه جزء منه. تحرك بخفة لافتة، يدور بين الحاضرين بخطوات محسوبة، يضرب الأرض بكعب حذائه مع النغمات القوية، ثم ينحني قليلًا ويعود منتصبًا بحركة سلسة. كان يهز كتفيه بثقة، بينما تتحرك يداه بانسجام مع الموسيقى الشعبية، فيجمع بين الحركات الشعبية المعتادة ولمساته الخاصة التي جعلت رقصه يبدو احترافيًا أكثر منه مجرد استعراض عابر، ثم التقط العصا وبدأ يرقص بها يرفعها للأعلى وينزلها إلى قدمه يضربها به لترتفع عاليًا مرة أخرى وهكذا..
بدأت دائرة صغيرة من الحضور تتشكل حوله، بعضهم يصفق، وبعضهم يشجعه بصيحات حماسية كلما نفذ حركة جديدة.
وفي وسط الحماس، شعر باهتزاز هاتفه داخل جيبه أخرجه دون اهتمام كبير، وعيناه ما زالتا على الساحة وفتحه، فوجد رسالة قصيرة فتحها ليقرأ:
"الأمور تمام."
توقفت عيناه على الكلمات لثانية واحدة فقط لا أكثر، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه وأغلق الموضوع بالكامل، وكأن الرسالة كانت آخر قطعة ناقصة في مخطط انتهى بالفعل.
رفع رأسه من جديد وعندها لمحها، فتاة كانت تقف على طرف الساحة تراقبه منذ فترة، تبتسم كلما تحرك بخفة بين الحضور. وحين التقت عيناه بعينيها لم تتراجع أو تشيح بنظرها، بل تقدمت بخطوات واثقة نحو الدائرة المحيطة به.
انفرجت شفاهه بابتسامة جانبية، ففهمت الدعوة غير المعلنة.
وبدون كلمة واحدة انضمت إليه.
بدأت تتحرك على إيقاع الأغنية بجواره، بينما اتسعت الدائرة أكثر حولهما. تبادلا بعض الحركات المرحة، فتقدم خطوة فتراجعت خطوة، ثم دار حولها نصف دورة قبل أن يعود إلى مكانه وسط تصفيق الحضور وصيحاتهم.
ارتفعت الموسيقى أكثر، وارتفع معها الحماس....
***********
خرج فاتح من السيارة وكذلك خرجت هانيا فقد اتت معه وقالت وهما يسيرا نحو الدخول:
_ فاتح هو انا ممكن اعمل زيارة للحارس اللي مسجون دا، اللي اتهموه بانه قتل ابني؟
_ ليه؟
_ يعني، عايزة اسأله على بعض الحاجات
قبلما يجيب، سمع صوت صراخ مصدره داخل القصر، فقال لها في خضة:
_ هو إيه صوت الصريخ دا انتي سامعة؟
_ اه سامعة، دا جاي من جوا، في إيه
ركض يسبقها نحو الداخل وهو يردد:
" استر يارب، استر يارب "
وبمجرد أن دخل، وجد خصلات شعر زوجته تتشابك بين أصابع والدته التي كانت لا تتوقف عن سبها ولعنها وشد شعرها، فصرخ:
_ ماما!
وفي نفس الوقت، دخلت روني فتجمدت مكانها ما رأت ذلك هي وهانيا، أما عبير فصرخت في غضب، صراخ جنوني:
_ تعالى، تعالى شوف مراتك، مراتك بنت مجدي وحورية، مراتك اللي عملت لك سحر عند دجال، الست المحترمة الشريفة العفيفة اللي بتقولوا انها جاية من بيت محترم، واتفرج على الدليل بنفسك.....
سكت يستوعب ما تقوله...
وفي نفس اللحظة التفتت روني في صدمة نحو كلًا من حليمة وفاطيمة فابتسمتا لها في انتصار، لطالما أصبح اللعب على المكشوف، الجميع سيحرق أوراقه...
***********
باقي بارتين ونخلص الجزء الأول
تشجيع وفوتس بعد اذنكم علشان عندي ضغط حياة وعايزة استمر وملغيش تاني، يكون فيه حاجة تشجعني اكمل يعني♥️
حاولوا توصلوا الفوتس ل ٥٠٠ وكومنتس كتير بقا، بحبكم
دمتم بخير
سلمى خالد احمد
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!