يحكى عن فتاة تعيش في قرية بعيدة، ورغم كونها ابنة مزارع فقير، إلا أنها كانت بديعة الجمال. وقد جاء كثيرون لخطبتها لكنها رفضت؛ لأنها تحلم بالثراء وتريد تعويض أهلها عن الحرمان الذي عاشوه. اسمها قطرة الندى، ورغم أن قريتها كانت صغيرة وضائعة في الجبل، إلا أنها أصبحت معروفة في كل أنحاء المملكة بفضل جمال الفتاة. كان سلطان تلك البلاد رجلًا ذميمًا وسيئ الطباع. وفي يوم من الأيام هجرته زوجته وقالت له:
"لم يكفك قبح المنظر فأضفت قبح الأفعال." فغضب، وقال لها: "عقابًا لك سأتزوج أجمل منك وستعرفين قيمتي أيتها السيئة." حكى السلطان لوزيره ما جرى مع امرأته، فقال له: "عليك بقطرة الندى، لكنها قروية فقيرة." قال السلطان: "هل هي جميلة؟ أجاب الوزير: "يحكى أنها رائعة الجمال ورقيقة إلى درجة أن العصافير تنزل وتنقر الحب من يديها، وأنها عندما تبتسم تجتمع حولها الظباء والمها." قال السلطان:
"أحضرها لي حتى ولو دفعت فيها كل مالي. لن أغفر لزوجتي السيئة ما قالته لي. لقد أصبحت ذميمًا وأنا أدافع عن المملكة ضد الأعداء. لقد أصيبت يومها عيني ووجهي، لكن لم يجرؤ على معايرتي إلا النساء. ماذا يفهمن من الإقدام والشجاعة؟ ذهب الوزير إلى القرية ووعد أب الجارية بأرض واسعة وقطيع من الماشية وصندوق من الذهب والفضة مهرًا لابنته إن وافقت على الزواج من السلطان. فكرت قطرة الندى قليلًا وقالت في نفسها:
"لا يمكن أن أرفض، فسيصبح أبي من أعيان المملكة ويحترمه الناس." خرجت الفتاة إلى الوزير وقالت: "اعلم يا مولاي أني موافقة على الزواج، وهذا شرف لي ولكل أهل القرية." وبعد أسبوع أقيمت الأفراح في كل المملكة. دامت الاحتفالات سبعة أيام وسبع ليالٍ، وابتهجت الرعية رغم كرهها للسلطان لغلظته وقسوته. سمعت الممالك المجاورة بجمال قطرة الندى، فأرسلت وفودها بالهدايا لها وللسلطان.
وجدت الأميرة الشابة أن السلطان متجبر وأناني ولا يحب إلا نفسه، وأنها لا تعدو أن تكون سوى صورة جميلة تخفي ظلمه وسوء معاملته للناس. فعندما يأتي الخاصة والأعيان للقصر، كان يجلسها بجواره وتظهر لهم المودة واللطف، فينسون ما يكون من غلظة زوجها ويغفرون له خطاياه من أجل عيونها. لكن بطول المدة أحبتها الرعية والأشراف، ولكن ليس لجمال وجهها بل لجمال أفعالها، إذ كانت تخرج إلى المدينة وتتصدق على المحتاجين وتعطي الدواء للمرضى الفقراء، وإذا اشتكى أحدهم من الظلم كانت تنصفه، وفوق ذلك كانت متواضعة وتتصرف بفطرتها البدوية. ورغم كثرة ما لديها من مال وجواهر وضياع لم تتغير. كانت دومًا كما هي وستبقى كذلك.
ذات يوم أتى الوزير إلى السلطان وقال له: "لقد غطت جاريتك على خطاياك وكملت نقائصك أمام الخاصة والعامة، وهذا فيه نفع للمملكة، ولكن أخشى إن طال الحال فسيجتمع القوم حولها ويتركونك، فتصير هي صاحبة الأمر والنهي." قال السلطان: "وما ترى أيها الوزير؟ أجاب: "احبسها في القصر وامنعها من رؤية الرعية وقلل من ظهورها معك أمام حاشيتك وأعوانك. يجب أن يعرف الجميع أنك السلطان وأن قطرة الندى من جملة جواريك. هذا رأيي ولمولاي النظر."
قال السلطان: "لقد أخلصت لي النصيحة، فقديمًا قيل: إذا لوح أحدهم بعظم لكلبك تركك واتبع صاحب العظم. أعرف كيف أصلح هذا الأمر. حان الوقت لترجع الأمور لنصابها." من الغد صالح السلطان زوجته الأولى ورجع إليها، ولاحظ الخاصة غياب قطرة الندى عن مجلس السلطان وتأسفوا على ذلك. في إحدى الليالي سكر السلطان، فقالت له زوجته: "ماذا حصل مع قطرة الندى؟ أراك تبتعد عنها وهي أيضًا تتكبر عليك ولا تكلمك. قص عليّ ما يحدث." قال لها:
"هذه الجارية تحبها الرعية، وأنا أخشى أن تستغل ذلك لمصلحتها. هذا ما قاله الوزير، وقد يكون محقًا." اقتربت منه وقالت: "تخلص منها، فالابتعاد عنها لن ينفعك، فبجمالها يمكن أن تجد غيرك من أكابر البلاد، ومعًا سيصبح وضعك سيئًا." قال الملك: "سأشوه وجهها ولن يقترب منها أحد. سيكون شكلها قبيحًا إلى درجة أن الأشباح ستهرب منها. اسمعي، الرعية كالمرأة، لا يجب أن تعوديها باللين بل بالحزم." ضحكت وقالت:
"هذا صحيح، لكن أنصحك أن لا تطبقه على كل النساء، فدهائنا قد ينفع في أمور الحكم يا مولاي، وأنا منهم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!