بعد اتفاق السلطان مع زوجته الأولى، فكروا بخطة محكمة لكي ينتقموا من قطرة الندى. في الغد قال السلطان لها: أريد منك أن تذهبي إلى قريتك وتحملين هدية لأبيك، لا شك أنك مشتاقة لرؤيته. أجابت قطرة الندى: نعم، لقد مضت مدة لم أرَ قريتي، أشكرك على لطفك. بعد يومين سافرت، وأرسل معها اثنين من العبيد يعرفان دروب الصحراء. ولما وصل الهودج إلى طرف البادية، خرج أربعة أشخاص ملثمين وقتلوا العبيد.
وأخرجوا قطرة الندى من هودجها وضربوها ورفسوها بأرجلهم. والتقط أحدهم حجرًا وهمّ برميه على وجهها، لكنه توقف فجأة وسقط على الأرض، فقد انطلق سهم أصاب رقبته. وعندما دار أحد رفاقه ليرى من أين جاء، فوجئ بسهم آخر ينفذ في صدره. ومن بعيد ظهر بدوي على ناقته وأسرع صوب الباقين وقد أشرع سيفه. وعندما وصل إليهم، ضرب أقربهم إليه فطرحه على الرمال دون حراك. ولما رأى الأخير شدة مراسه، ركب فرسه وفر هاربًا بأقصى سرعة.
نزل البدوي من على ناقته وجرى ليرى قطرة الندى التي تمددت على الأرض وقد نزف منها الدم. سألها: هل أنت بخير؟ أجابت بصوت ضعيف: أريد أن أشرب، هل عندك ماء؟ أحضر لها قربته وسقاها ومسح الدم على وجهها ويديها. ثم أركبها هودجها وقال لها: سأحملك إلى قومي في الصحراء، مضاربهم ليست بعيدة كثيرة من هنا. عندما وصلوا، أعدوا لها خيمة وأحضروا ساحرتهم التي عالجتها ووضعت على جروحها مرهمًا من لحاء الأشجار. وقالت لها:
يجب أن ترتاحين، فقد ضربوك بشدة على وجهك، ولولا فارسنا الذي جاء في وقته لحطموا عظمك. بعد أيام بدأت قطرة الندى تستعيد عافيتها، لكن بقي جرح كبير على وجهها. جاء البدوي لرؤيتها، وقال: الحمد لله لقد تحسنت صحتك. أنا اسمي مالك بن سعيد وأبي سيد قبيلة بني سليم وأنت في ضيافته. قالت: أنا قطرة الندى، ملكة هذه البلاد. لما سمع اسمها قال:
أتى اليوم الذي نرد لك فيه جميل صنيعك مع قومنا، فلقد أصابنا السنة الماضية قحط وجوع شديد، فقصدنا السلطان نطلب رزقًا لكنه صرفنا وأذلنا. نصحنا الناس بالذهاب إليك فأرسلت معنا طعامًا ومالًا وعلفًا لإبلنا، وبفضلك زالت هذه الضائقة علينا. ولما علمت القبيلة أن قطرة الندى عندهم، تجمعوا حول خيمتها برجالهم ونسائهم وصبيانهم، وبدأوا يهتفون باسمها. وقالوا:
أنت ملكتنا ونحن لا نطيع إلا أنت، أما زوجك البغيض لا سلطة له علينا، وكل القبائل في هذه الصحراء تكرهه وتتمنى هلاكه. في المساء أرسلت قطرة الندى في طلب الساحرة وقالت لها: أريد أن تخبريني بالحقيقة، هل سيرجع وجهي كما كان؟ أجابتها: لقد اندملت جروح وجهك وستختفي الصغيرة مع الزمن، لكن هناك جرح عميق ستبقى آثاره ظاهرة مهما فعلنا، وهو لن يغير شيئًا من جمالك. أعطتها المرآة وعندما نظرت إلى نفسها رأت جرحًا كبيرًا على خدها،
فبكت وقالت: كان الناس يحسدونني على جمالي، لا شك أنهم سيبتهجون الآن لما يرون حالتي. غدًا صباحًا ذهب بنو سليم إلى المرعى مع ماشيتهم. بعد ساعة طلعت عليهم غبرة عظيمة كان تحتها فرسان يلبسون الحديد. وما هي إلا لحظات حتى أحاطت بهم الخيل. وخرج منهم فارس لا يظهر منه سوى الحدق وصاح فيهم: قولوا لسيدكم يعطينا قطرة الندى وإلا قتلناكم وأخذنا إبلكم وغنمكم! سمع الشيخ سعيد فمشى إليهم مع قومه وصاح فيهم:
أنصحكم بالذهاب وإلا جعلنا الصحراء قبوركم! قال الفارس: سأمهلكم دقائق للتفكير. سلموا الجارية وسنترككم في حالكم. في هذه الأثناء كان الأمير مالك قد تسلل وراء الخيل وكمن لها مع أمهر رماة القبيلة وراء كثيب من الرمل. مرت المهلة ولم تظهر الجارية. فقال الفارس: اقتلوا الرعاة عن آخرهم وسوقوا القطعان أمامكم غنيمة عقابًا لهم!
ما إن تحركت أحد سرايا الفرسان لتنفيذ الأمر حتى انهال عليهم وابل من السهام فلم تخطئ أي واحد منهم وتساقطوا من ظهور خيولهم كأوراق الخريف. سلّ الشيخ سعيد سيفه وصاح: اهجموا، خذوا بثأر ملكتكم، لن ينجو منا اليوم إلا من كتب الله له الحياة! وما هي إلا جولة أو جولتان حتى فرت الخيل وقتل قائدهم وغنم بنو سليم خيولًا وسلاحًا كثيرًا. بعد المعركة جلس الشيخ سعيد في خيمته ومعه ابنه مالك وقطرة الندى، وأمر بالأسرى فمثلوا أمامه.
قال لهم الأمير مالك: أخبروني من أرسلكم وأطلق سراحكم وإلا رميناكم في الصحراء وتموتون عطشًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!